LOGINيسكت ويستقيم ثم يبدأ في الكلام:
-"أأبدأ في الإنشاد؟ "
-"إن منبتي أنقى من صاحب المقام، قد أنشد فأملك داره، فأغدو صاحب الكرامة، ومقصدا، فأنا العائد بعد التطهّر."
"إني ملاقي الحقيقة هاهنا حيث غريمي."
هاتفه أخرس، انعقد لسانه عن الكلام فصيّر نفسه أبكم وكذا جذع النخل الخاوية والصخرة الصمّاء لا تحرّك سواكنها.
-"لقد باعوك فاشتروا لأنفسهم سيدا. "
"نزعت عنك هالتك وقداستك. "
يصرخ:
-" حيّ، إني شبيه إنسان ".
" حيّ، لست مثلي تجرّد وتطهّر، ففرّت منه شياطين الإنس والجان"
"حي، لا مسكن لك ولا مفرّ، فإن أردت أخلد مكانك فتكون الراقد منزوع الكرامات"
"حيّ، إنك ميّت، وإني لك خليفة أكتب بدل القصة ألف قصة وإنك على الهامش"
يهتزّ لحاف أخضر بقوّة شديدة، تصلّب وهو رخو وتمدّد ثم تقلّص، كأنه يرقص من صدى كلمات لا معنى لها إنه أبعد من أن يكون وحي يوحى.
أضغاث أحلامه عادت إليه.
-" لحاف به روح؟ وما الغريب فقد صوّرت لي هواجسي عصا تتحرك وتحدّث. إنها مسكونة أو مسيّرة لتقصّ عليّ قصّتها، أو لتذكر لي أني أنا من يقبع على هامش القصة. وأنّ للمقام حرّاسا وسدنة، وأنّ فيهم من يسقي، وفيهم من يطعم، وفيهم السجّان، إن عصيت وزدت في طغيانك وعماك وانفلت عقالك فعثت فسادا يكون لك سجّانا وسيّدا"
يذكر السجّان وإذ بالباب يوصد محدثا طنينا وصفيرا مخيفا فيفزع ثم يهدأ.
-" إنه متهالك معوجّ لا يثبت"، وماذا عن ذاك اللحاف إن به تصلبا لم نألفه في القماش ومادة صنعه؟"
-"أأرحل؟"
شكّ يزحف فيتوجّس خيفة من مصارعة أحد السّدنة.
حدّثه بعضهم قديما عن تلك الشّعوب سدنة المقام، حدّثه عن كبيرهم وصغيرهم.
يقول:
'إن صغيرهم فتيّ له قطعة حديد يعلوها سنان، كسوته حجر صوّان، وشرابه مغلّى بشطط، طعامه يجترّه ليلا فيتطاير شراره.
وأوسطهم خلق من حجر صوّان، وحديد صلب ترى جمره وتسمع صليله يدوي.
وأكبرهم تلمح في وجهه عطش وبه نهم وعليه جسم شياطين هامة وعين لامّة، ومشية تزلزل فتصيب في مقتل، إن هوى ضرب فأدمى، وإن أمسك له سهام لحظ تضرب فتدمي'.
هكذا هي فصول الرواية، نقلتها ألسن طيبة فصدّقنا قولهم حياء. فيهم من تعلقت روحه وذابت فتخمّر وقال مناجيا:
'إني نذرتك للمقام وإني وهبتك للحقيقة قربان' مخاطبا كيانه المسلوب طوعا.
اشتدّ به العناد فراح يتفقّد المقام ملتمسا تلك الشموع التي يحكى أنها تجلب للتبرّك، سيشعلها ويتجلّى له الأمر إن كانوا هنا حقا، أم خرافة؟ بالأمس كان يسلّم أنها خرافة، واليوم أصابه شكّ يذهب ما بقي من عقله.
يضيء شمعة أخفتها يد عابدة لتهب له نورا ضئيلا فيسعد.
يوقف كلّ ظنونه، ويستكين للحظة... يرمق المقام برمش خافت، ويرمق ذاك الشّال الأخضر لينظر حقيقة تصلّبه.
يطيل صمته وتطول استكانته مثل المسافر يترقّب راحلة.
'صوت عواء يتردد صداه.
