Mag-log inلم يكد صدى صرخة الأم يتردد في أرجاء الغرفة والبهو الخارجي حتى تجمد كل من في القصر. لم تكن صرخة عادية، بل كانت محملة بمزيج صاعق من الذهول، والخجل العفوي، والغضب الذي يوشك أن ينفجر. وقف كريس الذي كان دالفاً للتو إلى الرواق الطويل متجهاً نحو جناحه؛ فجأة، التفت برأس مشدود على وقع اسمه الذي هدرت به والدته بتلك النبرة الحادة والمهووسة. عيناه الداكنتان تضيئتان بتوجس فوري، وكأن حدساً مظلماً أخبره أن عاصفة جديدة قد بدأت. أما في الداخل، فوقفت سيلينا مرعوبة، شاحبة الوجه، وتكاد تفقد صوابها من شدة الخزي. حاولت بعجالة إنزال كنزتها لتغطي ذلك الجزء المفضوح، لكن الوقت كان متأخراً جداً بعد أن رأت الأم ما رأت. * "ماذا تعنيه بهذه الفوضى؟!"* هدرت الأم بصوت مرتجف من فرط الصدمة، وهي تلتف نحو باب الغرفة بغضب محتد، لتلمح خطوات كريس الواسعة وهو يقتحم الغرفة بعنف ووجوم تام، عيناه تشتعلان حذراً وهو يراقب هيئة سيلينا المرتجفة والأم التي تقف شاهرة شريط القياس كأنه سلاح جريمة. تقدم كريس بخطوات بطيئة وثقيلة، متجاهلاً نظرات والدته الغاضبة، ليركز ببصره مباشرة على سيلينا التي انكمشت على نفسها كعصفور خائف تحت
ما إن أطبق باب الغرفة خلفه حتى تركت سيلينا العنان لدموعها لتنهمر بغزارة أكثر، لا بسبب قسوة اللحظة وحدها، بل لأن جراحها القديمة قد فُتحت جميعها مرة واحدة. في عالمها المظلم، لم تكن يوماً سوى رهينة ومطاردة؛ فعاشت طفولتها ومراهقتها تحت وطأة التعذيب النفسي والجسدي وعدم الأمان على يد أمها القاسية، ثم ورثت جحيماً أثقل على يد زوجها الذي لم يرحم ضعفها. وحين ظهر كريس في أفق حياتها المظلمة، وبدت منه بعض المواقف التي توحي بأنه قد يكون درعها الآمن أو مخرجها الوحيد، تجرأت بضعفها على التعلق بذلك الأمل الصغير، آملة بأن تجد عنده طوق النجاة الذي افتقدته طوال حياتها، دون أن تصل بعد إلى مشاعر الحب الحقيقي. ولهذا السبب بالذات، عندما تخلى عنها بكل برود أمامهم، شعرت بأن طعنة الغدر قد جاءت من المصدر الوحيد الذي علقت عليه وميض نجاتها، فانكسر قلبها بقهر لا يوصف. والآن، حين انفجر في وجهها بكل ذلك العنف وتلك الوحشية، عادت ذكريات تعذيبها القديمة لتتداخل مع واقعها المؤلم، فتوهمت للحظة أن كل وعود الحماية لم تكن سوى وهم آخر، وأنها عادت لنقطة الصفر.. أسيرة للبطش والترهيب على يد من كان يفترض أن ينتشلها لا أن يهشمها.
ما إن أغلق باب الغرفة خلفهما بعنف حتى دفعها برفق لتستند بظهرها المرتجف إلى الجدار البارد. اقترب منها بخطوات بطيئة أثارت الذعر في قلبها، ثم انحنى قليلاً ليصبح وجهه قريباً منها، وعيناه تتأججان بنيران الغيرة والتوتر، ليهتف بصوت أجش تخترقه الحدة والقسوة: *"أَسَرتكِ تلك اللحظة؟! أكنتِ مسرورة إلى هذا الحد؟ أأن بقاءكِ بين أذرعه أنساكِ مكانتكِ تماماً؟!"* شعرت سيلينا كأن خنجراً غُرز في قلبها من قسوة اتهامه. أطبقت شفتيها وصمتت بصمت مطبق، رافضة النطق بحرف واحد بينما كانت دموعها تنهمر بغزارة على وجنتيها الشاحبتين، كعصفور مبلول يرتجف في قلب العاصفة. كانت تشتعل من الداخل بنيران القهر والظلم؛ فهي لم تختر شيئاً من ذلك الجحيم، ومع ذلك تتلقى طعنات الاتهام ممن ظنت أنه منقذها. لكن صمتها أطاح بآخر ما تبقى من تحمله، فصرخ بوجهها بهستيريا: *"لماذا صمتِّ؟! لمَ لم تتحركي وتبتعدي عنه؟! أيتها الغبية، أكنتِ فرحة بتلك المشاعر.. مثل الع...!"* قاطعت إهانته بصوت مرتعش يقطر ألماً وخذلاناً، لتصرخ في وجهه بكل ما تبقَى في صدرها من طاقة محطمة: *"أنت... أنت تخليت عني هناك أمامهم وبكل برود، وقلت للجميع إنني لا أعني لك
