Share

2

Author: Ahmed Habib
last update publish date: 2026-06-13 07:52:41

لم تكن الرمال التي خلّفتها الروح الراحلة مجرد غبار عادي تبدده الرياح، بل كانت ذرات باردة كصقيع الموت، حطت على جلد الأمير البرونزي المشدود لتذكرّه بأن المواجهة القادمة لن تكون مع بشر يفنى، بل مع قوى عتية صمدت آلاف السنين وتغذت على ظلام المقابر. انحنى الأمير بجسده القوي والمفتول نحو "تفنوت" الملقاة على الأرض الحجرية الباردة؛ كانت أنفاسها المتلاحقة تصنع حركاً هادئاً ومثيراً في صدرها المكشوف، وغلالة الكتان الشفافة التي ترتديها قد تمزقت قليلاً عند الكتف إثر سقوطها المفاجئ، مما أضفى على مشهد ضعفها رقّة بالغة أثارت في قلبه مزيجاً من الرغبة الحميمة والمسؤولية الطاغية لحمايتها. دثرها بذراعيه القويتين، ورفعها برفق ليتدلى رأسها المزين بخصلات الشعر الأسود الداكن والخرز الفيروزي على صدره العاري العريض، مشيعاً في جسدها الدافئ ذلك الأمان الذي سلبته اللعنة قبل دقائق وجيزة.

"اهدئي يا ملاذي ويا كل حصوني،" همس في أذنها بنبرة رخيمة تفيض بالقوة والوسامة والاطمئنان، بينما كانت أصابعه القوية تتحرك ببطء وثبات فوق منحنى ظهرها العاري لتهدئة روعها واستعادة سكينتها. "لقد رحل الكيان المظلم الآن، ولن يمسكِ أي سوء وأنا أتنفس على هذه الأرض. لكن الخيار لم يعد بيدي يا تفنوت؛ لقد ألقى 'نفر كابتـاح' قفازه في وجهي، وتحدي الملوك والساحر لا يُرد، وإلا أصبحت روحنا أضحوكة بين أروقة معابد منف." نظرت إليه بعينين كحيليتين واسعتين يلتمع فيهما بريق الدموع الساخنة والخوف الجارف من خسارته، وقالت بصوت متهدج يملؤه العشق: "إنه يستدرجك إلى حتفك الأكيد يا أميري المحبوب. لم يخرج أحد من جبانة منف القديمة حياً بعد أن تحدى أصحاب القبور المستعرة بالسحر. ابقَ معي الليلة، دعنا ننسى الكتاب والعرش وما وراءهما، ولنلذ بالفرار معاً إلى أقصى الجنوب حيث النيل يغسل خطايا البشر ويمنحنا دثاراً من الطمأنينة."

لكن نظرة التحدي في عيني خع إم واست كانت قد حُسمت ولن تبدلها لغة الدموع؛ فالإثارة التي سرت في عروقه كالنار، وحرارة المواجهة السحرية الأولى التي اختبرها، أيقظت في أعماقه وحشاً متعطشاً للمزيد من القوة والمعرفة المحرمة. قادها برفق ودلال نحو الأريكة الجلدية الفاخرة الملقاة في زاوية المختبر السري، وطبع قبلة هادئة، عميقة وطويلة على شفتيها وجبينها، تاركاً إياها تستعيد أنفاسها المتهدجة وتداري مفاتنها المٹيرة، بينما التفت هو بكامل قامته نحو طاولة الأبحاث الحجرية ليجمع شتات أمره ويستعد للنزول. حمل خنْجره الأسطوري المصنوع من حديد الشهب المتساقطة، وتأمل الوميض الأزرق الباهت الذي لا يزال يتردد على نصلّه الحاد؛ لقد أدرك في تلك اللحظة أن الأسلحة التقليدية، وحتى طقوس الحماية المعتادة المستوحاة من برديات "كتاب الموتى" الدارجة، ليست سوى دروع واهية واهنة أمام كاهن وملك ساحر عظيم مثل نفر كابتـاح. كان بحاجة إلى استحضار سحر التمائم السبع المحرمة، وبحاجة إلى شحن جسده بطاقة الأرض قبل شروق شمس اليوم الجديد.

