تسجيل الدخولتراجع قلبي خطوة إلى الوراء وتجمدت يداي المغطاة بالعرق البارد وأنا أراقب المقبض النحاسي للباب الجانبي الموصول بجناحه وهو يتحرك ببطء قاتل. صرير المفصلات الخشبية في صمت الجناح كان كفيلاً بإشعال كل خلية رعب في جسدي. تراجعتُ غريزياً حتى اصطدم ظهري بحافة السرير الملكي الفخم، وأطبقتُ بكفيّ على الحرير الأسود الساخن الممتد تحتي، محاولةً التمسك بأي شيء يمنع ركبتي الخائنتين من الانهيار.
انفتح الباب بالكامل، لكنه لم يكن كرم. وقفت هناك فتاة ممشوقة القوام، ترتدي زياً رسمياً موحداً وقاتماً يخص الخدم، وتضع عينيها في الأرض بآلية مريبة وجليدية. كانت تحمل بين يديها المرتعشتين ثوباً ناعماً من الشيفون والحرير الأسود الداكن، ينسدل بنعومة مفرطة ويفوح منه عطر يشبه عطر كرم نفسه. "سيدي يأمركِ بارتداء هذا.. واللحاق به فوراً عبر هذا الممر،" قالتها بنبرة آلية، خالية من أي تعاطف أو حياة، ودون أن ترفع رأسها لتنظر إلى وجهي الشاحب. "وإذا رفضت؟" خرج صوتي حاداً، يحمل بقايا كبريائي الشامي الجريح الذي أحاول التشبث به بأسنان وأظافر، رغماً عن الضعف الجسدي المرعب الذي يجتاحني. لم تجبني الفتاة. وضعت الثوب على طرف السرير بخفة، وتراجعت بضع خطوات للخلف، ثم أغلقت الباب الجانبي خلفها بصمت، تاركة إياي في مواجهة ذلك الثوب الأسود الذي بدا وكأنه كفن لحريتي المستسلمة. بعد دقائق من الصراع النفسي المرير بين كرامتي وخوفي من تهديده الصريح في السيارة، وجدتُ نفسي أقف أمام المرآة الكبيرة للجناح. كان الحرير الأسود يلتصق ببشرتي الدافئة بنعومة مستفزة، مكشوفاً عند الكتفين وعظم الترقوة بطريقة جعلتني أشعر بالعرى التام والارتجاف رغماً عن دفء الغرفة. كان الثوب يجسد كل إنش من جسدي المضطرب، وكأنه صُمم خصيصاً ليعلن استسلامي لملكيته قبل أن أخطو خطوة واحدة داخل عرينه. دفعتُ الباب الجانبي الموارب ببطء، وعبرت الممر القصير المظلم الذي يفصل بين الجناحين، ليدق قلبي عنفواناً مجنوناً مع كل خطوة. دخلتُ جناحه الخاص، لتستقبلني أجواء أكثر عتمة وغموضاً. كانت إضاءة الغرفة تقتصر على شموع عطرية سوداء تتوزع في الزوايا، ويبعث لهيبها المتراقص ظلالاً دافئة ومثيرة على الجدران. وفي نهاية الغرفة، أمام مدفأة حجرية ضخمة تشتعل بالنار، كان كرم يجلس على مقعد جلدي عريض، وقد تخلى عن سترة بدلته الرسمية، ليبقى بقميصه الأسود الذي فتح أزراره العلوية، كاشفاً عن عنقه وعضلات صدره القوية التي كانت تتحرك مع كل نفس عميق يستنشقه من سيجاره. توقفتُ عند عتبة الغرفة، وضممتُ كفيّ إلى صدري محاولةً تغطية المساحة المكشوفة من الثوب، لكن نظرته الرمادية الحادة لم ترحمني. التفت إليّ ببطء، وتنقّلت عيناه الفاحصتان على طول جسدي المغطى بالحرير الأسود ببطء استفزازي وحارق، دامت لثوانٍ خلتها دهراً كاملاً. شعرت بغليان الدماء في وجنتي، وبدأت أنفاسي تتسارع رغماً عني تحت تأثير تلك النظرة المتملكة. "يقال إن الأسود يليق بالنساء الشاميات المتمردات.. لكنه عليكِ يبدو