Share

الفصل ٣

Author: هيرو
last update publish date: 2026-06-06 07:50:27

كان الصباح في أروقة الجامعة ثقيلاً وخانقاً على غير عادته، كأن الهواء امتص طاقة الجميع ليتركنا أجساداً باهتة تتحرك بلا غاية. لم أكن قد نمت جيداً في الليلة الماضية، أو ربما نمت أكثر مما ينبغي؛ لم أعد أفرّق بين الأمرين، فالأرق والنوم الطويل باتا يتشابهان في تركهما نفس الصداع المزمن في رأسي. جلست في زاوية معزولة داخل مكتبة الحرم الجامعي الصغيرة، أفتح كتاباً دراسياً ثقيلاً دون أن أقرأ سطوره فعلياً، بل كانت عيناي تائهتين بين الصفحات، حين جاءت صديقتي جيني وسحبت الكرسي المقابل لتجلس قبالتي بهدوء.

نظرت جيني إليّ لزمن طويل، تتفحص ملامحي بدقة وقلق قبل أن تنطق بأولى كلماتها:

"وجهكِ شاحب للغاية اليوم يا سو آه… هل أنتِ بخير حقاً؟"

أغلقتُ الكتاب ببطء شديد أداري به توتري وأجبتها:

"أنا بخير، لا تقلقي."

لكن نبرة صوتي المبحوحة والجافة لم تقنع حتى نفسي، فكيف لها أن تقنعها؟ أمالت جيني رأسها قليلًا، وخفضت صوتها وهي تلامس طرف الطاولة:

"منذ عودتكِ الاضطرارية إلى دار الأيتام، وأنتِ تبدين طوال الوقت وكأن جسدكِ معنا هنا بينما روحكِ وعقلكِ في مكان آخر بعيد لا يمكننا الوصول إليه."

تجمد الهواء في صدري لثوانٍ معدودة، ولم أملك القدرة على إجابتها؛ لأن الجواب الحقيقي كان أثقل وأكثر تعقيداً من أن يُقال أو يُفهم. في داخلي، كان هناك اسم واحد فقط يتحرك بهدوء مزعج يمزق طمأنينتي: "تشانغو". حاولت جاهدة التخلص من هذا الحصار النفسي، فقلت لتغيير اتجاه الحديث تماماً:

"جيني.. هل سبق لكِ أن شعرتِ بأن شيئاً غريباً سمعتِ به فجأة لم يعد مجرد قصة عابرة يتداولها الناس، بل تحول إلى حقيقة تلاحقكِ؟"

رمشت جيني بعينيها بعدم فهم واستغربت سؤالي المفاجئ:

"مثل ماذا؟ عن ماذا تتحدثين تحديداً؟"

لكنني لم أجبها، بل آثرت الصمت وتراجعت. أخرجت دفتري الصغير من الحقيبة، وفتحته بشكل عشوائي دون تفكير لتهرب عيناي إلى إحدى الصفحات؛ وهناك، رصدت جملة مبهمة كنت قد كتبتها بخط يدي قبل أيام قليلة فقط دون أن أفهم دافعي وراءها: «قطة… شيء صغير أليف، لا يسأل كثيراً ولا يملك ماضياً يطارده». أغلقت الدفتر بسرعة البرق حين لاحظت نظرات جيني الفضولية التي تتابع تصفحي، فسألتني بنبرة هادئة:

"هل تفكرين في اقتناء حيوان أليف ليؤنس وحدتكِ في الدار؟"

"لا… مجرد فكرة عابرة خطرت ببالي." قلتها بسرعة محاولة إنهاء الموضوع.

لكن الحقيقة المرة التي أخفيتها عنها هي أنني لم أعد أعرف الفرق بين الفكرة الواعية والهروب من الواقع. سكتت جيني قليلًا، وتأملت وجهي بنظرة دافئة ثم قالت كمن يقرأ أفكاري:

"أحياناً، نحن نبحث بنفاد صبر عن شيء بسيط وهامشي في حياتنا، فقط حتى نشغل عقولنا به ولا نفكر في الأشياء الكبيرة والمرعبة التي تعجز قُدراتنا عن حلها."

