Home / الآخر / تخاريف / تخاريف الفصل 21

Share

تخاريف الفصل 21

last update publish date: 2026-07-27 05:59:01

-"وهل توقفوا؟ "

_'لا بل زادوا... أخبروني أن الدّماء داخلي سائلة مميّعة، وأن تجمّدها سيريح وجعي، فوضعوني داخل مخزن تبريد به ثلج كثيف... أخرجوني مثل قطعة جليد، وأخبروني أن الماء السّاخن يريح علّتي ويعدل حالي، ففعلوا حتى اصطلى جسدي... ثم خرجت من عندهم إلى داري ...'

-"وهل صرت على منهج غير ما تعلّمته؟ "

_'قلّبت نظريتي غربيّها وشرقيّها، فوجدت الإنسان كيانا كادحا، يكافح لغاية مبدؤها ثروة وعدالة... '

-"وكيف يحققها...؟"

_'بثورة على الحاكم والكفر بمنهجه... '

-"هي نفس الفكرة الأولى هل زاروك ثانية؟ ... "

يطيل النظر إلى الفتى ويقول... 

_'نمت في زنازينهم ليالي، وأطعموني ماء مغلي ممزوجا بشيء مسموم، ورغيفا يابسا أو قل حجرا من سجّيل... وغطوني بلحاف من أشواك وعيون... ورأيت كرمهم حين تصافحني يد سجّان محكوم بنار حقد على كل مخالف بالعدل مسكون... ويلقي بي حيث سراديب بها عقارب وسموم تأكل من نصيبها علّي ألاقي سميعا عليما... '

'أتعلم أنهم أعدموا أبنائي؟ '

-"أي قسوة تلفّهم؟ كم أعمارهم؟ "

_'منهم ابن البارحة، ومنهم من يبلغ المائتين أو تزيد ...'

-"ماذا تقصد؟ "

_'هي كتبي أعدموها، وجهل حارقها أنها محفورة في هذا الرأس الشقي... '

-"ما نيتهم؟ "

_'بقاء الحاكم... إنهم يعتقدون أني قاتل... أنا يا ولدي ثائر، ألبس ثوب إنسان مهما تعددت ألوانه أو اختلفت أديانه، أو تعددت حضاراته... إني أرى الإنسان والحرية، وإني أرى له في الأرض مسكنا وملكا وسيادة، وإني أرى له سلطة ومهابة، وإني أرى له حقّا وسيف عدالةّ، هكذا أنا إن أرادوني أو ينزعوا عني وهمي، فأغدو آلة تشتغل بنظام صانعها دون زيادة... '

-"هذا الحاكم لا يعشق! "

_'بل يعشق... يعشق من يصفّق ويبارك '

-"لماذا لا تصفّق قليلا فتنجو؟ ... "

يضحك ثم يقول... 

_'إني أصفّق.... أصفّق للعدالة، فإن لبسها الحاكم سأصفّق له وأبارك ...'

تعاوده الأحداث ونظرة حزينة تسكنه...هو القائد الذي أورثهم قضيّة الإنسان ... 

يذكر ذات صباح حزين... أو قل ذات صياح حزين ... جمهورا يحيط بالبيت وعسكر... القائد ينتحر ويترك كلمات وداع... 

_'ضاق بي الحال، لا أملك من المال إلا قليله، وإنّ في الحي من أقرضني فأخلفت، فليسامح زلتي... '

"كلام سخيف" ردد البعض... 

"ما تلك الدماء" أشار غيرهم... 

لقد قتلوه... ونزعوا روحه ودفنوا الحقيقة ومعها العدالة.... 

كلمات وداعه كتبها منذ نشأته ومنذ إيمانه بالفضيلة... 

_'إني راحل غصبا، فسجّاني سيقتل جسدي... خذ يا بني تلك الأفكار، وأكمل طريقك حيث الكفر بالحاكم حتى يعدل عن ظلمه أو تفنى...' 

-"أزوره عند المنازل، وأجدّد عهدي به، وأسأله عن نوع العدالة عند حاكمهم هناك في الأعلى... "

"أذكّره أنه في يوم أعلمني إن به فلسفة..."

سألته أهي خطيرة؟ ...

ضحك وقال...

_'خطيرة وممتعة'

-"سألته كيف؟"

_'أجابني أنها تبدأ بسؤال وتنتهي بسؤال...'

