LOGINقرأت نهاية الرواية مئات المرات... لكنني لم أتخيل يومًا أن أستيقظ داخلها. ليس كبطلتها... بل كالشريرة التي كان من المفترض أن تموت على يد زعيم المافيا. كنت أعرف كيف أنجو. كل ما عليّ فعله هو الابتعاد عنه... لكن لماذا تغيّر مجرى الأحداث؟ ولماذا أصبح الرجل الذي كان مقدرًا له قتلي... يرفض أن يسمح لي بالرحيل؟
View Moreلطالما أحبت لارين روايات الرومانسية المظلمة، ولا سيما تلك التي تدور في عالم المافيا. وعندما وقعت بين يديها الرواية الأشهر «هوس زعيم المافيا»، انغمست فيها حتى التهمت صفحاتها كلمةً تلو الأخرى، دون أن تشعر بمرور الأيام.
كانت الرواية تحكي قصة سيلين، فتاة رقيقة باعتها أسرتها إلى زعيم المافيا القاسي رافائيل فاليريو دي مونتي. في البداية، لم يكن يراها سوى ملكية تخصه، يعاملها كشيءٍ يملكه لا كإنسانة. لكن مع مرور الوقت، تحول ذلك التملك إلى هوسٍ مخيف وجنونٍ لا يعرف الحدود. وكانت العقبة الأكبر في طريق حبهما فتاة تُدعى إيلارا، وريثة ثرية متكبرة، لم تدخر فرصة لإذلال سيلين وتعذيبها نفسيًا. وفي النهاية، قتلها رافائيل بيديه ليحمي «عصفورته الصغيرة». كرهت لارين شخصية إيلارا كرهًا شديدًا، حتى إنها كانت تمضي وقتها تكتب التعليقات في كل مكان على الإنترنت، تسخر من غبائها وقراراتها الحمقاء. وقبل أن يغلبها النعاس، تمتمت ساخرة: «لو كنت مكانها، لما تصرفت بهذه الحماقة أبدًا. كنت سأبتعد عن البطلين وأتجنب النهاية المأساوية.» وفجأة... شقَّ رأسها ألمٌ حاد، كأنه نصلٌ يخترق جمجمتها. ثم... حلَّ الظلام. --- أول ما شعرت به كان الدفء. لكنه لم يكن دفء سرير شقتها الصغيرة المألوف. رفرفت جفونها ببطء، ثم فتحت عينيها. وتجمدت في مكانها. كان السقف شاهق الارتفاع، تزينه زخارف فاخرة لا يمتلكها إلا أصحاب الثراء الفاحش. أما ستائر السرير، فكانت من حرير نقي، تعلم يقينًا أنها لن تستطيع شراء مثله طوال حياتها. اعتدلت جالسة ببطء، بينما كان قلبها يخفق بعنف. «ماذا حدث...؟ هل متُّ حقًا؟ هل هذه الجنة؟ مع أنني، حين أفكر في الأمر، لا أظن أنني فعلت ما يكفي من الأعمال الصالحة لأصل إليها.» جالت بنظرها في أنحاء الغرفة. هذه ليست غرفتها. وليس هذا سريرها. ثم وقع بصرها على مرآة كبيرة. وهنا... توقفت أنفاسها. ذلك الوجه... لم يكن وجهها. «لحظة... لماذا يبدو هذا الوجه مألوفًا إلى هذه الدرجة؟» شعرٌ أحمر قانٍ يلمع كبريق الياقوت. بشرة ناصعة كالحليب. عينان ذهبيتان آسرتان. وشفاه وردية ممتلئة. وفي لحظة، ضربتها الحقيقة كالصاعقة. ذلك الوجه... هو وجه الشريرة إيلارا، التي لقيت نهايةً مأساوية على يد رافائيل فاليريو دي مونتي. لقد أصبحت داخل عالم «هوس زعيم المافيا»... الرواية التي أنهاها بالأمس، أو بالأحرى... قبل موتها بلحظات. لم يعد الأمر مجرد خيال. بل أصبحت تعيش داخل الرواية نفسها، حبيسة جسد الخطيبة التي كُتب عليها الموت. جفَّ ريقها. «لا... هذا مستحيل.» حاولت استرجاع أحداث الرواية. «ما زال بإمكاني النجاة... أليس كذلك؟ لا بد أن الوقت لم يفت بعد...» لكن... ذكريات صاحبة الجسد الأصلية اندفعت إلى عقلها دفعةً واحدة. ولم يكن ذلك بداية الرواية كما تمنت. بل كانت الأحداث قد بلغت منتصفها بالفعل. لقد بيعت سيلين إلى رافائيل. أما هذه الشخصية... هويتها الجديدة... فقد سبق لها أن آذت سيلين وأهانتها مرارًا. «تبًا...» التوى معدتها بقوة. لقد ضيعت فرصتها بالفعل. لم يعد هناك مجال لبداية جديدة أو لتغيير صورتها. فالشريرة ارتكبت ما يكفي من القسوة والإهانة بحق سيلين. أما هذه الليلة... فهذه الليلة بالذات... هي ليلة الحفل. في الرواية، كان ذلك المشهد نقطة التحول. كانت سيلين تقدم المشروبات، ثم تنسكب منها كأس نبيذ على فستان الشريرة عن طريق الخطأ. فترد إيلارا بصفعها أمام أنظار الجميع. عندها، يقتحم رافائيل المكان، وينحاز إلى سيلين، ثم ينظر إلى خطيبته وكأنها شيء يثير الاشمئزاز. ومنذ تلك اللحظة... تحول كرهه لها إلى رغبة قاتلة. وبدأ العد التنازلي لموتها. انقطع نفس لارين. «لا... لن أسمح بحدوث ذلك.» لن تلمس سيلين. ولن تقترب منها. بل لن تنظر إليها أصلًا. ستغير كل شيء. لكن قبل ذلك... كان عليها أن تعرف ما الذي تملكه الآن. أزاحت الغطاء عن جسدها ونهضت من السرير. حتى السجاد تحت قدميها كان بالغ النعومة. اتجهت نحو خزانة الملابس. وحين فتحتها، وجدت عشرات الفساتين الفاخرة والمجوهرات الثمينة. ألوان زاهية تملأ المكان، وبريق يخطف الأبصار. وفي اللحظة نفسها، غمرت أنفها رائحة عطور باهظة الثمن، حتى شعرت بوخز في رأسها. وفجأة... دقَّ أحدهم الباب. «آنسة إيلارا...» جاء صوت إحدى الخادمات مرتجفًا. «هل نأذن بالدخول لمساعدتكِ في الاستعداد؟» تذكرت لارين أحداث الرواية. كانت إيلارا كابوسًا حقيقيًا لكل خدم القصر. ولو تغيرت فجأة وأصبحت لطيفة، فسوف يثير ذلك شكوكهم. كان عليها أن تؤدي دور إيلارا... ولو قليلًا. «ادخلوا.» دخلت ثلاث خادمات ورؤوسهن مطأطأة. كن يحملن فستانًا أحمر قانيًا مرصعًا بالكريستال. وكانت أيديهن ترتجف بشدة حتى أخذ القماش يهتز. لاحظت إحدى الخادمات، وتُدعى ليان، ذلك الارتجاف، فازداد شحوب وجهها. نظرت لارين إلى الفستان، ثم إلى الخادمات. وقالت بهدوء: «أنتم ترتجفون... لماذا؟» كادت ليان تتعثر من شدة الذعر، وأسرعت تحدق في الأرض. «أ... أعتذر يا آنسة! أرجوكِ، لا تعاقبينا!» أما الخادمتان الأخريان، فأغلقتا أعينهما بإحكام، تنتظران صفعة أو صرخة... لكن شيئًا من ذلك لم يحدث. بل أخذت لارين الفستان الثقيل من أيديهن... وألقته على الأرض. شهقت الخادمات. وارتمت ليان على ركبتيها وهي تلتقط الفستان