Home / الآخر / تخاريف / تخاريف الفصل 4

Share

تخاريف الفصل 4

last update Petsa ng paglalathala: 2026-05-22 19:56:20

يسدل اللّيل ستاره... لم يحدّث جليسه هذه المرّة، فكلاهما مسافر يبحث عن رفقة ضائعة.

صارت النّار رمادا. يمزّق قلبها بقايا دخان وقطعتين من الجمر تميلان للانطفاء. كأنّهما عينان أعيتهما الصّحوة الفاقدة للغفوة. نعم تبدو كذلك، يقلّبها فتتوارى ثم تعود لتظهر. تغمض وتفتح. يعيدها فتفعل ما فعلته في صنيعها الأوّل. إنّها تختفي ثم تظهر فيقول محدّثا:

-"رفقة خير؟ أم شؤم؟"

تهبّ ريح تعرّي بعض الرّماد فتظهر كأنّها تحدّق وتطيل النّظر. قد تكون الإجابة أو حديث لا يفهم.

-"أنت صنيعة البشر؟ ففي بصرك شيء لا يفهم، لا أعي إن كنت أحدّث صنيع بشر أم شيطان من مارج من نار يخرج، ومن بين اليابس والأخضر! "

تهبّ ريح ثانية تغطّي قطعتي الجمر وتعبر. 

-"لم يعجبكما كلامي! قد تكونان صنيع بشر، وفيكما سحر يؤثّر، أو طيف ملائكة، كيف لا وبي شيء من الدّفء يبعث في الرّوح فيأسر."

تتعرّى إحداهما دون ريح ولم تحرّك رمادها يد بشر!

يساوره الشّك فيدير بصره يرقب كلّ ما يحيط به. لا تظهر أيّ علامة تثير الغرابة ولا توجد حركة. سكون يخيّم على المكان. 

 يعود إلى حيث ناره ورماده، يحدّق بتلك القطعة فإذ بنصفها مضيء ونصفها آفل، وقطعة أخرى لا تزال تحت الرّماد تتوارى.... 

يحدّث فيقول:

-"أرى فيك نورا، وأرى في الأخرى سوادا، أفي الأمر سرّ؟" 

يقوى سطوعها وكأنّ بها حطبا يلتهم بعضه، أو وقودا يغذّي اشتعالها فتبعث شرارا. 

-"ما سرّ توهّجك؟ توقّدك؟ أأنت الجانب الرّحيم في القصّة؟"

نسمة خفيفة ترمي بشيء من الرّماد يتسلّل إلى عينيه فيصيبهما. يغمض عينيه ويتذمّر. 

تسيل دموعه ممزوجة ببقايا رماد بات أشبه بكحل العين تذرفه حسناء تزيّنت غصبا.

يقول:

-" أهي غيرة؟ أيخالني بك أتغزّل؟ "

يتناول عصاه ويمرّرها يقلّب كومة الرّماد يبحث عن تلك السّاحرة المستترة. يخرج باطنه فإذ بقطعة حطب سوداء بحجم الحجر لا روح فيها. يأخذها على راحتيه ويقرّبها حيث بصره الآخذ في الفرار. 

-"إنها قطعة حطب. " 

ثمّ ينظر إلى باقيها فيجدها أصغر حجما، تتآكل بسرعة تدفع ضريبة توهّجها وشقاوتها. 

-"إنها تشبهني. لا تبدو غريبة، هي متحرّكة لا تركن للسّكون. تسكنها رغبة في أن تكون رقما ظاهرا فاعلا. بها قوّة جاذبة لا تترك من يستقرّ. مستفزّة حدّ الغضب. مثيرة حدّ الوقوع في الخطإ. تسطّر دربا يبدو مضلّلا. الكلّ يحذّر منها دون مبالاة، فما أروع الضّياع في دروب غير ذي درب بحثا عن مغامرة أخرى وعن فسحة بديلة" 

ينتهي بريقها فتلحق بقطعة الحطب المدوّرة المحدّبة المقعّرة المليئة بالنتوءات. الفارق بينهما أنّها أكثر هزالا لأنّها كانت أكثر توقّدا وأشرس حين تطلق شرارها. احترقت لأجل حزمة الحطب في جمعها، وأكملت حين باتت وحيدة تسحب ذخيرتها من باطنها... 