لم أعلق على كلامها؛ لأن الأشياء الكبيرة التي كانت تعصف برأسي في تلك اللحظة لم تكن مجرد فكرة واحدة يمكن مناقشتها، بل كانت مزيجاً مخيفاً من أصوات قديمة، وأسماء غامضة، وصمت طويل كئيب لا يبدو أنه سينتهي قريباً.

بعد انتهاء المحاضرات الجامعية الروتينية، خرجت من مبنى الكلية بخطوات متباطئة ومثقلة. كان الهواء في الخارج قد أصبح أبرد بكثير مما كان عليه في الصباح، والسماء تميل إلى لون رمادي خفيف ينذر بالمطر أو بالظلمة الباكرة. سرت بين الممرات الخارجية للحرم دون هدف واضح أو وجهة محددة، حتى وجدت نفسي أتوقف عند ممر جانبي شبه فارغ من الطلاب، وهناك رأيته؛ لم أكن متأكدة من رؤيتي في البداية وظننت أن عيني تخدعني.

كان شاباً يقف وحيداً مستنداً قرب الجدار الإسمنتي البارد، يحمل حقيبة قماشية سوداء على كتفه، وينظر إلى الأرض بجمود شديد وكأنه ينتظر شيئاً يعلم في أعماقه أنه لن يأتي أبداً. توقفت قدماي عن الحراك تماماً قبل أن يتخذ عقلي القرار، وهمس شيء خفي في أعماقي بنبرة مرعبة: «هذا المظهر ليس غريباً عليكِ..». لكنني لم أكن أعرف لماذا شعرت بذلك! فأنا لم أره في حياتي من قبل، ومع ذلك… كان في تفاصيل ملامحه الهادئة والحزينة شيء يشبه صورة قديمة لم ألتقطها يوماً، لكنها بقيت محفورة في زوايا رأسي.

ارتبك صدري، وتسارعت دقات قلبي بطريقة مرعبة جعلتني أتراجع خطوة صغيرة إلى الوراء دون أن أنتبه لنفسي. هل يمكن أن يكون هذا الشاب هو ذاته…؟ أم أن عقلي الباطن بات يجسد لي ما سمعته من هاني في الليلة الماضية؟ في تلك اللحظة الوجلة، رفع رأسه قليلًا؛ لم ينظر إليّ مباشرة، لكن قلبي انقبض بشدة كما لو أنه فعل واختلقت نظراته روحي. ثم مرّ بجانبي ببرود ومضى في طريقه، دون أن أتحدث أو أتحرك خطوة واحدة؛ فقط بقيت واقفة في مكاني كالصنم، أراقب أثره وظله وهو يختفي تدريجياً بين الممرات البعيدة.

في المساء، عدت أجر أذيال الخيبة والخوف إلى دار الأيتام. لم يكن هناك أي شيء مختلف في أرجاء المكان؛ نفس الجدران الباردة، نفس الإضاءة الشاحبة، لكنني أنا من كنت مختلفة تماماً هذه المرة. أغلقت الباب الخشبي للغرفة خلفي بصمت، وسرت في الممر البارد حتى وصلت إلى سريري، وهناك، حين نزعتُ سترتي الشتوية الثقيلة لأعلقها، سقط شيء صغير وخفيف من جيبها الداخلي على الأرض الإسمنتية.

