Accueil / الرومانسية / رماد القمر / البارت التاسع

Partager

البارت التاسع

Auteur: Faten Aly
last update Date de publication: 2026-06-18 06:07:41

حلّ يوم الجمعة، ليجمع شمل الأسرة كاملة حول مائدة الغداء التي ضجت بتفاصيلهم المعتادة. وما إن فرغ الجميع من تناول الطعام، حتى انفضّ الجمع ليتوزعوا في أرجاء غرفة المعيشة. التفتت يسرا برأسها نحو عماد، وجلست بالقرب منه كعادتها، ثم همست له بنبرة خفيضة تخبئ وراءها ثقلاً كبيراً، مخبرة إياه بأنها تريده في أمر هام للغاية.

بينما كانت يسرا منشغلة بتمهيد حديثها لأخيها، كانت هناك عيون ترقبها من بعيد بنظرات مشحونة بالحقد والغل؛ إنها نرمين، التي كانت تجلس والضيق يأكل جنباتها عقب فسخ يسرا لخطبتها. وما كان يزيد من حنق نرمين ويشعل جوفها، هو عجزها التام عن فتح فمها أو التحدث في الأمر، فجميع إخوتها وقفوا صفاً واحداً يعطون يسرا الحق الكامل في الخلاص من ذلك السمج.

على الجانب الآخر، كانت شروق تجلس في معزل نسبي عن صخب العائلة، منكبّة على شاشة هاتفها بتأمل مرير.

لم تكن تتصفح العبث، بل كانت تغوص في الصفحة الشخصية لوالدها. انقبض قلبها وحاصرها الضيق كالعادة؛ فهي لم تره ولو لمرة واحدة طيلة عمرها، ولم يكلّف هو نفسه يوماً عناء رؤيتها أو مجرد السؤال عنها، لتذوق مرارة خذلان لم تشعر به بقية أخواتها اللاتي لم يكترثن بالأمر أبداً. دارت في عقل شروق دوامة من الشجن الأسود، وحدثت نفسها بكسرة

- نفسي يخرج من الصور ويحضنّي... نفسي أقول كلمة بابا زي البنات. ليه هو مش بيحبني زي ولاده التانيين اللي بيتصور معاهم دول وبينزل صورهم؟ حتى الفلوس بيرفض يبعتهالي، وولاده لابسين حلو أوي... أنا بكرهه وهفضل أكرهه طول عمري.

وفي الوقت الذي كانت فيه شروق غارقة في أحزانها، كان هناك حديث آخر يمهد لطريقه بين عماد ويسرا. لم تجد يسرا ملجأً ولا عقلاً راجحاً تستشيره في معضلة صديقتها ريهام سوى عماد؛ لذا استجمعت شجاعتها وطلبت منه بصوت خافت أن يذهبا إلى غرفته ليتحدثا في أمر على قدر كبير من الخطورة.

لحظات ودلفا إلى الغرفة، فأسرعت يسرا بغلق الباب خلفهما لتضمن السرية، ثم جلست على طرف الفراش والارتباك ينهش ملامحها. كان الموقف قاسيًا، وخاصة وهي تتهيأ لتروي تفاصيل تمس الشرف لأخيها؛ فلم تكن تدري من أي جرح تبدأ.

لاحظ عماد اضطرابها الظاهر، وجلس قبالتها يحثها بنظراته الدافئة على الحديث لتبدد خوفها. استجمعت يسرا شتات شجاعتها، وسحبت نفساً عميقاً غصّ به صدرها، ثم أردفت بنبرة ترتجف

- الموضوع يعني... بصراحة مش عارفة أحكي بس باختصار، فيه واحد حقير زمان ضحك على واحدة صاحبتي باسم الحب وسلمتله نفسها، ودلوقتي متقدم لها شاب وباباها مصمم عليه ومش عارفين نعمل إيه.

