تسجيل الدخول
جلست أريانا بجانب والدها ميخائيل، تمسك بيده وكأنها تخشى أن يفلت منها في أي لحظة، فذلك الرجل الذي منحها اسمه وحبه وحمايته منذ طفولتها كان بالنسبة لها العالم بأكمله، ولم تكن تعلم أن خلف تلك الذكريات الجميلة سراً كبيراً عن حقيقتها، فقد أخذها ميخائيل وزوجته الراحلة أنطوانيت من دار الأيتام وهي لا تزال رضيعة لا يتجاوز عمرها عشرة أيام، بعد أن وجدوها هناك تبكي داخل مهدها أمام باب الميتم، وكانت بجانبها ورقة صغيرة تحمل اسمها وتاريخ ميلادها فقط، ومنذ ذلك اليوم أصبحت ابنتهم التي لم ينجبوها، الفتاة التي ملأت منزلهم بالحياة والدفء.
كان ميخائيل قد أفنى سنوات عمره في العمل والتعب حتى يوفر لها حياة كريمة، وحتى لا تشعر يوماً بأنها مختلفة عن الآخرين أخفى عنها حقيقة تبنيها، فقد كان يخشى أن تشعر بأنها منبوذة بين زملائها أو أن تنظر لنفسها بطريقة مختلفة، فكانت أريانا ابنته في قلبه قبل أن تكون كذلك في الأوراق. كبرت أريانا وأصبحت شابة آسرة الجمال، تحمل ملامح هادئة تخفي قوة كبيرة بداخلها، كانت عيناها الخضراوان الواسعتان تشبهان لون الغابات بعد المطر، وبشرتها البيضاء الناعمة تزيدها رقة، وشعرها الأسود الطويل ينسدل حول وجهها بطريقة تجعل حضورها مختلفاً، كانت متوسطة الطول ذات قوام رشيق، لكن أكثر ما يميزها لم يكن جمالها فقط بل ذلك النقاء الذي يظهر في نظراتها. ضغطت أريانا على يد والدها بقوة، بينما كانت الدموع تلمع في عينيها وهي تقول بصوت مرتجف "أبي... أرجوك لا تتركني أنت أيضاً، لا أملك طاقة لفقدان شخص آخر بعد أمي." نظر إليها ميخائيل بعينين أنهكهما المرض، لكنه حاول أن يرسم ابتسامة مطمئنة على وجهه، ثم قال بصوت ضعيف "اطمئني يا ابنتي... لن أرحل قبل أن أراك تتخرجين من الجامعة وأنت ترتدين معطف الطبيبة الذي حلمتي به." اقتربت منه أريانا وقبّلت جبينه بحنان، ثم قالت وهي تحاول إخفاء خوفها "أبي... سأبحث عن عمل، سمعت عن شركات جديدة في روما تحتاج إلى موظفين، سأتقدم إليها، أريد أن أساعدك في علاجك ومصاريفي، لا أستطيع أن أراك تتألم وأنا أقف عاجزة." نظر إليها ميخائيل طويلاً، كان يرى في عينيها إصراراً يشبهه، لكنه كان يخشى عليها من أن تحمل فوق كتفيها ما لا تحتمل، فشد على يدها وقال "لكن عديني يا أريانا ألا ترهقي نفسك، صحتك ودراستك أهم من أي شيء." أومأت برأسها وهي تبتسم رغم حزنها "أعدك يا أبي." وفي اليوم التالي وقفت أريانا أمام مبنى شركة روسي، ذلك المبنى الشاهق الذي كان يلمع في قلب العاصمة الإيطالية، والذي أصبح حديث رجال الأعمال بعد أن استحوذ عليه ديڤيد روسي، الرجل الذي عاد من أمريكا بعد وفاة والديه ليبني إمبراطوريته الخاصة في بلده. كان اسم ديڤيد يثير الاحترام والخوف في آن واحد، رجل في بداية الثلاثينات، يملك ثروة هائلة ونفوذاً لا ينافسه أحد، صاحب شخصية باردة ونظرات حادة تجعل من أمامه يشعر بأنه مكشوف أمامه، كان طويل القامة، ذا جسد رياضي قوي، وملامح جذابة تجمع بين القسوة والوسامة، بشرته البرونزية