Share

162

Author: Ahmed Habib
last update publish date: 2026-07-18 20:21:37

انقضت أيام عيد الأوبت العظيمة، وهدأت صخب الطبول التي كانت تزلزل ساحات طيبة، وغابت الأضواء الذهبية التي زينت معبد الأقصر لتترك المكان تحت ظلال الهدوء المهيب. في تلك اللحظات الأخيرة من الاحتفال، كان الشعب يعود إلى دياره مشحوناً بالبركة، بينما كانت النخبة الكهنوتية والأمراء يلملمون شتات أنفسهم بعد طقوس استنزفت الكثير من الطاقات الروحية والبدنية.

في غرفتها الخاصة، كانت أناتيرا -الإلهة عنات- تقف أمام نافذتها المطلة على النيل، تخلع أثوابها المطرزة بالذهب الواحدة تلو الأخرى، لتكشف عن جسد يتوهج في عتمة الغرفة بجمال لا يمت للبشر بصلة. لم تكن الابتسامة التي تعلو شفتيها ابتسامة فتاة مغرمة، بل كانت بسمة صياد محترف يرى فريسته قد اقتربت من السقوط في الفخ. شعرت بأن قناع "الفتاة الرقيقة المستضعفة" قد أدى غرضه، لكنها أدركت أيضاً أن الأمير "سى اوزير" ليس صيداً سهلاً؛ فهو يملك عقلية حصينة وإرادة فولاذية تستمد قوتها من تقاليد عائلته العريقة.

"إنه يحاول أن يتظاهر بالقوة والتباعد،" همست لنفسها بصوت مسموع ملأ الغرفة ببرودة ثلجية. "يظن أن حصونه الأخلاقية ستحميه، لكنه لا يعلم أنني لست بحاجة إلى اقتحام أسواره، بل سأجعلها تنهار من تلقاء نفسها. لقد بذرت بذور الشك في قلبه، والآن حان وقت الحصاد. سأرفع حدة الغواية، سأجعله لا يرى أمامه سوى طيفي حتى في أحلامه الكهنوتية. لن أكتفي بالكلمات؛ سأجعله يغرق في شبق لا يجد له مخرجاً إلا في أحضاني. سأجعل طهارته التي يتغنى بها عبئاً ثقيلاً ينوء بحمله، حتى يتوسل إليّ أن أخلصه منها."

على الجانب الآخر من المعبد، في جناحه الذي كان يغمره صمتٌ مطبق وثقيل، كان سى اوزير يجلس على سريره وقد ألقى ب رداءه الرسمي جانباً. كان يمسك برأسه بكلتا يديه، وأصابعه تغرس في فروة رأسه وكأنه يحاول استئصال تلك الأفكار التي تجتاح عقله. كان ضوء القمر يسقط على صفحات بردية قديمة أمامه، لكنه لم يعد يرى فيها رموز الحكمة، بل كان يرى وجه أناتيرا في كل حرف وفي كل نقش.

أغمض عينيه بقوة، وبدأ يصارع نفسه في حوار داخلي مرير. "ما هذا الذي أشعر به؟" تساءل في سره. "هل هو العشق الذي تغنت به قصائد الأقدمين؟ ذاك الشعور الذي يرفع الروح نحو السماء، أم أنه مجرد تيار جارف من الرغبة الجسدية البدائية التي تحاول تدنيس طهارتي؟"

وقف يمشي في غرفته جيئة وذهاباً، يضرب كفاً بكف. كان الصراع في أعماقه عنيفاً. كان يدرك أن أناتيرا قد اخترقت دفاعاته، لكنه لم يكن متأكداً من طبيعة هذا الاختراق. "إن كان عشقاً، فلماذا أشعر بالخزي؟ وإن كانت شهوة، فلماذا يميل قلبي -لا جسدي فقط- نحوها في لحظات الهدوء؟" كان يحاول تحليل مشاعره كأنها معادلة رياضية مستعصية. كان يذكر نفسه بمسؤولياته، بلقبه، وبكونه سليل عائلة رمسيس، لكن جسده كان يصرخ بتمرد، يذكره برائحتها، بلمسة يدها في ليلة النيل، وبنظراتها التي كانت تبحث عن شيءٍ في عينيه أعمق من كلمات الترحيب.

