Share

الفصل السادس

Author: El Mufied
last update publish date: 2026-05-19 21:25:44

كان القطار الحديدي الذي أقله يزحف شاقاً عتمة الليل الدامس. وكانت قطرات المطر في الخارج لا تزال تترك أثرها، بينما ينفث مكيف الهواء برودة قارسة شعرت وكأنها تغلغلت في نخاع عظامي.

​"آه،" أننتُ أنة مكتومة، وأنا أضم حولي سترة خفيفة كانت تلف جسدي.

​لم تكن لسعات البرد هذه تجعل جسدي يرتجف فحسب، بل كانت تذكي أيضاً آلاماً نابضة وشديدة في جروح الحروق التي لم تمضِ فترة طويلة على جفافها. شعرت بتصلب وحكة في بشرة وجهي وذراعيّ بالكامل، ممتزجة بألم حاد يمزق الجسد. أسندت رأسي إلى زجاج النافذة المكسو بالضباب، مستجمعة كل قواي لحبس أناتي حتى لا أزعج هدوء المسافرين الآخرين الذين استغرقوا في نوم عميق غارقين في أحلامهم.

​وفي غمرة هذا العذاب الجسدي، كانت أعماقي تضطرب بلا توقف. بدأت بذور الخوف تزحف لتنهش عقلي. كيف يا ترى سيكون تقبل جدي وجدتي لي؟ هل سيصعقان برؤية مظهري المحطم هذا؟ ماذا لو تسلل الخجل إلى أعماق قلبيهما لوجود حفيدتهما في هذه الحالة المزرية؟ في الماضي، عندما كنت أعيش في هذه القرية، كنت دائماً جوهرتهما وفخرهما. لا أنوي التكبر أبداً، لكن لقب "زهرة الورد الأبهى في القرية" كان دائماً يطلقه أهل القرية عليّ. كلما قادني جدي نحو بيت الله (المسجد) أو اصطحبتني جدتي وسط زحام السوق، لم يكن المكان يخلو قط من ثناء الأمهات على جمال وجهي، أو مجرد مزاحهن حول متى سأقبل الخطبة لأبنائهن.

​ولكن الآن، احترقت تلك الوردة والتهمتها النيران. ذبلت أوراقها واسودت، ولم يعد يتبقى منها أي بصيص من الجمال.

​كانت عجلة الزمن تدور ببطء شديد، حتى تردد أخيراً صدى صوت المذيع الداخلي معلناً أن المحطة القادمة هي محطة "ماوس". أمسك بحقيبتي بسرعة بأصابع لا تزال ترتجف، مستعدة لمواجهة الواقع.

​وعندما انفتح باب المقطورة، لفحت وجهي فجأة نسمات فجر الصباح المميزة لسواحل "تشيلاتشاب". لم تكن محطة "ماوس" فخمة للغاية، وكانت لا تزال غارقة في السكون في هذا الثلث الأخير من الليل. جالت عيناي في رصيف المحطة الخافت، أبحث عن الشخصين اللذين اشتقت إليهما بشدة.

​وفي نهاية الرصيف، وتحت ضوء مصابيح المحطة الباهت، لمحت طيف رجل وامرأة في خريف العمر يقفان كتمثالين، وملامح وجهيهما كستها مسحة من القلق الشديد. كانت ثيابهما في غاية البساطة؛ جدي يرتدي إزاراً (صارونغ) وقبعة، بينما كانت جدتي ترتدي خماراً فضفاضاً يغطي رأسها.

​"جدي... جدتي..." ناديت بصوت مبحوح، وأنا أسرع بخطواتي المتعثرة نحوهما.

​"يا إلهي! سلمى!"

