LOGIN
غادة، الزوجة الأولى.
استخدمي قلبكِ قبل عقلكِ عندما تصدرين الأحكام.. ارضي بقرار اتخذتِه بمحض إرادتكِ، وإياكِ والانصياع لأقوال الحاقدين أو حتى نصائح الأحباء. اجعلي زوجكِ تاج رأسكِ، وقدمي لأجله القرابين للسماء.. خاصة لو كان رجلاً كزوجي.»
تلك كانت وصيتي المتأخرة، نصيحة مخضبة بالندم أرفعها لكل امرأة حتى لا تجابه ما جابهته في حياتي.
أتى اليوم.. بعد غياب شهر كامل. شهرٌ عشته على جمر الانتظار والتكهنات، حتى طرق باب الشقة. شقة الزوجية التي تخلّيت عن نصفها وحولتها إلى عيادة للأطفال، محاولةً مني لإرخاء النفقات عن عاتقه، لعلّي أجد في عينيه نظرة رضا أو سلوان، لكنني لم أحصد سوى الخيبة.
كان بحوزته مفتاح الشقة؛ صنعته له بيدي يوم تكرّم وتفضّل وتقبّل توسلي وإذلالي ليردّني إلى عصمته بعد طلاقنا الأول. ورغم ذلك، لم يستخدم المفتاح ولو لمرة واحدة. لا يزال يراني الغريبة الشريدة، بينما تحوّل هو—الرجل الأعزب فور فراقنا قبل خمس سنوات—إلى ما يشبه نجمًا سينمائيًا؛ يرتدي أفخر الثياب، يرتاد أكبر الصالات الرياضية، والأدهى.. غرق في علاقة مشينة مع فتاة متهتكة، تعرض مفاتنها للعيان على منصات التواصل الاجتماعي. فتاة استنزفت ماله وسمعته الطيبة، وجرّته إلى ملاهٍ صاخبة لم يكن يعرفها يوماً، وهو الذي كان رجل بيتٍ محافظًا وعلى خُلق، قبل أن تحوله إلى مراهق يركض خلف المجون.
هرعتُ إلى الباب تحثّني أشواقي المخلوطة بالهواجس. فتحتُ له واستقبلته بأبهى ابتسامة صطنعتها، وكنت قد انتقيت للقائه منامة حريرية وردية، لعلمي القديم بأنه يفضل هذا اللون عليّ.
قابلني ببرود جليدي، ولم ينطق سوى بعبارة جافة:
— سلامو عليكو. أجبت بلهفة تداري غصتي: — وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.. اتفضل.دلف إلى الشقة وجلس في الردهة مباشرة. لم يتوجه لغرفة النوم ليبدل ملابسه كعادته السابقة؛ فهو كما كان يردد دائمًا، يختنق من مناخ العيادة البارد. جلس على الأريكة الجلدية التي ابتعتها منذ سنوات لتناسب المرضى، حيث تخلصت بعد طلاقي الأول من كل الأثاث الفاخر الذي اشتراه في بداية حياتنا، واستعضت عنه بالجلد والحديد الصلب.. نسيت راحتي وبحثت عن راحة الآخرين.