بدأ الأمير في تحضير طقس العبور العظيم؛ سكب بخطوات مدروسة الزيوت العطرية النادرة—مزيجاً كافورياً كاثداً من المر الفاخر والقرفة الساخنة المجلوبة من بلاد بونت—فوق مجمرة برونزية ضخمة، ليتصاعد على الفور دخان كثيف رمادي اللون يملأ ممرات الغرفة وزواياها، محولاً الأجواء الحميمية الخانقة إلى ساحة حرب روحية مرتقبة تتداخل فيها الظلال. وقف خع إم واست وسط الدخان المتصاعد، مغلقاً عينيه الكهيليتين، وبدأ يتلو تعاويذ حاشدة بلغة قديمة موغلة في القدم، لغة لم تعد مستخدمة في بلاط والده رمسيس الثاني ولا في مجالس حكماء القصر، لغة اهتزت لها جدران المعبد الحجرية بعنف، وتجاوبت معها تمائم الجعران الذهبي المعلقة حول عنقه، مستمداً منها طاقة روحية هائلة مكنته من رؤية مسارات الطاقة الزرقاء المشعة التي ترسم له طريق الرحلة عبر الصحراء.

التفت خع إم واست للمرة الأخيرة نحو تفنوت، التي كانت ترقبه بنظرات مشدوهة تجمع بين العشق المطلق والمهابة الروحية، وكأنها تودع إلهاً شاباً يهبط إلى أعماق الأرض ولا ترجو عودته. لم ينطق الأمير بأي كلمة إضافية كي لا يضعف أمام فتنتها، بل أشار إليها بيده القوية أن تلزم المحراب المقدس وتستمر في تلاوة صلوات الحماية لعلها تحرسه من الغدر؛ ثم استدار بجسده الممشوق العاري الصدر، وخطا خطوة حاسمة وعنيفة عبر البوابة الخلفية السرية للمعبد، تاركاً خلفه دفء اللقاء وسكينة الجسد المثير، ليندفع بصدر رحب مباشرة نحو عاصفة الرمال العاتية التي كانت تنتظره بالخارج، لتعلن رسمياً بدء رحلة الرعب والإثارة اللامتناهية في دروب الموتى المظلمة.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • سيد الرماد والضوء   120

    كان الجنود المصريون في تلك الساعة يقاتلون ببسالة أسطورية نادرة، ويستلهمون روح الشجاعة من ذكرى فرعونهم الراحل رمسيس الثاني. لم يكن الخوف يعرف طريقاً إلى قلوبهم؛ فكان المشهد يفيض بالتضحية والبطولة التي تدمع لها العيون.كان أحد الجنود المصريين يرى زميله ومصابه يسقط على الأرض جريحاً ينزف، فلم يتركه ليموت، بل كان يندفع وسط السيوف ويحمل زميله على كتفه بقوة، ويواصل القتال بيده الأخرى بكل شجاعة. وكان جندي آخر يقفز بخفة فوق جثث القتلى ليطعن قائداً من الأعداء في ظهره ويحمي ظهر رفاقه.ولكن، ورغم هذه البسالة المصرية العظيمة، كان جيش الملك أدنوك عدده هائلاً جداً ويفوقهم بمقدار الضعف، وبدأت الكثرة الغالبة تضغط على الصفوف الأمامية للمصريين. والأمر الأكثر خطورة هو أن الوحوش الظلامية والمخيفة التي أرسلها بعل — تلك السباع السوداء العملاقة المصنوعة من الدخان والطيور الظلالية ذات المخالب الحادة — بدأت تشن هجوماً شرساً ومنظماً على الجنود.كانت هذه الوحوش تندفع وسط الغبار، وتمزق أجساد الجنود المصريين بمخالبها القاطعة وتلقي بهم في الهواء بعنف شديد. بدأ الرعب ينتشر قاطوعاً بين بعض الفصائل جراء هذا السحر الأس