انحنيت ببطء والتقطته، لتتسع عيناي بصدمة؛ لقد كانت تذكرة حافلة قديمة للغاية، باهتة اللون، ومطوية بعناية عند الأطراف كأنها بقيت مخبأة في طيات النسيج لسنوات طويلة دون أن يلحظها أحد. حدقت في قطعة الورق الصغيرة لزمن طويل، ولم أستوعب لماذا كانت موجودة في جيبي الآن بالذات، لكن شيئاً في أعماقي عرف الحقيقة المخبأة وفهمها قبل أن يستوعبها عقلي الواعي. حدّت في التذكرة، ولم تكن جديدة بالطبع، لكن وجودها بين أصابعي في هذه اللحظة بدا كأنه خطأ فادح في حسابات الزمن.

تسلّل شعور الذكرى ببطء شديد، كأن الذاكرة لا تفتح بابها الموصد دفعة واحدة خوفاً من انهيار صاحبه، بل تزيحه قليلًا قليلًا حتى تمنعك من الهرب. وتذكّرت كل شيء بوضوح مرعب؛ في ذلك اليوم البعيد، لم يكن هناك أحد يدفعني للرحيل، ولم يكن هناك صوت قاصٍ يقول لي اذهبي واديري ظهركِ للجميع؛ كنت أنا فقط، أنا وقرار متهور لم أكن أفهمه بالكامل لكنني اتخذته تحت وطأة الضغط النفسي وشعوري بأنني عبء على عائلتي البديلة.

في ذلك اليوم، خرجت من الدار وأنا أحمل حقيبة يد صغيرة لا تشبه حقائب الرحيل الطويل في شيء، بل كانت تشبه محاولة يائسة لإقناع نفسي بأن الأمر بسيط ومجرد نزهة قصيرة. كان الطريق إلى محطة الحافلات طويلاً ومضنياً أكثر مما يجب، ومع كل خطوة كنت أخطوها، كنت أواسي نفسي وأكذب عليها قائلة: "يمكنني أن أتراجع وأعود في أي لحظة إلى حضن عائلتي". لكنني كنت أعلم في أعماق قلبي أنني لا أعود، حتى وأنا بكامل جسدي أذهب نحو المجهول.

وقفت في موقف الحافلات، وكان الهواء هناك بارداً بطريقة موحشة لا علاقة لها بطقس ذلك اليوم، بل كانت برودة تخص ما بعد اتخاذ القرارات المصيرية. وقفت أمام نافذة التذاكر الزجاجية، وأخرجت بضع عملات نقدية بيد ترتجف ولم تكن ثابتة كما تمنيت لها أن تكون أمام البائع البارد.

"إلى أين الوجهة؟" سألني الرجل من خلف الزجاج دون أن يرفع عينه عن سجلاته.

لم أكن أعرف الإجابة حقاً، لكن الصمت بيننا طال أكثر مما يجب وبدأ يثير ريبته، فاخترت على عجل اسماً عابراً لمدينة بعيدة لا تحمل لي أي معنى أو ذكرى، فقط لتكون الإجابة ممكنة وأهرب من الموقف. أخذت التذكرة، وكانت مجرد قطعة ورق صغيرة ورخيصة، لكن يدي شعرت بثقلها الهائل بشكل غير مبرر، كأنه لم يكن مجرد ورق لركوب حافلة، بل كان اختباراً قاسياً لمدى قدرتي على الصمود.

وقفت أخيراً عند باب الحافلة الكبيرة وكانت الأبواب مفتوحة على مصراعيها تستقبل الركاب، ولم يكن صوت المحرك الضخم مجرد ضجيج ميكانيكي عابر، بل كان يتردد في مسمعي كشيء يشبه نداء الهاوية الأخير. كان يكفي فقط أن أتحرك خطوة واحدة للأمام وأصعد؛ كنت أستطيع حينها أن أبدأ كل شيء من جديد في مدينة غريبة، أو أن أهرب من ماضيّ وانكساري دفعة واحدة دون التفات. لكنني توقفت مكاني وتصلبت، ليس لأن أحداً من المارة أوقفني أو أمسك بيدي… بل لأنني أنا، من داخلي، من عجزت عن التقدم وتوقفت خائفة.