​اندفعت جدتي مسرعة، وعانقت جسدي بقوة وكأنه لا يوجد غد. انهار بكاؤها في تلك اللحظة، يتردد صداه ليشق سكون المحطة. لم تبالِ بثيابي المبتلة قليلاً ببقايا المطر، ولم تكترث أيضاً بالوشاح الملفوف بإحكام ليخفي وجهي. كان عناقها دافئاً جداً، عناقاً يداوي شوقاً لم أتذوقه منذ سنوات طويلة، منذ أن أخذتني أمي لنغترب في "سولو".

​"أخيراً عادت حَفيدة جدي إلى ديارها،" قال جدي بصوت يرتجف بشدة. وبأصابعه التي غضنتها السنون، مسح برفق على رأسي المغطى بالخمار. وتساقطت دموع جدي أيضاً، تبلل خديه اللذين أثقلهما الكبر.

​لم تنطق شفاههما بأي سؤال حول سبب إخفائي لوجهي، ولم تظهر منهما أي نظرة رعب تمزق القلب. كل ما تدفق منهما كان حباً خالصاً ومحضاً بلا شروط. في أحضانهما، شعر هذا الجسد مجدداً بأنه إنسان بكامل كرامته.

​وبعد أن هدأت عاصفة دموع الشوق قليلاً، استأجر جدي مركبة ذات ثلاث عجلات بمحرك (عربة ريكشا) كانت تقف في ساحة المحطة. جلسنا نحن الثلاثة متلاصقين فيها، نشق طرقات القرية التي بدأت خيوط الفجر تكشف عنها.

​وأملي الذي شعر بالدفء منذ قليل، تجمد فجأة مجدداً عندما بدأت مركبتنا تدخل شوارع القرية. فبعد أداء صلاة الفجر، من الطبيعي أن تبدأ عجلة حياة أهل القرية بالدوران. وبالفعل، عندما توقفت عجلات المركبة تماماً أمام فناء منزل جدي، أدار بعض الجيران الذين كانوا يكنسون أفنيتهم أو يستعدون لمواجهة يومهم في السوق أنظارهم نحونا فجأة.

​"أوه، يا جدي؟ من أين أتيت في هذا الصباح الباكر حاملاً حقيبة سفر؟" نادت الأخت "ليلى"، وهي جارة تبعد عنا بثلاثة منازل وتشتهر ببراعتها الفائقة في نشر الشائعات والأقاويل.

​"أهلاً يا ابنتي. لقد عدت لتوي بعد استقبال حفيدتي سلمى، لقد عادت من سولو،" أجاب جدي بلطف وهو ينزل حقيبتي.

​وعندما تردد اسم "سلمى" في الهواء، اتسعت عينا الأخت ليلى ببريق ساطع. وأدار جيران آخرون سمعوا الاسم وجوههم واقتربوا منا. بالطبع، عودة "وردة القرية" كانت دائماً مغناطيساً يجذب الانتباه.

​"يا إلهي، سلمى؟ يا ابنتي، لقد مر وقت طويل جداً منذ آخر ظهور لكِ! لا بد أنكِ ازددتِ جمـ..."

​انقطعت كلمات الأخت ليلى المبهجة فجأة في الهواء. تسمرت خطواتها. وتلاشت ابتسامتها تدريجياً، لتبل محلها نظرة ذهول واتساع عيون يصعب تفسيرها.

​أما أنا التي وطئت قدماي الأرض لتوي نازلة من المركبة، فقد أحنيت رأسي غريزياً إلى الأسفل. ولكن لسوء الحظ، لفحة من نسيم الصباح أزاحت قليلاً من الوشاح عن وجهي، لتكشف عن نصف وجهي المليء بآثار جروح الحروق المروعة، والمسودة، والمتجعدة بقسوة. وظاهر يدي الذي كان يقبض على مقبض الحقيبة لم يسلم أيضاً من ذلك المشهد الذي يمزق القلوب.

​خيم صمت رهيب فجأة على أجواء الصباح.

​"أوه... هذا... ما الذي حل بوجهها يا ترى؟" همست امرأة للأخت ليلى، رغم أن صوتها كان عالياً بما يكفي ليجرح مسمعي.