شعر سى اوزير بضيق في صدره لا يطاق. كان يرى أناتيرا كغزيرةٍ دخلت إلى حياته لتقلب موازين العالم الذي بناه لنفسه. "أنا أهيم بها،" اعترف لنفسه بصوت خافت، مرتعش، كأنه يرتكب جرماً لا يغتفر. "أهيم بوجودها، بصوتها، بحضورها، لكنني أخشى أن هذا الهيام ليس سوى فخٍ نصبته لي الأقدار. هل هي حقاً تلك الفتاة الغريبة البائسة؟ أم أن هناك شيئاً فيها يوقظ فيّ غريزة حذرة لا أستطيع تفسيرها؟"

كانت الليلة تمر بطيئة، ثقيلة، ومشحونة بالتوتر. وبينما كانت أناتيرا تضع الخطط لزيادة وتيرة الغواية، كان سى اوزير يغرق في محيط من التساؤلات، محاولاً الفصل بين طهارة الكاهن واندفاع الشاب. لم يكن يعلم أن كل تفكير في مشاعره هو خطوة أخرى نحو الفخ، وأن أناتيرا قد بدأت بالفعل في سحب البساط من تحت قدميه

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • سيد الرماد والضوء   165

    انصرف الأمير "سى اوزير" من قاعة المشورة بخطوات متباطئة، مثقلة بعبء الكلمات التي نطق بها أمام والده وعمه. كان يترك خلفه نظراتهما المتفحصة ليغرق مجدداً في دوامة أفكاره، بينما اتجه قلبه وعقله نحو المهام الكهنوتية التي تنتظره في أروقة معبد "بتاح"، في محاولةٍ يائسة لاستعادة توازنه المفقود. على الجانب الآخر، لم تجد الأميرة "تفنوت" أيّ وسيلة للهدوء بعد لقائها المريب مع "أناتيرا". كانت تمشي في الممرات الفسيحة، وقد تلبّستها حالة من اليقظة الشديدة التي لا تفارق الكاهنات اللواتي خبرن أسرار الغيب. بمجرد أن رأت زوجها "خع إم واست" في جناحه الخاص، يراجع بعض اللفائف البردية التي تخص طقوس الحماية الكبرى، دخلت عليه بملامح تنبئ بأن في صدرها حديثاً لا يحتمل التأجيل. اقتربت منه، ووضعت يدها على اللفيفة التي كان يقرؤها، وقالت بصوت خافت لكنه مشحون بالإصرار: "يا زوجي، لا تظن أنني جئت لأشغل وقتك بحديث العيد وما جرى فيه. قلبي لا يزال يرتجف، وهناك شعورٌ بارد يغلف روحي كلما اقتربتُ من تلك الفتاة الشمالية. لقد طلبتُ من الكاهن 'حور-محب' أن يراقبها، لكنني أعلم أن هذا لا يكفي. أنت يا خع إم واست، تمتلك من القدرات م

