LOGINانتهى غداء العمل العاصف، وتحركت السيارة الفاخرة عائدة نحو القصر وسط زحام المدينة الصاخب.
كان الصمت داخل الغرفة الزجاجية للمركبة ثقيلاً ومخنقاً. جلس إيڤان في المقعد الخلفي بجانب ميلا، يراجع بعض الأوراق الرسمية ببروده المعتاد وهيبته التي لا تتزحزح. بينما كانت إيلينا تجلس في المقعد الأمامي بجانب السائق، تملي عليه جدول مواعيد الغد بنبرة عملية واثقة. أما ميلا… فكانت تجلس متصلبة تماماً، وعيناها العسليتان معلقتان بزجاج النافذة. لم تبكِ. ولم تصدر أي صوت. فالكلمات التي نُطقت بالإنجليزية عن كون زواجها “خطوة إستراتيجية لتأمين الثغرات القانونية” جمدت الدموع في مآقيها. شعرت بصغر حجمها، وبأن كل مشاعر الحب العفوية التي عاشت بها طوال سنين مراهقتها سُحقت تحت عجلات طموح هذا الرجل وبصيرة غريمتها. بمجرد أن توقفت السيارة أمام باحة القصر الداخلية، لم تركض ولم تصرخ. نزلت بخطوات هادئة، متزنة، وميتة تماماً. دخلت القصر، وتوجهت مباشرة إلى جناحها في الطابق العلوي، وأغلقت الباب خلفها بنعومة دون إحداث أي جلبة. عقد إيڤان حاجبيه بشدة وهو يراقب صمتها المريب منذ أن كانوا على الطاولة. ودّع إيلينا بكلمات مقتضبة، وسار بخطواته الفخمة نحو جناح ميلا ليطمئن عليها… أو بالأحرى، ليتأكد من أنها استوعبت شروطه ولم تتجاوزها. فتح الباب ودخل بجسده الرياضي الضخم، تملؤه هيبته الطاغية. كانت ميلا تقف أمام المرآة، تخلع حليها الذهبية البسيطة بهدوء تام. التفتت إليه عندما شعرت بوجوده، لكن ملامحها كانت خالية تماماً من أي تعبير. لا ابتسامة دافئة… ولا عتاب… ولا حتى نظرة انكسار تطلب الشفقة. تنحنح إيڤان، واقترب منها بضع خطوات، وقال بصوته الرجولي العميق، محاولاً استخدام نبرة اللطف الأخوية التي اعتاد عليها: — “ميلا.. لقد كنتِ هادئة جداً طوال الغداء. هل أعجبكِ المكان؟ أم أنكِ شعرتِ بالتعب من أجواء العمل؟” نظرت ميلا إلى عينيه الرماديتين. ولأول مرة، لم ترتبك أو تخفض رأسها خجلاً. تراجعت خطوة صغيرة إلى الخلف لتصنع مسافة أمان بينهما، وقالت بصوت هادئ، منخفض، ومجرد تماماً من أي نبرة حب أو عاطفة: — “لا، لستُ متعبة يا سيد إيڤان. لقد كان كل شيء ممتازاً ومنظماً.. كما خططتَ له تماماً مع الآنسة إيلينا.” تصلب جسد إيڤان فجأة. الكلمات كانت مهذبة وتنم عن طاعة تامة. لكن استخدامها للقب “سيد إيڤان” بدلاً من اسمه المجرد الذي طالما نادته به بعفوية، ونبرتها الآلية الجافة… وقعا على أذنيه كالصفعة. ضاق شريط عينيه الحادتين، وقال بعقدة حاجبين مستنكرة: — “سيد إيڤان؟ منذ متى تنادينني هكذا يا ميلا؟” أجابت بابتسامة خفيفة، باردة ومصطنعة، لا تشبه ابتساماتها الوردية السابقة في شيء: — “منذ اليوم. لقد استوعبتُ قواعدك جيداً بالأمس واليوم، وأدركتُ حدودي كأخت صغيرة ووصية تحت رعايتك. ومن الاحترام أن أناديك بلقبك أمام عائلتك وموظفيك. سأذهب لأغير ملابسي الآن، طاب مساؤك.” استدارت عنه بخطوات متزنة، ودخلت غرفتها الداخلية، وأغلقت الباب خلفها بهدوء. في تلك اللحظة، لم يشعر إيڤان بالغضب. بل على العكس… تسلل إلى صدره شعور بالارتياح والرضا الدفين، ممزوجاً بضيق خفي لم يستطع تفسيره. تنفس الصعداء وهو يغادر جناحها. فقد رأى أن ميلا “عقلت وأخيراً”، وتخلص هو من عبء نفسي ثقيل كان يؤرقه. لم يعد مضطراً لتطييب خاطرها الصغير، أو تبرير وجود إيلينا المستمر في حياته وعمله. هذا البرود الطائع منها سيوفر عليه الكثير من الصدامات، ويجعل حياتهما في القصر هادئة ومرتبة، دون تعقيدات عاطفية كان في غنى عنها. لكن إيڤان… لم يكن يعلم أن هذا الارتياح الذي شعر به، هو مجرد الهدوء الملغوم الذي يسبق العاصفة. وبداية فقدانه التدريجي للحنان الذي كان يخصها به.هزها إيڤان بخفة وعنفوان متأجج، وعيناه مسمرتان في عينيها بتوسل مجنون وغضب لم يهدأ بعد. لم تكن قبضتاه تفلتان وجهها، وكأنه يخشى إن تركها أن تتبخر بين أابعه أو يبتلعها هذا العالم البشع الذي كاد يلتهمها قبل قليل. أنفاسهما الحارقة كانت تتصادم في مساحة المصعد الضيق، وصوت صدى صراخهما الداخلي يتردد في أذنيهما، لكن مِيلَا لم تنحسر عنفوانها أو تتراجع. رغم الدموع التي ملأت عينيها، ثبتت نظرتها الحارقة في عينيه، وهتفت بصوت متهدج ومقطوع الأنفاس: — "لأنني لست دمية تحركها متى شئت وتخفيها متى شئت يا إيڤان! إن كنت تخاف عليّ من طمعهم، فاعلم أن طريقتك في إبعادي ومعاملتي كغريبة جافة هي التي جعلتهم تجرأوا وأطمعوا أعينهم فيّ! أنت من أعطيتهم الضوء الأخضر حين ظنوا أنني مجرد موظفة لا تعني لك شيئاً!" وقعت الكلمات على أذني إيڤان كالصواعق المتلاحقة. اهتز جسده، وتلاشت قسوة الغضب المطلق من ملامحه تدريجياً، ليحل محلها إدراك مرعب ووجع عميق. أدرك، ولأول مرة وبشكل كامل، كم كانت خطته عقيمة ومؤلمة، وكم أذاقها من قهر ومرارة وهو يظن أنه يحميها. تراجع بصره عن عينيها ببطء، ومررت أصابعه المرتجفة على شعره بحركة هستيرية من ش
عمّ القاعة صمت مميت وثقيل، كصمت ما بعد الانفجار النووي. لم يكن أحد من رجال الأعمال أو المستثمرين يجرؤ على التقاط أنفاسه، ناهيك عن التمتمة بكلمة واحدة. الجميع كانوا يتسمرون في أماكنهم، عيونهم شاخصة نحو جسد تشارلز الملقى على الأرض بلا حول ولا قوة، وهو يئن بألم ودماء تلطخ وجهه الفاخر، بينما ترتعد فرائصه خوفاً من رعب لم يره في حياته قط. على الطرف الآخر، كان إيڤان ما زال يطبق بذراعيه على مِيلَا بقوة جنونية، كمن يحاول إعادة ترتيب أشلاء روحه التي تناثرت في لحظة