-"غادرتني مجدّدا أرواح ظننتها مرسلة، فما كانت سوى عبرة، صورة تشبهني حيث أنا. "

صارت النّار رمادا، ولا زال الكلب ممدّدا يخفي رأسه بين قوائمه. مغمض العينين مطمئنّ النّفس، به سكينة. وهناك حيث الحقيبة شقيّ مسافر يغطّي جسده المنهك، ورمش العين مثقل، أشبه بمخمور لا يطلب سوى ساعة يخلد فيها للنّوم.

خلت ذاكرته وهجعت، واستكان ذهنه يستريح من سجلّاته المعقّدة. لم تعد مقلتاه محدّقتين. غلبه النّعاس فسلّم واستسلم وأمن المكان والرّفقة...

تتلوّن الأجواء، فإذا بالسواد أضحى خفيفا تمتزج فيه جزيئات ضوئية وأطياف لونية يغلب عليها القاتم المائل للانحلال من شدّة نقائه، ويتحرّك المكان بسيمفونية تتعدد إيقاعاتها. إنه صوت الأذان يعلن عن بدء الرحلة. تتقطّع نبرة العم العجوز حين يعلو صوته المتعب. كثر صياح الديكة ونباح الكلاب، وصوت أغنام تهمّ للخروج قبل إشراقة الشمس.

 يستفيق وفيه رغبة في المزيد، يتلوّى ويتثاءب. ثم يجمع ساقيه صوب وجهه فيتقلّص بعد تمدد. يجمع شتاته ويجاهد النّفس كي يستقيم. ينظر إلى متاعه يتفقّده، ويصوّب بصره أين ترك أنيس ليلته فيجده قد برح مكانه بحثا عن نصيب يدركه. يفتح زاده ويخرج رغيفا من الخبز وحبات زيتون اقتناه من متجر عند بداية مسيره، وفتح قنّينة الماء ليمرّر قطرات على وجهه. يكتفي بقليل منها. يأكل مكرها بعض الفتات ثم يجمع أمتعته ويواصل سيره.

يخلّف وراء ظهره ليلة باردة، ورفقة لا يعي بعد إن كانت طيبة أم ثقيلة على النفس. لا يدرك سوى ومضات تداخلت أحداثها.

مشى يطوي مسارات الوادي ويتبع التواءاتها الكثيرة. لم يحدّق لتلك الأجسام التي تسكنه. تبدو النّفس عزوفا، أو تخشى النّظر فهي لم تعد أجساما عادية. هي شخصيات تلبس هوية غيرها. 

تعطّلت إشارات الزمن لديه، وظلّ يغيّر مساراته مثل مخمور ينطح جدران حيّه.

يرفع رأسه ليرى كم ظلّ من طريقه فيلمح في حاشية الوادي بقايا بيت أكل السّيل أركانها فعلقت على شفى مرتفع يجاوره منحدر يصوّر للمبصر أنها تتهاوى. يكفي أن تدفع بقية جدرانها، هو يعلمها جيّدا. رحل أهلها وهو لم يبلغ الحلم بعد، كان يرتادها صحبة أترابه كل قيلولة. 

أسرع الخطى نحوها. أيّ لهفة تبدو عليه، وأيّ حنين سكنه فشغله، أيعتقد أن أترابه داخله؟ أو يبحث مجددا عن ذكرى ضائعة؟

يصل المكان فيدخل الدّار دون استئذان، دون أن يدقّ الباب. أي باب؟ أي جدار؟ هي شاهد عن ركام. جدرانه تحمل كتابة وبعض الرسوم، في زواياها بقايا رماد وبقايا نيران، نصف سقف خشبي يعاند ويصمد.

يتسمّر برهة، ثم يدخل ويميل حيث الزّاوية اليسرى أين ألف الجلوس، فتخيّل نفسه ذاك الطّفل الصّغير المتسلّل أثناء سكينة الحي. يصيح صيحته المعتادة ليعلم رفاقه أن وقت الشقاوة قد آن، فتفرّ من بيوتها مثل أسراب الطيور البرّية. تبدأ اللّعبة، علم كلّ دوره، نصوصا مرتجلة من وحي اللّحظة. يغرق في سرد وقائعها وكأنّها تتردّد مثل صدى صوت علق بين جبلين...

تشرد كلماته وتنساب فيحدّث قائلا:

- "أهلا بكم، سرّني مقدمكم"، ما حاجتكم؟ أبسطوا شكواكم."

"نحن قوم من مكان بعيد جئناك طالبي ودّ أصحابك ممّن هم تحت الأرض السابعة."