وقعت الكلمات كالسياط على مسامع عماد، وألمته الفكرة في مقتل؛ فتاة فرّطت بطيش وطيبة قلب في أثمن ما تملك باسم الهوى، وشاب مستهتر، بلا ضمير ولا رحمة، سلبها شرفها وتركها عقبها تواجه مصيرها المظلم بمفردها، بينما ينعم هو بحياته دون أدنى تأنيب لضميره المستتر.

بالرغم من أن عماد، بفطنته، علم هوية صديقتها المقصودة من سياق الحديث، إلا أنه آثر النبل ولم يسأل عن اسمها أو يحرج شقيقته، بل رد بنبرة يكسوها الحزن والأسى

- لا حول ولا قوة إلا بالله... مفيش غير حل واحد يا يسرا، تعمل عملية وربنا يسترها معاها.

صمتت يسرا برهة، وأخذت تفكر في كلمات عماد؛ فربما كان هذا هو طوق النجاة الوحيد والمسار الأوحد لإغلاق هذا الباب قبل الفضيحة، لكن الواقع صدمها، فاندفعت بالحديث قائلة

- العملية دي أكيد بتتكلف كتير... هنجيب الفلوس منين؟

أومأ لها عماد برأسه مطمئناً، وضيق عينيه وهو يحسب الأمر في عقله، ثم أردف قائلاً

- أنا معايا ألفين جنيه خذيهم... وإنتي معاكي ألف وخمسمية الفلوس اللي كنت مديهالك للمفارش، وكمان ممكن تعملوا جمعية وتكملوا باقي المبلغ.

عند سماعها تلك الكلمات، لم تسع الدنيا يسرا من الفرحة، فقفزت من مكانها وشهقت بتهليل، وارتمت في أحضان أخيها تطوق عنقه بحب جارف وهي تردد

- ربنا يخليك ليا وميحرمنيش منك أبداً يا حبيبي

وفي تلك اللحظة، دارت في عقل يسرا خواطر دافئة امتناناً لموقفه....

- بالرغم من إن الموضوع كان صعب فتحه مع عماد، لكن علاقتي معاه تسمح بأي حاجة، وعارفة إنه الوحيد اللي هيلاقيلى الحل من غير تأنيب ولوم وتوبيخ... وبالرغم من إن هو عرف البنت تبقى مين لكنه موضحش ومحرجنيش... ربنا يخليك ليا يا عماد ويسترها معاك زي ما سترتها".

✨✨✨✨✨✨✨✨✨

باتت تشعر بنفور حاد يلتهم كل تفاصيل حياتها؛ كل شيء حولها أصبح ثقيلاً ومرفوضاً، بدءاً من رائحة الطعام المطهو، مروراً بزوايا المنزل، وصولاً إلى رائحة زوجها التي أصبحت لا تطاق بالنسبة لها. حاولت مراراً وتكراراً أن تواري هذا الشعور الغريب وتأسر ملامحها، لكن معدتها كانت تفضحها في كل مرة، فتثور بعنف وتهيج عليها فور ملامسة تلك الروائح لأنفها، وخاصة تلك النسمات القادمة من زوجها.

تسلل الضيق إلى قلب حسن وأخذ ينهش استقراره؛ فلم يكن هذا الموقف سوى حلقة جديدة في سلسلة من الجفاء. طالما رآها تصطنع سعادة باهتة ومفتعلة منذ بداية زواجهما، ولم يسمع منها يوماً كلمة حب واحدة تخصه بها، بالرغم من أنه لم يبخل عليها يوماً وكان يثري أذنيها بأرق كلمات العشق والهيام. كان يعلّل نفسه دائماً، ويخلق لها الأعذار تلو الأعذار بأنها طبعت على الخجل والتحفظ، لكن الصبر بدأ ينفد.

وفي ذلك اليوم، تجاوز الأمر كل الحدود المحتملة؛ إذ لم تتوقف نهى عن التقيؤ حتى أفرغت كل ما في معدتها، ولم يتبقَّ سوى تلك العصارة الصفراء الحارقة. استحال وجهها شاحباً كالموت، وانتشرت على جبينها حبيبات العرق البارد، بينما سرت قشعريرة غريبة في جسدها الذي وهن تماماً، وفقدت معه القدرة على الإتيان بأي حركة أو حتى رفع جفنيها.