بادرتُه محاولةً إذابة الجليد:
— حمد الله على السلامة.. إيه الغيبة الطويلة دي؟!نظر إليّ بعينين حادتين، وبنبرة خالية من أي مشاعر قال:
— بصي يا غادة.. اللي عملتيه معايا زمان مقدرتش أنساه. أنا حاولت.. لكن مقدرتش. أنا كمان حياتي اتغيرت، ومحتاج حاجات ماعدتش موجودة عندك.. على الأقل محتاج أطفال، وانتي حملك صعب وزاد صعوبة مع سنك.شعرت برعب ينهش صدري، فأمسكت بيده متوسلة:
— وجيه.. أنا مستعدة أتغير، أعمل أي حاجة ترضيك. والحمل مش صعب، أنا مستعدة أدفع كل التكاليف، وعمليات أطفال الأنابيب ماعدتش غالية زي زمان، وأنا واثقة إنها هتنجح!أشاح بوجهه عني، وغمغم بملل وضيق:
— يا غادة، أنا عملت كل اللي انتي عايزاه ويريحك.. وآن الأوان تريحيني مرة واحدة في حياتك.كنت أعلم الكلمة التي تقبع على طرف لسانه، لذلك ماطلتُ لأؤجل نهايتي المحتومة ولو لثوانٍ. أشرت إلى منامتي الجديدة وقلت بنبرة متكسرة:
— إيه رأيك.. يعجبك؟ مش هتغير هدومك عشان تتغدى؟ ماما هي اللي طبخت.. عارفة إن طبيخي ما بيعجبكش.لم يلتفت لإغرائي البائس، بل قال بجدية صارمة قطعت كل حبال الأمل:
— كويس يا غادة، خلينا في المهم.. أنا قررت أتجوز.نزل الخبر على قلبي كالصاعقة. شعرت بغمّ لا منجاة منه، وعلمت أنني لا أستحق السلوان، فأنا من فرّطت به أول مرة وتركت المساحة لغيري. قلت بنفور واشمئزاز:
— البت المايصة بتاعت الإعلانات؟ أجاب برزانة مستفزة: — اسمها سارة. سألته بتهكم أداري به انكساري: — وسارة هانم وافقت تتجوز على ضرة؟ رد بقسوة: — لا طبعاً.. وعلى فكرة أنا مش جاي آخد رأيك، أنا جيت بس أعرفك وفي حاجة كده لازم نتفق عليها.لم أحتمل البرود، انتفضت عن الأريكة وصحت به وعروقي تكاد تنفجر:
— إنت اتجننت؟! عايز تتجوز واحدة صايعة مشيت مع رجالة بعدد شعر راسها؟ دي صورها العريانة في كل حتة من غير خشا ولا حيا.. يا راجل يا حمش يا محترم!لم تهتز شعرة في وجيه. واجه حدتي بهدوء المتيقن والنهائي:
— انتي اللي جبتيه لروحك.. انتي طا...صرخت بهستيرية قبل أن ينطق بكلمة الفراق كاملة:
— لا يا وجيه بلاش! عشان خاطر سما!"سما".. ابنتنا الوحيدة، النبته الطاهرة وسط هذا الركام، ونقطة ضعف وجيه المتفردة. لولاها لربما تخلص من وجودي تمامًا ولم يكتفِ بالطلاق.
هدأ قليلاً وأشار إلى المقعد: — أقعدي عشان نتفق على اللي جاي.جلستُ خاضعة، متخلية عن كبريائي وعصبيتي التي أضاعته مني ذات يوم، وانتظرت حكمه الإعدامي. قال بلهجة الآمر الناهي:
— سارة ماوافقتش تتجوز على ضرة وعايزاني أطلقك.. وانتي عارفة إن أنا أصلاً مش طايقك. وعشان سما بس، هتفضلي على ذمتي من غير ما سارة تعرف.. هقولها إني طلقتك وإني شايع بس بين الناس في البلد إنك لسه مراتي عشان عايزة تسيبي بيت أهلك وتعيشي لوحدك، وسارة وافقت. لكن قسماً بالله، لو عملتي أي حاجة من عمايلك القديمة هطلقك وآخد بنتي وشقتي اللي حولتيها عيادة وهرميكي في الشارع.. فاهمة يا غادة؟ابتسمت بتحسر مرير. أين ذهب وجيه القديم؟ لقد توحش وتغول، وتملّكته نزعة سادية لم أعهدها فيه قط. أومأت برأسي وقلت:
— حاضر يا وجيه، من عنيا.. بس سارة مش هتطلب تشوف قسيمة الطلاق؟ضحك بسخرية لاذعة هزت أركاني:
— مش كل الناس زيك يا غادة.. سارة هتشوف وتصدقني أنا، عشان بتحبني.. مش واخداني سِلمة تطلع عليها لفوق زيك!في تلك اللحظة، استيقظ الشر الكامن في صدري بعد أن ظننت أنني تطهرت منه، وقلت بتهكم مستفز:
— والفرح إمتى إن شاء الله يا عريس؟ أجاب بثقة: — كمان أربع شهور.. وبالمناسبة هنعمل فرح كبير، عايزة تيجي تبقى بجميلك وأشيلك فوق راسي، مش عايزة يبقى أحسن.انتابتني حالة غريبة من اللامبالاة، كأن سلاحه بات يداعبني بدلاً من أن يطعنني. ما الذي يملكه رجل في سنه ليجذب مراهقة سوى نقوده؟ وها هي نقوده تتبدد في صخب الأفراح والمظاهر إرضاءً لنزواتها.