المرتبكة. «سأنظفه! سأصلحه فورًا يا آنسة!» قالت لارين ببرود: «اتركيه.» ثم أضافت وهي تتفحص الغرفة بنظرة ناقدة: «هذا المنظر يبعث على الخجل. أريد تغيير كل ما في هذه الغرفة. الملابس، والألوان، والأثاث... أخبروا كبير الخدم أن يستبدلها كلها خلال أسبوع.» تبادلت الخادمات النظرات بذهول. «ح... حاضر يا آنسة.» قالتها إحداهن، وصوتها يرتجف، لكن هذه المرة من شدة الارتياح. وأضافت لارين: «ابدأن بمفرش السرير... وأنتِ يا ليان، انهضي. لا أحب أن أحدق في قمة رأس أحد.» أسرعت الخادمات لتنفيذ أوامرها، يتحركن بسرعة لم تعهدها منهن. وما إن أُغلق الباب خلفهن... حتى انهارت لارين على المقعد. كانت يداها ترتجفان. كان عليها أن تنجو من هذا العالم. لكن قبل كل شيء... عليها أن تنجو من حفلة الليلة. ستتجنب البطلة. وستبتعد عن رافائيل. وستصبح... غير مرئية. وعندما تحين اللحظة المناسبة... ستهرب.جلست لارين على المقعد الوثير، تضم ساقيها إلى صدرها، بينما استقرت المذكرة الغامضة فوق حجرها.كلما قلبت صفحة...شعرت أن الهواء من حولها يزداد ثقلًا.وكأن الحبر الذي كُتبت به تلك الكلمات لم يكن حبرًا...بل بقايا حزنٍ لم يجف بعد.الغريب الجالس على الطرف الآخركان ذلك أول لقاء بيننا.كان يجلس قبالة والدي مباشرة.بملامح حادة تنطق بالوقار، ووجهٍ يكاد يخطف الأنفاس من شدة وسامته.لكن أكثر ما شدني إليه...كانت عيناه.باردتان...هادئتان...كبحيرتين تجمدتا في قلب الشتاء.وبينما كنت أحدق إليه في صمت...رفع نظره عن والدي.والتقت عيناه بعيني.لم تستغرق تلك اللحظة سوى ثانية واحدة...لكنها كانت كافية لتوقظ شيئًا دفينًا داخل صدري.شعورًا غريبًا...حنينًا لا أعرف مصدره.وكأنني أعرفه منذ زمن بعيد...رغم أنني لم أره في حياتي قط.لكن تلك اللحظة لم تدم.شعرت بقبضة أمي تلتف حول معصمي بعنف، قبل أن تجرني نحو باب القاعة.التفتُّ خلفي مرةً أخيرة...لكنني لم أستطع رؤيته مجددًا.كنت أريد لقاءه مرة أخرى...أن أعرف لماذا أربكني مجرد تبادل نظرة مع رجلٍ غريب...لكن ذلك اللقاء...لم يتكرر.تمتمت لارين وهي ترفع رأسها قل
راقبت لارين من الطرف الآخر للقاعة...سيلين.الفتاة الوديعة، واسعة العينين، التي بدت وكأنها خُلقت خصيصًا لإيقاظ كل رجلٍ مهووس بالحب.كانت ترتدي فستانًا أسود بسيطًا، وتحمل بحذر صينيةً مليئة بكؤوس النبيذ.ضيقت لارين عينيها."إنه هذا المشهد...""أتذكره جيدًا.""ستسكب النبيذ عليّ «عن طريق الخطأ»، ثم تذرف دموعها اللطيفة، فتصفعها إيلارا...""وعندها سينفجر رافائيل...""خطيبي الجليدي السادي...""ويذلني أمام الجميع.""لكن...""ليس اليوم."تحركت لارين بخفة، وأبعدت نفسها عن سيلين ثلاث خطوات جانبية، في حركة بدت أقرب إلى مشية السلطعون منها إلى المشي الطبيعي.ولكي تبدو تصرفاتها عفوية...أطلقت ضحكة مصطنعة وهي تلتفت إلى أحد الضيوف.