-"سألته هل منها تشفى؟"

_'أجابني ألاّ شفاء منها، وأضاف هي مثل البرد إذا دخل لا يخرج'

-"تبا لهم قتلوه... لقد خبرت معاني كلامه، وركبت موجه، وأصابتني علّته، ففتنت بقضية العدالة...

تبوح البيت بسرّها أنّ سجّانه نطق حكمه، وأنّ مرضه خبيث ينقل العدوى..."

***

ينعطف صوب الشّطر الآخر من الحي، يقصده ليلقى رفقة حقيقية... يعلم أن بيتهم في زخم الحقيقة مثل سراب... لا حركة فيه... وأنّ روحه تنشطر بين منزل ومنزل... لا تعنيه أيها ينزلها أولا... هو يريد أن يؤخّر النّزول.

إن سار لتوّه دون انقطاع وصلها في الهزيع الأول من الليل... وإن ترنّح أدركها في آخره...

يبتعد قليلا عن ذكرى قديمة... ويرفع بصره يودّعها ثم يقول...

-"لعلها لحظة الفراق بيني وتخاريفي..."

سار يلتهم الطريق... لم تعد تعنيه مطبّات الذاكرة المحفورة على مسلكه.... يرفع بصره للسماء ويمشي...

بدأت الشمس تحطّ رحالها، وخفت نورها فصارت بين شعاع وظلمة...أضحى على مشارف الحاضر.... الحي يعجّ بالحركة، إنهم أناس لا وهم وأطياف... تسمع خطابهم وترى بعينك حركتهم، تصلك رائحة أكلهم وتشمّ ريح مواشيهم... من هناك صبيان كثر هرجهم وصراخهم... وهنا شيوخ أسندوا ظهورهم لحائط عطّار الحيّ... تصغي إلى مزاحهم، وتلمح الزّمن وفعله الظّالم... يمسّي... فلا تتغيّر ملامح وجوههم، مسيره لا ينقطع، هو يعبر الأزقّة ليتذكّر... وعلى كلّ عابر يمسيّ فلا يصغي لردّ التحية... يدنو ويمسّي فلا يظفر بإجابة... يأخذه الفضول فيلمس أحدهم يحرّكه ليتحسّس صدق صورته ويمسّي... لا جواب... 

يقول... 

-"إما أني نزلت أرض أشباح، أو أني أنا الشّبح... لقد صحبت أحد تخاريفي بين أمتعتي... "

"سأصرخ فأصيب أسماعهم".... يفعلها فلا تتغيّر الوجوه.... 

-"سآتي بشيء منكر، سأرمي بيوتهم بحجر، وأفرّق تلك الحلقات، فأفوز بسخطهم، فإني له راغب." يفعل فلا يصيب منهم شيئا... 

-"سأعبث بملكهم"... يفعل... فيظلّ المشهد على حاله... 

-"سأوقد ناري وسط الطريق، وأقطع مسيرهم".... يفعل... فيلتهب المكان، وترتفع ألسنة النار، ويأخذ منها بعضها يرميها على كوم القشّ والحطب المجاور لبيوتهم... وينظر في صمت ويقول... 

-"إما أن ناري غير نارهم، وإما أن لهم تعويذة.... "

يتقدّم بخطاه تاركا ناره وحقيبته وعبثه وحجره... ويستجدي كبارهم أن سلّموا وأن تعرّفوا على ابن هجركم وهو منكم، تعلموا منبته وهويته... وأنه إنسان مثلكم... ثم ينعطف إلى صغارهم يروي لهم قصصا كان يعيش داخلها مع إخوتهم وآبائهم... ويقصد نسوتهم فيمسّي، ويذكّرهم بثرثرتهم عند اللقاء... ويقصد أترابه يعلمهم أنه صاحبهم، وأنّ الزّمن أكل منه صورته السّابقة... 

هم لا يصغون إليه... ولا يرونه حتّى... إنه ميّت يمشي ويتنفّس ويتكلّم.... 

يرفع عينيه إلى منزلهم القديم وهو يجثو على ركبتيه، ثم يرسلها إلى أسفل أرضه ويصمت.... 

أنفاسه تنحبس داخله.... وحركته تتحنّط فلا يقوى على حمل نفسه ليكمل خطوات نحو مقصده، فيريح جسده، ويتبيّن إن كان ينزل أرضه، أم مازالت روحه معلّقة بالخارج أين تخاريفه وأضغاث أحلامه... 