​"أستغفر الله العظيم... أهذه حقاً سلمى؟ سلمى زهرة قريتنا الفاتنة شديدة الجمال؟ لماذا... لماذا تحول مظهرها إلى هذه البشاعة المروعة؟"

​ضربت تلك الهمسات أذني كصاعقة في الصباح الباكر. نظراتهم التي كانت تفيض ببريق الإعجاب والترقب، تبدلت في غضون ثوانٍ لتتحول إلى نظرات رعب، وشفقة مهينة، و... اشمئزاز.

​نجمة القرية الشهيرة تحولت الآن إلى مسخ يثير الرعب والارتعاد في نفوسهم.

​"تعالي يا ابنتي، فلندخل سريعاً إلى الداخل. لا بد أن جسدكِ منهك تماماً،" قطعت جدتي الموقف بسرعة، وهي تحيط كتفي بذراعيها لتصبح درعاً يحميني من طعنات نظرات الجيران التي تدينني. رمت جدتي نظرة حادة كالنصل نحو الأخت ليلى والنساء الأخريات، وكأنها تأمرهن بإغلاق أفواههن.

​خطوت داخل المنزل، تاركة خلفي الأقاويل والشائعات التي كنت واثقة أنها ستنتشر قريباً في أرجاء القرية بأكملها، أسرع من ألسنة اللهب التي التهمت وجهي.

​قادتني جدتي نحو غرفتي القديمة. كانت رائحتها كما هي، مزيجاً من عبق الكافور وزهور الياسمين. كل شيء كان مرتباً بعناية، ليكون شاهداً صامتاً على أن جدتي كانت تعتني بها كل يوم، منتظرة عودتي بشغف.

​ألقيت بجسدي المتعب على حافة السرير. وببطء، فككت لفافة الوشاح الذي كان يخفي عيب جروحي منذ الليلة الماضية. استجمعت شجاعتي لأواجه انعكاسي في تلك المرآة القديمة، إرث والدي الراحل، والمثبتة على باب الخزانة.

​اعتصر الانعكاس المعروض هناك صدري مجدداً حتى ضاق نفسي.

​في "سولو"، لم أكن سوى ابنة زوج غير مرغوب فيها، تعرضت للإهانة من لحمي ودمي ومن شاب بلا ضمير. ولكن هنا، في هذه القرية الصغيرة، حيث يعرف الجميع بعضهم البعض وحيث كان اسمي يتردد دائماً بالثناء والإعجاب كرمز للجمال... ستكون هذه السخرية أشد تمزيقاً للوجدان بمراتب كثيرة.

​ارتسمت على شفتي ابتسامة مريرة وأنا أندب ذلك المظهر المشوه المنعكس خلف المرآة. وانهمرت قطرات الدموع بغزارة من جديد. يبدو أن اختبار الحياة الحقيقي قد بدأ لتوه.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • حُسن الخفاء   الفصل السابع عشر

    ​"أوقفي خطواتكِ في هذه اللحظة بالذات أيتها القابلة."​تردد صدى ذلك الصوت الجهوري الذي يُثلج نخاع العظام، صوتاً ثقيلاً يبعث هالة من التهديد القاتل، ليشق الهواء في لمح البصر.​تجمدت حركة القابلة "لاستري" فجأة في الهواء. وأدرتُ أنا و"نادية" أنظارنا معاً في دهشة. لم يعد "غفران" جالساً باسترخاء؛ بل وقف الشاب منتصباً كصخرة تكسر الأمواج، ساداً كل منافذ الوصول إلى جسدي، ومتوجاً بنظرات حادة كالصقر المتربص للانقضاض على فريسته وإهلاكها.​ابتلعت القابلة لاستري ريقها الذي مر متحجراً في حلقها، وتراخت أصابعها المغلفة بالقفازات الطبية ببطء. حاولت رسم ابتسامة متكلفة للغاية وقالت: "إـ إيه، يا بني غفران. إنني أريد فقط أداء واجب العلاج يا بني. بناءً على كلام نادية، فإن جراح سلمى بالغة الخطورة..."​"أداء واجب؟" قاطعها غفران بحزم مطلق، دون أن تشوب كلماته ذرة من التردد أو الخوف وهو يواجه ممرضة القرية. "منذ متى يفرض معالج متعلم إرادته لكشف عورة المريض وغطاء جرحه بوحشية في شرفة مفتوحة، دون رضا المريض نفسه، ثم يجعله فرجة أمام أعين الحاسدين الذين لا شأن لهم؟"​شحب وجه القابلة لاستري على الفور، ورمشت عيناها في د