كاعتراف صامت بالهزيمة،" قالها بنبرته الرخيمة المنخفضة، وهو يضع سيجاره في المنفضة الفضية بجانبه، ثم نهض من مقعده بحركة واثقة. تحرك نحوي ببطء قاتل، وكل خطوة من حذائه على الأرضية الخشبية كانت تدق في رأسي كطبول الحرب. تلاشت المسافة بيننا حتى أصبح صدره العريض يلامس تقريباً قماش ثوبي الخفيف. انحنى بجسده الفارع ليميل برأسه نحو عنقي المكشوف، واستنشق رائحتي بعمق أرجف كل خلية في جسدي، قبل أن تمتد يده الضخمة ذات الأصابع الدافئة لتستقر خلف عنقي، حابساً إياي في مجاله الحسي الخانق. "هذا هو عقدكِ الجديد يا شام،" قال بالقرب من أذني، ولفحت أنفاسه الحارة بشرتي الحساسة، مما جعلني أغمض عينيّ مستسلمة للتأثير الطاغي لقربه. "ستوقعين على تنازل كامل عن حريتكِ وحركتكِ، وستكونين المساعدة الشخصية لي هنا.. في هذا القصر، وتحت شروطي المظلمة." "ولماذا تظن أنني سأوقع على عبوديتي بيدي؟" سألتُ بصوت مخنوق ومتحشرج، محاولةً دفع صدره العريض بيدي المرتعشتين اللتين استقرتا فوق عضلات قميصه الساخنة، دون أن أمتلك القوة الفعلية لدفعه. أطبق بيده الأخرى على خصري فجأة، وسحب جسدي بقوة مفرطة ليلتصق بجسده بالكامل، حتى شعرت بصلابة منكبيه ودقات قلبه المنتظمة والمرعبة. انخفض بوجهه ليصبح بمستوى شفتي، ولمحتُ بريقاً غريباً في عينيه الرماديتين وهو يهمس بنبرة حسمت كل شيء: "لأن البديل في هذا الملف الأسود المفتوح خلفكِ على الطاولة.. لا يتضمن فقط تصفية ماضيكِ، بل يتضمن اسم أخيكِ يوسف، وهو الآن تحت رحمة رجالي في دمشق" اتسعت عيناي بالرعب التام، وتوقفت أنفاسي في صدري وأنا أنظر إلى الملف الجلدي الأسود الموضوع على الطاولة خلفه، وقبل أن أنطق بكلمة واحدة، سُمع صوت إطلاق رصاصة مدوية من حديقة القصر الخارجية، تلاها صراخ حاد قطع سكون الليل..في صباح اعتيادي من أوائل الشهر التالي وصلت رسالة إلكترونية إلى عنوان الوقف الرسمي. وكانت ريم من تلقّتها وأرسلتها إليّ مع ملاحظة واحدة في الهامش: "اقرئيها أنتِ أولاً ثم أخبريني برأيك قبل أن أُقرّر." الرسالة كانت من باحثة في جامعة بيروت تكتب رسالةً أكاديمية عن المنظمات المجتمعية غير الربحية في منطقة الشرق الأوسط وطُرق عملها وفلسفتها في التعامل مع الفئات المُهمَّشة. كانت قرأت عن وقف بيت العتبة في مقال صغير نُشر في موقع متخصص في الشؤون المجتمعية. وأرادت إجراء مقابلة لفهم كيف يعمل الوقف وما الفلسفة التي يقوم عليها. اتصلتُ بريم. قلتُ لها: "ما رأيك في المبدأ؟" قالت: "المبدأ جيد. الوقف يعمل بشفافية وليس لدينا ما نُخفيه عن باحثة جادة. لكنني أُريد أن نتفق على شيء واحد قبل أي مقابلة: أن نتفق على ما نقوله وما لا نقوله. ليس لأن لدينا أسراراً بل لأن بعض الأشياء تحتاج سياقاً لكي تُفهم. قصة نجلاء الشخصية مثلاً. يمكن للباحثة أن تعرف أن الوقف أُسّس باسم امرأة. لكن تفاصيل حياتها ولماذا صمتت ولمن تركت الوثائق، هذا ليس للنشر الأكاديمي." "موافقة تماماً." عقدنا المقابلة أنا وريم عبر اتصال مرئي مشترك. ال