لم يقف حسن متفرجاً ولم يحتمل الانتظار؛ اندفع نحوها وحملها بين يديه بعد أن خانتها قدماها تماماً ولم تقو على المشي، وعلامات الهلع ترتسم على وجهه، متوجهاً بها بأقصى سرعة إلى مستشفى البلدة.

داخل غرفة الكشف، تولت الطبيبة فحصها بدقة، وطلبت إجراء بعض الفحوصات والتحاليل اللازمة العاجلة. وقف حسن بالخارج ينهشه القلق، وما إن خرجت الطبيبة حتى سألها بلهفة وتضرع عن حالتها وعما ألمّ بوجدان بيته، فأجابت برصانة وعملية

- مبروك، المدام حامل... لكن هنضطر نحجزها في المستشفى عشان مسألة القيء المستعصي ده، ولأن جسمها فقد سوائل كتير، هتعيش الفترة الجاية على المحاليل

تسمر حسن في مكانه، وشعر بحيرة عاصفة تتقاذفه؛ تلاطمت في صدره مشاعر السعادة الغامرة بقدوم طفله الأول، مع غيوم الحزن والشفقة على مرض زوجها وعذابها المؤلم. التفتت إليه الطبيبة برفق، ولمست حيرته لتمسح عليها بكلمات مطمئنة، مؤكدة له أن الأمر عارض وسيمر بسلام بمجرد استقرار نسب الهرمونات في جسدها.

✨✨✨✨✨✨

عادت يسرا من عملها منهكة، يجرّ الجسد خطاه نحو الراحة، لكنها ما إن دلفّت إلى المنزل حتى ألفيت سكوناً مريباً يلف الأرجاء، لا يقطعه سوى أصوات خافتة تنبعث من غرفة الاستقبال، توحي بوجود ضيف يشارك سمير جلسته.

لم تكد تعبر الردهة في طريقها إلى غرفتها، حتى توقفت حركتها عند صوت والدتها الذي اخترق السكون بلهجة آمرة، جادة، لا تقبل النقاش

- غيري هدومك بسرعة يا يسرا، علشان تقدمي الحاجة الساقعة للعريس اللي مع أخوكِ.

تجمدت يسرا في مكانها، وشعرت بجدار من الضيق ينبني داخلها؛ فما كادت تخرج من نفق خطبتها السابقة التي حصدت منها المتاعب، حتى وجدت نفسها أمام عتبة جديدة تُفرض عليها فرضاً، دون تمهيد أو استئذان.

Continuez à lire ce livre gratuitement
Scanner le code pour télécharger l'application

Dernier chapitre

  • رماد القمر    57

    57 هكذا هي الحياة؛ دروبٌ تتبدل لتُطوى صفحة وتبدأ أخرى، وتدور عجلاتها بانتظامٍ صارم لا تتوقف لأجل غائب، ولا تتعثر بموقف، بل تمضي قُدماً تجرّ خلفها المصائر والوجوه في نهر الزمان المتدفق. 🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹 تغيرت ملامح حسن على الفور، واجتاحت وجهه موجة من الاضطراب والوجل عقب كلمتها الأخيرة؛ تأهب بكل حواسه وجوارحه، ووقف مشدوهاً ينتظر صاعقة ذلك الشرط الذي قد يطيح بآماله. مرت عليه تلك اللحظات الثقيلة وكأنها سنوات عجاف، حتى قطعت لبنى حبل صمتهما وتفوهت بشرطها قائلة في ثبات - لازم أعرف إيه سبب الخلاف الحقيقي اللي كان بينك وبين نهى.. وليه طلقتها بعد كل السنين دي؟ زفر حسن نفساً حاراً بقوة كمن يزيح عن صدره جبلاً، وعاود الجلوس على مقعده ببطء، وعيناه شاخصتان نحو الفراغ؛ شرد بباله قليلاً، ومرت أمام عينيه لمحات خاطفة من الحزن العتيق، وكأن تفاصيل ذلك اليوم المشؤوم قبل سبع سنوات تعود بكامل قسوتها لتتجسد أمامه، وكلمات نهى الجارحة واعترافها القديم يرن في أذنيه كصدى مرير. نعم، لم تفارقه تلك الذكرى طيلة تلك السنين؛ فكلما عقد نيته على الغفران أو حاول بدء حياة جديدة، تصرخ تلك الكلمات في أعماقه لتبعده أكث