فقدان صوابه. كان وجهه مدفوناً في عنقها، وأنفاسه الساخنة والمتسارعة تضرب جلدها، بينما تشهد أصابعه التي تغوص في ظهرها على مدى الرعب الذي عاشه لمجرد تخيل فكرة مساسها بسوء. شعرت مِيلَا بضربات قلبه العنيفة والمجنونة تخترق صدرها، فارتجفت دمعة حارة على خدها. رغم كل القسوة والبرود اللذين عاملهما بها طوال الأيام السابقة، ورغم محاولاته الفاشلة لإخفائها خلف قناع المستشارة الجافة، إلا أن ما رأته الآن أثبت لها حقيقة واحدة لا رجعة فيها: **هو يحرقه الجنون إن مسّها أحد بكلمة، ومستعد لإحراق العالم أجمع لأجلها.** رفعت يديها المرتجفتين ببطء، واستقرت
علقت أنفاس القاعة بأكملها، وتجمّدت الدموع في عيني مِيلَا من شدة الصدمة والاشمئزاز، بينما وقف تشارلز مستنداً على حافة الطاولة باستخفاف متعمد، ليزيد في وقاحته ويكمل وصفه المستفز بكل تفصيل مهين: — "لماذا تستغرب يا إيڤان وتغضب هكذا؟... أنظر إليها جيداً؛ هذه الانحناءة الرقيقة، وهذا التردد الخجول، وتلك العيون التي تختبئ خلف قناع الاستشارة الباردة... ألا تلاحظ كم هي لفتة مهدورة هنا؟ فتاة يافعة، فتنة متحركة بهذا القوام والأنوثة الطاغية، تجلس بين رجال الأعمال العجائز كأنها زهرة نبتت وسط الصخور... لماذا تحرم نفسك – وتحرمنا – من متعة الاستمتاع بهذا الجمال القريب؟ اعطني إياها هذه الليلة، ودعني أثبت لك كيف تُقدر النساء حق قدرهن، ولن أكتفي بالصفقة وحدها، بل سأغدق عليك أضعافها ثمناً لهذا العطر الفاخر بين أيدينا!" في تلك اللحظة، كان إيڤان يرتجف بغضب لمჩه الجميع. تيبّست عضلات وجهه، وانقبضت فكوكه حتى كادت أسنانه تصطك ببعضها، وبرزت عروق عنقه كحبال مشدودة على وشك الانفجار. وبصوت منخفض، خشن، ومتحشرج يحمل في طياته إنذاراً مرعباً يقطر موتاً، قال محذراً إياه من بين أسنانه: — "تشارلز... أقسم لك، إن لم تخرس
رغم كل المحاولات المستميتة التي بذلها إيڤان ليحافظ على بروده الحديدي ويحمي الرواية أو الخطة المرسومة أمام الجميع، ورغم نجاحه المؤقت في إحباط المحاولة الأولى لتشارلز، إلا أن الأخير لم يكن يعتزم التراجع بهذه السهولة. تثبتت نظرات تشارلز عليه بخيبة واضحة، لكنها تحولت سريعاً إلى ابتسامة عريضة ومستفزة مليئة بالخبث. لم يكتفِ بالصمت، بل وقف بالكامل ووجه حديثه علانية إلى إيڤان بصوت عالٍ جذب انتباه القاعة بأكملها، ليزيل كل مساحيق التجميل الدبلوماسية عن طمعه السافر: — "يبدو أنك لم تفهم قصدي يا إيڤان على الإطلاق..." صمت تشارلز لثانية، ثم تابع بوقاحة لا تُطاق وهو يسدد نظرته الجشعة مباشرة نحو مِيلَا: — "أنا لا أطلبها لمجرد العمل أو التقارير... هي موظفة عندك، نعم، وسبق وقلت إنها مهمة، لكن بحجم الصفقة الكبرى التي نتصارع عليها اليوم، إن كنت حقاً تريد إغلاقها لصالحك... فقبل بهذه اللحظة فوراً وتنازل عنها لي." حبس الجميع أنفاسهم في القاعة، وتابع تشارلز بنبرة مسموعة تقطر تحدياً: — "اعطني إياها... كامرأة، كفتاة يافعة بين أيديي، ودعنا نرى إن كانت كفاءتها المهنية ستساوي شيئاً أمام عرضي الحقيقي!" دوى ص
