LOGIN
تصدير
رواية تخاريف هي تعبير عن ذات تحمل في جوفها فكرة مجنونة وخيال جامح، وهواجس مثقلة. فتدكّ داخلها كلّ انتماء للواقع، وتفتكّ من بين قسوة الأيام ذكرى فيها سطور معلومة، وسطور متخفية، وسطور مجهولة. ومن السطور ترتسم الصورة تراوح بين الوضوح والعتمة، فتخال نصفها مرئي ونصف الآخر مستتر، في حين أن الصورة كلّها تختفي في دخيلاء ملكة الذات الهائمة بين حلم ويقظة، ترويها بوتيرة أحداثها فتلتهم بعضها البعض، لتعبث بالشخصيات وكذلك الأمكنة والأزمنة فتتعايش ورحلة المسافر الخرف الباحث عن شبيه إنسان في بقايا أطلال.
الشخصية التي رحلت بنا إلى عالم التّخيّلات في هذه الرواية ما هي إلا صورة "الأنا" العنيدة المتمردة عن الواقع وثقله، وهي صورة الآخر المختلف الهارب من الأزمنة في ماضيها وحاضرها، وصورة الضمير الجمعي الشاهد على أحداث انشطار الذوات بين ذهن مشدود إلى منطق الأشياء، وخيال منصرف عن فكرة المنطق لغاية معانقة جمالية التحليق في عالم ما ورائي يخلّص النفس من شوائب الحقيقة وصلفها، ويلحقها بمغامرة لا تعلم بدايتها ولا تتخيل كيف تكون النهاية.
شخصية الرواية رمز للرحّالة التي تبحث عن ذاتها، فقد تجعل من الشّوق مطيّة لاستحضار الغائب وبعثه بعد رحلة الفناء، كما قد يكون الشوق وسيلة للحياة لمن حمل خيبات الفراق، أو رؤية بديلة يستعيرها الفرد ليرسم عالمه وفواعله وشخصياته وأمكنته فيؤلف قصة لا تستند لضوابط المنطق في شيء. ليكون لاعب أدوار البطولة بمثابة الشخصية المطلقة المجرّدة من كل تصنيف أو تضييق وحصر، لأنها شخصية تصوّر الإنسان في كلّيته وهو ما يجعل منها تعبيرة عن جوهرين بدايته ممتد ونهايته مفارق. وميزته تحميل النفس ذاك التناقض بين الفكر والخيال، وبين المنطق وتضارب الحقيقة وتصادم أحداثها، للوصول بها حدّ الجنون. فيتجسد البطل في ثوب المسافر طوعا وغصبا، ليشيّد فصول قصة لا تكتمل. وإن اكتملت فإنها تترك نافذة من التأويل يجيز للقارئ أن يصنّف تلك الشخصية حسب مدى تناسب الأحداث في علاقتها بما يحمله ذلك القارئ من ميول وهموم وأفكار...
عبدالباسط محمّد قندوزي
البداية
جلس على الرّبوة يحدّق بمقلتين أعيتهما السّنون.
يخرج منهما بصيص يكاد لا يميّز بين سواد الكون وبياضه. تلوح ديار تصدّعت جدرانها حتّى باتت أشبه بركام جبل علقت بصخوره بقايا تراب عقب سيل جارف. على مقربة منها تبدو ديار، بقع بيضاء تميل إلى الحمرة بها اصفرار أضاع بريقه. في كوم البقع حجرتين تجاورتا يفصلهما خيط قدّ بخليط الاسفلت. يزيد في التّحديق وهو يعي كلّ تفاصيل المكان.
هناك حيث رقدتهما الطّويلة يسترجع ومضات الزّمن بوقعه المضني، فتسيل الدّمعة على المقل ثقيلة. إنّه الوحيد في سكنه وطعامه، والوحيد يجترّ كلماته. يحدّث ذواته، يصغي إليها وهي تخاصم بعضها البعض. هو وحيد في غربته تذكّر حكايا والدته التي خبرت صراخه حين أطلّ ذات عشيّ على دنيا الفناء. ووحيد حين سمع ترديد حدث تلاطم كلماته الأولى وهو يصيب الأرض من تحته بمشيته المترنّحة الخفيفة.