  • سيد الرماد والضوء   119

    كان الملك أدنوك ينظر إلى هذا الحماس المصري العارم والمنظم بغضب شديد وضيق بدا واضحاً على ملامح وجهه، وبدأت علامات الاطمئنان والغرور تزول عن وجهه قليلاً بعد أن رأى روح القتال الشرسة تشتعل في عيون المصريين. لكنه عاد وبسرعة واستند في ثقته المطلقة إلى عدده الهائل الذي يملأ التلال ووحوشه المتربصة التي بدأت تزمجر وتستعد للهجوم بطلب من الكهنة.همس اليه الاله بعل فى عقله : لاتقلق انت الاعلى وانا ساعد لهم مفاجئة ستزعجهموفي تلك اللحظات الحرجة والفاصلة من تاريخ الوادي، كان الأمير خع إم واست والفتى الصغير سى اوزير يراقبان الموقف بدقة شديدة وعين ساهرة من موقعهما الخفي والمستتر في الجهة الخلفية للتلال. كان خع إم واست يقبض على عصاه الكهنوتية، بينما كان سى اوزير يمسك بالتميمة الحجرية المقدسة التي بدأت تزداد دفئاً ونبضاً بين أصابعه، مستعدين مع مقاتليهم العشرة آلاف لإطلاق ضربة المفاجأة الساحقة وتوجيه المطرقة نحو السندان بمجرد أن يلتحم الجيشان وتبدأ الحرب الفعلية.كانت الشمس ترتفع أكثر في السماء ملقية بلهيبها الخانق فوق الرمال، والجيشان يقفان وجهاً لوجه بكامل سلاحهما وغضبهما، يفصل بينهما شريط ضيق وصغير م

  • سيد الرماد والضوء   118

    تحرك الملك مرنبتاح بمركبته الملكية خطوات وقورة نحو الأمام، متقدماً عن صفوف جيشه ليكون في طليعة المشهد. كان يمسك بزمام خيله القوية بيده اليسرى بثبات، ويقبض بسيفه الذهبي الطويل بيده اليمنى، واجهاً شعاع الشمس الأحمر الوليد الذي انعكس على نصل السيف فجعله يلمع بقوة كأنه قطعة من نور الشمس الخالص شقت الظلام. رفع مرنبتاح رأسه نحو التلال، وأطلق صوته العسكري القوي المدرب، فخرج الصوت هادراً وقاطعاً كالسيف، يخرق صفير الرياح الشمالية الباردة ليصل واضحاً ونقياً إلى الطرف الآخر فوق المرتفعات:"أدنوك! أيها الملك الباغي والخائن، والتابع الذليل للظلام وبعل! جئتَ تجمع جنودك في الخفاء وتتحرك سراً لغزو أرضنا الطاهرة واستباحة بيوتنا الآمنة ظناً منك أن مصر قد نامت بموت ملكها، لكنك وجدتنا هنا في انتظارك في منتصف الطريق لنقطع دابر شرك قبل أن يقترب من ديارنا. اسمعني جيداً وافهم ما أقول... استسلم الآن دون إراقة للدماء، وخذ جنودك المارقين وملوكك الطامعين وارجعوا فوراً إلى جحوركم الباردة في الشمال، وسنترعكم تعيشون بسلام في بلادكم. أما إذا أصررت على البغي والغزو وعناد الحق، فثق تماماً وأقسم لك بالآلهة العظام أن ال

  • سيد الرماد والضوء   117

    كان الفجر يشق عتمة الليل ببطء شديد على السواحل الشمالية، كأنه قاضٍ سماوي يستعد لإصدار حكمه الأخير على مصير العالم. بدأت أشعة الشمس الأولى تبزغ من وراء الأفق، لكنها لم تكن أشعة ذهبية دافئة كالمعتاد، بل كانت حمراء قانية، صبغت مياه البحر بلون أحمر دامٍ، كأن الطبيعة نفسها تتنبأ بنهر الدماء الذي سيسيل بعد قليل على هذا الرمل البارد. كان المشهد مهيباً يحبس الأنفاس؛ فالأمواج الهادئة التي كانت تداعب الشواطئ بدأت ترتفع وتتحرك بقلق، كأنها تشعر بالثقل الرهيب الذي ألقاه التاريخ فوق كاهلها في هذه الساعة الحرجة.في هذه الأجواء المشحونة بالترقب، وصل الأسطول الحربي المصري العظيم إلى الموقع المحدد له بدقة على الشاطئ الرملي الواسع. ولم يكن نزول الجيش من متون السفن فوضوياً أو عشوائياً، بل كان آية في النظام والدقة العسكرية الأسطورية التي تعكس عقوداً من التدريب الصارم تحت ظلال الفراعنة العظام. تحرك الجنود كجسد واحد، وبسرعة مذهلة شكلوا صفوفاً متراصة امتدت على طول الساحل كالجدار البشري الصلب الذي لا يمكن اختراقه.كان ثلاثون ألف مقاتل مصري يقفون في أماكنهم بثبات الجبال الشامخة، لم يتحرك منهم جندي واحد، ولم ير