في أحد أيام ذلك الشهر طلب منّي يوسف أن يتحدث معي في شيء مهم. قال ذلك عبر رسالة نصية قصيرة في الصباح: "عندي شيء أُريد أن أُخبركِ به حين تتفرّغين." وكان في هذه الجملة البسيطة شيء لفت انتباهي: يوسف في بداياته معنا كان يسأل قبل أن يُخبر. أما الآن فيقول عندي شيء أُريد أن أُخبركِ به بثقة من يعرف أن ما لديه يستحق أن يُسمَع. التقينا في المساء في المطبخ المشترك. قال: "قرّرتُ تخصّصي." "ماذا اخترتَ؟" "اخترتُ علم الاجتماع مع توجّه في السياسات الاجتماعية. لأنني أُريد أن أفهم كيف تُصمَّم الأنظمة التي تُساعد الناس أو تُهمّشهم. لأنني رأيتُ في حياتي كيف يُؤثّر النظام على الإنسان قبل أن يختار الإنسان أي شيء. ورأيتُ في عملي في الوقف كيف يمكن لمؤسسة صغيرة أن تُعوّض ما أخفقت فيه أنظمة أكبر. وأُريد أن أفهم هذا بشكل أعمق حتى أستطيع أن أُسهم في تغييره." "يوسف، هذا كبير." "أعرف. وصلتُ إليه بطريقتَين. الأولى من دراستي في الجامعة حين بدأتُ أُربط بين ما نتعلّمه وما رأيتُه في الوقف وفي حياتي. والثانية من قراءة وثائق نجلاء. نجلاء لم تكن تعمل في مواجهة نظام. كانت تبني في الفجوات التي تركها النظام. وأنا أُريد أ
في نهاية الفصل الدراسي الأول جلستُ في مكتبة الجامعة في الساعة الأخيرة قبل إغلاقها الليلي، وحدي بين أرففها المضاءة بضوء بارد هادئ، وأمامي الدفتر الجامعي المليء بالملاحظات والورقات المتناثرة التي تراكمت على مدى أربعة أشهر من الحضور والاستماع والكتابة وإعادة الكتابة. أنهيتُ آخر ملاحظة للمادة الأخيرة في الفصل. وضعتُ القلم على الطاولة. ونظرتُ حولي في تلك المكتبة التي صارت خلال هذه الأشهر الأربعة مكاناً ألجأ إليه في أوقات مختلفة ولأسباب مختلفة: أحياناً للدراسة وحل الواجبات، وأحياناً للكتابة عن نجلاء في دفتر آخر أحمله معي، وأحياناً فقط لأجلس في مكان لا يطلب منّي شيئاً إلا أن أكون هادئةً وأن أُفكّر دون ضغط. في تلك اللحظة الأخيرة قبل أن أجمع حقيبتي وأُغادر، فكّرتُ في كل ما مررتُ به في هذا الفصل الواحد. كان فصلاً بدأ بخوف خفيف غير مُعلَن، الخوف من أن أكون الشخص الأكبر سناً في القاعة أو الأقل انتماءً لبيئة الدراسة بعد كل هذه السنوات التي انقطعتُ فيها عن المؤسسة الأكاديمية. كنتُ أتساءل في الأسابيع الأولى إن كنتُ سأستطيع الاندماج أو إن كانت الهوّة بين حياتي خارج الجامعة وحياة الطلاب الأصغر سناً
في صباح يوم اعتيادي من أواخر ذلك الشهر وبينما كنتُ في الجامعة بين محاضرتَين اتصل كرم. نبرة صوته حين أجبتُ أخبرتني قبل أن يقول كلمةً واحدة أن ما سيقوله مختلف. قال: "جاءني اتصال قبل ساعة. من رقم لم أعرفه. والرجل الذي تكلّم قدّم نفسه باسم لم أسمعه من قبل لكن أسلوبه في الكلام كان يشبه شيئاً عرفتُه." "شبيه بماذا؟" "بالرجل في المكتبة." توقفتُ عن قراءة ملاحظاتي. "وماذا قال؟" "قال شيئاً واحداً ثم أغلق الخط. قال: أُريد أن أُخبرك أن ما بنيتَما بدأ يُؤثّر في أناس لا تعرفهم. وهذا ليس خبراً تُريد مؤسستكما