لا شاهد لديه سوى أنفاس تحاصره، يمتطي خياله الجامح يجرّه أين الجراح يحرّكها فيعرّي قشورا يبست كانت تغطّي موقع الألم. تستر عمقه، وتواري الخدش الغائر الدّامي دون نزيف ظاهر.
تشرد النّفس الشّقيّة التي زهدت في الدّنيا. أبى ملك الموت أن يأخذها ليداوي عللها. خاصمها حتّى أطال مقدمه فأخّر أجلها.
أوقد نارا تحت ظلّ شجرة عجوز، قعرها تكسوه أخاديد ترسّبت في أغوارها قصص الأمس. لفّ جسده النّحيف برداء صوفيّ ورثه عن والده. بدأت تسري في جسده شحنة دافئة. ألسنة النّار تلاطفه وكأنه يبحث عن أنيس يخمد غضب بركان يسكنه. أحسّ بهدوء حذر فشيّع بصره حيث تلك الأحجار مسكن الأرواح النّقية. أرواح برأت من كفن الحياة وودّعت سوادها.
من بين تلك الأحجار حجران تخاصم أهلهما في الدّنيا، وسكنت روحاهما في غير ذي دنيا تؤنس الواحدة الأخرى.
في لحظات شرود يدنو منه ضيف. أو هو صاحب المكان. ينبش الأرض حذو جذع الشّجرة يحرّك ترابها فيميط شوائب كانت تغطّي حفرة صغيرة هي مسكنه ساعة الظّهيرة أو زمن العودة من رحلة البحث عن الرّزق. كلب أبيض يبدو عليه الإعياء. لا يكترث بما أكلته السّنون من عمره، ولا يعنيه بما يفكّر هذا المتطفّل، ولا يثيره جلوسه بقرب هذا الكيان المجهول -المعلوم. لا يحرّك داخله نوازع العدوانيّة فيهاجم ليدافع عن مهجعه.
تقاسما المكان وأطالا النّظر إلى بعضهما، فحدّث النّفس أن لا بأس في حديث مع فاقدي العقل والنّطق ومن ذوي فصيلة كثيرا ما شبّهوا بها باطلا بنو البشر فقال:
- " أتعلم أنّ قرب تلك المنازل يرقد والدي وتنام رقيقة أناديها أمّي"؟
- "ألك في الحياة مثلي بقايا مشاعر ممزّقة، قليلها فوق اليابسة وكثيرها أسفلها؟
- "أتعلم أنّ الحياة تتلوّن يا صديقي الغريب، فإن أنت دنوت لتلهو يطربك صخبها حتّى يذهب عقلك دهرا، فتصحو لتجد الرّاحلة قد هاجرت. وإن أنت غفوت هربا منها أوفدت رهطا من المسوخ يقطعون أزقّة الذّهن تاركين ألف مشغل يستلّ حلاوة سباتك. وإن أنت صارعتها صرعتك بوثبة مخادعة تردّك حيث قضبانها عنوة. "
يعوي الكلب ويحرّك ذيله. يقف ثمّ ينفض بقايا تراب عالق وينصرف.
يتمتم بغضب ويقول.
- " حتّى أنت يا ابن الكذا تتركني مع ذكرى بائسة. حتّى الكلاب تأبى أن تحادثني".