  • سيد الرماد والضوء   164

    بينما كانت "تفنوت" تعود إلى جناحها الخاص، كان شعورٌ بارد كأنه وخز إبر جليدية يتسرب إلى عظامها. لم يكن قلقاً عادياً، بل كان شعوراً بالانزعاج من "الكمال". توقفت عند إحدى المرايا البرونزية الكبيرة ونظرت إلى انعكاس صورتها، ثم همست لنفسها: "الكمالُ في الطبيعة البشرية مستحيل.. لا أحد يولد بكل هذا التوازن، ولا أحد يمتلك هذا الهدوء الذي يطغى على الفوضى المحيطة به". كانت تشعر بأن أناتيرا مثل تمثالٍ منحوتٍ بدقة متناهية، خاوٍ من العيوب التي تجعل البشر بشراً. هذا "الكمال" في ملامح الفتاة، في ردودها، في حركاتها، كان هو نفسه الفخ الذي يثير الريبة في قلب أمٍ خبرت دهاليز القصور. بمجرد وصولها، استدعت الكاهن الأكبر "حور-محب"، الرجل الذي أفنى عمره في تتبع حركات النجوم وتحليل الطاقات الغامضة. جلست تفنوت على مقعدها المذهب، وقالت بصوت خافت لم يخلُ من الحدة: "يا حور-محب، عيني لا تخطئ، لكن قلبي يرفض أن يصدق ما أراه. تلك الفتاة.. الشمالية.. ليست كما تبدو. هناك هدوء يحيط بها وكأنها تعيش في عالمٍ موازٍ لعالمنا. لا أريد تهمةً باطلة، ولا أريد ظلماً، لكنني أريدك أن تضعها تحت نظرك. أريد رقابةً لا تُشعرها بأنها مُ

  • سيد الرماد والضوء   163

    مع بزوغ شمس اليوم التالي، انقشع صخب احتفالات الأوبت الذي ملأ آفاق طيبة لأيام، وعادت الحياة إلى وتيرتها المعهودة داخل جدران المعبد الكرنكي العتيق. خفت أصوات الترانيم، وأُعيدت التماثيل المقدسة إلى مقصوراتها، وانصرف الكهنة والطلاب إلى واجباتهم اليومية المعتادة بين البرديات وأدوات التطهير. كان الصمت الذي حلّ في أرجاء المعبد ثقيلاً، مشحوناً بتفاصيل الليلة السابقة التي تركت في نفس سى اوزير شرخاً لا يندمل، وفي نفس "عنات" نيران رغبة لا تطفئها إلا السيطرة المطلقة. كانت الأميرة تفنوت، بحدسها الأمومي الفذ ونظراتها التي كانت تسبر أغوار النفوس، قد قررت أن هذا هو الوقت الأمثل للقيام بخطوتها التي خططت لها في مجلس العائلة. كانت تعلم أن قلب ابنها سى اوزير قد سُرق، وأن الخطر يكمن في عدم معرفة هوية السارق. وبينما كانت "أناتيرا" تسير في أروقة حديقة المعبد، تلملم زهور اللوتس التي تساقطت من إكليل العيد، اعترضت طريقها تفنوت بخطواتها الوئيدة التي تفوح منها رائحة البخور الممزوجة بالوقار الملكي. تفنوت (بابتسامة هادئة ورقيقة، تخفي خلفها تيقظاً حاداً): "صباحكِ مبارك يا ابنتي أناتيرا. أرى أن العيد قد انتهى، ول

  • سيد الرماد والضوء   163

    مع بزوغ شمس اليوم التالي، انقشع صخب احتفالات الأوبت الذي ملأ آفاق طيبة لأيام، وعادت الحياة إلى وتيرتها المعهودة داخل جدران المعبد الكرنكي العتيق. خفت أصوات الترانيم، وأُعيدت التماثيل المقدسة إلى مقصوراتها، وانصرف الكهنة والطلاب إلى واجباتهم اليومية المعتادة بين البرديات وأدوات التطهير. كان الصمت الذي حلّ في أرجاء المعبد ثقيلاً، مشحوناً بتفاصيل الليلة السابقة التي تركت في نفس سى اوزير شرخاً لا يندمل، وفي نفس "عنات" نيران رغبة لا تطفئها إلا السيطرة المطلقة. كانت الأميرة تفنوت، بحدسها الأمومي الفذ ونظراتها التي كانت تسبر أغوار النفوس، قد قررت أن هذا هو الوقت الأمثل للقيام بخطوتها التي خططت لها في مجلس العائلة. كانت تعلم أن قلب ابنها سى اوزير قد سُرق، وأن الخطر يكمن في عدم معرفة هوية السارق. وبينما كانت "أناتيرا" تسير في أروقة حديقة المعبد، تلملم زهور اللوتس التي تساقطت من إكليل العيد، اعترضت طريقها تفنوت بخطواتها الوئيدة التي تفوح منها رائحة البخور الممزوجة بالوقار الملكي. تفنوت (بابتسامة هادئة ورقيقة، تخفي خلفها تيقظاً حاداً): "صباحكِ مبارك يا ابنتي أناتيرا. أرى أن العيد قد انتهى، ول