  • رماد القمر    56

    56 تحتضن ذراعه القوي بتملك أنثوي دافع، وتسير بجواره بخطى راقصة، قبل أن تنحني نحوه وتردد بصوت خافت شبه مسموع، حتى لا يصل إلى مسامع والدتها يسرا التي كانت تسير خلفهما ببضع خطوات وتتفقد واجهات المحال - علشان خاطري يا بابا.. خلي ماما توافق تجيبلي البلوزة اللي نفسي فيها وشوفتها في المحل اللي فات.. أنت عارفها هتفضل تقول لبسها كتير انطلقت ضحكات عماد الرجولية الرنانة لتملأ الممر، والتفت إلى تلك الفتاة الفاتنة التي غدت شابة يافعة، ودائماً ما تغلبه بدلالها العذب وتلك الكلمة السحرية بابا التي تملك بها أوتار قلبه؛ فربت على كفها الصغيرة وردد بنبرة ملؤها التأكيد والفخر - وماما ليه وأنا رحت فين يا قلب بابا؟ أنا اللي هجيبلك كل اللي أنتِ عاوزاه، السنيورة مسك تؤمر وتطلب بس.. دي أقل هدية لتفوقك السنادي في دراستك، ودايماً رافعة راسي كده ومحافظة على المركز الأول. طبعت مسك قبلة رقيقة على وجنته وهي تشكره بامتنان جارف، وفي تلك اللحظة اقتربت منهما يسرا، متطلعة إليهما بفضول وشك، ثم رفعت إحدى حاجبيها واردفت بحزم مفتعل وعينين ضاحكتين - يا ترى بقى كنتوا بتتفقوا على مصيبة إيه من ورايا؟ الوشوه دي أنا عارفاها

  • رماد القمر    55

    55 لم يكن كل شيء على ما يرام كما يبدو في الظاهر، فبالرغم من كل تلك الترتيبات الدقيقة والأجواء الاحتفالية المبهرة التي خطط لها عماد بعناية فائقة ليخرج الحفل رائعاً ويليق بقلب الصغيرة، إلا أن الشروخ كانت أعمق من أن تداويها الألوان والبالونات. بالرغم من صخب الأغاني وضحكات الأطفال، كان قلب يسرا ما زال ينزف حزناً، تنهشه تلك الكلمات المسمومة التي ألقتها أختها شروق في وجه طفولتها البريئة. كانت يسرا تبتسم مجاملة، وتداعب ابنتها وتصفق مع المصفقين، لكن قلبها من الداخل كان يقطر ألمًا ومرارة على واقع حياتها الملتوي، وعلى مصير ابنتها اليتيمة التي باتت جُرمًا وثقلاً في عيون بعض المقربين. بينما كانت يسرا غارقة في ألمها النفسي تحاول مواراته خلف الأقنعة، كانت هناك عينان ترصدانها من بعيد، تشتعلان بحقد أسود وغل أعمق من بئر سحيق؛ إنها نرمين. كانت تقف مصلبة الجسد، تحمل ابنتها على كتفها بامتلاك، بينما تقبض بيدها الأخرى بقسوة على يد ابنها الصغير، تمنعه بعنف من الحركة أو اللهو مع بقية الأطفال، وتخص بالمنع "مسك" ابنة عمته. كانت نرمين تتهكم في سريرتها على هذا البذخ الصاخب، وتحدث نفسها بغيظ قائلًا..... كل هذه