«ها... ها... صحيح، الضرائب هذه الأيام، أليس كذلك؟»ثم أضافت بجدية زائفة:«كل شيء أصبح غير مستقر... السياسة... وحتى حياتي العاطفية.»لكن...القدر لم يكن مستعدًا لمجاراتها.فبينما كانت تبتعد خطوة أخرى...شعرت بدفعة قوية من الخلف.لم ترَ من فعلها.في لحظة...كانت واقفة بثبات.وفي اللحظة التالية...تحطم!اصطدمت مباشرةً بسيلين.ارتفعت الصينية في الهواء.وتناثرت الكؤوس.وتطاير ال
منظور رافائيلكان المكتب هادئًا...هادئًا إلى حدٍ خانق.لم يكن يُسمع سوى صوت قلمي وهو ينزلق فوق الأوراق، بين أكوامٍ من الملفات التي تنتظر إنجازها.لكن...لم يكن ذهني هادئًا بالقدر نفسه.كانت أفكاري مضطربة.المشاعر...لطالما كانت العدو.فلا مكان لها في هذا العالم.ذلك درس تعلمته منذ طفولتي.فالناس جميعًا يلهثون خلف السلطة.يعبدون من يمتلك القوة...أما الضعفاء، فلا ينتظرهم سوى أن يسحقهم هذا العالم القاسي بلا رحمة.وفجأة...قطع صوتٌ أفكاري.صوتها.هادئ...ورقيق، كنسمةٍ تتسلل من نافذةٍ موصدة.توقفت يدي فوق الورقة لجزءٍ من الثانية.هي.الفتاة التي اشتريتها.الفتاة التي باعها والداها دون أن يطرف لهما جفن.بلا اسم...بلا كرامة...مجرد ثمن... وإيصال بيع.لم أفعل ذلك بدافع الشفقة.فأنا لا أملك ذلك النوع من الضعف.لقد كانت مفيدة.هذا كل ما في الأمر....أو هكذا أقنعت نفسي.دخلت إلى مكتبي.وسرعان ما ملأ المكان عطر فانيليا رقيق.لقد اعتدت رائحة الدم...والعطور النفاذة التي تغرق بها نساء الطبقة الراقية.أما هذا العطر...فكان مختلفًا.ثم وضعت فنجان القهوة برفق فوق مكتبي، وانحنت انحناءة خفيفة، واستدا
لو كان الاندماج وسط الحشود مهارة، لكانت لارين واثقة بأنها بلغت فيها حد الإتقان.فمنذ الصباح، ظلت تتدرب على تعبير وجه يقول: "أنا مجرد شبح... لا وجود لي."بل إنها فعلت كل ما بوسعها حتى لا تلفت انتباه أحد.وارتدت تلك النظارات أيضًا، على أمل أن تبدو كشخص غريب تمامًا.لكن...ما إن عبرت الأبواب الضخمة لقاعة الحفل، حتى تبدل الجو من حولها.لم تتوقف الموسيقى...لكن شيئًا ما تغير.في البداية، لم يتعرف إليها أحد.كانت الأنظار تمر عليها سريعًا، قبل أن تبتعد، بينما يتساءل الجميع عن هوية تلك السيدة الأنيقة ذات الفستان البسيط.ثم...أدركوا الحقيقة.«لحظة... أليست تلك إيلارا؟»«هل هذه حقًا الآنسة إيلارا؟»«إنها تبدو... مختلفة تمامًا.»وفجأة...استقرت جميع الأنظار عليها.انعكس ضوء الثريات على بشرتها الناصعة، فأبرز جمالها على نحوٍ آسِر.أما الفستان الرمادي الذي ظنته مملًا، فقد منحها أناقة راقية وهادئة.وشعرها المرفوع بعفوية زادها سحرًا، بينما أضفى أحمر الشفاه الباهت على ملامحها رقةً طبيعية.تجمدت لارين في مكانها.وفي داخلها...كانت تصرخ بكل ما أوتيت من قوة.ألغوا المهمة! ألغوا المهمة فورًا!كانت تلك أو