  • حُسن الخفاء   الفصل السادس عشر

    ​بعد أن أُسند هذا الجسد الواهن عائداً إلى فراشه في الغرفة، خيم السكون تدريجياً على الفناء الخلفي. ومن شق النافذة الخشبية الذي تركته مفتوحاً عمداً لأسمح بتدفق النسيم، كانت أذناي لا تزالان قادرتين على التقاط إيقاع المكنسة وهي تتأرجح بيد غفران، ليطهر الأرض من بقايا نشارة الخيزران.​وعندما كان الشاب يجمع قطع الخيزران في كيس، توقفت حركته فجأة. واستنشق الهواء. لقد انتشرت رائحة نفاذة وقوية جداً من ناحية المطبخ—تحديداً من بقايا بخار القدر الذي كانت الجدة تغلي فيه عادةً قطعة القماش التي أبرد بها وجهي، والتي كانت قد لامست قطرات الدواء السحري لأم مريم. كانت الرائحة قوية جداً، مزيج غريب بين الجذور الرطبة والعصارة العشبية التي تزكم الأنوف. ولم تكن تلك الرائحة تشبه أبداً رائحة مرهم الصيدلية الذي أهداني إياه قبل أيام.​أدار غفران وجهه، ليواجه الجدة التي كانت قد خرجت لتوها من المطبخ وهي تحمل مكنسة.​"يا جدتي،" نادى غفران بصوت خافت، ونبرته تحمل حذراً بالغاً. "أي دواء وأي طبيب هو الذي تعالج به سلمى نفسها؟ رائحته قوية جداً وتفوح في الفناء. هل هذه التركيبة آمنة حقاً على جسدها؟"​كتمت أنفاسي تحت الغطاء ال

  • حُسن الخفاء   الفصل الخامس عشر

    ​زحف الليل ببطء شديد يعذب الروح، وبدا أطول بكثير من عتمة الليالي المعتادة. وكانت عقارب الساعة بالكاد تلامس الثلث الأخير من الليل الهادئ، ومع ذلك، أبت عيناي أن تغتمضا ولو للحظة. كان جسدي يرتعد بعنف تحت الغطاء السميك، بينما شعرت بوجهي وكأنه يُشوى حياً فوق جمر مشتعل بضراوة.​لقد بلغت عملية التطهير بالدواء العشبي لأم مريم ذروتها حقاً. بدأت طبقات الجلد الميت تتقشر بشراسة بالغة. وامتزجت لسعات الألم، والحكة المعذبة، والحرارة اللافحة لتشكل عذاباً واحداً يجلدني، ويجبرني مراراً على إطلاق أنات ألم مكتومة وأنا أعض على طرف وسادتي، فقط لكي لا يمزق صدى ألمي نوم جدتي العميق في الغرفة المجاورة.​ارتفعت حرارة جسدي بشكل جنوني. وكانت هذه الحمى التي تشوي جسدي هي المهر الباهظ الذي يجب عليّ دفعه كاملاً ثمناً للشفاء.​وعندما شق صوت أذان الفجر سكون الصباح، أجبرت جسدي الواهن على النهوض. شعرت وكأن مفاصل جسدي قد خُلعت قسراً من أماكنها. توضأت بحذر شديد، وكنت أصارع لأكتم صرخة ألم عندما لامس الماء البارد كالثلج بشرة وجهي الملتهبة والمتقرحة.​وعندما قاربت الساعة الثامنة صباحاً، كانت الشمس في أفق ساحل تشيلاتشاب قد بد