ما إن أطبق كريس باب السيارة بقسوة وجلس خلف مقعد القيادة، حتى انطلقت بسرعة كالسهم تشق طريقها وسط الظلام الدامس، تاركة خلفها ذلك المكان الموحش وجوزيف وداميان في صدمتهما. داخل السيارة، كان الصمت خانقاً ومحملاً بألف عاصفة هوجاء. كانت سيلينا جالسة إلى جانبه كالعصفور المبلول، ترتجف بضعف ووهن شديدين، وثيابها مبعثرة ووجهها شاحب تغطيه آثار الدموع الجافة. جسمها الصغير كان ينكمش على نفسه محاولاً حماية ما تبقى من كرامتها المهانة. لكن ما كان يحرق قلبها ويهشم روحها لم يكن البرد ولا الخوف فحسب، بل ذلك الصدى المؤلم لكلماته التي لا تزال ترتطم برأسها: *"أما هي؟ فلا تعني لي شيئاً ولا شأن لي بها، خذها إن أردت"*... كيف تجرأ على قولها بكل هذه البساطة المهينة بعد كل ما مرّا به؟! كيف تخلّى عنها وتبرأ منها أمامهم، ثم يأتي ليعاملها بهذه الخشونة وكأنها مذنبة؟! احتقنت عيناها بدموع قهر جديدة، ومع كل رجفة سرت في جسدها الصغير، لم تشعر بنفسها إلا وهي تلتفت نحوه ببطء، لتنطق أخيراً بصوت خافت، مرتعش، ومثقل بكل ذلك الوجع والخذلان: *"لماذا... لماذا جعلتني اعود معك طالما أنك قلت إنني لا أهمك ولا أعني لك شيئاً..؟"*
لم تعد أعصاب كريس تحتمل ثانية إضافية من هذا العرض السادي؛ فما إن رأت عيناه شفتي داميان تقتربان من عنق سيلينا وتلتصقان بجلدها بشهوانية مستفزة، حتى تبخرت كل وعوده الكاذبة، وكل جدران البرود التي بناها، وكل سِتار القسوة الذي احتمى خلفه قبل قليل. تلاشى كل شيء في هذا العالم وبقي أمامه شيء واحد فقط: رغبته الجامحة في سحق داميان وتحويله إلى رماد. استدار كريس بسرعة البرق، وهجم كالصاروخ المشتعل نحو داميان. لم يمنحه فرصة حتى ليدرك ما يحيط به، بل مدّ يده وأمسك بتلابيب قميصه بقوة وحشية رعبت كل من في القاعة، وجذبه إليه بعنف مباغت أطاح به بعيداً عن سيلينا وأفقده توازنه تماماً ليسقط على الأرض باصطدام عنيف. *"أقسم يا داميان إن تجرأت ولمست شعرة واحدة منها مجرد لمسة، لأدفنك حياً في هذا المكان!"* صرخ كريس بصوت مرعب كاد يمزق حنجرته، وكانت عيناه تحتقنان بالدم وتشتعلان بنيران الغيرة العمياء والجنون المطلق، لدرجة أن عضلات وجهه كانت ترتجف من شدة الغيظ. أما سيلينا، فما إن تحررت من قبضته المقيّدة، حتى تراجعت للخلف مرتجفة بشدة، ويدها تمتد لتتحسس موضع قبلته المهينة بقشعريرة اشمئزاز وغثيان. كانت أنفاسها متسارع
خيم سكون خناق ومحمل بالتوتر على القاعة الإسمنتية المعتمة، فور أن ألقى جوزيف عرضه المسموم في الهواء.تسمرت عينا كريس الحادتان على جوزيف، وظهرت عليه لأول مرة علامات التردد الواضحة، وكأن الفكرة بدأت تجد طريقاً رخواً إلى عقله الحذر. بدأت دفاعاته الصلبة تتراخى تحت ضغط حلمه الأكبر في استعادة إرث والده وكشف الأسرار الدفينة التي طالما سعى خلفها.وما إن لاحظ جوزيف ذلك التردد البادي على ملامح خصمه، حتى علت محياه ابتسامة ماكرة وساخرة، ليقاطع الصمت بنبرة استفزازية يقطر منها الخبث:*"ماذا يا كريس؟.. لا تقل لي إنك ضعفت أمامها أو أنك تعلقت بها وأحببتها؟!"*اشتعلت عينا كريس بنظرة حادة وغاضبة وكأن جمرًا سرى في أعماقه، ولينفي هذا الاتهام الذي هز شيئاً في داخله، أجاب بقسوة شديدة وبرود مزيف يخفي خلفه عاصفة هوجاء:*"أحببتها؟! لا تكن مثيراً للشفقة يا جوزيف... أي شيء له صلة بكم أو يحمل أثركم، أنا أتقرف منه ولا قيمة له عندي أبداً! هي مجرد أداة وانتهى دورها."*ولكي يؤكد كلماته القاسية التي صدمت الجدران، مدّ يده ودفَعها بخفة وقسوة عن طريقه لتتراجع خطوات إلى الخلف. وقفت سيلينا مرتعشة، ورمقته بنظرة كسر عميقة، صا







