Share

3

Author: Ahmed Habib
last update publish date: 2026-06-13 07:52:45

خطا الأمير "خع إم واست" خطوته الأولى خارج عتبة المعبد السرية، فاستقبلته براري "منف" لافحةً وجهه برياح عاتية ومجنونة تحمل طعم الغبار والموت، وتملأ الفضاء بصوت أشبه بعويل الأرواح المعذبة. كانت الليلة قد بلغت ذروتها من الظلمة الحاضنة للأسرار، والأهرامات البعيدة الشامخة تلوح في الأفق الغربي كظلال لملوك عمالقة منسيين يحرسون جوف الأرض الكاتم للأنفاس. لم يكن الخوف يجد طريقاً إلى قلب الأمير الشاب، بل كان الدم الملكي يغلي في عروقه بجرعة عاتية من الحماس والإثارة الفطرية؛ فكل غريزة قتالية وجسدية صلبة، وكل خلية سحرية داخل جسده الممشوق والمفتول، كانت تنبّهه وتدفعه دفعاً إلى الأمام، معلنة أن القادم في هذه الظلمة سيعيد تشكيل أقدار الأحياء والموتى على حد سواء.

خلفه تماماً، عند العتبة الحجرية للمعبد التي يلفها السواد، كانت الكاهنة الجميلة "تفنوت" ترقب رحيله بجسد يرتعش وأعين ملؤها الشغف العارم والخوف الوجودي من ألا تراه ثانية. تحركت خطوة متهورة نحو الأمام لتلقي عليه نظرة أخيرة، فداعبت الرياح الصحراوية الهوجاء ثوبها الكتان الشفاف الرقيق، الذي بات يلتصق بمنحنيات جسدها المثير والممشوق بفعل حبات العرق الدافئة الناشئة عن اضطراب نبضاتها، مبرزاً مفاتن قوامها المصري الفريد الذي طالما كان ملجأ الأمير الحميم ومصدر قوته في ليالي الخلوة. أرسلت في أثره تنهيدة حارة تحمل وعوداً بلقاء أكثر حميمية واشتعالاً ينتظره خلف هذه العاصفة إن هو عاد حياً من بوابات العالم السفلي، وعوداً تشتعل برغبة جارفة لا تملك حتى لعنات الفراعنة القدامى القدرة على إطفائها أو كبح جماحها.

التفت الأمير بكامل وسامته وصلابته نحو الغرب المقفر، وبدأ يطأ بأقدامه الثابتة دروب الجبانة القديمة حيث ترقد العظام النخرة تحت الرمال الساخنة. وفجأة، وبلا أي إنذار مسبق، بدأت الأرض الحجرية تحت قدميه تهتز وترتجف بعنف، ولم تكن الرياح أو العاصفة الرملية هي السبب في هذا الاضطراب هذه المرة. انشقت قشرة الأرض الجافة عن كائنات هلامية مرعبة، مشكلة بالكامل من الرماد الأسود الكثيف والدخان المتحجر، بدأت تخرج متلاحقة من جوف المقابر وتطوق الأمير من كل حدب وصوب، شاخصة إليه بأعين غائرة تشع بلهيب سحري أزرق خافت ومميت. كانت هذه الكائنات هي خطوط الدفاع السحرية الأولى التي وضعها الساحر القديم "نفر كابتـاح" لحماية حماه، أرواح حارسة متعطشة للدماء لا تعرف الرحمة ولا تهاب المتسللين أياً كانت رتبتهم أو دماؤهم.

أدرك خع إم واست خطورة الموقف وسرعة الأحداث؛ فاستل خنجره الشهابي اللامع، وبحركة خاطفة، حاسمة وسريعة ومباغتة، مرر نصل الخنجر الحاد على كف يده اليسرى لتسيل دماؤه الملكية القانية وتختلط بالحديد النيزكي المصنوع من أجرام السماء. في لحظة التلامس، التمع النصل بوهج قرمزي متفجر يكاد يعمي الأبصار، وانطلق الأمير وسط الأرواح الرمادية كالفهد الكاسر، يمزق أجسادهم الهلامية بسحر دمه المتفجر وقوته الجسدية الضاربة، بينما كانت التعاويذ الحربية القاسية تتفجر من حنجرته لتهز أركان الصحراء المظلمة وتشق طريقاً من النور وسط هذا الظلام الدامس.