يطيل جلسته، ويطيل النظر إلى الأسفل... يحسّ بأجساد تدنو، وأنفس تتحرّك، ورياح تراقصها أيادي بشر... ناره من هناك تصبح رمادا، ومتاعه يتبدّد وذاك الرّماد... لم يظلّ من رفقة الطريق سوى روحه وجسده الخائر... سيجارته التهمها والتهم بعضها مجنونه... وكذا رغيف خبزه، ولحافه نسيه أين تلك الملاعين الشّقية... وذاكرته ودّعها حيث بيت قائده وسار نحو الحقيقة يطلب إلهها... فخيّل له أنه أدركها ليجد أناسا لا ترى ولا تسمع ولا تملك إحساسا.... 

يغمض عينيه يرغب بسفر فتزيد الحركة وتضيق عنه الدنيا... يشعر بحلقة... بشيء يلفّه فيرفع رأسه فإذ بهم يحيطونه... شيوخهم ونسوتهم... كبيرهم وصغيرهم.... جاءوه بعد تنكّر...

إن بهم شيئا عجابا.... يخيّم صمت رهيب على المكان فلا تسمع شيئا... حتى أغنامهم خرست.... ولا ترى منهم حركة سوى بريق في أعينهم... يسكت برهة ويقول...

-"يدنو بعضهم... لا يكلّمني منهم أحد... طرحوني أرضا، ومدّدوني، وقوّمي اعوجاجي... ثم تدنو مني بعض النسوة تحمل كل منهنّ لحافا... لا تسمع لهم كلمة تعي بها مقصدا.... وبعدها حملوني وساروا في جوف اللّيل وعيني شاخصة أرقب حركة مسيرهم ووجهتهم... طابور يسير خلف حاملي جسدي، لا أحد يردّد قولا، ولا يخطئ صغيرهم فتصغي إلى قول مسروق، ولا ترى إشارة... لا بكاء أو تحصّرا وألما.... ولا شفقة.... ولا تذمّرا... ولا ابتسامة بريئة أو ساخرة أو ماكرة... لا دمعة تسيل... يختفي الإنشاد والذّكر وتحجب التعويذات... ويقبر حوار شبيه الإنسان بالسراب والأطياف والخيالات والجماد والحيوان.... مشيتهم منظّمة، لكنها ثقيلة...يلحق بهم صاحبي المجنون فيأخذ مكانه، نقلت نظري إليه أترقب جنونه... انتظرت أن يطلب سيجارة أو رغيف خبز أو يردّد أن لبّيك قادم...إنه لا ينطق... إن حاله أفضل... 

يواصل الحشد حملي... أطلق بصري للوراء فإذ بالكلب الأبيض يلحق من الخلف ومعه معشر الدود وكبيرهم... وعصا لا تبدو يابسة كآخر عهدي بها تسير محاذاتهم، وخيالات تحاذي أشجارا قرب المسلك تتراقص كعادتها.... وقطع متزاوجة بين بياض وسواد تفيض على المكان فتضيء بعضه وتزيد في ظلمة بعضه، إنّها ترافق صاحب الكفن غريمي المجنون .... 

نحن نقترب إلى مكان ضبابه كثيف فلا أميّزه.... ينقشع قليلا فيظهر شبه جسد ... ينتظر قدوم الموكب... فريسة حجري ذاك الشيخ الهرم الخرف صاحب السطوة والقوة في الزّمن الآفل، كأنّ بالصّحبة قد اكتملت وحضرت جميعها.... لم يحضر عقيل بعد...

يتواصل سير الجماعة على هيئة قافلة راحلة... لقد فرغ الحي من أهله وما بقي منه إلا متاعهم وأنعامهم... أنظر خلفي لعلها تتبعني... 

حدّثت من يحملون جسدي عن وجهتنا وكأنهم صمّ عمي لكلامي لا يفقهون، وحاولت عبثا الترجّل فإذ بها أصفاد تربطني إليهم... بدأ الزحف فسارت أقدامهم تبتلع ما خلفهم فتبخّرت أثارهم جميعها.... أشرفنا على مضارب كأني أعلمها... لا تبدو غريبة، على بابها يقف وبيده متاعه... صاحبي المجنون ثانية واقفا لا يخطب وهو الزّعيم... انتظرت أن يمدّ يداه هذه المرّة ليتناول سيجارة أو أقتسم معه رغيف الخبز فلم يفعل... ظلّ يقسم بصره بين القادمين وهناك حيث جهة الجنوب ثم يتعطف شرقا، فيبدأ العدّ لخطاهم قاصدين ذلك المكان الذي أشار إليه صاحبي المجنون.... ليقفوا عنده... حفرة لا تبدو عميقة بها رماد ودود وعصا ممدودة وآثار كلب ينام ليله... 