  • رماد القمر    54

    54 عادت راندا من عملها والبهجة تسبق خطاها، تحمل بين يديها علبة كرتونية كبيرة مزينة بدقة، تحتوي على هدية فاخرة اختارتها بعناية لمسك بمناسبة اقتراب عيد ميلادها الثالث؛ فابنة أحمد ويسرا كانت دائمًا في منزلة خاصة بقلبها. تطلع خالد إلى تلك العلبة الكبيرة بإعجاب، ثم نقل نظراته الدافئة إلى راندا؛ فالشهور الأخيرة بدأت تترك أثرها العذب على جسدها، وباتت بطنها تبرز بوضوح خفيف ينبئ بحملها الذي دخل شهره الرابع. لقد قضت العامين الماضيين في تأجيل فكرة الإنجاب بذكاء وصبر، متنازلة عن رغبتها الأمومية مؤقتًا حتى يتفرغ هو تمامًا لإنهاء دراسته الشاقة ودبلوماته، والآن حان وقت قطاف الثمر. سألها خالد بدهشة ممزوجة بالابتسام، مشيرًا إلى العلبة - إيه العلبة الكبيرة دي كلها؟ أنتِ لسه راجعة من الشغل تعبانة، إيه اللي شايلاه ده؟ أجابته بنبرة تفيض حنانًا وهي تضعها على المنضدة - دي هدية مسك يا خالد.. عيب ميلادها الثالث بعد كام يوم، ومكنش ينفع المناسبة دي تعدي من غير ما أفرح قلبها وقلب يسرا شعر خالد بموجة جارفة من العشق تجتاح كيانه؛ اقترب منها بخطوات بطيئة، وأحاط خصرها الغض بذراعيه من الخلف، ساندًا ذقنه على كتف

  • رماد القمر    53

    53 يتطلع أحمد إلى وليده الصغير بعينين تشعان فخراً وعزاً، والبهجة تملأ أركان صدره الرحب؛ فأخيراً منّ الله عليه بالولد والوارث الذي يحمل اسمه، الذكر الذي طالما انتظر قدومه ليرفع به رأسه. امتدت يداه بلهفة حانية ليرفع الجسد الضئيل، وضمه إلى صدره بقوة وعاطفة جياشة لم يعهدها من قبل، ثم انحنى يهمس في أذنه الصغيرة بنبرة دافئة ممتلئة بالآمال - تعال في حضن أبوك يا حبيب قلبي..... بكرة لما تكبر هتبقى سندي وعزوتي في الدنيا دي كلها... شد حيلك كده وأكبر ارتسمت على شفتي مريم ابتسامة عريضة تفيض بالانتصار والخيلاء، وكانت تتابع تفاصيل تلك الفرحة العارمة التي أظهرها أحمد بسخاء وصخب أمام الجميع؛ فالتفتت إليه وتردّدت بنبرة يغلفها الغرور والاعتداد بالذات - إيه رأيك بقى يا سيدي؟ جبتلك الولد اللي كنت بتحلم بيه أهو، وجبتلك معاه الحظ والخير كله.. أنا عاوزة بقى حفلة سبوع كبيرة وضخمة، تليق بابنك البكري وتسمّع الدنيا كلها.. مش أي كلام يعني.... اه يعنى دا ولد مش بنت زى المحروسة لقد تناست مريم تماماً، في زحمة كبريائها، أمر مسك.. ابنة أحمد الأولى والطفلة البكر الحقيقية له. ولم تكن مريم وحدها هي التي طمست معالم