  • سيد الرماد والضوء   162

    انقضت أيام عيد الأوبت العظيمة، وهدأت صخب الطبول التي كانت تزلزل ساحات طيبة، وغابت الأضواء الذهبية التي زينت معبد الأقصر لتترك المكان تحت ظلال الهدوء المهيب. في تلك اللحظات الأخيرة من الاحتفال، كان الشعب يعود إلى دياره مشحوناً بالبركة، بينما كانت النخبة الكهنوتية والأمراء يلملمون شتات أنفسهم بعد طقوس استنزفت الكثير من الطاقات الروحية والبدنية. في غرفتها الخاصة، كانت أناتيرا -الإلهة عنات- تقف أمام نافذتها المطلة على النيل، تخلع أثوابها المطرزة بالذهب الواحدة تلو الأخرى، لتكشف عن جسد يتوهج في عتمة الغرفة بجمال لا يمت للبشر بصلة. لم تكن الابتسامة التي تعلو شفتيها ابتسامة فتاة مغرمة، بل كانت بسمة صياد محترف يرى فريسته قد اقتربت من السقوط في الفخ. شعرت بأن قناع "الفتاة الرقيقة المستضعفة" قد أدى غرضه، لكنها أدركت أيضاً أن الأمير "سى اوزير" ليس صيداً سهلاً؛ فهو يملك عقلية حصينة وإرادة فولاذية تستمد قوتها من تقاليد عائلته العريقة. "إنه يحاول أن يتظاهر بالقوة والتباعد،" همست لنفسها بصوت مسموع ملأ الغرفة ببرودة ثلجية. "يظن أن حصونه الأخلاقية ستحميه، لكنه لا يعلم أنني لست بحاجة إلى اقتحام أسوار

  • سيد الرماد والضوء   161

    شعر سى اوزير وكأنها تحاول استنزاف كل ما تبقى من طاقته. كانت كلماتها كالنسيم العليل الذي يفكك حصون قلبه، ورغم ردوده التي حاول أن يصبغها بصبغة الواجب، كان يرى في عينيها تحدياً لا يملك إلا أن يحترمه. التفت بعيداً، نحو تمثال آمون العظيم الذي ينتصب في وسط الفناء، محاولاً الاستنجاد بالصمت الأبدي للآلهة. "إلهي.. امنحني القوة لأظل على ثباتي،" تمتم في سره. ثم التفت إليها، وبذل جهداً جباراً لتبدو ملامحه خالية من أي إحساس، وقال بلهجة آمرة، لكنها مليئة بالشفقة التي لم يستطع إخفاءها: "الزمن ليس وسيلة للإثبات، بل هو امتحانٌ للصبر. إن رغبتِ في الانتظار، فهذا شأنك، ولكن لا تتوقعي مني أن أترك مسار حياتي لأجل أوهامٍ قد تكون عابرة. إن احتفالات الأوبت تتطلب حضوراً لائقاً وانضباطاً في السلوك، لا وقوفاً لتبادل الكلمات التي تزيد النفس حيرة. غداً، في محراب المعبد، سيكون لنا حديثٌ آخر حول دروسكِ، بعيداً عن صخب المهرجانات. انصرفي الآن إلى حيث يُطلب منكِ الوقوف، فهذا هو الأنسب لكِ وللمعبد." كان سي اوزير لايفهم بعد ماهى حقيقة مابداخله هل هو عشق ام مجرد شهوة جسديه لاحقته منذ ان راها عاريه تسبح في النيل فكان يدرك

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status