شعرت برعب شديد يتأكل أحشائي؛ ولم يكن خوفاً من مشقة الرحيل أو الغربة، بل كان خوفاً حقيقياً من أن أكون أنا نفسي، بنفس انكساري وعيوبي، في مكان آخر جديد لا يعرفني ولا يرحمني؛ خوفاً من أن أذهب بعيداً ولا أستطيع أبداً العودة إلى هذه النسخة التي أعرفها وأألفها من نفسي، حتى لو كانت نسخة مؤلمة ومليئة بالندوب. تراجعت إلى الخلف ببطء شديد، ثم أسرعت في تراجعي قليلاً وهربت، حتى أُغلقت أبواب الحافلة الحديدية بعنف أمامي، ومضت بعيداً تبتلعها الشوارع دوني.

لم أبكِ وقتها، ولم أركض خلفها نادمة؛ فقط بقيت واقفة في رصيف المحطة المهجور، والتذكرة مجعدة ومسجونة في قبضة يدي كأنها دليل مادي على رحلة كاملة لم تحدث قط، لكنها في الوقت ذاته لم تُلحَ أو تُمحَ من حسابات حياتي تماماً.

فتحت عيني ببطء من غمرة ذكرياتي لأجد نفسي في الغرفة نفسها تحت السقف المتشقق ذاته، والتذكرة القديمة لا تزال قابعة بين أصابعي المرتجفة. لكن الغريب والمخيف في الأمر لم يكن بقاء هذه الورقة معي طوال هذه السنين… بل هو أنني ما زلت أتذكر تفاصيل تلك اللحظة بكل وضوح وحرقة، كأنها حدثت الآن أمامي، لا قبل سنوات طويلة. وهنا فقط، في عتمة غرفتي، فهمت شيئاً صغيراً ومخيفاً عن طبيعتي: لم يكن هناك أحد يملك القوة ليمنعني من الرحيل وتغيير حياتي، لكنني أنا… لم أكن أعرف أبداً كيف أملك الشجاعة لأختار أن أرحل فعلاً.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • فخ خلف الجدران: جريمة المصنع التي غيّرت حياة سوو آه   الفصل ٣٠

    عادت سو-آه وجيني مسرعتين عبر شوارع المدينة المظلمة والموحشة، ولم تتبادلا سوى كلمات قليلة ومقتضبة طوال الطريق. كان التوتر يطارد أنفاسهما منذ خروجهما من بوابات المصنع، وكأن كل ظل عابر، أو وميض مصباح بعيد، قد يكون شخصاً مجهولاً يراقبهما ويرصد حركتهما في العتمة. وحين وصلتا أخيراً إلى دار رعاية الطالبات، لم تتجها إلى الغرفة المشتركة مباشرة؛ فالعيون هناك كثيرة، والهمسات لا ترحم. بل صعدتا بخطوات خفيفة ومترددة إلى آخر الممر القديم في الطابق العلوي، حيث توجد غرفة مهجورة كئيبة كانت تُستخدم سابقاً كمخزن للكتب القديمة والأثاث التالف. نادرًا ما كان يقترب من ذلك المكان أحد، ولهذا السبب بالذات اختارته سو-آه ليكون ملجأهما الأخير في هذه الليلة الإستراتيجية. أغلقت سو-آه الباب الخشبي بحذر شديد خلفهما، وساد في الحال صمت ثقيل ومطبق. كانت رائحة الورق القديم والغبار المتراكم تملأ أركان المكان، بينما تسللت من خلال النافذة الزجاجية الضيقة خيوط باهتة ومائلة من ضوء مصابيح الشارع الخارجية، لترسم ظلالاً غريبة على الجدران المقشرة. وقفت سو-آه وسط الغرفة، ممسكة بضلوعها، بينما كان قلبها لا يزال ينبض بعنف وتلاحق من