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • تخاريف    تخاريف الفصل 22

    يدنو بعضهم... لا يكلّمني منهم أحد... طرحوني أرضا، ومدّدوني، وقوّمي اعوجاجي... ثم تدنو مني بعض النسوة تحمل كل منهنّ لحافا... لا تسمع لهم كلمة تعي بها مقصدا.... وبعدها حملوني وساروا في جوف اللّيل وعيني شاخصة أرقب حركة مسيرهم ووجهتهم... طابور يسير خلف حاملي جسدي، لا أحد يردّد قولا، ولا يخطئ صغيرهم فتصغي إلى قول مسروق، ولا ترى إشارة... لا بكاء أو تحصّرا وألما.... ولا شفقة.... ولا تذمّرا... ولا ابتسامة بريئة أو ساخرة أو ماكرة... لا دمعة تسيل... يختفي الإنشاد والذّكر وتحجب التعويذات... ويقبر حوار شبيه الإنسان بالسراب والأطياف والخيالات والجماد والحيوان.... مشيتهم منظّمة، لكنها ثقيلة...يلحق بهم صاحبي المجنون فيأخذ مكانه، نقلت نظري إليه أترقب جنونه... انتظرت أن يطلب سيجارة أو رغيف خبز أو يردّد أن لبّيك قادم...إنه لا ينطق... إن حاله أفضل... يواصل الحشد حملي... أطلق بصري للوراء فإذ بالكلب الأبيض يلحق من الخلف ومعه معشر الدود وكبيرهم... وعصا لا تبدو يابسة كآخر عهدي بها تسير محاذاتهم، وخيالات تحاذي أشجارا قرب المسلك تتراقص كعادتها.... وقطع متزاوجة بين بياض وسواد تفيض على المكان فتضيء بعضه وتزيد

  • تخاريف    تخاريف الفصل 21

    -"وهل توقفوا؟ "_'لا بل زادوا... أخبروني أن الدّماء داخلي سائلة مميّعة، وأن تجمّدها سيريح وجعي، فوضعوني داخل مخزن تبريد به ثلج كثيف... أخرجوني مثل قطعة جليد، وأخبروني أن الماء السّاخن يريح علّتي ويعدل حالي، ففعلوا حتى اصطلى جسدي... ثم خرجت من عندهم إلى داري ...'-"وهل صرت على منهج غير ما تعلّمته؟ "_'قلّبت نظريتي غربيّها وشرقيّها، فوجدت الإنسان كيانا كادحا، يكافح لغاية مبدؤها ثروة وعدالة... '-"وكيف يحققها...؟"_'بثورة على الحاكم والكفر بمنهجه... '-"هي نفس الفكرة الأولى هل زاروك ثانية؟ ... "يطيل النظر إلى الفتى ويقول... _'نمت في زنازينهم ليالي، وأطعموني ماء مغلي ممزوجا بشيء مسموم، ورغيفا يابسا أو قل حجرا من سجّيل... وغطوني بلحاف من أشواك وعيون... ورأيت كرمهم حين تصافحني يد سجّان محكوم بنار حقد على كل مخالف بالعدل مسكون... ويلقي بي حيث سراديب بها عقارب وسموم تأكل من نصيبها علّي ألاقي سميعا عليما... ''أتعلم أنهم أعدموا أبنائي؟ '-"أي قسوة تلفّهم؟ كم أعمارهم؟ "_'منهم ابن البارحة، ومنهم من يبلغ المائتين أو تزيد ...'-"ماذا تقصد؟ "_'هي كتبي أعدموها، وجهل حارقها أنها محفورة في هذا الر

