تسجيل الدخولديلان هو أسوأ نجم في تاريخ صناعة الموسيقي، موهبته لا تُنكر لكن غضبه المدمر، ومواعيده الفاضحة التي يتخلى عنها، ولسانه الساخر، جعلوا كل مدير أعمال يهرب منه، يستمر في كسر كل شيء حوله لأنه منذ سنوات مات شخص بداخله بعد انتحار حبيببته المفاجئ، ولم تعد الموسيقى وحدها كافية لإحيائه. إيما لم تكن تحلم بأن تكون مديرة أعمال، كانت تحلم بأن تصبح كاتبة أغاني لكن الحياة كانت لها رأي آخر عندما تقبل وظيفة في أكبر وكالة ترفيهية في إسبانيا، كان كل ما يهمها هو الراتب إنها بحاجة للمال وليس لديها ما تخسره حتى هي لا تعرف أن العقد سيربطها لمدة عام كامل بـ ديلان، الرجل الذي يعرفه الجميع باسم "الفتى السيئ". عام كامل في منزل أسوأ رجل في البلاد إما أن تصلحه أو تحترق معه.
عرض المزيدديلان
تركزت الأضواء عليّ، وأنا أمسك بجيتاري بحنان، وكأننا شخص واحد ثم بدأت أعزف وأتحرك في كل مكان على المسرح، أقفز هنا وهناك أغني بسلاسة وحماس والجمهور يتفاعل معي بقوة. أنا أعلم جيدًا كيف أثير حماستهم فرغم كل ما أمر به في حياتي أعلم أن الشيء الوحيد الذي ينسيني كل شيء هو وجودي هنا وسط الجمهور، فلعل صراخهم العالي يهدئ من الصرخات التي داخل عقلي. انطفأت الأنوار فجأة، وانقطعت الموسيقى مما أثار ريبة وقلق الجميع لكن فجأة، ظهر الضوء مجددًا وسط الجمهور بالأسفل، وصوتي العذب بدأ يملأ الأرجاء مجددًا مضيفًا البهجة والحماس إلى تلك القاعة الواسعة. وسط كل صرخات المعجبات، وغنائهم معي وترديدهم لكلمات أغنيتي العميقة التي ألفتها مؤخرًا، كان كل شيء يثير حماسي ويجعلني أشعر وكأني حي من جديد رغم أن كل شيء داخل روحي انتهى منذ عدة سنوات، بعد موتها المفاجئ، كانت الموسيقى هي الشيء الوحيد الذي يشعل حماسي. أنهيت عرضي، ثم ذهبت إلى غرفة الإعداد الخاصة بي ثم تركت جيتاري على الأريكة، وفككت أزرار قميصي الأولى وجلست على كرسيّ أمام المرآة وأغمضت عينيّ بتعب. "هاي، ديلان. لديك اليوم موعد مع جيجي" همس مدير أعمالي متوترًا، هو يعلم جيدًا نوبة الغضب التي سيحظى بها بعد قوله تلك الجملة لكن كيف لا يفسد يومي؟! "واللعنة مجددًا! ألم أخبرك ألا تستمع لوالدي بشأن تلك المواعيد المدبرة والجحيم؟ إلى متى ستظل غبيًا بحق السماء ولا تستمع لي؟" صحت به بعصبية وغضب، لم يكن لديّ شخص آخر أفرغ به غضبي الذي لا ينتهي من أي شيء ومن كل شيء حولي في آن واحد. نهضت من مكاني، والغضب يشعل ملامحي ثم كسرت كل ما وجدته أمامي، وأنا أصرخ في مدير أعمالي بأن يذهب من أمامي الآن قبل أن أفقد أعصابي أكثر. أنا قد سئمت حقًا من تدخل والدي الرهيب بحياتي دون أدنى حق، يكفي بالفعل انني أكره كل شيء بحياتي وبالكاد أستطيع التماسك حتى لا أنهي حياتي في طرفة عين صرخت بكل طاقتي أمام المرآة، وأنا أحاول إخراج كل بقايا الحطام التي داخل روحي، لكنها تأبى دومًا الخروج. --- "عارضة الأزياء الشهيرة جيجي ڤالنتين تم رفضها من قبل المغني العالمي ديلان هايز" "لم يذهب لموعده معها قائلًا إنها ليست من نوعه المفضل" "يا إلهي كم هو مغرور! حتى أنني سمعت أنه شاذ أيضًا" "محبوبة الجماهير رُفضت من الفتى السيئ" "هل تريد سماع المزيد من التعليقات، ديلان؟ أم هذا يكفي بالفعل؟" قال مدير وكالتي الفنية بغضب، وأنا أعبث بهاتفي بلا مبالاة وكأنه لا يتحدث معي من الأساس. "أنا لا يهمني شيء من كل هذا." قلت ببساطة، رافعًا كتفيّ بطريقة مستفزة. "وهل ستتطعم جميع الموظفين إذا أفلسَت الشركة بسببك؟ يا إلهي! إنك تقودني للجنون حقًا هذا إلى جانب مدير أعمالك الذي قرر الاستقالة لأنه أصبح يخاف من ردة فعلك عند الغضب." قال جاك مدير الوكالة، بغضب وهو يحكم قبضته بقوة "أنتم من تغضبونني على أي حال، يا رفاق لماذا تضعون مواعيد مدبرة بجدولي اللعين؟ ولماذا تحضرون لي في كل مرة مدير أعمال غبي لا يستطيع فهمي ويستمع لأبي دون تفكير؟" قلت بغضب "هذا كان طلب والدك الذي يصادف انه الرئيس التنفيذي للشركة فهل تتوقع ان اي مدير اعمال سيرفض طلبه؟ ثم هل تعجبك تلك الشائعات عن كونك شاذًا؟ أنت حتى لا تنفيها، ديلان" صاح جاك بغضب فقد ضاق صدره حقًا بالتحدث معي. "يا إلهي، سنعود لتلك القصيدة مجددًا، أنا لا يهمني ما يقوله الناس هذه حياتي أنا وهكذا أريدها ولا أعلم لماذا تهتمون كثيرًا بما يقولونه؟ الناس لا يسكتون على أي حال" قلت بغضب وأنا أطرق بيدي على الطاولة "لأن سمعتك اللعينة هي من يدخل لك الأموال قبل أي شيء، فكر معي للحظة ديلان من سيستمتع بغناء مغني سيء السمعة؟ كما أنه ثالث مدير أعمال نغيره خلال هذا العام وجميعهم أصبحوا يخافون التعامل معك، سمعتك ستدمر شركتنا يومًا ما وحينها جميعنا سنخسر ولست أنت وحدك" صاح جاك محاولًا إقناعي. "تلك ليست مشكلتي، إذن اعثر على مدير آخر يفهمني وعلمه ألا يكون ساذجًا ولا يستمع لأبي في كل شيء مثل الآخرين، لأنني لن أستمع لأي شيء تخبرونني به" قلت بسخرية. "واللعنة، ديلان. إن أباك هو صاحب الأسهم الأكبر هنا، وهو المتحكم الرئيسي بالشركة، وأنا شخصيًا أحصل على راتبي من أمواله فهل تعتقد أن أي مدير لن يستمع إليه؟ أنت حتمًا تمزح" قال جاك بسخرية. "إذن تلك مشكلتك وليست مشكلتي جاك، أنا سأذهب للبار وقد أتأخر لذا لا ترسل أحد رجالك الأغبياء خلفي أنا أرغب في الاستمتاع بنجاح حفلتي اليوم ولا أريد لأحد أن يفسد مزاجي" قلت ببرود ثم خرجت من المكتب وكأني لم أفعل شيئا. --- رائحة الكحول تملأ المكان وأصوات الأغاني الصاخبة تتردد في أذني، بينما كأس النبيذ الأحمر بين يديّ، أرتشفه ببطء، مغمضًا عينيّ لأستشعر طعمه المحبب. لم يخرجني من نوبة انتشائي سوى صوت سحب المقعد بجانبي، التفت فلم يكن سوى صديقي المفضل ماركو. "ماركو، لم أنت هنا؟" همهمت، ثم أعدت نظري للكأس دون أن أتفوه بأي كلمة أخرى لا أريد محاضرة اخرى يكفى ما حصلت عليه من چاك صباحا. "أيها الغبي، إلى متى ستقلقني عليك هكذا؟" صاح بي ماركو ثم ضربني بخفة أسفل رأسي فابتسمت ببلاهة أثر الثمالة التي بدأت تغزو عقلي. "أوه، ماركو الصغير قلق عليّ الآن" قلت بسخرية وأنا ارفع سبابتى نحو وجهه. اقتربت جيجي من المقعد المجاور لي من الجهة الأخرى، فالتفت إليها أنا وماركو بتفاجئ متى أتت وجلست بجواري هكذا دون سابق إنذار؟ أم انني اصبحت ثملا للغاية؟ "واللعنة ديلان! إلى متى ستظل تتصرف بتلك الطريقة معي؟ هل أنا مزحة بالنسبة لك؟" قالت جيجي بغضب وهي تأخذ كأس النبيذ من بين يديّ وترتشف ما به، نظرت إليها ولم أنطق بأي كلمة. "هاي، ماركو. هل هو شاذ فعلًا؟ هل تتواعدان كما تقول الشائعات؟" سألت جيجي ناظرة الى ماركو بنظرات شك، فضحكت بسخرية على سذاجتها. "جيجي إنه ليس شاذًا لكنه وغد لذا لا تتأملي كثيرًا أن ينصلح حاله، أنتِ الفائزة حقًا كونه لا يواعدك أنا صديقه ولكنني بالكاد أتحمله" قال ماركو بهدوء ثم وضع يده على كتفي تأففت جيجي من حديث ماركو الساخر فهي لم تحظى بإجابة شافية كما ارادت. رن هاتفي فجأة، أخرجته من جيب معطفي ثم نظرت لشاشة الهاتف فإذا المتصل هو شقيقي الأكبر راين، رميت الهاتف بقوة فكسر بعض زجاجات النبيذ التي كانت أمامي على البار. "واللعنة!" صرخت ثم أمسكت الكأس بقوة ليتفتت بين يديّ وتسيل دمائي بين أصابعي أصبح الملهى صامتًا وصوتي وحده هو المسموع فيه، و ها هي فضيحة اخرى ستلحق بي صباحًا. لقد جن جنوني مجددًا وأنا أصيح بقوة في كل من أمامي وأهشم كل زجاجة تلمحها عيناي، أرى نظرات الرعب التي تملأ عيناي جيجى ولكن لا يهمني، لما واللعنة هو مجددا؟ وسط نوبة غضبي المثيرة للشفقة شئ ثقيل ارتطم بمؤخؤة رأسي اصبحت الصورة مشوشة امام عيناي في لحظات حتى انعدمت تماما فاقدًا الوعي.ديلان كانت جلسة التصوير صامتة، المصور كان يوجهني وأنا كنت أتبع تعليماته آليًا، ابتسم هنا انظر هناك، أدر رأسك قليلاً، ارتد هذه النظارة، اخلعها، ارتد الأخرى. كانت عيناي ترى الكاميرات، لكن قلبي كان في مكان آخر، كان معها لم أستطع التركيز، كانت كلماتها لا تزال تتردد في رأسي مثل أغنية حزينة لا تتوقف "أنت لن تصدقني هذه المرة أيضًا" رأيت الدموع تتجمع في عينيها. "رائع يا ديلان! هذه العيون! هذه النظرة الحزينة بالضبط ما أردته!" قال المصور لم أكن أعرف أن حزني كان بهذا الوضوح، كنت أعتقد أنني أجيد التمثيل، أجيد إخفاء ما بداخلي خلف ابتسامة مصطنعة، لكن الكاميرا لا تكذب والصور لا تخفي شيئًا. انتهت الجلسة أخيرًا، كان الجميع يصفقون والمخرج يقول إن الصور ستكون الأفضل في الحملة، جاك كان مبتسمًا وماركو كان منهمكًا في مكالمة هاتفية ربما يحل مشكلة جديدة من مشاكلي التي لا تنتهي. وقفت وحدي في زاوية الاستوديو، أنظر إلى يدي، وأتساءل ماذا أفعل الآن؟ أين أذهب؟ كيف أواجهها بعد ما حدث؟ تراجعت إلى غرفة الاستراحة الخاصة بي، كانت مظلمة، باردة، والطاولة زجاجية تعكس وجهي المتعب، جلست على الأريكة ووضعت رأسي بين
إيماأغلقت باب غرفتي خلفي واستندت عليه بكل ثقلي.كان قلبي يدق كالمجنون، وأنفاسي تتسارع كمن ركضت ميلاً كاملاً دون توقف. أغمضت عينيّ، وحاولت أن أتنفس، لكن الهواء لم يصل.سمعت خطواته في الأسفل، كانت تتحرك ذهابًا وإيابًا، كما لو كان يحاول أن يقرر شيئًا ولا يستطيع. ثم توقفت ثم سمعت باب غرفته يغلق، لم يأتِ إليّ. ولم أذهب إليه.كيف وصلنا إلى هنا؟ كيف تحول كل شيء جميل بيننا إلى هذا الألم؟