  • فخ خلف الجدران: جريمة المصنع التي غيّرت حياة سوو آه   الفصل ٢٩

    تجمدت جيني في مكانها تماماً فور أن استقر كف حارس الأمن الثقيل فوق كتفها النحيل، وشعرتْ بأن قلبها قد هبط إلى أعماق معدتها دفعة واحدة في صدمة مروعة. استمر هذا الشلل النفسي للحظة واحدة مريرة، قبل أن تجبر عضلات وجهها على الابتسام باصطناع، واستدارت نحو الرجل ببطء وثبات. كان الحارس يحدق في ملامحها بريبة وشك واضحة، وانتقلت نظراته الصارمة إلى لوحة الملاحظات الكرتونية التي تقبض عليها بيدين مرتعشتين، ثم إلى المنطقة المحظورة المحاطة بالأشرطة الصفراء خلفها، قبل أن يعود ليتفرس في وجهها مجدداً وهتف بنبرة جافة: "ماذا تفعلين هنا بالضبط أيتها الطالبة؟" ابتلعت جيني ريقها بصعوبة، وسرعان ما ارتسمت على وجهها ملامح دهشة بريئة ومتقنة، ورفعت لوحة الملاحظات بسرعة أمام عينيه قائلة بجرأة: "أنا؟! أعتذر جداً منك يا عم... أنا طالبة في كلية الإدارة الصناعية، وقد طلب منا مشرف المادة إعداد تقرير ميداني عاجل ومفصل عن مخاطر الآلات وعوامل السلامة المهنية في قطاع خطوط الإنتاج بعد حادثة الأسبوع الماضي الشهيرة." لوحتْ بالدفتر والأوراق المليئة بالجداول أمامه وتابعتْ باستعطاف: "كنتُ أصور الهيكل المعدني الخار

  • فخ خلف الجدران: جريمة المصنع التي غيّرت حياة سوو آه   الفصل ٢٨

    كان المقهى هادئاً على غير العادة في ذلك الوقت من النهار، يقع منزوياً في أحد الأزقة الجانبية الضيقة والبعيدة تماماً عن ضوضاء الحرم الجامعي وصخبه المزعج. كانت تنساب عبر نوافذه الزجاجية العتيقة رائحة ذكية ومحببة للقهوة المحمصة والمخبوزات الطازجة الدافئة. في الزاوية الأبعد والأكثر عزلة عن أعين الزبائن القلائل، جلستُ أمام طاولة خشبية صغيرة، بينما وضعت جيني صينية الطعام والمشروبات بيننا بحركة حازمة وقاطعة. نظرتْ إليّ بجدية صارمة ونبرة لا تقبل النقاش وقالت: "كلي. الآن." رفعتُ عينيّ الغائرتين نحوها بتعب شديد وهتفتُ بخفوت: "لستُ جائعة يا جيني، حلقي جاف تماماً." عقدت جيني ذراعيها فوق صدرها، وقطبت حاجبيها متمسكة بموقفها: "أنا لم أسألكِ إن كنتِ جائعة أم لا؛ عقلكِ يعمل في جحيم التفكير منذ أيام دون لحظة توقف واحدة، وإذا كنتِ تنوين حقاً حل هذه القضية المعقدة واستعادة كرامتكِ، فعليكِ أن تأكلي وتستعيدي قوتكِ أولاً." لأول مرة منذ وقوع تلك الحادثة المشؤومة، شعرتُ بغصة دافئة، وكادت ابتسامة صغيرة باهتة تظهر على وجهي الشاحب امتناناً لوجودها. أخذتُ قطعة صغيرة من المخبوزات على مضض وبدأتُ أمضغها