  • تخاريف    تخاريف الفصل 20

    عاقل من ينعتك مجنون... فيصيب حزنك وشجونك...ويجبرك أن تختار بين جنونك...أو قطع رزق من يطعمونك"...ثم ينظر إلى تلك المصابيح فيحدّثه شيطانه أن يجمعها حيث ركن ويغطّيها فتذهب تلك الأجسام صاغرة يلفّها غطاء لا تبرق ولا ترقص فيه ولا تنشد... فيفعل ويغادر ضاحكا نحو غايته...***انشطر روح الحي نصفين... عتيق وجديد... بيوت بدأت تطلّ بجدرانها القديمة... تنسج خيوط الماضي بدقّة... إنها قصص منسيّة تعاند الأزمنة...تتدفّق فيه صورة نسيها وانسابت خواطره تتدافع... تفرّ من سكونها إلى حركتها...إنها ليست بالبيوت... إنها حياة... إنها أرواح وذوات بها عيون ووجوه وشفاه... إنها تنطق وتسمع... تكتم سرّا وتفصح حين السؤال وتريح عند الكدر... بيوت تداوي العلل وتشفي وتحيي...يعبر أزقتها... أي خراب قد أصابها؟ من شقّ جوفها؟ ...هذا بيت الطّيبة، وذاك منزل المؤذّن، وهناك بيت العلاّمة... وفي آخر الزقاق الأم الكبيرة... وفي الوسط بيت القائد هكذا كانت ألقابهم ...يقف عند بيت القائد ... بيت متواضع لدارس علم ومعرفة ومثقّف لا تملّ محاورته... يطرق فكرة فيسرد معناها، ويشرح جوهرها، ويعطي بديلها، ويستدلّ بحججه فتقنع... ثم يواصل فيبس

  • تخاريف    تخاريف الفصل 19

    نلفّه بقبس ... ونخيطه دسائس... نلبسه وجه عابس... فلا تجزع إن أسرف... بضربك أو نهرك ... أو طردك من مجلس... أو قهرك عند المحن... أو دفعك بقسوة ... والشك فيه قابع ... يصفك بفاجر ..." تهفت قليلا وبه شكّ يحدّثه أن الإنشاد لحلقة ذكر هناك عند الحي وأنّ صداها يسمع.... تتدافع الأصوات كتدافع لعبة الأبيض والأسود المعلّقة أعلى قبر شيخ الكرامات فتقول محدثة بعضها... _'أتراه؟' 'لا هو في الجوار... ' _'اتسمع صوته؟ ' 'لا إنه أخرس... أو سكت كي لا يفتضح أمره ' يحدث نفسه سرا... -"إنها قطع من نور وظلمة وإنها ضريرة " يتواصل الحوار... _'أبه رائحة؟ ' 'أجل به، وإني عائد إلى حيث الكفن، لأسأل خالقي يدلني فالعطور تتشابه.... ' _'اذهب، ونحن هاهنا باقون وإن له لممسكين ' في سرّه مجددا... -"لقد اقلعت عن العطور مذ شددت الرحال إلى تلك المنازل.... هذه واحدة أغنمها بعد مشقّة... " تواصل تلك المصابيح رقصاتها وتواصل قطع السواد مناجاة رديفتها.... ليأتي مبعوثه حيث الكفن... _'نعم إن به رائحة... ' 'وكيف تكون؟ ' _'ليست عطرا... ولا مسكا ولا عود ندّ.... إن به عرقا' 'كيف يبدو؟ ' _'لم يفسد' 'وم

  • تخاريف    تخاريف الفصل 18

    فعل فعلته، ومرّر عليها كبريته لتشتعل، فيسحب دخانها الكثيف متسلّلا إلى رئتيه فيطرب عقله.... يعيدها متواترة ... ينظّف ويلفّ، ويشعل ويسحب دخانها... ثم يكتفي... لقد صار أفضل... يواصل سيره بعد فسحة صغيرة، ويرقب صامتا تلك المسالك... إنه يطلب راحة... ليس التّعب بل شعور غريب بشيء تسلّل إلى أعماقه يقضمه.... يلوح في الجوار جدار قديم بزاويتين، تقدّم وآوى إلى ظلّه ينشد دواء... يتّكئ... ثم يتمدّد... به ثقل وارتعاش... يعاوده ألم الرأس، وفي عينيه دمع ساخن يخرج منسابا... أصابه تعرّقا زاده في ارتعاشه، فأخذ يطقطق أسنانه دون توقف.... يغفو أو ربما يكون قد أغمي عليه، فدنت منه غيبوبة لا يعرف مداها... إنه محموم من ليلة صقيع ممطرة... لا يد آدميّ تعالجه، ولا جار أو عابر سبيل يعثر على جثّته إن أخذته يد المنيّة غيلة.... يئنّ طويلا، ويخلد إلى كوابيسه اللّعينة وأضغاث أحلامه.... تمرّ أمامه أحداث متلاطمة تعيد شريطا من الحكايا إلى الوراء... يرى منها طيفا... وأحيانا يسمع كلمة، أو إشارة متكلّم ... يقف به حلمه الممزوج بالحمى عند ليل كسيح ... لا رغبة له في الأحلام.... فنفسه متثاقلة عزوف، وبعضه يأكل بعضه بلا شفقة،