***
يواصل المكوث مكانه. يجمع ما تبقّى من عيدان الحطب، ويضمّ بعضها فتشتعل. يسأل النّفس في حيرة:
- "ما بالها تشتعل حين تحتكّ ببعضها؟ وما بي وحيدا وإنّي أشدّ اشتعالا؟ إنّ بي نارا ثائرة لا تعي معنى الأفول، وإنّ لي ذاكرة تنشد الخرف أين تتعطّل الخلايا فيتقلّص الدّماغ ويضمر فأشفى. "
يهمّ بالوقوف فيعجز لحافه. يعلق بالأرض ولا شيء يشدّه. تخور قواه وتضعف ساقاه فلا تقدر عن حمله. في الأعلى رأس يترنّح، يميل جهة اليمين حينا وجهة الشّمال أحايين، كأنّ علّة أصابت وتدا يوازن منبته ويحمل ثقله. هو مثقل مرهق يجرّ حمولة زائدة.
غالب النّفس ونهض. أطفأ النار التي أوقدها، وحمل روحه يمشي بتأنّي صوب تلك الدّيار وكأنّه يمنّي النّفس أن يظلّ بعيدا عنها.
يهبط الرّبوة قاصدا المنحدر.
هو منحدر! كيف يكون؟ والحال أنّ المشي فيه مكابدة. هو يصارع لأجل النّزول المتصاعد.
هناك خطأ ما! إنّه يشعر بتعب، يكاد يحبو فيمسك بتلك العوالق الثّابتة في المنحدر. يخيّل له أنّه في علوّ. هو يصعد حيث المنحدر!!
يتخبّط بين رؤية العين تلحظ بجهد وادي بالأسفل، وإحساس جسد عليل يدرك قسوة الرّحلة حيث ذات الوادي... فإذ بالأولى تراه هبوطا، والثّانية تشعر به صعودا. صعود حيث الأسفل!
يصل إلى اعتدال أرضي، ويقف ليريح النّفس فيقعد ويشهق، ثمّ يزفر، ثمّ يئنّ.
لم يعد يبالي، فيروح يحدّث بعضه جهرا:
- "أأصابك العجز يا قدما قد سرت حافية في ذات المنحدر قرب الوادي؟ "
- "أمثلك يعجز، وفي الماضي تركلين حجرا فيصرخ من شدّة الوجع؟ "
- "أمثلك يعجز، وبالأمس تسبقين الرّيح عنادا دون راحة تطلبها ولا وجع يدركك؟ "
- "أأعيتك رمية حجر وبالأمس تطوي أميالا لتدنو من صيد يتخفّى في ظلّ ورق السّدر العنيد؟ "
- "هل وهن عظمك، فصار رقيقا تكسره خطوة حذرة على أرض لا تجاويف تسكنها، ولا تحديب يعلوها؟"
يحرّكها فتدوي بطقطقة فيعي ردّها الحزين. لقد خرست عبارته، وتيبّست في حلقه. لم يعد من بدّ سوى ترك العنان لكلا
م العين لعلّ العبارة تكون أقلّ حزنا.