كانت ضربات الأمير "خع إم واست" تتلاحق بقوة مذهلة وعزيمة لا تلين، فنصل خنجره الشهابي المخضب بدمائه الملكية كان يترك خلفه خطوطاً من النور القرمزي تشق عتمة ليل الجبانة وتذيب أجساد كائنات الرماد بمجرد ملامستها. ومع كل كائن يمزقه، كان يشعر بطاقة السحر الأسود المرتدة تحاول اختراق جسده، لكن صلابته الفطرية والتمائم المحيطة بعنقه كانت تقف كحائط صد منيع، محولةً المعركة إلى سمفونية من الإثارة والحماس اللاهب الذي يسرى في عروقه.

تساقطت الكائنات الرمادية الأخيرة متحولة إلى غبار خمدت نيرانه الزرقاء، لينقشع الدخان ويكشف عن مدخل المقبرة الأسطورية للأمير "نفر كابتـاح". كان المدخل عبارة عن شق عميق في قلب صخرة جبلية سوداء، نُحتت على جانبيها تماثيل ضخمة لثعابين "الكوبرا" الملكية، وهي تفتح أفواهها مستعدة لنفث سم سحري غير مرئي لمن يجرؤ على تخطي العتبة.

لم يتردد خع إم واست؛ دلف إلى داخل الممر المظلم والهابط نحو أعماق الأرض. كان الهواء بالداخل يزداد برودة مع كل خطوة، وتفوح منه رائحة القرون الماضية والكتان العتيق. بعد مسيرة قصيرة، انفتح الممر على قاعة دفن واسعة، دائرية الشكل، تضاء جدرانها فجأة بنيران زرقاء انبعثت من مشاعل برونزية معلقة تلقائياً.

وفي مركز القاعة تماماً، تربع جسد "نفر كابتـاح" فوق تابوت حجري فاخر. لم يكن طيفاً هذه المرة، بل بدا جسداً متماسكاً، يرتدي ملابس الملوك الفخمة، وعيناه تشعان بذكاء حاد وهيبة مرعبة. وأمامه مباشرة، على طاولة من الأبنوس الأسود، كانت ترقد لوحة لعبة "السينت" السحرية، بقطعها المصنوعة من العاج والأبنوس، وبجانبها يشع نور باهر، أخاذ وساحر، ينبعث من لفافة بردي عتيقة.. إنه "كتاب تحوت" الأعظم.

وبجوار التابوت، كانت تقف روح زوجته "أهوري"، فائقة الجمال بملامحها الحزينة، وثوبها الجنائزي الشفاف الذي يتدلى بنعومة، هامسةً بكلمات تحذيرية لم تصل لسمع الأمير.

"لقد وصلت إذاً يا ابن رمسيس، وتخطيت حراسي،" قال نفر كابتـاح وصوته يتردد في القاعة كقصف الرعد البطيء، مصحوباً بابتسامة تحمل تحدياً واثقاً. "السيوف والخناجر لا مكان لها هنا. أمامك اللوحة، وأمامك كتاب الآلهة. اجلس لتلعب مباراة العمر.. إن حركت قطعك بالذكاء والسحر وهزمتني، ستأخذ الكتاب وتخرج إلى عشيقتك المنتظرة بطلاً تفوق قوتك البشر. وإن غلبك سحري.. ستنضم إلى ممتلكات هذه المقبرة وتصبح قطعة أخيرة في لوحتي إلى الأبد."

تقدم خع إم واست بثقة غامرة، حاملاً وسامته وصلابته الكبرياء الملكي، وجلس في الجانب المقابل من الطاولة، وعيناه مثبتتان على "كتاب تحوت" المشع بالإثارة والغموض. مد يده القوية ليمسك بالقطعة الأولى، لتبدأ أخطر وأعظم منازلة سحرية عرفها تاريخ مصر القديم.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • سيد الرماد والضوء   125

    كان بعل يعرف في أعماق نفسه، وبتجاربه القديمة المريرة، أنه لا قبل له بمواجهة ست منفرداً في ساحة مفتوحة؛ فقوة ست لا تُقاس بالمعايير العادية، وغضبه الحارق لا يمكن لأي إله أن يطفئه، ووحشيته الحربية تفوق كل آلهة الممالك الأخرى. انخفض كبرياء بعل، وهمس لنفسه بصوت مرتجف ومذعور وهو يتراجع للخلف:"لا... ليس الآن... ليس هذا الكائن المرعب... كيف جاء إلى هنا وتركت سفينة رع؟!"ثم، وفي حالة من اليأس المطلق والخوف من الموت الوشيك، رفع بعل صوته القوي نحو السماء وصرخ بتعويذة نداء قديمة ومقدسة استنجاداً بشريكته:"عنات! يا زوجتي ونصل حربي! تعالي إليّ سريعاً... ساعديني قبل أن يسحقني سيد الصحراء!"الفصل الثالث: مذبحة الوحوش واتحاد الجيشينوفي ذات الوقت، لم تكن وحوش ست الأسطورية تنتظر الأوامر؛ بل كانت تلك السباع البرية العملاقة ذات العيون النارية المتوهجة والآذان المستقيمة — وحوش الشا الخالدة — تندفع بغضب جامح ولا يُوصف نحو صفوف الأعداء. وانقضت وحوش الشا بقوة وبدأت تفتك بوحوش بعل الظلامية في مجزرة مروعة غطت الرمال.تحت الضربات النارية لسباع الصحراء، تحولت المعركة بين الوحوش إلى مذبحة حقيقية من طرف واحد؛ حيث