يتمتم، يئن ويتأوّه ويسحب قبسا من نار أشعلها لتوّه، يدسّ فيه قطعة طيب سرقها من متاع أمه فتخرج ألسنة دخان طيّبة ويقول:

- "أعجبهم قولكم وباركوا مقدمكم، فهل لا ذبحتم ذبيحتكم حتى نتبرّك"

يمسك أحدهم بقطعة من خشب ويمرر عليها إصبعه في حركة توهم بالشّروع في النحر، ويبسمل ثم يبتعد.

تعلو صيحة الشيخ، ذاك الصبيّ الشقيّ المسكون بروح الشيخ ويقول:

-"همممممم... همممم"، سمعت سمعت، وبك تباركت، وعليك عقدت العزم. تفتح كل عقد، وتزيل كل هم، وتكسر كل كرب. "

-"همممممم... همممممم" أمسكته فتألمت، ضربني فشتمت، فزدت في شده فأصبت منه، وضربته في مقتل، ضربته في مقتل."

ينتفض ويقف، ويرقص متخمرا ويروح ويجيء والرّأس يدور أعلى وأسفل. 

يواصل قوله:

-"هممممم"...أضرب دفّك، أضرب. مرر يديك أسفل رأس الذبيحة وأغمس يديك وردد. "

يفعل أكبرهم ما طلبه الشّيخ الصبي ويردد وراءه.

- "نحن هناك، لسنا أشرارا، مسكننا قشا، وعطائنا مدرارا. فأطلب تعطى من خير الدار، أطلب تعطى من فيض الدار."

-"اضرب دفّك واتبعني. "

"اضرب دفّك واتبعني. "

-"اضرب أرضك لا ترأف. "

"اضرب ارضك لا ترأف. "

-"فإن أوجعته سيفرّ."

" فإن أوجعته سيفر. "

-" فاضرب اضربه ولا ترأف. "

" اضرب اضربه ولا ترأف."

-"لا ترأف."

يتوقف ويدنو إلى قدر يحركه ويشير بيده إلى الذبيحة. يضعها داخلها ويحرك، يتمتم بكلمات لا تفهم.

-"ناروش... قاروش.... سللول.... قطمير... قمطير... سمطير... "

يتوقّف ثمّ يواصل والعين تنظر أعلى السّقف.

- "هطوش... جليش... اروش... باروش.... صهيب... شهيب... دبيب..." 

يتمتم ويسبّح ثم يقول:

-"هممممم هممممم" معلوم، معلوم، سمعناك معلوم، أطعنا معلوم، سر مكفون وكلام مدفون، في قلب ناروش، وفي كبد حوت. وفي عقل جليش، ولسان أخرس وأذن أصم، تحدث صنم، صوت الأبكم لا يتكلم. لا يخبر صهيبا، ولا دبيبا ولا شهيبا. لا يتكلّم. صمّ أذنيه، وصان لسانه، وكظم غيظه، وكفر إن أفصح، وكفر إن أفصح."

يستفيق من تخمّره، يصمت ويشير إلى الجمع كي يقعد، يعقد حاجبيه، ويفتح عينيه بشدّة ويحدّث:

-"خلف البيت زريبة"

أحدهم يومئ برأسه' نعم'...

-"خلف الزّريبة شجرة لا هي كبيرة ولا هي صغيرة،"

'نعم'

-"احرق اسفلها تستل عللها"...

يجيب أصغرهم 'أفعل'

-"في الزّريبة كبش أسود أقرن"

'نعم'

-"به شامة شهباء"

'نعم' يجيب أوسطهم

-"حين ينبش الأرض يوجعها، وحين يضرب الوتد يوقعه"

'يبدو كذلك'

-"اذبحه واسلخ جلده، ثم ضع جلده أعلى الشجرة"

'وباقي الذبيحة؟' 

-"اجلبها حيث السّادة في الأسفل" 

تعلو الأصوات تنادي من هنا وهناك فيفرّ الصبية كلّ إلى داره تاركين وراءهم لعبة لم تنته.