  • حُسن الخفاء   الفصل الرابع عشر

    ​استدارت نادية أخيراً وخطت مبتعدة، تتعمد الضرب بقدميها على الأرض بغضب. كان وجهها محتقناً بالدماء يخفي جمراً من الغيظ. وبالتأكيد، لم يعد لديها ذرة من كرامة أو ماء وجه لتبقى متسمرة هناك بعد أن تلقت رداً مفحماً ولاذعاً من لسان غفران.​وبعد أن تلاشى صدى خطوات نادية وابتلعته المسافة، وعاد هدير رياح الجفاف ليسيطر على الأجواء، بقي جسدي متصلباً خلف ظهر غفران المنيع. وكانت عقدة نقابي قد أُحكم ربطها جيداً الآن.​"هل أصبحتِ في مأمن يا سلمى؟" همس غفران بخفوت، دون أن يدير جسده قيد أنملة.​"أجل، أنا في مأمن يا غفران،" أجبته بصوت خافت ومكتوم.​وبحذر شديد ورعاية فائقة، أدار غفران جسده. وأطرق بصره نحو الأرض المغبرة، دون أن تراوده نية، ولو بمقدار ذرة، للنظر إلى وجهي الذي عاد ليُظلل بستار الطهر والعفة. وذراعاه اللتان كانتا قبل قليل تشكلان درعاً واقياً، عادتا لتستقرا في جيوب بنطاله بتلك العفوية التي طالما عُرف بها.​"شكراً لك بلا حدود يا غفران،" قلتها بصدق خالص. كان صوتي يرتجف، محاولاً كبح جماح العاصفة التي تضرب في صدري.​رسم غفران ابتسامة رقيقة، تلك الابتسامة التي طالما بعثت السكينة في عينيه. "على الرحب

  • حُسن الخفاء   الفصل الثالث عشر

    ​هبت رياح الجفاف القاحلة، تذرو ذرات الغبار الدقيقة وتتلاعب بأوراق شجرة المانجو المتساقطة في فناء منزل جدي. انقضت عدة أهلة منذ أن قطرت أم مريم ذلك الدواء لأول مرة. وخلف ستار نقابي الأسود كسواد الليل، كانت بشرة وجهي تخوض اختبار تطهير قاسٍ وعنيف، تتقشر، وتلتهب بحمرة شديدة، وتلسعني بألم لا يطاق، خاصة عندما تبلغ أشعة الشمس اللافحة ذروتها. ورغم ذلك، لم يعد هذا الجسد يبالي. فهذا الألم ليس سوى المهر الذي يجب أن أدفعه بالكامل فداءً لأمل مرتجى.​في ظهيرة ذلك اليوم، كنت أكنس الفناء الأمامي، أنظفه من بقايا الأوراق اليابسة. وباتت العباءة السوداء الفضفاضة، مع الخمار الطويل الذي ينسدل ليغطي ركبتي، هويتي الجديدة التي تكتمل بها حقيقتي.​وفي منتصف أرجحة مكنستي، شق الهواء من بعيد هدير محرك دراجة نارية أحفظ صوته عن ظهر قلب. توقفت تلك المركبة ذات العجلتين، التي تبدو قوية العتاد رغم قدمها المعتنى به، أمام السياج الخشبي للفناء مباشرة. أطفأ الشاب، المرتدي سترة بلون التراب، محرك دراجته، وخلع خوذته، ثم مسح حبات العرق التي تتصبب من جبينه.​لم يكن ذلك الشاب سوى غفران.​وما إن رأيته يترجل من دراجته، حتى تجمد جسدي