  • سيد الرماد والضوء   116

    بعد مرور ساعة كاملة من العمل الشاق والمنظم لتغيير مسار السفن في عرض البحر، اجتمع الثلاثة مجدداً — الملك مرنبتاح، والأمير خع إم واست، والفتى سى اوزير — داخل غرفة القيادة لوضع التفاصيل النهائية لخطة المواجهة القادمة. كان الأمير خع إم واست ينظر إلى الخريطة بتركيز كبير، ويمرر أصابعه فوق طرق السير البرية والبحرية، ثم رفع رأسه ونظر إلى أخيه الملك وقال بصوت هادئ ومليء بالذكاء والحكمة:"يا أخي مرنبتاح... لقد خطرت في عقلي خطة استراتيجية ذكية قد تقلب موازين قواهم الكبيرة وتلغي تفوقهم العددي علينا. سنقسم جيشنا وقواتنا إلى قسمين منفصلين. أنا سأتولى قيادة القسم المخفي والسري؛ سآخذ معي جميع السحرة والكهنة العظام الذين يملكون معرفة بكتاب تحوت، ومعنا سى اوزير وعشرة آلاف مقاتل من أقوى وأشرس جنود النخبة. سنستخدم قدراتنا السحرية لإخفاء أنفسنا وتحركنا تماماً عن أعين الجواسيس، حتى نلتف من وراء الممرات ونصل إلى خلف جيش الأعداء دون أن يشعروا بوجودنا. سنضربهم من الخلف فجأة مستغلين عنصر المفاجأة الذي سيربك صفوفهم. أما أنت يا ملك مصر... فتأخذ الثلاثين ألف مقاتل المتبقين، وتقود الهجوم الأمامي المباشر بكامل جنود

  • سيد الرماد والضوء   115

    كانت السفينة الملكية الكبيرة تشق مياه البحر في ليلة هادئة وصامتة. لم يكن هناك أي صوت يقطع هذا السكون سوى ضربات الأمواج الخفيفة التي كانت تصطدم بخشب السفينة برفق شديد، كأن البحر يهمس للجنود ليناموا بسلام. امتد الأسطول المصري في الظلام مثل أسراب من الطيور السوداء الكبيرة التي تسير فوق الماء بدون إشعال أي أنوار، حتى لا يراهم أحد من الأعداء. كان كل شيء يبدو هادئاً ومستقراً من الخارج، والجميع يغطون في نوم عميق بعد أيام طويلة من التعب والتدريب.ولكن، داخل قلب الفتى الصغير "سى اوزير"، لم يكن هناك أي هدوء، بل كانت هناك عاصفة قوية ومخيفة من القلق والتوتر أفسدت نومه تماماً.فجأة، وبدون أي مقدمات، انتفض الفتى الصغير من فراشه واستيقظ وهو يتنفس بسرعة وصعوبة شديدة، كأنه كان يجري لعدة أيام متواصلة تحت أشعة الشمس الحارقة في وسط صحراء قاحلة لا نهاية لها. كان جسده النحيل مغطى بالكامل بالعرق البارد الذي جعل ملابسه تلتصق بجلده، وكانت عيناه الفيروزيتان مفتوحتين على وسعهما من شدة الرعب والصدمة، والدموع تكاد تفر منهما. في تلك اللحظة، كانت يده الصغيرة تقبض بكل قوتها على التميمة السحرية المصنوعة من الحجر — وا

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status