ذئاب!؟
- "إن العواء بالدّاخل" يحدّث فيقول:
-"إنه صوت فحيح وكشيش أسفل التابوت، أهي عقارب تبعث نواحا، وتحرّك عناقيدها؟"
" نعيق أطائر البوم غيّر عادته وميقاته فأطلّ صباحا؟ "
" مأمأة تتردّد... إنها الذبيحة تستعجل ناحرها"
"ونباح في الجوار. أخ الإنسان وحارس غنمه يحطّ الرّحال يطلب حاجة. "
" همهمة وصلصلة ثم جلجلة. ليس في السماء سحاب، أهي إشارة؟"
"فرقعة، أو صاعقة أو هزيز، أهي شهب تنزل أم أصوات حجزت بين مطرقتين فأحدثت فعلها؟ "
تهدأ العاصفة وتستكين النفس بشيء من الحذر القلق، كل الأمور تعود لحالتها الأولى، لا تسمع دويا ولا صوتا، لقد هجع المزار وعمّ سكونه. اطمأنّ وأنس المكان فأمن ثم تمدّد.
به ثقل في الرأس، غلبه النّعاس فنام قرب صاحبه.
لقد غاب عن وعيه، حتى الأحلام غادرته، خلت روحه من هواجسه. لقد ألقى بها في خانات منسيّة في هذا المقام، وكأن سحره قد فاض فأغدق عطاياه على غريم يطلب عرشا.
تواصل نومه وهو يجهل كم مضى من وقته وهو يجاور المقيم هامدا لا يتقلّب.
تمضي الأزمنة تطوي محطاتها وتتسارع بجنون وهو ممدّدا على حاله.
إنه لا يسمع ولا يرى ولا يتكلم، لا يفكر أو يحلم حتى.
أحسّ ببرودة الجوّ فأخذ يتقلّب ويضمّ أطرافه وقامتيه. يرفع يديه ويسحب اللّحاف المعلّق يغطّي به بعض جسده فيشعر بشيء من الدفء. دفء وتخاريف، إنه النائم المتلحّف بشال المعشوقة المهجورة.
تعود الأصوات الغرائبية إلى نقر المسامع، وتحت اللّحاف إنسيّ يتلوّى ويضطرب. كأنّ به مسّ من الجنون.
دنت الأصوات وانقشعت عشوائية ترتيبها ونطقها. كلمات واضحة تخرج من أفواه فوق رأسه، وعلى يمينه أكثر من شماله. حركتهم نشطة. كل كيان فيهم يعلم مقصده وفعله. بدأ اللّحاف يضيق بصاحبنا مثل المعتصر، إنها تلفّه لفّا حدّ الاختناق، وتقيّد حركته فلا يقوى على النهوض. زاد دفء مرقده واشتعل، إنه ظامئ في قيظ فيافي لا تنبت الزّرع.
أصابه تعرّقا شديدا، وشلّت حركته فاستسلم.
يسمع صوتا ‘يمّنوه قليلا'.
تبرد مفاصله وترتعد فرائسه بعد حرّ أصابها، وتغادر الشمس الدّانية مكانها، ومعها ريحها ولهيبها فتلين النسمة وتستقرّ طيّبة.
ينادي مناديا:
' ناولني "كلّوبا" من حديد فإنّ جوفه مريض معتل. أو هو مذنب ينشد طهارة؟ '
تسري في عروقه رجفة. إنّه زمهرير يلفّه صقيع يوم كسيح. يسمع مناد صوته أنعم من صاحبه.
' لا ليس "كلّوبا" من حديد، إني أدّخره لذاك التّنور'.
اطمأن قليلا دون أن يسأل ما التنّور.
يعود المنادي ويقول:
'إن كلّوب الحديد يخدش ويعظّ، وإن صاحبنا يريد طهارة كبرى، وأمّا التنّور فناره ملتهبة تخمد قليلا لترسل بعدها ألسنة ترفع المتطهّر إلى أعلاه فلا يبلغه، وإن بلغه يردّه إلى قعره من ضيق مخرجه فيصطلي بدل المرّة ألف مرّة. لا يحتاج أن ينزع ما فسد تواترا، فداخل التنّور تنزع دفعة واحدة. '
ترتعد مجددا فرائسه، إنه يغلي ويصطلي قبل إلقائه داخل منزله، فيسمع مناديا هو ثالثهم وحكيمهم وكبيرهم.
