Masuk143توقفت سيارة الأجرة على جانب طريقٍ صحراوي مهجور، بعيدا عن صخب المدينة. لم يكن في المكان سوى أرضٍ قاحلة تمتد بلا نهاية، تتخللها بعض الصخور اليابسة وأعمدة إنارة متباعدة تلقي ضوءا باهتا على الطريق الخالي. كان السكون مخيفا... حتى إن صوت الريح وهي تجر ذرات الرمال فوق الإسفلت كان أوضح من أي صوتٍ آخر. شعرت بانقباضٍ غريب في صدري. لماذا اختار آدم هذا المكان تحديدا.. رفعتُ بصري أتأمل المكان من حولي. لا سيارات... لا منازل... لا بشر. لو حدث لي شيء هنا... فلن يسمع أحد صراخي... ابتلعتُ ريقي بصعوبة، ثم نزلت من سيارة الأجرة بعد أن دفعت للسائق أجرته. ما إن ابتعدت السيارة حتى شعرتُ بأن الصمت ازداد ثقلاً. رفعتُ رأسي... فوجدته. كان يقف بجوار سيارته، ينظر إلى الطريق منذ وقت طويل، وكأنه كان يعد الثواني انتظارًا لوصولي. وما إن وقعت عيناه عليَّ... حتى اندفع نحوي راكضا... توقف أمامي وهو يلهث، ثم أخذ يتفحص وجهي بعينيه، كأنه يتأكد أنني ما زلت على قيد الحياة. قال بصوتٍ امتلأ بالندم:ــ هل أنتِ بخير؟... أنا آسف. كل ما حدث كان بسببي. لو لم أتصل بكِ يومها... ولو لم أطلب مقابلتك...هززتُ رأسي بسرعة. لم أستطع أن أ
142فتحتُ عينيّ بصعوبة، وشعرتُ وكأن رأسي يزن أطنانا بقيت أحدق في سقف الغرفة لثوانٍ طويلة، عاجزة عن استيعاب أين أنا، حتى بدأت ملامح المكان تتضح أمامي شيئًا فشيئًا... هذه... غرفتي.غرفتي في مجمع تاج الفيروز... أطلقتُ زفرة متعبة، ثم حاولتُ الاعتدال في جلستي، لكن الألم الذي اجتاح جسدي أجبرني على التوقف. أغمضتُ عينيّ بقوة، وانتظرتُ حتى هدأت موجة الدوار قليلًا... ماذا حدث لي...همستُ بها لنفسي، بينما كنت أحاول الوقوف. وضعت قدمي على الأرض، لكن ساقي لم تقويا على حملي. اختل توازني، فاندفعت أتشبث بالطاولة المجاورة، إلا أن يدي اصطدمت بالمزهرية الموضوعة فوقها، فسقطت على الأرض وتحطمت، ناشرة شظاياها في أنحاء الغرفة. لم تمضِ سوى لحظات حتى فتح الباب على مصراعيه. دخلت أمينة مسرعة، وما إن رأتني حتى شهقت بفزع: ــ الحمد لله... الحمد لله أنكِ استيقظتِ يا ابنتي!أسرعت نحوي، وأمسكت بذراعي قبل أن أسقط، ثم ساعدتني على الجلوس فوق السرير. كانت تنظر إليَّ بعينين يملؤهما القلق، بينما سألتها بصوت خافت خرج بالكاد من بين شفتي:ــ ماذا... ماذا حدث لي؟تنهدت أمينة بحزن، وقالت:ــ كنتِ فاقدة الوعي منذ أول أمس. الطبيب ج
141أخذ ليث أول لقمة في هدوء. ظل يمضغها ببطء، دون أن تظهر على وجهه أي ملامح. لم أستطع أن أقرأ تعبيرا واحدا. مرت ثوانٍ بدت لي كأنها عمر كامل. ثم أخذ لقمةً ثانية. شعرت بشيء من الأمل يتسلل إلى قلبي. لو كان سيئا... لما أكمل. أليس كذلك.. ابتلعت ريقي، وانتظرت كلمته.وضع الشوكة فوق الطبق، ثم رفع عينيه إلي قال بهدوء:ــ أشعر... أن هناك شيئا ناقصا.توقف لثانية، ثم أردف:ــ أو ربما... هناك خطأ ما.انطفأ ذلك الأمل في لحظة. اتسعت عيناي، وبدأت الدموع تتجمع فيهما دون إرادة. لقد بذلت كل ما أملك... ركضت تحت الثلج...نزفت...استحممت مرتين...ثم وقفت ساعات أعد هذا الطبق... ولم يكن كافيا أيضا. حاولت أن أعض على شفتي حتى لا أبكي. لكن شهقة خافتة أفلتت مني. رفع رأسه فجأة. ثم ضرب الشوكة على الطاولة بصوتٍ حاد: ــ من سمح لكِ بالبكاء؟انتفض جسدي من نبرته الحاده فرمقني بنظرة باردة، وقال بحدة:ــ حتى البكاء... لا يكون دون إذني. امسحي دموعك.رفعت يدي المرتجفة، ومسحت وجهي بسرعة، لكن الدموع لم تتوقف. خرج صوتي متقطعا: ــ لماذا... تفعل بي هذا؟ابتلعـت شهقة أخرى، ثم أكملت بصعوبة:ــ أعلم أنني أخطأت في حقك كثيرا... لكن ه