  • رماد القمر    52

    52 لقد غيرتها تلك الأيام العجاف كثيراً، صهرتها نيران الخذلان لتخرج من أتون تلك التجربة القاسية بشخصية جديدة؛ شخصية قوية، صلبة، عصية على الكسر. تعلمت كيف تتخلى ببساطة وتنزع الأشخاص من حياتها دون أن يرف لها جفن، ودون أن تظهر للملأ ذرة واحدة من حزنها الدفين. حتى نظرة عينيها تبدلت تماماً؛ غادرتها الانكسارات القديمة، لتلتمع اليوم ببريق جديد حاد، بريق يصعب على من يجهل ماضيها تفسيره أو سبر أغواره. أصبحت خطاها أكثر اتزاناً وثقة، تسير في دروب الحياة برأس مرفوع وعينين ثابتتين لا تحيدان عن الهدف. لم يعد يغريها البريق الزائف للكلام المعسول، أو بالمعنى الأصح، لم تعد ترى حولها أي بريق يستحق الالتفات؛ فقد انقشعت الغمامة وانكشفت الكثير من الأمور، وظهرت الحقائق عارية أمام بصيرتها. وفيما كانت تعود من عملها ذات مساء، والخطى تحثها بشوق جارف لرؤية ابنتها مسك وضمهما إلى صدرها، تلاشت طمأنينة الطريق حين تفاجأت بمن يقطع خطوتها ويقف حائلاً بينها وبين دربها. إنه محمود. كان يقف أمامها بارتباك فاضح، وعيناه اللتان طالما حملتا الكبرياء تمتلئان اليوم بندم يمزق ملامحه، ولسانه منعقد عاجز عن صياغة جملة مفيدة. حاول ر

  • رماد القمر    البارت الرابع عشر

    حلّ اليوم الموعود لقراءة الفاتحة، واجتمعت العائلتان في بهو المنزل وسط إحتفال بسيط، يغلفه رنين الضحكات وصوت الملاعق وهي تداعب أكواب الشربات. ارتدت الوجوه أقنعة البهجة المناسبة للمقام، وبدت التبريكات تتدفق من الأفواه بسلاسة، حتى تقدم أحمد وبسط كفه ليلبس يسرا خاتم الخطبة، ليعلن الرابط الجديد أمام الجم

  • رماد القمر    البارت الثامن

    الصمت مالي الأوضاع، تقيل ومكتوم، ومفيش صوت طالع غير أنفاس عماد العالية اللي فضحا غضبه. بص لأخوه سمير بنظرات حادة، وبعدين لف لمامتهم اللي كانت عمالة تفرك في منديلها بقلق وخوف. - أنا حذرتكم من الأول عماد بدأ يتكلم وهو بيضغط على كل كلمة - قلت لكم الراجل ده ميتأمنش على ضفرها، فما بالكم بحياتها؟ كلا

  • رماد القمر    البارت السابع

    عادت خلود من السوق وهي تحمل أكياس الخضار والاحتياجات اليومية، تجر خطى متعبة بعد جولة في لاهب النهار. وبينما كانت تصعد درجات السلم المؤدية لشقتها، اخترق سكون البناية صوت نحيب خافت، بكاء طفولي متقطع ينم عن خوف شديد. توقفت خلود، وتلفتت حولها حتى انتبهت لتلك الكتلة الصغيرة المنكمشة على نفسها في زاوية

  • رماد القمر    البارت السادس

    ولم يطل مكوثه في ساحة الغزل، إذ سرعان ما عرج بالحديث نحو المرتب، وبدأ يلقي عليها نصائح مطولة في الادخار، وحسن التدبير، والتوفير للمستقبل. كان حديثه يدور في حلقة مفرغة، محورها الأساسي وسؤاله المبطن... كم يبلغ راتبك تحديداً؟.تسلل الضيق إلى صدر يسرا وحاولت كتمانه، حتى باغتَها في منتصف الحوار بسؤال مب

Plus de chapitres
Découvrez et lisez de bons romans gratuitement
Accédez gratuitement à un grand nombre de bons romans sur GoodNovel. Téléchargez les livres que vous aimez et lisez où et quand vous voulez.
Lisez des livres gratuitement sur l'APP
Scanner le code pour lire sur l'application
DMCA.com Protection Status