' أرخ اللّحاف قليلا' فيفعلوا.
يلوّح بيديه يأذن بقرع صوت الدّف فيفعلوا.
'انحروا خروفين أقرنين' هكذا يأمرهم فيفعلوا.
'قل للمعشر خارجا أن يولموا' فيفعلوا.
تتأجج الحركة وتعلوا مخارج الأصوات بكلام لا يفهم. الكل منشغل بمشغل.
يواصل في الداخل المنادي الحكيم عمله فيأمرهم أن يطفئوا ضوء الشّمعة فيفعلوا.
تسودّ بعد نور. أمرهم أن يمدّد على ظهره في استقامة فيفعلوا، ثم أمرهم أن اصطفّوا يمينا وشمالا فاصطفوا، فأمن ثانية فالاصطفاف عادة إما يمينا أو شمالا.
'ائتوني بنار ' فيفعل صغيرهم.
يصمت الجميع وسط كوكبة دخان تصعد للسماء بريح أطيب من المسك. إن ريح العطر لا تخرج من عند فاجر فيأمن.
يفرغ حكيمهم من تمتماته ثم يأمرهم أن حوقلوا في استدارة، وأن يسدّوا المنافذ كي لا تهرب أرواحه الخبيثة تطلب جسدا غيره.
تنطلق أصواتهم خفيفة تكاد لا تسمع. إنشاد لا تعي معناه تطرب الروح لوقعه تعلوا الأصوات فتعلوا. تدوي فتربك، فتفزع الأنفس لتعود إلى حالها الأول بأداء خفيف لا يسمع، فيتكرّر الفعل وهم على ذلك حتى صاح مناديا أن الموائد قد نصبت فلبّوا على عجل تاركينه حيث مرقده.
يحاول عبثا أن ينفض عن نفسه غبار نهاره، ويتخلّص من رداء لبسه استعاره من صاحب المقام ليتدثّر
تعود الفرقة إلى الإنشاد دون كبيرهم. لقد استكانت روحه له فماذا يصنع؟
يحسّ بخطى تقترب من رأسه، وشيء يثبّته فلا يقوى أن يزحزحه صوب يمين أو شمال ويستنشق ريحا غريبة لتختلط عليه الأمور فلا يميّز بين طيبها وفاسدها.
أحسّ بيد من تحت اللحاف تتسحّب تحمل تلك الرائحة. يمررها على وجهه بلطف فعاوده الشعور بلمسة حنونة غابت منذ زمن، ثم مررها أعلى رأسه بقوة حتى كاد يفصله عن جسده، وكرّر فعلته أعلى صدره يمينا، فغفى غفوة من تحت غفوة تريح الجسد وتمسح كدر النفس، ومررها شمالا، فإذ به ينتفض، فهي تلمس قلبه من الداخل تحرّكه دون شفقة.
يكفّ المنادي الحكيم ويقول:
'إن به علّة جهة اليمين، فشماله ينبض حياة ولم تمسسه الشرور، نداوي يمينه فيبرأ'
_ وماذا نصنع له؟ يحدث مناديا من شماله.
يردّ الحكيم:
'أما أنتم فارحلوا آمنين، وليبقى من هم على يمينه فلنا يوم يطول. '
فيسأل مناديا على اليمين.
_ وماذا نصنع له؟
'لا تستعجل أمره، إن شطره فاسد، فلنحضر عدّتنا نفصل نصفه عن أخيه'.
يفزع من تحت اللّحاف ويعتصر كلماته، ليخبر أنه ليس صاحب المقام، ولا وارث الشال الأخضر، فتنحبس داخل جوفه.
يسمع المنادي الحكيم ينطق شهادة غريبة لم يعهدها ولم يسمعها من قبل لا من عند أجداده، ولا من عند معلّمه زمن الصّغر، ولا من عند من أورثوه علمهم، ولا من عند إنسيّ يمشي على الأرض.
تخبّطت روحه فهو في ضيافة مجهولة المنشأ، فحتى عشيرة الجنّ تنطق ذات الشهادة التي علم منبتها وأصلها ورددها فحفظها، فمن يكون؟ يسأل نفسه سؤالا حبيس اغوار نفسه.
يعيد نطق الشهادة فلم يظفر بكلمة يتدبّر معناها.