.... يتبع
إني هنا أجمع حطبا، وأشعل نارا، وأطعم نفسي من زهيد الطعام وأنام نومتي هذه حيث أنت وأخرج حيث تلك المنازل المتطرّفة أطلب ودّ فقير فأخدمه إن قبل وأعطي شيوخا وعجائزا أعطية إن هم رغبوا وأعزق أرض فقير، فأنبت فيها من الثمرات والزّرع ما يسدّ به الرّمق، وإن نقصت أعطياتي عدت لمن أوكلته خزائني لأحمل ما يسدّ الحاجة، فيخبرني أن ما ينقص من هناك يزيد هنا، وإنّ في الأمر سرّ، فأي تعويذة تردّد لتخرّ لك خزائن الدنيا ولتجارتك تزيد تودّدا؟أفرّ حيث مرضى أسقيهم وأطعمهم، وأخدم إن أرادوا فلا أشقى من فعلي ولا أحس التّعب.إنّ حياة القصور وحبّ المال يزيد كدر ا على كدر، وأقنعة تلبس على الوجوه تخفي عللا أنت لها كاشفا إن غادرك الصحب والولد. فإن أردت واصل واطلب ودّ رفيق يأنس نهارك، ويفارق ليلك، فطريقك من هنا. وإن أردت رفيقا يناجيك ليلا، ويفرّ عنك نهارا فأعبر من هنا، وإن رغبت في رفيق يتودد لجيبك فلك هذا المسلك فيه الدليل ومنه المخرج، وإن رغبت في ملاطفة متزلّف لحاجة يقضيها فذاك مهربك هناك ومن هنا، وإن أردت صدقا وحسن معاش فاعتزل ذئاب البشر، وتطهّر لتتكشّف من منهم الذئب ومن الحمل الوديع، فتخيّر من إليه ستتودّد ولأجله تح
يصمت بعدها ويحدّث صحبه:'انصرفوا فرادى دون ضجيج، وإني لاحق بكم، فصاحبنا هذا قد نال نصيبه من الحساب، وفي عقيدتنا التي ورثناها لا نحاسب الظالم سوى مرّة. هي نفس عزوف غرقت في هموم داخلها. سعت أن تلبس جلبابا لا يخصّها، فحملت أوزار مالكها فلنرحل فإن به سخط لو خرج من مكمنه لسلبنا راحتنا وأرّق من بعدنا نسلنا. 'تفرّقوا وهفت صوت الحكيم المنادي وخفّت تلك الأصوات المتزاحمة خارجا، فتستكين الأنفس مجددا ليواصل رقدته التي طالت.تدوي الأرض من تحته كأن شرخا أو صدعا يفتح فيها جرفا يبتلع بعضه فينهض مشوشا مخطوف العقل. يمسك بيده لحافا أخضر. يرمقه بنظرة خجولة، فمرتجفة فساخطة، فعلم أنّ أضغاث أحلامه قد عادت إليه فأقلقت مضجعه.استقام وتوجّه لصاحب المقام يطلب الصفح، فليس عليه بقادر، ولا عن ملكه بمنازع.يخرج من باب المرقد ويعبر مضيق أسواره، مخلفا وراء ظهره ساعة من نهار أنكرها. يعبر المضيق منهكا، جسده لم يعد يقوى على حمله. تفصله لحظات عن الجنون. تخاريف الصّباح والمساء أعيته. لم يظفر بعد بإنسي يحادثه.لم يفعل ذلك السوء الكبير لكي ينال عقابه في معاشه قبل معاده. إنّ به قرين يسحبه للانتحار لحظة ضعف تصيبه، أو انتظار
يسكت ويستقيم ثم يبدأ في الكلام:-"أأبدأ في الإنشاد؟ "-"إن منبتي أنقى من صاحب المقام، قد أنشد فأملك داره، فأغدو صاحب الكرامة، ومقصدا، فأنا العائد بعد التطهّر." "إني ملاقي الحقيقة هاهنا حيث غريمي."هاتفه أخرس، انعقد لسانه عن الكلام فصيّر نفسه أبكم وكذا جذع النخل الخاوية والصخرة الصمّاء لا تحرّك سواكنها.