LOGINلم تعد أعصاب كريس تحتمل ثانية إضافية من هذا العرض السادي؛ فما إن رأت عيناه شفتي داميان تقتربان من عنق سيلينا وتلتصقان بجلدها بشهوانية مستفزة، حتى تبخرت كل وعوده الكاذبة، وكل جدران البرود التي بناها، وكل سِتار القسوة الذي احتمى خلفه قبل قليل. تلاشى كل شيء في هذا العالم وبقي أمامه شيء واحد فقط: رغبته الجامحة في سحق داميان وتحويله إلى رماد. استدار كريس بسرعة البرق، وهجم كالصاروخ المشتعل نحو داميان. لم يمنحه فرصة حتى ليدرك ما يحيط به، بل مدّ يده وأمسك بتلابيب قميصه بقوة وحشية رعبت كل من في القاعة، وجذبه إليه بعنف مباغت أطاح به بعيداً عن سيلينا وأفقده توازنه تماماً ليسقط على الأرض باصطدام عنيف. *"أقسم يا داميان إن تجرأت ولمست شعرة واحدة منها مجرد لمسة، لأدفنك حياً في هذا المكان!"* صرخ كريس بصوت مرعب كاد يمزق حنجرته، وكانت عيناه تحتقنان بالدم وتشتعلان بنيران الغيرة العمياء والجنون المطلق، لدرجة أن عضلات وجهه كانت ترتجف من شدة الغيظ. أما سيلينا، فما إن تحررت من قبضته المقيّدة، حتى تراجعت للخلف مرتجفة بشدة، ويدها تمتد لتتحسس موضع قبلته المهينة بقشعريرة اشمئزاز وغثيان. كانت أنفاسها متسارع
خيم سكون خناق ومحمل بالتوتر على القاعة الإسمنتية المعتمة، فور أن ألقى جوزيف عرضه المسموم في الهواء.تسمرت عينا كريس الحادتان على جوزيف، وظهرت عليه لأول مرة علامات التردد الواضحة، وكأن الفكرة بدأت تجد طريقاً رخواً إلى عقله الحذر. بدأت دفاعاته الصلبة تتراخى تحت ضغط حلمه الأكبر في استعادة إرث والده وكشف الأسرار الدفينة التي طالما سعى خلفها.وما إن لاحظ جوزيف ذلك التردد البادي على ملامح خصمه، حتى علت محياه ابتسامة ماكرة وساخرة، ليقاطع الصمت بنبرة استفزازية يقطر منها الخبث:*"ماذا يا كريس؟.. لا تقل لي إنك ضعفت أمامها أو أنك تعلقت بها وأحببتها؟!"*اشتعلت عينا كريس بنظرة حادة وغاضبة وكأن جمرًا سرى في أعماقه، ولينفي هذا الاتهام الذي هز شيئاً في داخله، أجاب بقسوة شديدة وبرود مزيف يخفي خلفه عاصفة هوجاء:*"أحببتها؟! لا تكن مثيراً للشفقة يا جوزيف... أي شيء له صلة بكم أو يحمل أثركم، أنا أتقرف منه ولا قيمة له عندي أبداً! هي مجرد أداة وانتهى دورها."*ولكي يؤكد كلماته القاسية التي صدمت الجدران، مدّ يده ودفَعها بخفة وقسوة عن طريقه لتتراجع خطوات إلى الخلف. وقفت سيلينا مرتعشة، ورمقته بنظرة كسر عميقة، صا
التفتت سيلينا إلى كريس بعينين واسعتين تملؤهما الدموع والذعر الشديد، ترجوه بعينيها المرتجفتين أن ينفي هذا الكابوس المرعب. لكن ما إن وقعت عيناها على جوزيف وهو يتقدم من بين الظلال، مطلقاً تلك الضحكة الماكرة والشريرة التي تحفر في الذكرى أبشع الكوابيس، حتى تجمد الدم في عروقها. ارتعبت سيلينا بشكل هستيري، ونسيت تماماً كل شعور بالخيانة أو الغضب منه؛ لتندفع بفطرة الخائف نحو كريس، وتتخبى خلفه متمسكة بطرف معطفه بقوة مرعبة وأصابع ترتجف بعنف، وكأنها وجدت فيه الملاذ الوحيد المتبقي لها في هذا العالم المظلم. صعق كريس من ردة فعلها المفاجئة؛ فقد توقع منها أن تصرخ في وجهه، أو أن تبتعد عنه باشمئزاز بعد ظنها بأنه باعها، لكن هذا الالتصاق البريء والمرتعب أحدث صدمة حقيقية في داخله. تسمر في مكانه لبرهة، بينما كانت عيناه تتابعان يديها الصغيرتين المشدودتين على ملابسه بخوف شديد يشبه تماماً خوف العصفورة المذعورة. شعر للمرة الأولى بتلك الرجفة الغريبة التي سرت من خلاله لتستقر في أعماق صدره، مربكة كل جدران القسوة والبرود التي بناها حول قلبه، وجعلته يقف مشدوداً بين حيرة عارمة وعاصفة خفية تكدّس التساؤلات في عقله