انزلقت ببطء على الباب حتى جلست على الأرض الباردة. كان الخشب باردًا تحت جسدي، ضممت ركبتيّ إلى صدري، وأحطت ذراعيّ حولهما، وتركت الدموع تسقط بحرية. تذكرت كلماته"لو كنتُ أعلم أنكِ هنا دائمًا... لما أحببتها يومًا"كانت الكلمات التي انتظرتها لسنوات، الكلمات التي كنت أتمنى لو قالها لي في الجامعة قبل أن تدمر إيزابيلا كل شيء بيننا، كنت أتخيلها في أحلامي كيف سيكون وجهه عندما يعترف، كيف سترتجف يداه، كيف سأنهار أنا في حضنه.لكنها جاءت متأخرة، متأخرة جدًا.. وكانت مؤلمة أكثر من أي صمت. لأنها جاءت في لحظة انهيار، في لحظة لم تعد الكلمات فيها كافية لترميم ما تحطم.نهضت بصعوبة، وتوجهت إلى السرير، كانت قدماي تترنحان كمن يمشي
ديلان "لا أستطيع التظاهر بأن كل شيء على ما يرام."كانت كلماتها لا تزال تتردد في رأسي كصدى لا يموت، تنحوت في جدران جمجمتي كأغنية حزينة لا تتوقف. نظرت إليّ بعيون تحترق بالدموع والغضب، وكان جسدها يرتجف كمن يقف على حافة انهيار، كمن يوشك أن يسقط في هاوية لا قرار لها.وقفت من على الطاولة، ويداها ترتجفان كأوراق الخريف في ليلة عاصفة. تنفست بعمق، وكأنها تحاول جمع ما تبقى من نفسها المتناثرة على الأرض، من كرامتها المبعثرة بين كلماتي الجارحة وصمتي الخائن."لنحافظ على الحدود بيننا، ديلان." قالت بصوت هادئ، لكنه كان حادًا كالسيف، كشفرته التي تقطع الأمل قبل أن يولد. "هذا أفضل لنا. لك ولأعمالك ولصورتك ول...""أنا أفعل ما يحلو لي." قاطعتها. كانت كلماتي باردة، جامدة كجدار من حجر، كجدار بنيته حول قلبي منذ أن تركتني أمي وأنا لا أزال طفلاً.صمتت للحظة. نظرت إلى الأرض، ثم رفعت عينيها إليّ مجددًا. كانت دامعة، لكنها لم تبكِ. كانت تمسك دموعها كما تمسك بجرح لا يريد أن ينزف، كما تمسك بسر لا تريد أن يفضحها."هذا أنت دائمًا " همست "لننسَ ما قلته، الكلام لن يغير شيئًا، هذا كان أثر الكحول فقط، لم يحدث شيء."استدارت
ديلانخرجت من الحفل وأنا أشعر بثقل الساعات الماضية على كتفيّ، الموسيقى الهادئة، الابتسامات المصطنعة، كلها كانت تختلط في رأسي طوال الوقت. تركت الحفل خلفي، وعدنا إلى المنزل الصامت، كان المنزل فارغًا، باردًا، كأن الحياة توقفت عند عتبة الباب.لم نتحدث ببنت شفة وذهب كل منا لغرفته، كنت بحاجة الى حمام ساخن يزيل تلك الافكار عن رأسي وعندما خرجت لم اجدها، حاولت الاتصال بها ولم اجد ردًا.غرفة المعيشة كانت فارغة، المطبخ كان فارغًا حتى الاستوديو الخاص بي كان خاليًا من أي صوت.صعدت الدرج بسرعة، وقلبي بدأ يدق بشكل أسرع أين هي؟ لماذا لا ترد على هاتفها؟وصلت إلى باب غرفتها، كان مفتوحًا قليلاً دفعته برفق، فانفتح على غرفة مظلمة، رائحة عطرها كانت لا تزال عالقة في الهواء، ثم رأيت باب الشرفة مفتوحًا.الستائر البيضاء كانت تتحرك برفق مع الريح، وكأنها تهمس باسمها.توجهت نحوها بخطى ثقيلة، كانت شرفة صغيرة، تطل على الحديقة الخلفية، القمر يلقي بظلاله الفضية على الأرض كأنه يبحث عن شيء فقده.وجدتها هناك، كانت جالسة على أرض الشرفة الباردة، وساقاها ممدودتان أمامها، وظهرها مستند إلى الدرابزين الحديدي، كانت ترتدي قميص












المراجعاتأكثر