  • سيد الرماد والضوء   124

    وفجأة... وفي اللحظة التي بلغت فيها المعركة ذروة جحيمها وضيقها، انطلقت ضحكة مدوية وعميقة في الأفق البعيد. لم تكن ضحكة عادية، بل كانت ضحكة عميقة، غاشمة، وقوية للغاية اهتزت لها السماء والأرض معاً، وتوقف معها صياح الوحوش وقرع السيوف لشدة مهابتها.في تلك اللحظة بالذات، سرت قشعريرة باردة ومفاجئة في كامل جسد العملاق بعل. اتسعت عيناه الزرقاوان الحارقتان من شدة الصدمة والمفاجأة، وارتعدت يداه الضخمتان اللتان كانتا تطلقان البرق، وتراجع خطوة إلى الوراء وكاد يسقط فوق التلال الحجرية. نظر حوله بذعر حقيقي لم يذق طعمه منذ عصور، وهمس لنفسه بصوت مرتجف ومملوء بالرعب والخوف المكتوم:"تلك الضحكة المرعبة... أنا أعرف صاحبها جيداً ولا أخطئه... ذلك الصوت المهيب... لا... لا يمكن! هذا لا يمكن أن يحدث الآن! كيف ترك معركته الكونية وجاء إلى هنا؟!"ومع نهاية همساته المذعورة، ظهرت في وسط ساحة المعركة عاصفة رملية مهيبة وهائلة الحجم، تدوّي بصوت قاصف ومرعب كأنها نهاية العالم وأيام الفناء. كانت الرياح المحملة بالرمال الذهبية والحمراء تدور بسرعة فائقة، وشقت الأرض شقاً كبيراً لتفتح في وسطها بوابة نارية حمراء ضخمة تشع بلهيب

  • سيد الرماد والضوء   123

    في قلب هذا الجحيم المتفجر بالصواعق والنيران السوداء، كان الملك "مرنبتاح" يقاتل ببسالة أسطورية نادرة تليق بوارث عرش رمسيس الثاني. لم يكن يقف في الخلف يحتمي بحراسه، بل كان في طليعة فيالقه وسط جنوده، يقود عجلته الحربية التي تحطم جزء من خشبها.كان سيفه الذهبي الطويل يلمع بدماء الأعداء والوحوش تحت ضوء البرق المتساقط، واندفع بشجاعة نحو سبع ظلامي عملاق كان يمزق صفوف الرماة. وبحركة عسكرية دقيقة وسريعة، ضرب الملك بسيفه ليقطع أرجل السبع المدخن، ومجرد أن سقط الوحش يزأر من الألم، قفز مرنبتاح بخفة فوق ظهره وطعنه بسيفه طعنة قاتلة في عمق عنقه حتى تحول الوحش إلى رماد أسود متطاير.كان الدم يغطي وجه الملك ويمتزج بعرق جباهه، وكان يصرخ بأعلى صوته ليثبت قلوب جنوده ويقودهم وسط الموت:"لن تمروا من فوق أجسادنا! مصر لن تسقط أبداً طالما فينا عرق ينبض بالحياة! ثبتوا صفوفكم يا حماة الوادي!"كان جنوده المخلصون يستمعون إلى صوت ملكهم ويرون شجاعته، فيقاتلون ببسالة نادرة ويدافعون عن أرضهم بكل ما يملكون من قوة. فكان المشهد يفيض بالبطولة والتضحية؛ إذ كان الجنود يرفعون رفاقهم الجرحى والمصابين على أكتافهم ويحملونهم إلى ا