يتبع 

Patuloy na basahin ang aklat na ito nang libre
I-scan ang code upang i-download ang App

Pinakabagong kabanata

  • تخاريف    تخاريف الفصل 16

    إني هنا أجمع حطبا، وأشعل نارا، وأطعم نفسي من زهيد الطعام وأنام نومتي هذه حيث أنت وأخرج حيث تلك المنازل المتطرّفة أطلب ودّ فقير فأخدمه إن قبل وأعطي شيوخا وعجائزا أعطية إن هم رغبوا وأعزق أرض فقير، فأنبت فيها من الثمرات والزّرع ما يسدّ به الرّمق، وإن نقصت أعطياتي عدت لمن أوكلته خزائني لأحمل ما يسدّ الحاجة، فيخبرني أن ما ينقص من هناك يزيد هنا، وإنّ في الأمر سرّ، فأي تعويذة تردّد لتخرّ لك خزائن الدنيا ولتجارتك تزيد تودّدا؟أفرّ حيث مرضى أسقيهم وأطعمهم، وأخدم إن أرادوا فلا أشقى من فعلي ولا أحس التّعب.إنّ حياة القصور وحبّ المال يزيد كدر ا على كدر، وأقنعة تلبس على الوجوه تخفي عللا أنت لها كاشفا إن غادرك الصحب والولد. فإن أردت واصل واطلب ودّ رفيق يأنس نهارك، ويفارق ليلك، فطريقك من هنا. وإن أردت رفيقا يناجيك ليلا، ويفرّ عنك نهارا فأعبر من هنا، وإن رغبت في رفيق يتودد لجيبك فلك هذا المسلك فيه الدليل ومنه المخرج، وإن رغبت في ملاطفة متزلّف لحاجة يقضيها فذاك مهربك هناك ومن هنا، وإن أردت صدقا وحسن معاش فاعتزل ذئاب البشر، وتطهّر لتتكشّف من منهم الذئب ومن الحمل الوديع، فتخيّر من إليه ستتودّد ولأجله تح

  • تخاريف    تخاريف الفصل 15

    يصمت بعدها ويحدّث صحبه:'انصرفوا فرادى دون ضجيج، وإني لاحق بكم، فصاحبنا هذا قد نال نصيبه من الحساب، وفي عقيدتنا التي ورثناها لا نحاسب الظالم سوى مرّة. هي نفس عزوف غرقت في هموم داخلها. سعت أن تلبس جلبابا لا يخصّها، فحملت أوزار مالكها فلنرحل فإن به سخط لو خرج من مكمنه لسلبنا راحتنا وأرّق من بعدنا نسلنا. 'تفرّقوا وهفت صوت الحكيم المنادي وخفّت تلك الأصوات المتزاحمة خارجا، فتستكين الأنفس مجددا ليواصل رقدته التي طالت.تدوي الأرض من تحته كأن شرخا أو صدعا يفتح فيها جرفا يبتلع بعضه فينهض مشوشا مخطوف العقل. يمسك بيده لحافا أخضر. يرمقه بنظرة خجولة، فمرتجفة فساخطة، فعلم أنّ أضغاث أحلامه قد عادت إليه فأقلقت مضجعه.استقام وتوجّه لصاحب المقام يطلب الصفح، فليس عليه بقادر، ولا عن ملكه بمنازع.يخرج من باب المرقد ويعبر مضيق أسواره، مخلفا وراء ظهره ساعة من نهار أنكرها. يعبر المضيق منهكا، جسده لم يعد يقوى على حمله. تفصله لحظات عن الجنون. تخاريف الصّباح والمساء أعيته. لم يظفر بعد بإنسي يحادثه.لم يفعل ذلك السوء الكبير لكي ينال عقابه في معاشه قبل معاده. إنّ به قرين يسحبه للانتحار لحظة ضعف تصيبه، أو انتظار

  • تخاريف    تخاريف الفصل 14

    يسكت ويستقيم ثم يبدأ في الكلام:-"أأبدأ في الإنشاد؟ "-"إن منبتي أنقى من صاحب المقام، قد أنشد فأملك داره، فأغدو صاحب الكرامة، ومقصدا، فأنا العائد بعد التطهّر." "إني ملاقي الحقيقة هاهنا حيث غريمي."هاتفه أخرس، انعقد لسانه عن الكلام فصيّر نفسه أبكم وكذا جذع النخل الخاوية والصخرة الصمّاء لا تحرّك سواكنها.-"لقد باعوك فاشتروا لأنفسهم سيدا. ""نزعت عنك هالتك وقداستك. "يصرخ:-" حيّ، إني شبيه إنسان "." حيّ، لست مثلي تجرّد وتطهّر، ففرّت منه شياطين الإنس والجان""حي، لا مسكن لك ولا مفرّ، فإن أردت أخلد مكانك فتكون الراقد منزوع الكرامات""حيّ، إنك ميّت، وإني لك خليفة أكتب بدل القصة ألف قصة وإنك على الهامش"يهتزّ لحاف أخضر بقوّة شديدة، تصلّب وهو رخو وتمدّد ثم تقلّص، كأنه يرقص من صدى كلمات لا معنى لها إنه أبعد من أن يكون وحي يوحى. أضغاث أحلامه عادت إليه.-" لحاف به روح؟ وما الغريب فقد صوّرت لي هواجسي عصا تتحرك وتحدّث. إنها مسكونة أو مسيّرة لتقصّ عليّ قصّتها، أو لتذكر لي أني أنا من يقبع على هامش القصة. وأنّ للمقام حرّاسا وسدنة، وأنّ فيهم من يسقي، وفيهم من يطعم، وفيهم السجّان، إن عصيت وزدت في طغ