  • فخ خلف الجدران: جريمة المصنع التي غيّرت حياة سوو آه   الفصل ٢٧

    مرّت الأيام التالية على روحي كأنها كتلٌ ثقيلة، صلبة، وداكنة من الرصاص. لم تعد هناك صباحات واضحة الملامح تشجعني على النهوض، ولا ليالٍ حقيقية تمنحني الطمأنينة والنوم؛ كان وقتي يمر برتابة وبطءٍ مؤلم وقاتل فوق جسدٍ أنهكه التفكير المفرط والجلد الذاتي. عدتُ إلى غرفتي الضيقة في السكن الجامعي بعد انتهاء جلسة التحقيق القاسية وصدور قرار إيقافي المؤقت عن الدراسة. أغلقتُ الباب الخشبي خلف ظهري بوجه واجم، ووقفتُ متسمرة في منتصف الغرفة؛ بلا حراك، بلا أفكار واضحة، وبلا دموع تسعف كبريائي المنكسر. وضعتُ حقيبتي القماشية بإهمال على الأرض، ثم جلستُ على حافة سريري القديم. وظللتُ هناك، ساكنة كصنم من رخام، كأن روحي قد انتُزعت مني وبقيت معلقة في مكان آخر. مرّت الساعات ثقيلة، ثم تلاها يوم كامل، ثم يوم آخر. كانت زميلاتي في الغرفة المشتركة يدخلن ويخرجن، يتحدثن في شؤونهن، يضحكن بصوت مرتفع، ويدرسن للامتحانات القادمة؛ أما أنا... فبقيتُ متجمدة في البقعة نفسها تقريباً. الأطباق الفارغة تراكمت بكآبة قرب سريري، كتبي الجامعية بقيت مغلقة يعلوها الغبار، ودفاتر المحاضرات التي طالما قاتلتُ لتدوينها لم تُفتح أبداً. حتى ها

  • فخ خلف الجدران: جريمة المصنع التي غيّرت حياة سوو آه   الفصل ٢٦

    مرت الأيام التالية ببطءٍ مؤلم وخانق؛ ببطء شديد جعل الساعات القليلة تبدو في نظري أطول من المعتاد، والليالي المظلمة أكثر قسوة وبرودة مما أحتمل. كان هيتشول لا يزال يرقد في قسم العناية المركزة، معلقاً بين الحياة والموت، تحت رحمة الأجهزة الطبية التي تقرر مصيره. أما أنا... فكنتُ أزور المستشفى كل يوم تقريباً بمجرد أن تنتهي محاضراتي أو مناوبات عملي الجزئي القاسي. لم يكن ذلك لأن أحداً طلب مني الحضور، أو لأن عائلته تنتظرني، بل لأنني ببساطة لم أستطع الهرب من ذلك الشعور الرهيب بالذنب الذي كان يأكل أحشائي. في كل مرة كنتُ أقف فيها خلف الزجاج السميك المخصص للمراقبة، كنتُ أرى الجسد الشاحب نفسه؛ ممدداً بلا حراك، محاطاً بالأجهزة المعقدة والأسلاك المتشابكة، بينما كان صوت أجهزة مراقبة نبضات القلب الرتيب يقطع الصمت المطبق على فترات منتظمة ليذكرني بحجم الكارثة. وفي أحد الأيام، وبينما كنتُ أقوم بوقفتي المعتادة في الممر البارد إلى جانب جيهون الذي كان يرافقني بصمت، خرج الطبيب المشرف مع فريق التمريض لتبديل الضمادات لهيتشول. فُتح باب الغرفة الزجاجي للحظات قصيرة جداً، لكنها كانت كافية لتهز أركاني. وقع بصري تل