ما إن أغلقت الأم باب المكتب خلفها، واختفت سيلينا التي كانت ترتجف هرباً من أنفاسه، حتى عمّ المكان هدوء ثقيل ومحمل بالتوتر. عاد كريس لجلسته خلف المكتب، ناظراً إلى الفراغ بملامح جامدة كصخرة، قبل أن يقطع ذلك السكون الصامت وميض مفاجئ لشاشة هاتفه المحمول معلناً وصول رسالة جديدة. قطب حاجبيه ببرود وهو يلتقط الهاتف، ليتسمر مكانه وتتضيق عيناه الحامكتان فور قراءته لمضمون الرسالة القادمة من **الرقم المجهول** ذاته: > *"أعلم جيداً ما تبحث عنه وما ضاع منك.. إن كنت جاداً في استعادة ممتلكات والدك السابقة ومعرفة ذلك الجزء المدفون من ماضيه، فليكن لقاؤنا قريباً. لكن تذكر جيداً شرطي الوحيد: أحضر تلك الفتاة معك.. سيلينا."* وقف كريس متصلباً، بينما اجتاحت عقله موجة عارمة من الذهول والريبة الشديدة. تداعت إلى ذهنه فوراً رسالة ذلك المجهول السابقة، حين حاول بشتى الطرق إقناعه بأن سيلينا مجرد "نكرة" لا قيمة لها ولا تهمّه في شيء، وكيف كان يستميت لابعاده عنها أو التقليل من شأنها. أدرك كريس حينها بذكائه الحاد أن الصورة قد انقلبت تماماً، وتأكد يقيناً أن لعبة المرة الماضية كانت مجرد خدعة سمجة؛ فلم يكن جوزيف -أو أيا
أغلقت الأم باب المكتب بهدوء رقيق، تاركة إياهما في سكون مشحون بالتوتر والأنفاس المتقطعة. وقفت سيلينا بصعوبة، تسحب أنفاسها المرتجفة وتهمّ بالمغادرة هرباً من هذا الجو الخانق، لكن صوت كريس المستفز أوقفها في مكانها حين تمتم بصوت خافت ومقصود: *"آخ.. كل هذا الثقل طوال الليل.. أخشى أن فخذي لن يتعافى من وطأة وجودكِ إلا بعد سنوات.. تبدو ليالي السهر معكِ ثقيلة للغاية، أليس كذلك؟"* صعقت سيلينا من وقاحته وبروده، والتفتت إليه بسرعة كالمجنونة، عيناها تشتعلان بغيظ محرق وقهر لا يُطاق، لتنظر إليه بنظرة حارقة تصرخ بكل معاني التحدي: *«على أساس أنني أنا من تسلل إلى حضنك واختاره بكامل إرادتي؟!»* كانت تود لو تصرخ في وجهه لتفرغ كل الغيظ المتراكم في صدرها من استفزازه المستمر. لكن.. وما إن استقرت تلك الفكرة في عقلها، حتى تهاوت تلك الشحنة الغاضبة فجأة وتلاشت وكأنها لم تكن. ففي تلك اللحظة بالذات، وكأن صاعقة حارقة ضربت قلبها، تسللت إلى ذاكرتها تفاصيل الفيديو المشؤوم؛ داميان.. الرجل الذي لطالما ظنته ملاذها الآمن، وهو يتبادل القبلات والحميمية مع تلك الخائنة فوق فخذه وبكل بساطة ودون أدنى ذرة شعور بالذنب.
مرت ساعات طويلة على ذلك الصمت المطبق داخل المكتب السفلي. لم يكن هناك سوى صوت أنفاس سيلينا المتقطعة وشقشقة خافتة تصدر من الشاشة المظلمة التي أُغلقت تلقائياً بعد أن أنهت مهمتها التدميرية. كانت لا تزال مسترخية بوضعيتها المنكسرة فوق فخذه، رأسها مسند بضعف على كتفه، وجفناها المتورمتان غارقتان في سبات عميق فرضه الإرهاق المطلق والصدمة النفسية الساحقة. أما كريس، فبقي جابداً إياها بذراعيه الحديديتين طوال تلك المدة، متبمساً بهدوء غامض وخطير. لم يتحرك، ولم يزعج نومها، بل ظل يتأمل خصلات شعرها المنثورة على صدره بعينين حالكتين تلمعان ببريق الانتصار. لقد تحقق مراده؛ سقطت آخر الأقنعة، وانمحت كل خيوط الأمل الوهمية التي ربطت قلبها بغيره. لم يعد لداميان أو لأنجلينا أي وجود في عقلها بعد الآن، وباتت ملكاً خالصاً له، محطمة ومجردة من أي ملجأ سواه. وعندما بدأت خيوط الفجر الأولى تتسلل عبر الستائر الثقيلة لمكتبه، فتحت سيلينا عينيها ببطء شديد. كان الصداع النهام يمزق رأسها، والطعم المرّ لليقين المؤلم يملأ فمها. ومع أول نبضة وعي استعادتها، أدركت أين هي؛ ومع صاعقة الذهول التي ضربت عقلها، أدركت أنها نامت هكذا.