إني هنا أجمع حطبا، وأشعل نارا، وأطعم نفسي من زهيد الطعام وأنام نومتي هذه حيث أنت وأخرج حيث تلك المنازل المتطرّفة أطلب ودّ فقير فأخدمه إن قبل وأعطي شيوخا وعجائزا أعطية إن هم رغبوا وأعزق أرض فقير، فأنبت فيها من الثمرات والزّرع ما يسدّ به الرّمق، وإن نقصت أعطياتي عدت لمن أوكلته خزائني لأحمل ما يسدّ الحاجة، فيخبرني أن ما ينقص من هناك يزيد هنا، وإنّ في الأمر سرّ، فأي تعويذة تردّد لتخرّ لك خزائن الدنيا ولتجارتك تزيد تودّدا؟أفرّ حيث مرضى أسقيهم وأطعمهم، وأخدم إن أرادوا فلا أشقى من فعلي ولا أحس التّعب.إنّ حياة القصور وحبّ المال يزيد كدر ا على كدر، وأقنعة تلبس على الوجوه تخفي عللا أنت لها كاشفا إن غادرك الصحب والولد. فإن أردت واصل واطلب ودّ رفيق يأنس نهارك، ويفارق ليلك، فطريقك من هنا. وإن أردت رفيقا يناجيك ليلا، ويفرّ عنك نهارا فأعبر من هنا، وإن رغبت في رفيق يتودد لجيبك فلك هذا المسلك فيه الدليل ومنه المخرج، وإن رغبت في ملاطفة متزلّف لحاجة يقضيها فذاك مهربك هناك ومن هنا، وإن أردت صدقا وحسن معاش فاعتزل ذئاب البشر، وتطهّر لتتكشّف من منهم الذئب ومن الحمل الوديع، فتخيّر من إليه ستتودّد ولأجله تح
يصمت بعدها ويحدّث صحبه:'انصرفوا فرادى دون ضجيج، وإني لاحق بكم، فصاحبنا هذا قد نال نصيبه من الحساب، وفي عقيدتنا التي ورثناها لا نحاسب الظالم سوى مرّة. هي نفس عزوف غرقت في هموم داخلها. سعت أن تلبس جلبابا لا يخصّها، فحملت أوزار مالكها فلنرحل فإن به سخط لو خرج من مكمنه لسلبنا راحتنا وأرّق من بعدنا نسلنا. 'تفرّقوا وهفت صوت الحكيم المنادي وخفّت تلك الأصوات المتزاحمة خارجا، فتستكين الأنفس مجددا ليواصل رقدته التي طالت.تدوي الأرض من تحته كأن شرخا أو صدعا يفتح فيها جرفا يبتلع بعضه فينهض مشوشا مخطوف العقل. يمسك بيده لحافا أخضر. يرمقه بنظرة خجولة، فمرتجفة فساخطة، فعلم أنّ أضغاث أحلامه قد عادت إليه فأقلقت مضجعه.استقام وتوجّه لصاحب المقام يطلب الصفح، فليس عليه بقادر، ولا عن ملكه بمنازع.يخرج من باب المرقد ويعبر مضيق أسواره، مخلفا وراء ظهره ساعة من نهار أنكرها. يعبر المضيق منهكا، جسده لم يعد يقوى على حمله. تفصله لحظات عن الجنون. تخاريف الصّباح والمساء أعيته. لم يظفر بعد بإنسي يحادثه.لم يفعل ذلك السوء الكبير لكي ينال عقابه في معاشه قبل معاده. إنّ به قرين يسحبه للانتحار لحظة ضعف تصيبه، أو انتظار
يسكت ويستقيم ثم يبدأ في الكلام:-"أأبدأ في الإنشاد؟ "-"إن منبتي أنقى من صاحب المقام، قد أنشد فأملك داره، فأغدو صاحب الكرامة، ومقصدا، فأنا العائد بعد التطهّر." "إني ملاقي الحقيقة هاهنا حيث غريمي."هاتفه أخرس، انعقد لسانه عن الكلام فصيّر نفسه أبكم وكذا جذع النخل الخاوية والصخرة الصمّاء لا تحرّك سواكنها.