وعيناه الداكنتان جعلتاه محط أنظار نساء الطبقات الثرية، لكنه كان رجلاً لا يسمح لأحد باقتحام عالمه بسهولة. دخلت أريانا الشركة بخطوات مترددة، كانت تحاول أن تبدو واثقة رغم توترها، ثم ضغطت زر المصعد، وما إن انفتح الباب حتى خرج منه رجل طويل القامة، وفي اللحظة نفسها اصطدمت به دون قصد. اصطدم كتفها بصدر قوي و كادت تسقط لكن يده القويه أمسكت بخصرها ثم جذبها لتقف معتدله حتى اصبحت قريبه منه، ووصل إليها عطره الفاخر قبل أن ترفع عينيها، وحين فعلت ذلك التقت نظراتها بنظرات ديڤيد. توقفت للحظة. لم تعرف لماذا شعرت بأن المكان أصبح أكثر هدوءاً، ولماذا شعرت باضطراب غريب في قلبها، لكنها سرعان ما استعادت توازنها عندما سمعت صوته العميق الهادئ "هل أنتِ بخير؟" خفضت عينيها سريعاً وانسحبت من يده التي كانت تسندها وأجابت بخجل "نعم... أنا بخير، أعتذر، لم أنتبه." لم تكن تعلم أنها تقف أمام الرجل الذي جاءت لتطلب العمل في شركته. لكن قبل أن تغادر، وقعت عيناها على المرأة الواقفة بجانبه، تلك التي تمسك بذراعه بثقة وكأنها تملك مكاناً خاصاً في حياته، كانت لاورا، امرأة جميلة ترتدي أناقة واضحة ونظراتها تحمل غروراً بارداً. نظرت لاورا إلى أريانا من الأعلى إلى الأسفل ثم قالت بلهجة متعالية "من فضلكِ ابتعدي." شعرت أريانا بالانزعاج لكنها لم ترد، دخلت المصعد وأغلقت الباب، ثم تنفست بعمق وقالت لنفسها "ما هذه المرأة المغرورة... كيف لرجل بهذه الوسامة أن يختار امرأة بهذه الطريقة؟ على أي حال... لا شأن لي." لكنها لم تستطع منع نفسها من التفكير بتلك النظرة التي رأتها في عيني الرجل الغريب. خرجت من المصعد وتوجهت إلى قسم التوظيف حيث كان عدد كبير من المتقدمين ينتظرون، وبينهم فتيات جميلات يملكن شهادات وخبرات، فبدأ القلق يتسلل إليها وهي تتساءل إن كانت لديها فرصة حقيقية للحصول على الوظيفة. في الجهة الأخرى، لم يكن ديڤيد قادراً على إخراج صورتها من ذهنه. كان الأمر غريباً بالنسبة له، فهو اعتاد أن تمر أمامه الوجوه دون أن تترك أثراً، لكنه هذه المرة شعر بشيء غير مفهوم عندما رأى عينيها الصافيتين، وإعجاباً لم يستطع تفسيره. عندما وصل إلى سيارته الفاخرة، فتح السائق الباب له ولاورا، فنظر إليها ديڤيد وقال بهدوء "أوصلها إلى جناحها في فندق أوروتش." نظرت إليه لورا بدهشة مصطنعة وهي تمسك يده بدلال: "ألن تأتي معي يا عزيزي؟" أجابها دون أن تتغير ملامحه: "سأعود مساءً، لدي بعض الأعمال التي يجب أن أنهيها." اقتربت منه لورا لتقبّله، لكنه أدار وجهه قليلاً فاستقرت القبلة على خده، شعرت لورا بالإحراج فقد نسيت انه لا يحب ان تقبّله في العلن، لكنها أخفت ذلك خلف ابتسامتها وقالت: "حسناً ديڤ... سأنتظرك." انطلقت السيارة بها، بينما عاد ديڤيد إلى مكتبه الفخم، ذلك المكان الواسع الذي يعكس ثراءه وقوته.. وفي نفس الوقت كانت أريانا تغادر الشركة بخطوات بطيئة، تحمل في قلبها أملاً وخوفاً في آن واحد، فقد رأت الكثير من المتقدمين، وكانت تعلم أن المنافسة قوية، فرفعت عينيها إلى مبنى الشركة مرة أخرى وتساءلت بصمت: "هل سيختارونني؟"