LOGINقاطعتها جنان بفخر وهي تعدل ياقة معطفها الجلدي:"ولكنكِ أيقنتِ الآن أنني ربما أشدكم ذكاءً، أليس كذلك؟"تنهدت لمار بنبرة متمنية:"ليتني أملك شيئاً يسيراً من صلابتكِ ورؤيتكِ."هزت جنان رأسها بنفي:"هذا ليس هبة ولدتُ بها، بل درساً صقلتُه بالممارسة. كنتُ مثلكِ تماماً في السابق؛ أميل للانكفاء والبكاء. وفي مراهقتي، توهمتُ أن ملامحي تغدو أكثر رقة وجاذبية حين أكون حزينة، ففضلتُ البقاء في شراسين الحزن لأبدو جميلة.. ولكن!"توقفت لحظة، فبادرتها لمار باهتمام:"ولكن ماذا؟"ابتسمت جنان كمن يسخر من ماضيه:"ولكنني لم أكن جميلة إطلاقاً! لم ينظر إليّ أحد بإعجاب كما توهمت، بل كانت النظرات التي تطوقني مليئة بالشفقة والعطف على حالي، لا بالانبهار."انقبض قلب لمار مع كلمة "الشفقة"، وارتسمت على ثغرها ابتسامة مريرة حين استحضرت ذاكرتها فوراً نظرات الحاضرين الشامتة والمشفق عليها عندما دفعها يمان بقسوة أمام الجميع.أدارت جنان وجهها نحو الطلاب المتناثرين في أرجاء الجامعة، واستنشقت الهواء العليل كمن يستحضر ذكريات قديمة:"حين كنا صغاراً، خُدعنا بكل شيء. رسموا لنا الحياة بألوان وردية براقة، فتشوقنا لتجربة كل شيء. أتع
ردت لمار بصوت هادئ يحمل اعتذاراً خفياً:"ليلى.. الأمر ليس كما تظنين. أنا أيضاً اشتقتُ إليكم جميعاً، لكنكِ تعلمين أنني عدتُ لمقاعد الدراسة منذ فترة قصيرة وحسب، وأحاول جاهداً تدارك ما فاتني من محاضرات..."سألتها ليلى بقلق:"وهل يعني هذا أننا لن نرى وجهكِ قريباً؟"هزت لمار رأسها بالنفي بغير وعي منها:"لا أعلم يا ليلى.. عليّ استئذان يمان أولاً، علّه يسمح لي بالقدوم إليكم."استفسرت ليلى باهتمام، ونبرة خبيثة تكمن بين كلماتها:"وهل سيتكرم يمان بالحضور برفقتكِ؟"شعرت لمار بالارتباك، واستشفت الابتسامة الصامتة خلف السؤال، فتلعثمت:"وهل يُشترط حضوره؟"أكدت ليلى بحماس متزايد:"بالطبع! وهل في هذا شك؟ نحن لم نلتقِ به رسمياً بعد، وعلينا التعرف على صهرنا الجديد عن قرب."ازداد اضطراب لمار، وسألت بنبرة متوجسة:"هل أمي وأبي من طلبا منكِ الاتصال بي؟"أجابت ليلى بعفوية تامة:"بالتأكيد! هما يترقبان رؤيته بشدة، ويريدان منكِ إقناعه بالحضور معكِ.. اتفقنا؟"اجتاحت لمار برودة مفاجئة، وتصلبت الملامح على وجهها، فجلدت شفتيها وهي تسأل بصوت خفيض:"ألم يقولا أي شيء آخر ؟"ردت ليلى بسرعة:"لا.." ثم أردفت بآمرة: "لا تن
لاحظ محاولاتها الحثيثة للابتعاد، فأفلت خصرها برفق، وهبط ببصره إلى الأرض وهو ينحني بقليل من الحرج:"أعتذر منكِ.. لقد تجاوزتُ حدودي."أومأت بجفنين مرتعشين، وأشاحت بوجهها عنه. استدارت بخطى سريعة ومضطربة نحو البوابة، كأن طيفاً يطاردها.أغمضت عينيها وهي تسير؛ كان لمس جسده ولفحة أنفاسه المباشرة يرسلان حرارة حارقة إلى وجنتيها. رفعت كفها لتلامس بشرتها المحمومة، وسألت نفسها بذهول:"ما الذي يحدث لي؟! لماذا يجتاحني هذا الشعور العارم بأنني أعرفه؟ أين التقت عيناي به من قبل؟"كان زياد لا يزال واقفاً عند السيارة، مستنداً بظهره على الهيكل الأسود، وعاقداً ذراعيه فوق صدره، ورجلاه متقاطعتان بعناية. ارتسمت على شفتيه ابتسامة جانبية غامضة وهو يتابع طيفها المبتعد بعينين حالكتين كليلة لا ضوء فيها... ذات العينين اللتين لم تغيبا عن مخيلتها قط.داخل القاعة، جلست لمار وعقلها مشرد بالكامل.لاحظت سارة شرودها الطويل غير المعتاد، فمالت نحوها وسألت بفضول:"ما الخطب يا لمار؟ أين يطير عقلكِ اليوم؟"نظرت إليها لمار بشرود وارتباك:"هل تتحدثين معي؟"زفرت سارة بعمق، وأغلقت كتابها بقوة، ثم أسندت ذقنها على كفها وقالت بنبرة ح