-"لقد باعوك فاشتروا لأنفسهم سيدا. ""نزعت عنك هالتك وقداستك. "يصرخ:-" حيّ، إني شبيه إنسان "." حيّ، لست مثلي تجرّد وتطهّر، ففرّت منه شياطين الإنس والجان""حي، لا مسكن لك ولا مفرّ، فإن أردت أخلد مكانك فتكون الراقد منزوع الكرامات""حيّ، إنك ميّت، وإني لك خليفة أكتب بدل القصة ألف قصة وإنك على الهامش"يهتزّ لحاف أخضر بقوّة شديدة، تصلّب وهو رخو وتمدّد ثم تقلّص، كأنه يرقص من صدى كلمات لا معنى لها إنه أبعد من أن يكون وحي يوحى. أضغاث أحلامه عادت إليه.-" لحاف به روح؟ وما الغريب فقد صوّرت لي هواجسي عصا تتحرك وتحدّث. إنها مسكونة أو مسيّرة لتقصّ عليّ قصّتها، أو لتذكر لي أني أنا من يقبع على هامش القصة. وأنّ للمقام حرّاسا وسدنة، وأنّ فيهم من يسقي، وفيهم من يطعم، وفيهم السجّان، إن عصيت وزدت في طغ
تفرّ جماعات يمينا وشمالا، تغالب العقل وتأمن للوسواس، فتزدحم وتتدافع هربا من نطق النهاية.إنّ شيطانه قد غلب فرمان الزبانية فصنع لنفسه مخرجا، فعاد من هناك إلى هنا. لقد عاد من أقاصي جهنّم زاحفا، حاله كقطعة خشب أكلت النار بعض أطرافها، واسودّ لونها. ثقلت خطاه وهو يلمح سرابا أو أشبه بالسراب، تحنّط برهة فإذ بالرائحة لا تشبه ذاك الشواء الآدمي الموضوع داخل تنّور تُوقَد ناره بوتيرة أدقّ من عقارب الساعة. كأنها أرضه الأولى، يطيل النظر بعد أن اعتدل في جلسته، ويمسك بيده حفنة تراب يتحسّس رائحتها فإذ هي أديم أرضه، فأيقن أنه عاد من جديد إلى بلده بعد هروبه من الحساب. مشى وهو يتحاشى نظراتهم وتلويح أياديهم تشير إليه. نعم إنه فلان. كيف؟ أَلم يمت؟ أَلم نحضر جنازته؟ أَلم نطلب له المغفرة عن زلّاته وأفعاله؟ تسارعت خطاه حتى بلغ مدخل داره فتكشّفت هيئته لتتمازج المشاعر وتتناقض بين ساخط وراغب، ومذهول وخائف، ومستبشر بغد أفضل، ومتشائم من قادم مقيت.تربّع على عرش مملكته الصغيرة مجددا، وأثنى اليمين أن يقطع مع صنيعه الأول خوفا وموعظة من لسعات جهنّم في العالم الفوقي. خرج واستنشق نسمات باردة ليعلن بداية رحلة التوبة الك
ينتهي من فزعه ويرتّب أنفاسه ويحمل بقايا المسافر ويمشي يقطّع الطريق إلى فواصل. إنّ به رجاء يخفيه في جوفه خشية. إنه يرغب في يوم صاخب لا يهدأ.بالجوار دار معمّر أو قل مستعمر وضيعة، ومدرسة شيّدوها ليحتكرها لنفسه ولخلفته الغازية. لم يعاصر أحداثها، فتلك الضّيعة بعيدة عن مسرح الجريمة. المدرسة أضحت حرّة فصيّروها مزار علم وتأديب. كل من فيها فقير. كانت قلعة عامرة وصارت بعد زمن شاغرة. نقلوا روحها إلى قلب الحي تاركيها ليد عابثة، أو لأرواح مازحة، أو مقصدا لزائر حلّ ليله أو صادفه سيل يلدغ جسده فيتخفّى.تقدّم نحوها فإذ بها مفقودة مرهقة. تغلّبت عليها الأيادي الغادرة فرتّبتها من جديد دون ترتيب، ليس بها نفس ولا تصدح بذاكرة فقد سلبت جميع دفاترها.يلتفت إلى مطمور، مدفن أو قل مخزن تصرخ منه الأنفس.-"ماذا أرى؟"إن به عصا وحيدة تجلس في الوسط وصدى صوت يتردد.-"لست أدري إن اختارت مكانها أم في المدن ريح تهزّها أم يد زائر تخلت عنها؟"يجلس أمامها ويترك حيّزا ويمسّي مازحا، فتمسّي، فيسقط خائرا صاعقا مغشيّا عليه.يغالب ويعود إلى هيئته الأولى ويسلّم مشكّكا.فتسلّم. فيرغب أن يسقط أو هو يسقط عنوة.-"عود يابس ينطق!! إن