قال ديڤيد بصوته العميق الذي لا يقبل التردد، وقد عقد ساعديه أمام صدره بينما انعكست هيبته على أرجاء المكتب الفخم الذي ازدانت جدرانه بخشب الجوز الإيطالي ولوحات نادرة لا يقتنيها إلا أصحاب الثروات الطائلة: "أريانا... انتظريني في غرفة الاجتماعات، وأبلغي جميع المسؤولين بالحضور خلال عشر دقائق." رفعت أريانا رأسها إليه، وحاولت أن تخفي اضطرابها خلف ملامح هادئة، إلا أن ارتجافة أصابعها وهي تضم دفتر ملاحظاتها فضحتها، ثم قالت بصوت خافت مرتبك و انحنت باحترام: "أمرك، سيدي." استدارت وغادرت المكتب بخطوات متزنة وكان فستانها الاسود القصير الضيق يبرز قوامها المنحوت و ساقيها الرشيقه البيضاء، بينما بقيت عينا ديڤيد تتبعانها في صمت وهو يتفحص جسدها ويتذكر مضاجعته لها وهي تتأوّه بصوتها المرتعش ذلك الصمت لم يغب عن ملاحظة لورا التي كانت تجلس على الأريكة الجلدية الفاخرة وقد عقدت ساقًا فوق الأخرى، فتبدلت ملامحها على الفور وقالت بامتعاض محاولة استعادة انتباهه: "وماذا عن قهوتي؟" انتزع ديڤيد نظره عن الباب الذي خرجت منه أريانا، ثم أجابها ببرود وهو يلتقط سترته السوداء المصممة خصيصًا له ويعدل أزرارها بحركة وا
بإيقاع منتظم يعلو و يهبط ثم يتسارع حتى افرغه كله داخلها وعندما انتهى كان منهكاً، نام بجانبها يقبل شفتيها بهدوء بينما استسلمت اريانا له بين ذراعيه .. استيقظت أريانا ببطء و لا تستطيع تحريك قدميها من اثر ليلة أمس شعرت بعظامها محطمه، كانت أشعة الشمس تتسلل من خلف الستائر الفاخرة للجناح الملكي، فتحت عينيها وهي لا تزال غارقة في شعور غريب لم تعرف كيف تصفه، لحظات قليلة مرت قبل أن تدرك أنها ليست في منزلها، وأن المكان من حولها ليس غرفتها الصغيرة التي اعتادت عليها. نظرت إلى الجانب الآخر من السرير. كان فارغاً. توقفت للحظة، وكأن قلبها كان ينتظر أن تجده هناك. لكن ديڤيد لم يكن موجوداً. شعرت بشيء من الخيبة رغم أنها حاولت إقناع نفسها أن هذا ما كان متوقعاً، فهو لم يعدها بشيء، ولم يكن بينهما سوى اتفاق لا أكثر. مدت يدها إلى هاتفها، فوجدت رسالة منه. فتحتها بسرعة. "لقد انتهى كل شيء بيننا بعد هذه الليلة... بإمكانك العمل منذ اليوم، وما حدث بيننا لن يعلم به أحد." بقيت تنظر إلى الكلمات طويلاً. كانت الرسالة باردة، تشبهه تماماً. ذلك الرجل الذي لا يسمح لمشاعره أن تظهر، والذي يجعل كل شيء ي
غادرت أريانا مكتب ديڤيد و وجهتها حيث والدها الذي يرقد في العناية المركزه و صوته الحنون لا يفارقها أما ديڤيد فبقي جالساً خلف مكتبه، ينظر إلى الملف الموضوع أمامه دون أن يقرأ كلمة واحدة، فقد كان عقله مشغولاً بصورة واحدة فقط. وجهها. ذلك الحزن الذي حاولت إخفاءه خلف ابتسامتها الهادئة. كان يشعر بشيء غريب يضغط على صدره، إحساس لم يعتد عليه، فقد كان دائماً قادراً على تجاهل مشاعر الآخرين، لكن تلك الفتاة جعلت قلبه ينبض بعنف و حرارته تشتعل حتى انتصب بقوه تخفيه ولم يحتمل فكرة أن