معرفته. هذا خبرٌ يستحق أن تعرفاه أنتما شخصياً." الرجل الذي لا يُرى، الذي التقينا به مرةً واحدة في مكتبة هادئة وكان طارق المصري وسيطنا إليه طوال الأشهر الماضية، اتصل بكرم مباشرةً. وقال شيئاً لا يشبه لغة المصالح ولا لغة التهديد. قال شيئاً شخصياً. أخبرتُ نور في المساء. استمعت بصمت كامل غير معتاد منها، ثم سألت سؤالاً واحداً: "ما الجملة الحرفية التي قالها؟" صمتت لثوانٍ. ثم قالت: "هذه الجملة لا تُطلب إجابةً. لا تفتح حواراً. وليست تهديداً. هي إخبارٌ صرف. ومن يُخبر دون أن يطلب شيئاً في المقابل يُخب
في يوم من أيام ذلك الشهر حدثتْ لحظة صغيرة في قاعة دراسية لم أكن أتوقع أن تُخبرني بشيء مهم عن نفسي. كان الأستاذ يشرح مفهوماً في مادة الاجتماع يتعلق بديناميكيات القوة في المنظمات. وطرح سؤالاً على الجميع: حين تواجه مؤسسةٌ تحدياً خارجياً يُهدّد وجودها، ما الاستجابة الأكثر فاعليةً؟ أجاب بعض الزملاء بالدفاع والحماية. وأجاب آخرون بالتكيّف والتغيير. وأجاب ثالث بالتوثيق والشفافية. رفعتُ يدي. وكان ذلك أول مرة أرفع يدي في محاضرة في تلك الجامعة. قلتُ: "أعتقد أن الاستجابة الأكثر فاعليةً هي أن تُوضّح المؤسسة ما الذي تُؤمن به وتجعل هذا الإيمان أكثر وضوحاً مما كان عليه قبل التحدي. لأن المؤسسات التي تُهدَّد ثم تتراجع أو تتغيّر هي التي لا تعرف ما الذي تكون. أما التي تعرف ما الذي تكون فتستجيب للتحدي بأن تكون ذلك أكثر لا بأن تكون شيئاً آخر." نظر إليّ الأستاذ بتقييم حقيقي. ثم قال: "هذا منطق التمييز القائم على الهوية. من أين جاء عندك؟" توقفتُ. الإجابة الحقيقية كانت أنه جاء من أشهر عشتُها بين وثائق امرأة صمتت ثلاثين عاماً ومفاوضات مع مجموعة لا تُرى وجلسات مع مستشارة تعلّمتني أن أعرف ما أُؤمن به قبل أي
نظّم كرم اللقاء الأول من برنامج الإرشاد الشبابي في أواخر ذلك الشهر. لم يُسمّه برنامجاً في البداية لأنه قال إن الأشياء التي تُسمَّى قبل أن تتشكّل تتحوّل إلى الاسم لا إلى ما يجب أن تكون عليه. قال ستة أشخاص في غرفة، ليس أكثر. وموضوعٌ واحد: ما الذي تعلّمته من أصعب قرار اتخذته في عملك؟ وليس هناك محاضِرٌ. كلٌّ يتكلم حين يُريد. جلستُ في تلك الجلسة كمراقِبة لا كمُشارِكة. وكانت رؤيته في تلك الغرفة تُخبرني بأشياء عنه لم تُخبرني بها المحادثات الخاصة: كيف يستمع حين يستمع الآخرون لبعضهم، حين لا يكون مُتحدِّثاً ولا مُقدِّماً للجلسة بل مجرد شخص في الغرفة يُصغي. تكلّم ستة أشخاص في تلك الساعتَين. وتكلّموا بصدق لافت لأن السؤال الذي طُرح عليهم لا يطلب قصة نجاح بل لحظة أخطأ فيها صاحبها أو تعلّم منها. وهذا النوع من الأسئلة يُزيل شيئاً كثيراً من الحواجز التي يُقيمها الناس عادةً في الغرف الرسمية. في النهاية سأل أحد الشباب كرم: "وأنت؟ ما أصعب قرار اتخذتَه؟" نظر كرم نحو السائل بهدوء. ثم قال: "أصعب قرار اتخذتُه لم يكن قراراً في العمل. كان قراراً في الحياة. قرّرتُ أن أترك طريقاً رُسم لي ببطء واحتياطٍ وأن أب