-"لقد باعوك فاشتروا لأنفسهم سيدا. ""نزعت عنك هالتك وقداستك. "يصرخ:-" حيّ، إني شبيه إنسان "." حيّ، لست مثلي تجرّد وتطهّر، ففرّت منه شياطين الإنس والجان""حي، لا مسكن لك ولا مفرّ، فإن أردت أخلد مكانك فتكون الراقد منزوع الكرامات""حيّ، إنك ميّت، وإني لك خليفة أكتب بدل القصة ألف قصة وإنك على الهامش"يهتزّ لحاف أخضر بقوّة شديدة، تصلّب وهو رخو وتمدّد ثم تقلّص، كأنه يرقص من صدى كلمات لا معنى لها إنه أبعد من أن يكون وحي يوحى. أضغاث أحلامه عادت إليه.-" لحاف به روح؟ وما الغريب فقد صوّرت لي هواجسي عصا تتحرك وتحدّث. إنها مسكونة أو مسيّرة لتقصّ عليّ قصّتها، أو لتذكر لي أني أنا من يقبع على هامش القصة. وأنّ للمقام حرّاسا وسدنة، وأنّ فيهم من يسقي، وفيهم من يطعم، وفيهم السجّان، إن عصيت وزدت في طغ
تفرّ جماعات يمينا وشمالا، تغالب العقل وتأمن للوسواس، فتزدحم وتتدافع هربا من نطق النهاية.إنّ شيطانه قد غلب فرمان الزبانية فصنع لنفسه مخرجا، فعاد من هناك إلى هنا. لقد عاد من أقاصي جهنّم زاحفا، حاله كقطعة خشب أكلت النار بعض أطرافها، واسودّ لونها. ثقلت خطاه وهو يلمح سرابا أو أشبه بالسراب، تحنّط برهة فإذ بالرائحة لا تشبه ذاك الشواء الآدمي الموضوع داخل تنّور تُوقَد ناره بوتيرة أدقّ من عقارب الساعة. كأنها أرضه الأولى، يطيل النظر بعد أن اعتدل في جلسته، ويمسك بيده حفنة تراب يتحسّس رائحتها فإذ هي أديم أرضه، فأيقن أنه عاد من جديد إلى بلده بعد هروبه من الحساب. مشى وهو يتحاشى نظراتهم وتلويح أياديهم تشير إليه. نعم إنه فلان. كيف؟ أَلم يمت؟ أَلم نحضر جنازته؟ أَلم نطلب له المغفرة عن زلّاته وأفعاله؟ تسارعت خطاه حتى بلغ مدخل داره فتكشّفت هيئته لتتمازج المشاعر وتتناقض بين ساخط وراغب، ومذهول وخائف، ومستبشر بغد أفضل، ومتشائم من قادم مقيت.تربّع على عرش مملكته الصغيرة مجددا، وأثنى اليمين أن يقطع مع صنيعه الأول خوفا وموعظة من لسعات جهنّم في العالم الفوقي. خرج واستنشق نسمات باردة ليعلن بداية رحلة التوبة الك
ينتهي من فزعه ويرتّب أنفاسه ويحمل بقايا المسافر ويمشي يقطّع الطريق إلى فواصل. إنّ به رجاء يخفيه في جوفه خشية. إنه يرغب في يوم صاخب لا يهدأ.بالجوار دار معمّر أو قل مستعمر وضيعة، ومدرسة شيّدوها ليحتكرها لنفسه ولخلفته الغازية. لم يعاصر أحداثها، فتلك الضّيعة بعيدة عن مسرح الجريمة. المدرسة أضحت حرّة فصيّروها مزار علم وتأديب. كل من فيها فقير. كانت قلعة عامرة وصارت بعد زمن شاغرة. نقلوا روحها إلى قلب الحي تاركيها ليد عابثة، أو لأرواح مازحة، أو مقصدا لزائر حلّ ليله أو صادفه سيل يلدغ جسده فيتخفّى.تقدّم نحوها فإذ بها مفقودة مرهقة. تغلّبت عليها الأيادي الغادرة فرتّبتها من جديد دون ترتيب، ليس بها نفس ولا تصدح بذاكرة فقد سلبت جميع دفاترها.يلتفت إلى مطمور، مدفن أو قل مخزن تصرخ منه الأنفس.-"ماذا أرى؟"إن به عصا وحيدة تجلس في الوسط وصدى صوت يتردد.-"لست أدري إن اختارت مكانها أم في المدن ريح تهزّها أم يد زائر تخلت عنها؟"يجلس أمامها ويترك حيّزا ويمسّي مازحا، فتمسّي، فيسقط خائرا صاعقا مغشيّا عليه.يغالب ويعود إلى هيئته الأولى ويسلّم مشكّكا.فتسلّم. فيرغب أن يسقط أو هو يسقط عنوة.-"عود يابس ينطق!! إن