تنتهي هذه الليلة دون يتذوق شفتيها الكرزيتين أمسك هاتفه ونظر إلى الرقم الموجود في ملفها، تردد للحظة، ثم كتب رسالة قصيرة وأرسلها. "اليوم الساعة التاسعة مساءً... فندق أوروتش، الجناح الملكي، الطابق التاسع، الغرفة 308." أغلق الهاتف ووضعه جانباً، محاولاً إقناع نفسه أن الأمر عادي ولكن انفاسه لم تهدأ حتى شعر بالضيق وقد فك ربطة عنقه محاولاً تبديد توتره في الجهة الأخرى، كانت أريانا تجلس في السيارة متجهة إلى المشفى، وحين أضاء هاتفها برسالة جديدة، فتحت الشاشة دون تفكير. وما إن وقعت عيناها على الكلمات حتى تغيرت ملامحها
دخلت موظفة قسم الموارد البشرية إلى مكتب ديڤيد بعد أن طرقت الباب طرقات خفيفة، ذلك المكتب الذي كان يعكس شخصيته تماماً، فخامة هادئة، أثاث من أفخم الأنواع، وجدران زجاجية تكشف منظر روما من الأعلى، بينما كان هو يجلس خلف مكتبه بثقة، قدماه مرفوعتان فوق سطح المكتب، وفي يده كأس من النبيذ الإيطالي الفاخر يحركه ببطء وهو ينظر إلى الفراغ بشرود. رفع عينيه نحو الباب عندما سمع الطرق ثم قال بصوته العميق "ادخلي." تقدمت الموظفة بخطوات رسمية وهي تحمل مجموعة من الملفات، ثم قالت باحترام "سيدي... لقد قابلت ثمانية أشخاص تقدموا لشغل وظيفة السكرتيرة التنفيذية." أشار لها ديڤيد دون أن يجيب، فوضعت الملفات أمامه وجلست على المقعد الجلدي المقابل لمكتبه، بينما أنزل هو قدميه بهدوء ووضع كأسه على الطاولة الزجاجية أمامه. فتح أول ملف، ثم الثاني، كان يقلب الصفحات ببرود معتاد، وكأن الأمر لا يعنيه، حتى توقفت أصابعه فجأة عند ملف معين. صورتها..... تلك العينان الخضراوان اللتان لم تفارقا ذاكرته منذ لحظة المصعد. توقف للحظات وهو يتأمل الصورة، كانت ملامحها الهادئة مختلفة عن كل النساء اللواتي عرفهن، و مثيره للإهتمام
جلست أريانا بجانب والدها ميخائيل، تمسك بيده وكأنها تخشى أن يفلت منها في أي لحظة، فذلك الرجل الذي منحها اسمه وحبه وحمايته منذ طفولتها كان بالنسبة لها العالم بأكمله، ولم تكن تعلم أن خلف تلك الذكريات الجميلة سراً كبيراً عن حقيقتها، فقد أخذها ميخائيل وزوجته الراحلة أنطوانيت من دار الأيتام وهي لا تزال رضيعة لا يتجاوز عمرها عشرة أيام، بعد أن وجدوها هناك تبكي داخل مهدها أمام باب الميتم، وكانت بجانبها ورقة صغيرة تحمل اسمها وتاريخ ميلادها فقط، ومنذ ذلك اليوم أصبحت ابنتهم التي لم ينجبوها، الفتاة التي ملأت منزلهم بالحياة والدفء. كان ميخائيل قد أفنى سنوات عمره في العمل والتعب حتى يوفر لها حياة كريمة، وحتى لا تشعر يوماً بأنها مختلفة عن الآخرين أخفى عنها حقيقة تبنيها، فقد كان يخشى أن تشعر بأنها منبوذة بين زملائها أو أن تنظر لنفسها بطريقة مختلفة، فكانت أريانا ابنته في قلبه قبل أن تكون كذلك في الأوراق. كبرت أريانا وأصبحت شابة آسرة الجمال، تحمل ملامح هادئة تخفي قوة كبيرة بداخلها، كانت عيناها الخضراوان الواسعتان تشبهان لون الغابات بعد المطر، وبشرتها البيضاء الناعمة تزيدها رقة، وشعرها الأسود الطويل ي