  • سيد الرماد والضوء   122

    في قلب هذا الجحيم المتفجر بالصواعق والنيران السوداء، كان الملك "مرنبتاح" يقاتل ببسالة أسطورية نادرة تليق بوارث عرش رمسيس الثاني. لم يكن يقف في الخلف يحتمي بحراسه، بل كان في طليعة فيالقه وسط جنوده، يقود عجلته الحربية التي تحطم جزء من خشبها.كان سيفه الذهبي الطويل يلمع بدماء الأعداء والوحوش تحت ضوء البرق المتساقط، واندفع بشجاعة نحو سبع ظلامي عملاق كان يمزق صفوف الرماة. وبحركة عسكرية دقيقة وسريعة، ضرب الملك بسيفه ليقطع أرجل السبع المدخن، ومجرد أن سقط الوحش يزأر من الألم، قفز مرنبتاح بخفة فوق ظهره وطعنه بسيفه طعنة قاتلة في عمق عنقه حتى تحول الوحش إلى رماد أسود متطاير.كان الدم يغطي وجه الملك ويمتزج بعرق جباهه، وكان يصرخ بأعلى صوته ليثبت قلوب جنوده ويقودهم وسط الموت:"لن تمروا من فوق أجسادنا! مصر لن تسقط أبداً طالما فينا عرق ينبض بالحياة! ثبتوا صفوفكم يا حماة الوادي!"كان جنوده المخلصون يستمعون إلى صوت ملكهم ويرون شجاعته، فيقاتلون ببسالة نادرة ويدافعون عن أرضهم بكل ما يملكون من قوة. فكان المشهد يفيض بالبطولة والتضحية؛ إذ كان الجنود يرفعون رفاقهم الجرحى والمصابين على أكتافهم ويحملونهم إلى ا

  • سيد الرماد والضوء   121

    ولكن... وفي اللحظة التي كانت فيها رايات النصر المصرية تستعد للارتفاع، حدث شيء مرعب غير متوقع قلب الموازين بالكامل واشتعلت معه السماء.تحولت الغيوم الداكنة فجأة إلى لون أحمر ناري، وبدأت السماء تمطر شهباً وصواعق، واهتزت الأرض اهتزازاً عنيفاً كاد يسقط الخيل والجنود أرضاً. ومن بين الغبار والظلام على قمم التلال البعيدة، ظهر الكيان الشرري "بعل" علناً وبكامل هيئته المخيفة أمام أعين الجميع.كان عملاقاً هائلاً، ضخماً كالجبل، يخطو خطوات ثقيلة ومخيفة فوق التلال، وكان جسده الأسود يدور من حوله إعصار عظيم من العواصف الرعدية والرياح الباردة، وعيناه الزرقاوان الكبيرتان تحترقان بنار كونية مرعبة تنشر الخوف في النفوس. رفع بعل يده الضخمة نحو السماء، فانفجرت صواعق البرق العنيفة من بين الغيوم، وهبطت تضرب مباشرة صفوف الجنود المصريين بدقة، وتقتل وتصيب العشرات منهم في لحظة واحدة، وتحول عجلاتهم الحربية إلى حطام محترق.صاح بعل بصوت مرعب ومزلزل يرج الكون كله وتتحطم معه الصخور:"كفى! أنا بعل... سيد العواصف والرعد ومقيد البشر! لن تسقط جيوشي وممالكي أمام حثالة من البشر الفانين! سأبيدكم جميعاً وأحرق نيلكم!"كانت الق

  • سيد الرماد والضوء   120

    كان الجنود المصريون في تلك الساعة يقاتلون ببسالة أسطورية نادرة، ويستلهمون روح الشجاعة من ذكرى فرعونهم الراحل رمسيس الثاني. لم يكن الخوف يعرف طريقاً إلى قلوبهم؛ فكان المشهد يفيض بالتضحية والبطولة التي تدمع لها العيون.كان أحد الجنود المصريين يرى زميله ومصابه يسقط على الأرض جريحاً ينزف، فلم يتركه ليموت، بل كان يندفع وسط السيوف ويحمل زميله على كتفه بقوة، ويواصل القتال بيده الأخرى بكل شجاعة. وكان جندي آخر يقفز بخفة فوق جثث القتلى ليطعن قائداً من الأعداء في ظهره ويحمي ظهر رفاقه.ولكن، ورغم هذه البسالة المصرية العظيمة، كان جيش الملك أدنوك عدده هائلاً جداً ويفوقهم بمقدار الضعف، وبدأت الكثرة الغالبة تضغط على الصفوف الأمامية للمصريين. والأمر الأكثر خطورة هو أن الوحوش الظلامية والمخيفة التي أرسلها بعل — تلك السباع السوداء العملاقة المصنوعة من الدخان والطيور الظلالية ذات المخالب الحادة — بدأت تشن هجوماً شرساً ومنظماً على الجنود.كانت هذه الوحوش تندفع وسط الغبار، وتمزق أجساد الجنود المصريين بمخالبها القاطعة وتلقي بهم في الهواء بعنف شديد. بدأ الرعب ينتشر قاطوعاً بين بعض الفصائل جراء هذا السحر الأس

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status