انطلقت ضحكاتي متهادية كنهر مطرد، أستهزئ بحمقه الذي صوّر له أن هناك بلهاء أخرى قد تقبله سكنًا. لطالما كان بليد الفهم لإشاراتي؛ لم يدرك أن ضحكاتي تخفي بركانًا. وحتى عندما حاولت استثارة حنقه وقلت:
— هتقعد في كوشة في سنك ده؟!أجابني ببرود قاتل:
— وحياتك غلاوتك عندي، هقعد في تلات أربع كوشات.. هعمل خطوبة وكتب كتاب ودخلة، كل واحد فيهم في فرح شكل، وشهر العسل هيكون في المالديف! صحت به والغل يأكلني: — انت فاكر إنك كده بتنتقم مني؟ نظر إليّ نظرة أخيرة خالية من أي اكتراث وقال: — انتي عمرك ما كنتي محور الكون ولا محوري.. انتي ولا حاجة. أنا هعمل كل ده عشان سارة.. عايز أفرحها.نهض عن الأريكة، وأخرج محفظته من جيب سترته الجلدية التي يرتديها مراهقو هذا العصر، واستل منها حزمة مالية كبيرة ناولها لي قائلاً:
— اشتري ليكي ولسما حاجة كويسة تحضري بيها الفرح.رفضت نقوده، ولم تمتد يدي إليها، وقلت بخنوع مصطنع:
— خلِّي خيرك سابق. ولمفاجأتي، لم يصرّ؛ بل أعاد النقود إلى محفظته ببرود قائلاً: — وفرتي.استدار وولى خارجًا نحو كابوسه الجديد، تاركًا إياي خلف الباب المغلق لأواجه الحقيقة العارية للمرة الأولى: أنا المخطئة من البداية حتى النهاية.
كم أحبني في السابق! كان فراقي يعصر أنفاسه، وحتى بعد الطلاق الأول وزيارته لابنتنا في بيت عائلتي، كانت عيناه تبحثان عني دائمًا، لكنني تماديت في قسوتي وكبريائي. تذلل لأعود إليه من أجل ابنتنا ولم أمنحه فرصة، فحكمت عليه بالتيه حتى التقطته تلك الساقطة.
تذكرت آخر صورها على صفحتها.. مستلقية على سرير عارية لا يسترها سوى ملاءة حريرية، وزوجي المحترم لم يستنكر سلوكها الفاضح، بل أصبح شريكها في العرض! صورتهم الأولى في ذلك الفندق كشفت المستور، كانا شبه عاريين وحافيين، هي بمئزر استحمام أبيض، وهو بسروال جينز يستعرض عضلاته المصقولة حديثًا، يقفان من الظهر يرقبان الغسق خلف أهرامات الجيزة، ورأسها يميل على كتفه بينما ينسدل شعرها الأسود المستعار على ظهره.
— مبروك يا حبيبتي.. عقبال ما تحضري سبوع النونو!
جاء الصوت من خلفي، كانت أمي. نبرتها كانت تقطر شماتة؛ فقد كانت من أشد المعارضين لطلاقي الأول، وهي من تنبأت بنهايتي البائسة.
التفت إليها وقلت محاولةً تجميع شتات كبريائي: — الله يبارك فيكي.. هتحضري الفرح؟تقدمت مني بمزيد من التهكم، وهي التي كانت تتلصص من ممر الغرف:
— طبعاً.. الراجل عمره ما عمل فينا حاجة وحشة، ومفيش وحش غيرك.نهضت خائرة القوى، لكنني ارتدت قناع القوة الزائفة وقلت بتحدٍّ صارم:
— وحياة أبوه الميكانيكي ما هيشوف يوم حلو معاها، وبكرة تقولي غادة قالت ونفذت!---
كانت تلك المواجهة هي النهاية. من بعدها، لم أرَ وجهه ولم أسمع صوته. توقف عن إرسال نفقتي ونفقة ابنته، واستحل مالي ولم يترك خردلة في حسابي البنكي.
أيام قلائل وانتشر الخبر الصاعق في الأرجاء؛ تزوج عاهرته "اليابانية" في حفل صاخب جمع القريب والبعيد. وفي اليوم التالي، أبصرت جارتي اللدود بعد أذان العصر وهي تحمل صينية تعلوها أكواب بلاستيكية مملوءة بشربات الورد المطعم بقطع الموز، وتطلق الزغاريد احتفالاً بزواج معيلها؛ فزوجها هو الصديق المقرب لزوجي ويدير تجارته السرية بعيدًا عن عمله الحكومي.