  • تخاريف    تخاريف الفصل 17

    -"بسطوة النار، وحكم لهيبها، وبحق الحقيقة، وصوت الحقيقة، لأجعل منك قصّة إنسان بدل شبيه إنسان...."تغرق نظراته في التحديق بالعاشقين.... إن بعينيه بريق تتدفّق منه نارا حامية، وإن بلسانه كلام يثقله شربه، وإن به حركة معطّلة يتربّص بها صائد ملذّة....تسري في هشيم وحطب، فتزيد توهّجا، تحرّكها ريح شرقية تأذن بليلة ملائكية.... تتراقص ألسنتها فتحرّك الأطياف الجاثمة القابعة على مقربة منه...فينطق مقاله ...- "لقد بدأت في الاحتفال... مرحى برفقة تؤنس جمودي... إني لا أبالي بقول شيخ يدّعي أنه حكيم... لن أقلع عن حديث الإنس والجن، وخلائق الأكوان صلبها ورخوها، فإني مثلهم جسد ينشد طرب النفس، فأكون ظالما إن تركت... لن أترك أمرا كنت له طالبا ولو صرت بدل المجنون ألف مجنون...""لن يعاتبني قريني، فإنّ به رغبة تسرق بعض من روحه... وتزرع نطفتها في غير ذي أديم، فتنبت بغير ذي جبلّة..."يستقيم ويبسط يداه مثل منشد... يطلق كلمات تدعو صحبه أن ...-"اجتمعوا... فلي قول إن حفظتموه سلمتم، وإن أدركتموه وتدبّرتم معانيه ملكتم أرواحكم وآمنتم قسمتها بين لصّ وحاقد وحاسد وظالم وواعظ ومرشد وصادق... وإن أنتم ردّدتم قولها في ليلكم ت

  • تخاريف    تخاريف الفصل 9

    رمى متاعه وخرج باحثا عن طوق نجاة ليعانق سعة المكان، لم يعد يقدر على مجاراة قساوة الأحداث. في الخارج تنجيه برودة الطقس، فيعي أنه لم يخلد بعد في نار جهنّم. لم يعد أسيرا أسفل ركام، له أن يأوي إلى ركن به منافذ كثيرة تمرّ منها صدمات هواء. لن يشعل نارا هذه المرّة، لعله لا يريد زائرا، أو يفضّل مزيدا من ن

  • تخاريف    تخاريف الفصل 8

    يزيد في بحثه فتتعثّر يديه بصندوق أسود يختلف عن صندوق المال. يفتحه، إن به ورق صغير مزقته يد بارعة إلى بطاقات ومعها قنّينة. يبدو عطرها مختلف. يسكب منها قليلا فإذ بسائل أصفر شبيه الزّعفران يواصل السّكب. بقرب القنينة كتاب صغير على غلافه طلاسم، ومصحف صغير ملفوف داخل قطعة قماش بيضاء، ومن تحته أجزاء من أق

  • تخاريف    تخاريف الفصل 7

    'ما أعجب له كيف قبلت به زوجا وهي الرّقيقة الصغيرة، وهو وحش متجبّر حين يزأر تفرّ منه الأنوثة أو تموت مكانها خوفا. إني أعجب إن كان قد أحب يوما أو نطق كلمة غزل... يبدو سليل آكلي لحم البشر تصالح مع الحضارة فهذّب من نفسه قليلا'يضحك طويلا ونضحك معه ثم يواصل.' ليلتها بقيت معلّقا وهو يراقب ملوّحا بعصاه ا

  • تخاريف    الفصل 6

    يغادر المكان، يعاند خطواته ليقف عند مفترق طريقين يعلمهما جيدا، أوله سهل منبسط مختصر يخلو من الالتواءات، وثانيه طويل، به مضيق مضن، وفيه تعرّجات تحاذي المنازل المتناثرة المتباعدة عندما تسلكها تقف عند بقايا آثار قديمة لأناس حيكت عنها أساطير تطرب الأسماع. لم يفكّر طويلا، إن به رغبة مبطنة تقف دونه وبلوغ

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status