  • حُسن الخفاء   الفصل الثاني عشر

    مرت ثلاثة أيام منذ أن عصفت تلك الفتنة الشنيعة بمورد رزق عائلتنا، فجعلته أثراً بعد عين. وبات المنزل الذي كان يعبق برائحة توابل الطبخ، غارقاً الآن في صمت موحش وبرودة كئيبة. آثر جدي العزلة في المصلى أكثر وقته، يناجي الخالق القدير. بينما جلست جدتي شاردة في الشرفة، ترمق سلال الخيزران الفارغة التي هجرها زبائنها بنظرات يائسة.​ولكن، عندما حان وقت العصر، قطع سكون القرية مشهد في غاية الغرابة. توقفت مركبة ذات أربع عجلات، سوداء كلون الليل البهيم وتشع ببريق الفخامة، أمام فناء منزل جدي مباشرة. وجذب ظهورها انتباه الجيران المارة في طرقات القرية على الفور.​نزلت من المركبة امرأة ناضجة تتألق بوقار لا مثيل له. كانت ترتدي عباءة سوداء فضفاضة، ويكملها نقاب بنفس اللون ينسدل ليغطي صدرها بترتيب بالغ. وكانت تحمل في يدها صندوقاً خشبياً صغيراً مزيناً بنقوش رائعة، يبدو عتيقاً جداً ولا يقدر بثمن.​"السلام عليكم،" نطق لسانها وهي تخطو صاعدة درجات الشرفة. كان صوتها ينساب برقة، ولكنه يفيض بهيبة وقار شديدة، كينبوع ماء بارد يتدفق بهدوء ليشق رمال الصحراء القاحلة.​"وعليكم السلام،" ردت جدتي وهي تنهض مسرعة. وبحركة مرتبكة،

  • حُسن الخفاء   الفصل الثالث

    أغمضت عينيّ بقوة. وفي تلك اللحظة المظلمة، انتفضت روحي فجأة لظهور أطياف أشخاص طالما اشتقت إليهم بشدة.​"أستغفر الله..."تمتمت شفتاي بالاستغفار بخفوت. تجسدت جدتي في عالم خيالي، تقف بجانب جدي، ثم قالت بصوت حنون: "نحن نشتاق إليك كثيراً يا سلمى."​انهمرت دموعي عندما عادت بي الذاكرة إلى كلماتهم الأخيرة ف

  • حُسن الخفاء   الفصل السابع

    ​تسللت خيوط شمس الصباح على استحياء من بين شقوق الجدران الخيزرانية لغرفتي. وكان صياح الديكة المتتالي وصوت الماء المتدفق من بئر جدتي بمثابة إعلان بأن عجلة الحياة في القرية قد دارت بكامل طاقتها. نهضت بجسدي من المرقد، ولففت نفسي بثياب ذات أكمام طويلة، ولم أنسَ أن أحكم لف الوشاح حول وجهي ليكون ساتراً لم

  • حُسن الخفاء   الفصل الخامس

    ​خفق قلبي!شعرت وكأن قلبي في صدري ينتفض، يكاد يقفز من قفصه.​وبحذر شديد، رفعت وجهي الذي كان مطرقاً كتمثال متصلب. عبر ستارة قطرات المطر المضاءة بنور مصابيح الشوارع الخافتة، حدقت في ذلك الوجه. ابتسامة هادئة ليست غريبة على وجداني.​"غفران؟" خرج صوتي مبحوحاً ومرتجفاً، يكاد يغرق في هدير العاصفة.​أجاب ا

  • حُسن الخفاء   الفصل الرابع

    خطا غفران في شوارع مألوفة جداً بالنسبة لي. تبعت خطواته للحظات، حتى أوقف سيره أمام مبنى يقف بشموخ. كان ذلك هو المنزل الذي أويت إليه أنا وأمي لثلاث سنوات، منذ أن أعادت بناء عش الزوجية. ولكن، في نهاية المطاف، عقدت العزم على الرحيل من ذلك المكان.​"لقد وصلنا،" قال غفران وهو يفلت يدي ببطء. "استريحي بسلا

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status