كانت الجارة تذيع بفرحة عارمة على المارة سر نفحتها وشرباتها قائلة:
— أيوة اتجوز.. حاجة على الفرازة! أجنبية وأبوها سفير فرنسا! سألها أحدهم بفضول: — والدكتورة غادة؟مصت شفتيها باستهانة تامة، وقالت بتهكم لاذع أطاح بما تبقى من كرامتي:
— يعني هتكون أحسن من مين؟!سارة أنور.غادرت الغرفة وأغلقت الباب. تنهدتُ وأنا أتحسس أذني.. نعم، كان حمزة فاسداً حتى النخاع؛ يسرق، ويحرق، ويلفق التهم، وفي النهاية.. يقتل. وكما لا أتمنى أبداً، حدثت الـمعجزة التي لم تكن في الحسبان، وسقط حمزة من فوق برجه العاجي الساخر لـما اندلعت ثورة يناير عام 2011. أو هذا ما حسبتُه أنا، لأنني كنتُ مجرد "غِرّة حمقاء" لا تفقه في السياسة شيئاً؛ فقد استغل حمزة حالة الانفلات الأمني والسرقات التي تمت في كافة أقسام الشرطة، وسرق كل ما طالته يداه الآثمتان من أسلحة ميرية، وبالطبع.. كافة الـمواد الـمخدرة الـمحتجزة في الـمخازن.وأمسيتُ أنا، بغبائي، الـمخولة الرسمية والواجهة لتوزيع كافة تلك الـمسروقات والسموم! ولـما أبديتُ اعتراضاً وخوفاً في البداية، انتظرتُ منه تهديداً ببطشي، لكنه بدلاً من ذلك، ارتدى قناع الضحية وقال بنبرة متباكية مستعطفة:— أنا ضعت يا سارة.. ومحدش باقيلي في الدنيا دي كلها غيرك انتي. بالفلوس اللي هنلمها ونعملها من البيعة دي، هاخدك ونسافر برة مصر فوراً، وهطلق لبنى ونعيش سوا مع بعض على طول.. لبنى خانتني وأخدت كل الفلوس القديمة وهربت بيها ولازم نشتغل من تاني عشان نأمن نفسنا.وصد
سارة أنور لم يكن ما بيني وبين حمزة حباً على الإطلاق؛ بل كان فخاً مُحكماً.كان حمزة رجل تجارب قذرة، أقام تجاربه الدنيئة على أجساد ومصائر أكثر من فتى وفتاة، وجميعهم انتهى بهم الـمطاف خلف القضبان.. فيما عداي أنا. كان وجهي الياباني البريء وملامحي الناعمة وعيناي الضيقتان أسلحة تبعد عني الشبهات تماماً، ناهيك عن أنني عُرفت في الأوساط الـمخملية بالثراء الفاحش، بسبب ما أرتديه من ملابس تحمل تواقيع ماركات عالمية شهيرة، وحليّ ذهبية براقة.. ولم تكن تلك الأشياء سوى "مستنسخات مزيفة" وفرها لي حمزة بدهاء.لقد كان يعاملني معاملة "الكبش"؛ يسمنّي بالوجاهة الاجتماعية والـمظاهر، ليذبحني لاحقاً حين يجعل مني وجهاً مألوفاً في الـمجتمع يصعب التشكيك في سلوكه. استخدمني بلا رحمة للتربح؛ كان يسرق الـمخدرات والـممنوعات من أحراز مخازن القسم، ثم يودعها في بيت أنور! فالجميع في سلك الشرطة يعرفون أن أبي "لص شيكات" وقروض، وليس تاجر سموم. تقنياً.. كان بيتنا أنظف من الخزف الصيني بعد غسله في نظر مكافحة الـمخدرات، وحتى عندما كانت تأتي قوة لتفتيش المنزل، لم تكن تبحث عن شيء سوى إلقاء القبض عليّ وعلى أخواتي كرهائن للضغط على أبي