  • فخ خلف الجدران: جريمة المصنع التي غيّرت حياة سوو آه   الفصل ٢٥

    لم أستوعب ما حدث لي ولحياتي في تلك الدقائق المجنونة إلا عندما أُغلقت أبواب سيارة الإسعاف الحديدية بقوة وارتطام جاف خلفي. تلاشت أصوات المصنع الصاخبة وضجيج تروسه شيئاً فشيئاً مع ابتعاد السيارة وسرعتها الجنونية في الشوارع، لكن صورة واحدة مرعبة وثقيلة ظلت عالقة وعنيدة أمام عينيّ المفتوحتين بذهول؛ صورة الدم القاني المتدفق، التروس المعدنية الدوارة بلا رحمة، وجسد هيتشول الملقى بلا حراك كجثة هامدة قرب تلك الآلة القاتلة. وصلنا جميعاً إلى المستشفى وسط فوضى خانقة تصم الآذان؛ أصوات الأطباء المستنفرين، صرير عجلات الأسرّة المتحركة بسرعة في الممرات، نداءات الممرضين المتكررة عبر مكبرات الصوت، ووجوه أفراد مجموعتنا الدراسية الشاحبة التي ملأها الذعر والترقب. جلستُ وحدي في زاوية بعيدة، مظلمة ومنعزلة من صالة الانتظار الباردة. لم أجرؤ على رفع رأسي أو النظر في عيون أي بشر كنتُ أنظر فقط إلى يديّ المرتجفتين اللتين استقرتا فوق حجري. حدقتُ بذهول في تلك البقع الحمراء الداكنة التي لطخت أصابعي وجفت على أكمام ملابسي الجديدة. التنورة البنية الأنيقة التي اشتريتها برفقة جيني قبل أيام قليلة لتمنحني بعض الثقة، والحذا

  • فخ خلف الجدران: جريمة المصنع التي غيّرت حياة سوو آه   الفصل ٢

    لم أكن أحبّ التجمعات يوماً، بل كنت أجد في الانعزال درعاً يحميني من نظرات العتب والفضول، لكن الفتيات في الدار أصررن على جلوسي معهن هذه الليلة. قالت هاني وهي تقرب يديها من اللهب الصغير إن الجو بارد للغاية في الخارج، وإن الشموع الذائبة تبعث في النفوس طمأنينة دافئة لا يمكن أن يُدرك قيمتها المرء إلا في ل

  • فخ خلف الجدران: جريمة المصنع التي غيّرت حياة سوو آه   الفصل ١٢

    كان المساء قد ابتلع آخر خيوط الضوء الشاحبة منذ وقت طويل، تاركاً الحي القديم بأسره يغرق في عتمة حالكة كالحبر. وفي داخل الجدران، غرق المنزل في سكون ثقيل، خانق ومطبق، صمت لا يقطعه سوى ذلك الصوت الرتيب والمستفز لعقارب الساعة الجدارية المعلقة في الصالة؛ كانت تلتهم الدقائق والثواني ببطءٍ ممل ومقيت، يطر

  • فخ خلف الجدران: جريمة المصنع التي غيّرت حياة سوو آه   الفصل ٥

    في صباحٍ باكرٍ شديد البرودة، كانت ممرات دار الرعاية القديمة غارقة في صمتٍ ثقيل وموحش، لا يقطعه سوى صرير الأبواب الخشبية العتيقة تحت وطأة لفحات الرياح الخفيفة. فتحت المشرفة الباب الرئيسي للممر ببطء وهي تحمل في يدها باقة مفاتيحها المعدنية الثقيلة التي أصدرت رنيناً رتيباً، لكنها توقفت فجأة بجسد متصلب ع

  • فخ خلف الجدران: جريمة المصنع التي غيّرت حياة سوو آه   الفصل ٤

    كانت رائحة المكان غريبة، مزيجاً متناقضاً من علكة الفراولة الاصطناعية، وسائل صابون الأواني، ورائحة الدخان العتيق العالق في أركان الجدران الخشبية للبقالة. تعلمتُ بسرعة كيف أرتّب البضاعة، وأستخدم الآلة الحاسبة القديمة ذات الأزرار الصلبة، وكيف أتعامل مع الزبائن المارين بالحي. لم يكن الأمر صعباً في حد ذا

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status