علقت أنفاس القاعة بأكملها عندما تحولت نظرات تشارلز الماكرة نحو مِيلَا. لم تكن تلك النظرات مجرد إعجاب عابر بين رجال الأعمال، بل كان تفحصاً جشعاً ومستفزاً لشخص يرى صيداً ثميناً أمامه ويريد اقتناصه بكل طمأنينة. شعر إيڤان أن الدم يغلي في عروقه ويصعد إلى رأسه كالبركان. تلاشت كل محاولات ضبط النفس وبرودة الأعصاب التي أتقنها طوال سنوات، وأصبح كل ما يملكه هو رغبة عمياء في اقتلاع عيني تشارلز اللتين تجرأتا على النظر إلى مِيلَا بهذه الطريقة. مد يده ببطء وثبت قلمه على الطاولة بقوة كادت تحطمه، محذراً نفسه ألف مرة من ارتكاب حماقة علنية تمنح خصومه ما يتمنونه. أما **شارلوت**، فكانت تتابع المشهد بعينين تلمعان بخبث مطلق وشماتة باردة. لم تكن تفاجأ بأي من هذا؛ فهي **تعرف مسبقاً كل الأوراق المخفية**. كانت تعلم يقيناً أن مِيلَا ليست سوى زوجة إيڤان التي يحاول إخفاءها عن الأعين، وتعرف جيداً قصتها القديمة وكيف أنها تلك الطفلة التي تركت ندوباً في الماضي، والأهم من ذلك كله، كانت تدرك تمام الإدراك أن تمثيل إيڤان لدور المدير الصارم ومعاملته الجافة لمِيلَا أمام الجميع ليس إلا درعاً واقياً ليحميها من طمع الذئاب. و
اتسعت عيناها بذهول حقيقي، وعلت ملامح الصدمة وجهها قبل أن تحل محلها موجة عارمة من الغضب الساطع. هجست بانفعال وهي تقترب منه متحدية: — "ماذا؟! هل جننتَ تماماً يا سيد إيڤان؟! كيف لا أذهب وأنا المستشارة المسؤولة عن جداول الأعمال، ومتابعة العقود، وكل تفصيل دقيق في هذه القاعة؟!" قاطعها بصوت حاد وحازم كالصاعقة، وهو يطبق على كف يده بغضب مكتوم يعكس صراعه الداخلي: — "لا يهمني ما أنتِ مسؤولة عنه هناك! غداً ستبقين في هذه الغرفة ولا تحاولين حتى الاقتراب من أبواب القاعة، فهذا أمر نهائي... انتهى الكلام يا مِيلَا." استدار بخطوات متصلبة وفتح الباب ليخرج، مغلقاً إياه بقوة تركت صدى ثقيلاً في أرجاء الغرفة، تاركاً إياها تقف مكانها مشدوهة، تغلي من الداخل حسرة وحنقاً من تحكمه المطلق الذي لا يطاق. --- في صباح اليوم التالي، لم تكن أجواء المؤتمر تقل توتراً عن ليلته. كانت قاعة الاجتماعات الكبرى تضج برجال الأعمال والشخصيات النافذة، بينما تجلس **شارلوت** في مكانها المجاور لإيڤان بكل ثقة واستفزاز، متبادلة معه أطراف الحديث بابتسامات مدروسة تهدف لإيهام الجميع بأنها وحدها من تحتل تلك المكانة الخاصة في دائرته. أ