140وقفت أمام باب المطبخ لثوانٍ، ثم أغلقت عيني. كنت أشعر أن ساقيّ لم تعودا تحملانني، وأن كل عضلة في جسدي تصرخ من شدة الإرهاق. وضعت كفي على الرخام البارد، وأطلقت زفرة طويلة. على الأقل...كنت مطمئنة على ليان. كانت سارة قد أخبرتني قبل عودتي إلى الشقة أنها مع ليان في القصر، ولن تتركني أقلق عليها هذه الليلة. قالت إن الصغيرة غفت بين ذراعيها، وإنها ستبقى بجوارها حتى تستيقظ. لولا ذلك... لكنت ركضت إليها الآن، مهما كان الثمن. ابتسمت ابتسامة باهتة سرعان ما اختفت.. اشتقت إليها...اشتقت إلى حضنها الصغير، وإلى صوتها وهي تناديني لكنني لم أكن أملك رفاهية التفكير. ليث ينتظر عشاءه. وأنا... كنت أعلم جيدا أنه لا يقبل التأخير للمرة الثانية. تنفست بعمق، ثم التفت إلى المطبخ. كان هادئا لا يُسمع فيه سوى صوت الثلاجة الكهربائية. فتحتها ببطء، وأخذت أبحث بين محتوياتها حتى وقعت يدي على قطعة سميكة من ساق العجل وضعتها فوق الطاولة، وأنا أتمتم:ــ حسنا.. لنبدأ.أحضرت لوح التقطيع، ثم أمسكت السكين. كانت يدي ما تزال ترتجف من شدة التعب، حتى إنني اضطررت إلى التوقف للحظة قبل أن أبدأ."تماسكي يا ملاك... لم يعد ينقصك سوى أن
139ظل ليث يحدق بي دون أن ينطق. لم تكن نظرة عابرة... بل كانت بطيئة، ثقيلة، تتحرك فوقي من رأسي حتى قدميّ الحافيتين، وكأنه يحصي كل أثرٍ تركه الطريق على جسدي. شعرت بالاختناق. لا أعرف لماذا... لكن نظراته وحدها كانت كافية لتجعلني أرغب في الاختفاء. لم يكن بحاجة إلى أن يتكلم أو يهددني، فوجوده وحده كان يفرض هيبته على المكان بأكمله. رفع يده أخيرا، وأشار إليّ بإصبعه: ــ اقتربي.ترددت. لم تكن المسافة بيننا تتجاوز بضع خطوات، لكنها بدت لي أطول من الطريق الذي ركضته قبل قليل. أخذت خطوة... ثم أخرى... حتى وقفت أمامه. رفع ذقني بعينيه، ثم عاد ينظر إلى وجهي وشعري المبتل، قبل أن يهبط ببصره إلى ملابسي... لم أكن أحتاج إلى مرآة لأدرك كيف أبدو... كنت أشبه بشخص خرج لتوه من كارثة... الوحل يغطي ملابسي... الدم الجاف يلطخ جبيني... شعري مبعثر... وقدماي الحافيتان ترتجفان من البرد حتى فقدت الإحساس بهما. قال أخيرا، بصوتٍ هادئ جعل معدتي تنقبض:ــ أنتِ قذرة جدا.خفضت رأسي تلقائيا... شعرت بالنفور من منظري أنا أيضا. لكن... ماذا كان بوسعي أن أفعل؟ لقد ركضت تحت الثلج... وسقطت... ونزفت... ووصلت إليه بالكاد. وفجأة دوّى صوته:
138أخذت أول خطوة... فشعرت بأن قدمي تكادان تخذلانني... توقفت لثانية، وأغمضت عيني. كان رأسي يدور بعنف، وأنفاسي متقطعة، وجسدي كله ما زال منهكا من إرهاق اليوم السابق. لم أكن قد تعافيت بعد، وجرح رأسي الذي ارتطم بالخزانة قبل دقائق فقط بدأ ينبض بألمٍ حاد، بينما شعرت بسائلٍ دافئ ينساب ببطء فوق صدغي...لكن... لم يكن لدي خيار. إن لم أصل...فسأفقد كل شئ... اعرف ليث جيدا واعرف قسوته. لن يتسامح معي .. رفعت رأسي بصعوبة، ثم بدأت أركض. لم يكن ركضا حقيقيا... بل محاولة يائسة لإجبار جسدي على الحركة. كانت الرياح الباردة تعصف بوجهي بقسوة، والثلوج تتساقط فوق شعري وكتفي حتى ابتلت ملابسي خلال دقائق، وأصبحت أصابعي ترتجف من شدة البرد.ألقيت نظرة سريعة خلفي. كانت سيارة الحراسة تسير على مسافةٍ بعيدة، لا تقترب مني ولا تبتعد. يراقبونني... إذن هو سينفذ تهديده فعلا. خفضت بصري إلى ساعة يدي... مرت عشر دقائق فقط. اتسعت عيناي. عشر دقائق... ومع ذلك شعرت وكأنني أركض منذ ساعات. وضعت يدي على صدري أحاول التقاط أنفاسي، لكن الألم ازداد حدة. بدأت خطواتي تثقل شيئا فشيئا، بينما كانت ساقاي ترتجفان من شدة الإرهاق. عضضت على شفتي، ث