ألقى زياد عليها نظرة ثاقبة عبر المرآة العاكسة، وبملامح انطبعت عليها انفعالات مكتومة، وحين لمس صمتها الممتد، أردف بصوت هادئ:"غالبية الاضطرابات النفسية التي تستبد بالإنسان تتسرب عبر بوابة النوم كأول إشارة. يلوح لي أن الأمر يرتبط بقلق مزمن.. قلق ربما نمت جذوره في عتمة الطفولة، سواء بين جدران المدرسة أو داخل البيت."اطرد حبل أفكارها، فردت بصوت خفيض كاد يبتلعه الصمت، وعيناها مسمرتان على ظهر المقعد أمامها كأنها تجدل خيوط الغموض:"مشاكل.. منذ الصغر؟"رفعت بصره فجأة لتلتقي بعينيه الشاخصتين، ثم لوحت بيدها بنبرة ترتجف أطرافها:"لا، لا.. لا يوجد شيء من هذا إطلاقاً! أنا بخير، ولا أظنني مصابة بمرض كهذا."أحالت وجهها سريعاً نحو النافذة الزجاجية، فاكتفى زياد بضغط شفتيه بصلابة، كاتماً بقية كلماته التي تعلقت في حنجرته.حدقت لمار في الأشجار المارة بسرعة، بينما انسحب عقلها بعيداً عن حاضر السيارة. تسللت إلى مسمعها أصوات مبهمة ومقاطعة من الماضي، ترتطم بجدران رأسها كأنها تحدث الساعة:"إنها سيئة.. ضربت زميلتها لمجرد أنها تقدمت عليها في الدرجات!"كان الصوت الذكوري الصارخ يختلط بأزيز الريح وصرير العجلات على
صباح جديداستيقظت مع أشرقة الصباح الأولى بحيوية دفقت في أطرافها. اغتسلت، وعدّلت هندامها بترتيب، ثم سرّحت شعرها بعناية وضعت لمسات خفيفة من الزينة على وجنتيها. ارتدت بنطال جينز أسود، وكنزة رمادية، وشَدّت معطفها الشتوي الأسود فوقهما.تناولت كتبها وحقيبتها وهاتفها عن سطح المكتب، وغادرت الغرفة بحماس يضيء ملامحها.لم تعثر على أثر ليمان داخل الغرفة؛ فأغراضه لم تُحرّك، مما جعلها تعتقد أنه لم يعد في الليلة الماضية كما لمح لها. هَزّت رأسها لتطرد التفكير وهي تحدق في حافة السرير المرتبة: "من يهتم أين يقضي ليلته؟" فالأشخاص من طينته وموقعه يعشقون قضاء أوقاتهم بين المكاتب والفنادق.هبطت الدرج بخطوات قافزة، متشبثة بالسور الزجاجي، وشعرها يتطاير حول وجهها بينما تتمايل ضفيرتها على كتفها.دَخلت غرفة الطعام ، استقبلتها الروائح الشهية ، كان السيد أمجد والسيدة فاتن يتناولان إفطارهما بالفعل ، وهتفت بنبرة مبتهجة:"صباح الخير!"رفعت كأساً من العصير عن الطاولة، وترشفت منه جرعة سريعة.تبادل أمجد وفاتن نظرات مندهشة، وقالت السيدة فاتن بابتسامة دافئة:"صباح النور يا لمار.. هل عاد يمان إلى القصر في الليل؟"أومأت لما
استدار يمان ودس كفيه في جيبي معطفه الشتوي الأسود والسميك، وتبعها بخطى متأنية. ارتفع حاجبه باستغراب، وانفرجت شفتاه عن دهشة طفيفة:"ما الذي يدفكِ لقول هذا؟ ما زلتِ أصغر من أن تتفوهي بكلمات ثقيلة كهذه."ارتسمت على شفتيها ابتسامة مصطنعة، والتفتت بصرها نحوه:"صغر سني لا يعني جهلي بحقيقة البشر.. أو على الأقل بمن اضطر للتعامل معهم يومياً. لقد تجرعتُ نصيبي المُر من أفعالهم."تجاوزها يمان بخطوات واسعة، وأمال رأسه إلى الأسفل وهو يركل حجرًا صغيراً بقدمه، مع ابتسامة جانبية ساخرة:"هذا حديث أكبر من سنكِ."حثت لمار خطوها حتى شقّت طريقها بجواره، ودست يديها في جيوبها بينما كان الهواء يعبث بأطراف معطفها، واطلقت زفيراً حاراً في الهواء البارد:"لكنني تجرعته بالفعل."عقد يمان حاجبيه بملامح يلفها البرود، وقال:"ما زلتِ صغيرة جداً على هذه السوداوية. في القادم من أيامكِ، ستصطدمين بكم هائل من العثرات التي ستظنين أنها الجدار الأخير، وأنكِ الوحيدة التي تُطحن تحت رحاها.. لكنكِ ستكتشفين في النهاية أنها مجرد محطة عابرة. أنتِ وحدكِ من يملك القرار؛ إما أن تجعليها تعبر، أو تستسلمي لها كأنها قدر أبدي. خذي العثرات كأن