تدنو نفسك في لحظة شكّ إلى مرقدها حتى تظن أنك ملاق خالقك وأنت بعد تلهو مع أترابك بوجه مرح لا يعي ثقل الأيام وشدّتها.مشى وفي نظراته ذهول أخذ نصفه، وأوجز عمر الصبيان داخله. توقّف ثمّ دنا من بركة الماء فإذ بها تحمل انعكاس صورته. سألها متى؟ وكيف؟ ولماذا؟ إنّ في الوجه وسامة تسكنها براءة الحمل، وفي النفس جبلّة أخذت بالسّليقة، طيبة المنبت وحسنة المعشر، ونقيّة العرق. صمت ورفع بصره إلى السماء ذات الزرقة الخفيفة، فضحك وقال:- "أضغاث أحلام من أمّ تخشى على وليدها نسمة ريح دافئة في يوم ثقيل عنيد شديد البرودة".ما أن أزاح سهام نظراته عن جزء الكون، حتى وجم الوجه وتقطّعت الصورة المبثوثة داخل كيانه الصغير تنشد صدق القول، فركض مسرعا إلى شيخه الجليل يطلب علما يظنّ أنه يملكه، وهوس نفس يعتقد أنه الأقدر على إزاحة وقعه من قلب طفل مازال بعد لم يبدأ شوطه الأول في حلم ليله بعد غفوته، وأحلام نهاره سرا وجهرا والعين تبصر. همّ إليه في عجل وسأل:-"هل أشبهه؟"سكت برهة.-" أتبدو عجينتي مخلوطة بمارج من نار؟ "صمت مجددا - "أتسكن تفاصيل شيطانية داخل تقسيمات الوجنتين؟ أم في سواد العينين؟ أو في لعس قدّه الخالق في الشفتين
رمى متاعه وخرج باحثا عن طوق نجاة ليعانق سعة المكان، لم يعد يقدر على مجاراة قساوة الأحداث. في الخارج تنجيه برودة الطقس، فيعي أنه لم يخلد بعد في نار جهنّم. لم يعد أسيرا أسفل ركام، له أن يأوي إلى ركن به منافذ كثيرة تمرّ منها صدمات هواء. لن يشعل نارا هذه المرّة، لعله لا يريد زائرا، أو يفضّل مزيدا من ن
يزيد في بحثه فتتعثّر يديه بصندوق أسود يختلف عن صندوق المال. يفتحه، إن به ورق صغير مزقته يد بارعة إلى بطاقات ومعها قنّينة. يبدو عطرها مختلف. يسكب منها قليلا فإذ بسائل أصفر شبيه الزّعفران يواصل السّكب. بقرب القنينة كتاب صغير على غلافه طلاسم، ومصحف صغير ملفوف داخل قطعة قماش بيضاء، ومن تحته أجزاء من أق
'ما أعجب له كيف قبلت به زوجا وهي الرّقيقة الصغيرة، وهو وحش متجبّر حين يزأر تفرّ منه الأنوثة أو تموت مكانها خوفا. إني أعجب إن كان قد أحب يوما أو نطق كلمة غزل... يبدو سليل آكلي لحم البشر تصالح مع الحضارة فهذّب من نفسه قليلا'يضحك طويلا ونضحك معه ثم يواصل.' ليلتها بقيت معلّقا وهو يراقب ملوّحا بعصاه ا
يغادر المكان، يعاند خطواته ليقف عند مفترق طريقين يعلمهما جيدا، أوله سهل منبسط مختصر يخلو من الالتواءات، وثانيه طويل، به مضيق مضن، وفيه تعرّجات تحاذي المنازل المتناثرة المتباعدة عندما تسلكها تقف عند بقايا آثار قديمة لأناس حيكت عنها أساطير تطرب الأسماع. لم يفكّر طويلا، إن به رغبة مبطنة تقف دونه وبلوغ