  • تخاريف    تخاريف الفصل 13

    تفرّ جماعات يمينا وشمالا، تغالب العقل وتأمن للوسواس، فتزدحم وتتدافع هربا من نطق النهاية.إنّ شيطانه قد غلب فرمان الزبانية فصنع لنفسه مخرجا، فعاد من هناك إلى هنا. لقد عاد من أقاصي جهنّم زاحفا، حاله كقطعة خشب أكلت النار بعض أطرافها، واسودّ لونها. ثقلت خطاه وهو يلمح سرابا أو أشبه بالسراب، تحنّط برهة فإذ بالرائحة لا تشبه ذاك الشواء الآدمي الموضوع داخل تنّور تُوقَد ناره بوتيرة أدقّ من عقارب الساعة. كأنها أرضه الأولى، يطيل النظر بعد أن اعتدل في جلسته، ويمسك بيده حفنة تراب يتحسّس رائحتها فإذ هي أديم أرضه، فأيقن أنه عاد من جديد إلى بلده بعد هروبه من الحساب. مشى وهو يتحاشى نظراتهم وتلويح أياديهم تشير إليه. نعم إنه فلان. كيف؟ أَلم يمت؟ أَلم نحضر جنازته؟ أَلم نطلب له المغفرة عن زلّاته وأفعاله؟ تسارعت خطاه حتى بلغ مدخل داره فتكشّفت هيئته لتتمازج المشاعر وتتناقض بين ساخط وراغب، ومذهول وخائف، ومستبشر بغد أفضل، ومتشائم من قادم مقيت.تربّع على عرش مملكته الصغيرة مجددا، وأثنى اليمين أن يقطع مع صنيعه الأول خوفا وموعظة من لسعات جهنّم في العالم الفوقي. خرج واستنشق نسمات باردة ليعلن بداية رحلة التوبة الك

  • تخاريف    تخاريف الفصل 12

    ينتهي من فزعه ويرتّب أنفاسه ويحمل بقايا المسافر ويمشي يقطّع الطريق إلى فواصل. إنّ به رجاء يخفيه في جوفه خشية. إنه يرغب في يوم صاخب لا يهدأ.بالجوار دار معمّر أو قل مستعمر وضيعة، ومدرسة شيّدوها ليحتكرها لنفسه ولخلفته الغازية. لم يعاصر أحداثها، فتلك الضّيعة بعيدة عن مسرح الجريمة. المدرسة أضحت حرّة فصيّروها مزار علم وتأديب. كل من فيها فقير. كانت قلعة عامرة وصارت بعد زمن شاغرة. نقلوا روحها إلى قلب الحي تاركيها ليد عابثة، أو لأرواح مازحة، أو مقصدا لزائر حلّ ليله أو صادفه سيل يلدغ جسده فيتخفّى.تقدّم نحوها فإذ بها مفقودة مرهقة. تغلّبت عليها الأيادي الغادرة فرتّبتها من جديد دون ترتيب، ليس بها نفس ولا تصدح بذاكرة فقد سلبت جميع دفاترها.يلتفت إلى مطمور، مدفن أو قل مخزن تصرخ منه الأنفس.-"ماذا أرى؟"إن به عصا وحيدة تجلس في الوسط وصدى صوت يتردد.-"لست أدري إن اختارت مكانها أم في المدن ريح تهزّها أم يد زائر تخلت عنها؟"يجلس أمامها ويترك حيّزا ويمسّي مازحا، فتمسّي، فيسقط خائرا صاعقا مغشيّا عليه.يغالب ويعود إلى هيئته الأولى ويسلّم مشكّكا.فتسلّم. فيرغب أن يسقط أو هو يسقط عنوة.-"عود يابس ينطق!! إن