سارة أنور. يكفي فقط ذكر اسمه بأي مكان لتفسح الطرقات لبنات أنور، كان دمث خلوق كريم ومحب حقيقي يبذل من أجلي الغالي والنفيس فطالما طلبتُ وأمسية لأقسام الشرطة، وهو كان من ورانا دائماً يخلصنا مما أوقعنا أنور به. حسبته الحب الذي انتظرته ولكني كنت له صفقة رابحة؛ لم أكن شهيرة مثل الآن فقد كنت حينها مجرد فتاة جميلة تستعرض صورها الفتوغرافية الغير حرفية على صفحات التواصل الاجتماعي ومن صنعني حمزة ولست مدينة له بأي شيء. أرسلني لأقدر المصففين وأشهرهم، أغدق علي من ماله بالهدايا والملابس المترفة، استأجر لي مصور خاص ليظهر جمالي الحقيقي كما قال لي، فقد أخبرني أن له عائلة كبيرة قد لا تمرر موافقة شارحة على زواجنا لأنني ببساطة بنت أنور ولكن قد يتغاضوا لو كنت نجمة مجتمع ذو صيت محبب شهير، أرسل لي العقود من كبرى الماركات العالمية لأكون واجهتهم بمصر فأمسيت سارة أنور مدونة الموضة الشهيرة. أختي الكبرى زاد تقلقها من تعلقي وظهوري الدائم مع الضابط المتعاطف مع البنات اليتيمات كما كان يطلق علينا حمزة وسط الجموع، بينما أمسية طلبت تتمة فلم أجد ما أقوله فوجدت هي بعد بحث وتقصي وواجهتني به: - الظابط بتاعك مجوز. -
سارة أنور. كنتُ بالكاد أنقل قدماً بعد أخرى، والصقيع يلفح أكتافي الـمنحنية ونحن نمر سريعاً في ممر بارد، رطب، ومظلم، كأن من ورائنا أسواطاً غير مرئية تأمرنا بالرحيل والتواري.في ذلك الـممر، تكشفت لي الحقيقة الثالثة: الـمجرمون من أمثالي لا يشبهونني في شيء. كان الرجال مقرفصين أرضاً في ذلّ مهين؛ ممزقي الثياب، داميي الأجساد، تعلو وجوههم كدمات زرقاء من أثر "التظبيط". أما النساء، فقد التزمن السواد بعباءات سمراء رخيصة، تداخلت فيها زخارف شرقية باهتة من الذهب والفضة المزيفة، واختلطت بأتربة الأرصفة، بينما بدت رؤوسهن ملتزمة بحجاب أسود فضفاض يظهر الكثير من شعورهن الـمنتهكة بالصبغات الرديئة وأثر الكي الحراري.كان المشهد سوقاً للـمهانة؛ رجال يتذللون للضباط دفاعاً عن بقايا كرامتهم، ونساء ينحنين للعساكر بقلة حيلة كي يرسلن لرجالهن الـمحتجزين في السجن الـمؤن الغذائية.. كانت بسطة يد أنثوية مخفية، تحمل ورقة واحدة حمراء من فئة الخمسين جنيهاً، كفيلة بأن تجعل العسكري يصفح، ويمرر المؤن خلف القضبان."مكتب الضابط النوبتجي".. هذا ما كُتب بخط رديء على الباب الخشبي الـمتهالك. وقفنا أمامه إلى أن طرق العسكري الباب، و
سارة أنورقفزت أختي الصغرى "سعيدة"—أو "سيا" كما تحب—من أمام شاشة حاسبها حيث كانت تتربع على الأريكة، وتقدمت مني بلهفة وفضول عارم:— عملتي إيه مع الضابط؟أجبتها وأنا أخلع حذائي:— ما طلعش ضابط شرطة.— أومال إيه؟— طيار.برقت عيناها وهتفت:— Wow, lucky you! (يا ل حظكِ!)بالطبع، غباء سيا جعلها تحسب أن وجيه طيار مدني يقود طائرات الركاب الضخمة كالجامبو، ويقبض راتبه بالدولار ويجوب عواصم العالم. فأحبطتُ آمالها العريضة قائلة بتهكم:— مش من الطيارين دول يا فكيكة.. ده من اللي بيطيروا بالطيارات الحربية الصغيرة اللي شبه الدبان دي!ارتسمت خيبة الأمل على وجهها وقالت:— Shit!.. المهم، عرفتي توزعّي الشغل والـمستحضرات اللي معاكي؟ابتسمتُ بظفر وسعادة حقيقية حركت مشاعري:— بعت كل اللي معايا.. وبكرة عندي "سيشن" تصوير في فندق مينا هاوس، هاخد فيه مية ألف جنيه كاش!وفي تلك اللحظة، نسينا كل شيء، وصرخنا فرحاً معاً، وأخذنا نضرب الأرض بأرجلنا في جذل طفولي صاخب، حتى أتانا الصوت الأجش المرعب من منور البناية؛ صوت "طنط حافظة" ساكنة الطابق الثالث أسفلنا وهي تصرخ بتهديد قاطع:— يااااا سااااااارة!انطفأت فرحتنا فوراً