تدنو نفسك في لحظة شكّ إلى مرقدها حتى تظن أنك ملاق خالقك وأنت بعد تلهو مع أترابك بوجه مرح لا يعي ثقل الأيام وشدّتها.مشى وفي نظراته ذهول أخذ نصفه، وأوجز عمر الصبيان داخله. توقّف ثمّ دنا من بركة الماء فإذ بها تحمل انعكاس صورته. سألها متى؟ وكيف؟ ولماذا؟ إنّ في الوجه وسامة تسكنها براءة الحمل، وفي النفس جبلّة أخذت بالسّليقة، طيبة المنبت وحسنة المعشر، ونقيّة العرق. صمت ورفع بصره إلى السماء ذات الزرقة الخفيفة، فضحك وقال:- "أضغاث أحلام من أمّ تخشى على وليدها نسمة ريح دافئة في يوم ثقيل عنيد شديد البرودة".ما أن أزاح سهام نظراته عن جزء الكون، حتى وجم الوجه وتقطّعت الصورة المبثوثة داخل كيانه الصغير تنشد صدق القول، فركض مسرعا إلى شيخه الجليل يطلب علما يظنّ أنه يملكه، وهوس نفس يعتقد أنه الأقدر على إزاحة وقعه من قلب طفل مازال بعد لم يبدأ شوطه الأول في حلم ليله بعد غفوته، وأحلام نهاره سرا وجهرا والعين تبصر. همّ إليه في عجل وسأل:-"هل أشبهه؟"سكت برهة.-" أتبدو عجينتي مخلوطة بمارج من نار؟ "صمت مجددا - "أتسكن تفاصيل شيطانية داخل تقسيمات الوجنتين؟ أم في سواد العينين؟ أو في لعس قدّه الخالق في الشفتين
رمى متاعه وخرج باحثا عن طوق نجاة ليعانق سعة المكان، لم يعد يقدر على مجاراة قساوة الأحداث. في الخارج تنجيه برودة الطقس، فيعي أنه لم يخلد بعد في نار جهنّم. لم يعد أسيرا أسفل ركام، له أن يأوي إلى ركن به منافذ كثيرة تمرّ منها صدمات هواء. لن يشعل نارا هذه المرّة، لعله لا يريد زائرا، أو يفضّل مزيدا من ن
يزيد في بحثه فتتعثّر يديه بصندوق أسود يختلف عن صندوق المال. يفتحه، إن به ورق صغير مزقته يد بارعة إلى بطاقات ومعها قنّينة. يبدو عطرها مختلف. يسكب منها قليلا فإذ بسائل أصفر شبيه الزّعفران يواصل السّكب. بقرب القنينة كتاب صغير على غلافه طلاسم، ومصحف صغير ملفوف داخل قطعة قماش بيضاء، ومن تحته أجزاء من أق
'ما أعجب له كيف قبلت به زوجا وهي الرّقيقة الصغيرة، وهو وحش متجبّر حين يزأر تفرّ منه الأنوثة أو تموت مكانها خوفا. إني أعجب إن كان قد أحب يوما أو نطق كلمة غزل... يبدو سليل آكلي لحم البشر تصالح مع الحضارة فهذّب من نفسه قليلا'يضحك طويلا ونضحك معه ثم يواصل.' ليلتها بقيت معلّقا وهو يراقب ملوّحا بعصاه ا
يغادر المكان، يعاند خطواته ليقف عند مفترق طريقين يعلمهما جيدا، أوله سهل منبسط مختصر يخلو من الالتواءات، وثانيه طويل، به مضيق مضن، وفيه تعرّجات تحاذي المنازل المتناثرة المتباعدة عندما تسلكها تقف عند بقايا آثار قديمة لأناس حيكت عنها أساطير تطرب الأسماع. لم يفكّر طويلا، إن به رغبة مبطنة تقف دونه وبلوغ