  • تخاريف    تخاريف الفصل 11

    تدنو نفسك في لحظة شكّ إلى مرقدها حتى تظن أنك ملاق خالقك وأنت بعد تلهو مع أترابك بوجه مرح لا يعي ثقل الأيام وشدّتها.مشى وفي نظراته ذهول أخذ نصفه، وأوجز عمر الصبيان داخله. توقّف ثمّ دنا من بركة الماء فإذ بها تحمل انعكاس صورته. سألها متى؟ وكيف؟ ولماذا؟ إنّ في الوجه وسامة تسكنها براءة الحمل، وفي النفس جبلّة أخذت بالسّليقة، طيبة المنبت وحسنة المعشر، ونقيّة العرق. صمت ورفع بصره إلى السماء ذات الزرقة الخفيفة، فضحك وقال:- "أضغاث أحلام من أمّ تخشى على وليدها نسمة ريح دافئة في يوم ثقيل عنيد شديد البرودة".ما أن أزاح سهام نظراته عن جزء الكون، حتى وجم الوجه وتقطّعت الصورة المبثوثة داخل كيانه الصغير تنشد صدق القول، فركض مسرعا إلى شيخه الجليل يطلب علما يظنّ أنه يملكه، وهوس نفس يعتقد أنه الأقدر على إزاحة وقعه من قلب طفل مازال بعد لم يبدأ شوطه الأول في حلم ليله بعد غفوته، وأحلام نهاره سرا وجهرا والعين تبصر. همّ إليه في عجل وسأل:-"هل أشبهه؟"سكت برهة.-" أتبدو عجينتي مخلوطة بمارج من نار؟ "صمت مجددا - "أتسكن تفاصيل شيطانية داخل تقسيمات الوجنتين؟ أم في سواد العينين؟ أو في لعس قدّه الخالق في الشفتين

  • تخاريف    تخاريف الفصل 5

    يخرج من البيت المتآكل ويشيّع بصره نحو جذع شجرة يابسة قست عليها الطبيعة منذ عقود ونخرها دود الفناء فأفسد عرقها واجتثّ نضارتها. اسودّت وتشقّقت وفتحت خدوشا تلفّها لفّا مميتا. كانت كذلك منذ زمن. لم تنبت يوما ولم يفكّر أهلها في اقتلاعها. هي شجرة عجوز سردت عنها حكايات غريبة عن حسناء ألفت لقاء وليفها خفية

  • تخاريف    تخاريف الفصل 3

    يعبر المنحدر ليجد نفسه وسط الوادي تحيطه شجيرات يانعة ريحها عطرة. تحرّكها نسمات تبدو باردة. لا تؤذي، باردة لا تقسو. ينزع الحذاء ويضرب بخفّيه الرّمال الرّاسبة. يتلذّذ وقعها ودغدغتها، كأنّه يريد أن يجذب الأحداث للوراء قليلا حيث الرّفقة الصغيرة وحيث لحن الطّفولة. اقترب من جرف به استدارة، لا يزال يحتفظ

  • تخاريف    تخاريف الفصل 7

    'ما أعجب له كيف قبلت به زوجا وهي الرّقيقة الصغيرة، وهو وحش متجبّر حين يزأر تفرّ منه الأنوثة أو تموت مكانها خوفا. إني أعجب إن كان قد أحب يوما أو نطق كلمة غزل... يبدو سليل آكلي لحم البشر تصالح مع الحضارة فهذّب من نفسه قليلا'يضحك طويلا ونضحك معه ثم يواصل.' ليلتها بقيت معلّقا وهو يراقب ملوّحا بعصاه ا

  • تخاريف    الفصل 6

    يغادر المكان، يعاند خطواته ليقف عند مفترق طريقين يعلمهما جيدا، أوله سهل منبسط مختصر يخلو من الالتواءات، وثانيه طويل، به مضيق مضن، وفيه تعرّجات تحاذي المنازل المتناثرة المتباعدة عندما تسلكها تقف عند بقايا آثار قديمة لأناس حيكت عنها أساطير تطرب الأسماع. لم يفكّر طويلا، إن به رغبة مبطنة تقف دونه وبلوغ

Higit pang Kabanata
Galugarin at basahin ang magagandang nobela
Libreng basahin ang magagandang nobela sa GoodNovel app. I-download ang mga librong gusto mo at basahin kahit saan at anumang oras.
Libreng basahin ang mga aklat sa app
I-scan ang code para mabasa sa App
DMCA.com Protection Status