سارة أنور. نعم.. لقد كان أجمل يوم في حياتي، ولكن البدايات دائماً تملك سحراً زائفاً.كنتُ أشفق عليه؛ أشفق على "وجيه" لأنه طلبني للزواج في أول يوم يلتقيني فيه. أشفق عليه لأنني أخدعه وأمثل عليه، ولأنه يحمل في أعماقه براءة طفل ويدّعي في الوقت ذاته أنه ضابط مغامر جاب العالم أجمع. أشفق عليه لأنه لا يرى نفسه وسيماً؛ لابد أن أحداً ما قد سحق ثقته بنفسه وأنزلها إلى الحضيض، ولابد أن تكون زوجته السابقة هي الفاعلة الخبيثة. لكنني.. حين نحيتُ بالشفقة جانباً، وجدتُ شيئاً آخر.. الحب؟ لا، ليس حباً بعد، فليكن الاستحسان والإعجاب؛ فأنا لا أريد أن أكون بريئة وساذجة مثله، لأطمع بحبه والزواج منه وسكن شقته الفارهة المطلة على بحر الزقازيق بعد ساعات من لقائنا الأول.وجيه هو أول رجل ألتقيه في حياتي ينظر إلى عينيّ مباشرة بوقار؛ لم يحاول لمسي عامداً، ولم يتصنع حركات "التبسيط" القذرة التي يعتمدها رجال مجتمعنا. إنه يعرض عليّ زواجاً حقيقياً، وشقة حقيقية، وليس زيجة صيفية سريعة من نوعية *"يا جميلة في شاليه العين السخنة.. وسري تماماً عن الزوجات"*، لينتهي الأمر بعبارة *"لكِ تحياتي للأبد"* مع حفنة من المال لا تقادر جمالي
وجيه عبد المعطي.لم أكن يوماً من المؤمنين بفرضية الصدف، حتى عثرتُ عليها. كانت صدفة انتشلتني من بحيرة المعاناة والملل، وغمرتني براحة لم أطلبها.رأيتها لأول مرة في مقهى أبيها الكائن في أحد شوارع حي المهندسين الصاخبة. كانت تقف هناك، تحمل على كتفها حقيبة نسائية ضخمة بشكل مبالغ فيه، وترتدي تنورة حريرية
وجيه عبد المعطي.اقتربتُ بسيارتي ببراءة مصطنعة نحو سيارتهم الجانحة على حافة الطريق، ثم ترجلتُ متوجهاً صوب ذلك الصبي الغبي—الذي لم أهتم حتى بمعرفة اسمه، رغم أن الخطة تقتضي أن نكون أصدقاء مقربين الآن.مددتُ يداي في الهواء مستعداً لاحتضانه بحميمية تمثيلية بالغة، وقلت متداركاً الموقف بصوت جهوري:— حبيب
وجيه عبد المعطيأنا رجل بلا حياة عاطفية. رجلٌ وُجّهت كل عواطفه نحو محرك سيارته، وحيواناته الأليفة، ومجموعته الخاصة من الأحجار الكريمة النادرة التي جمعها من أسفاره حول العالم. لم تكن لي في كتاب العشق إلا تجربة واحدة؛ زواج قصير الأمد—وإن امتد لثماني سنوات في السجلات—انتهى بطلاق، ولم يثمر سوى عن فتاة
وجيه عبد المعطيلكن المفاجأة حدثت في نهاية الفيديو. سكبت سائلًا أبيض على منشفة أرجوانية صغيرة، وبدأت تمسح وجهها برفق.. وحين زالت المساحيق، تبدّى جمالها الحقيقي الصاعق.حاجبان صغيران كالهلال، بشرة وردية تشع حيوية ولم تذبل رغم المواد الكيميائية، وفم ملائكي مكتنز كأنه قلب "كيوبيد" تحول إلى فراولة شهية







