Share

١٣

Author: Ahmed Habib
last update publish date: 2026-06-14 06:10:11

استقرت عاصفة الأثير الأرجوانية أخيراً، لكنها تركت في جدران بهو "بو باستيس" تصدعات عميقة تنبثق منها طاقة باردة قادمة من بوابات "الدوات" السبعة المخترقة. وقف الأمير "خع إم واست" في مركز البهو يتنفس ببطء وثبات يحمل في طياته قوة الآلهة التي انتزعها للتو. لم يعد الأمير الشاب بشرًا عاديًا؛ إذ بدأت هالة من النور القرمزي والأزرق المتداخل تشع من أطراف جسده المفتول، وعيناه الفرعونيتان الحادتان باتتا تعكسان مسارات النجوم البعيدة وحركة الكواكب الأوليّة، كأنه صار الوعاء الحي لعلوم إله الحكمة "تحوت". كان يقبض على البردي الأسطوري المشع الذي سكنت حروفه السائلة الآن، وصارت تنبض بانتظام متناغم مع نبضات قلبه الجسور.

على الجانب الآخر من الطاولة الحجرية، كانت الساحرة الغامضة "تابوبو" تتكئ بجسدها الممشوق على أحد الأعمدة المتصدعة، وأنفاسها لاهفة متسارعة أفرزت حبات عرق دافئة امتزجت بعطرها النفاذ الآسر من المر والمسك الأسود النادر. تحركت بنعومة دلالية تسرق الألباب، وتمايل خصرها النحيل بانسيابية قاتلة جعلت ثوبها الحريري الأسود الشفاف يتدلى برقة بالغة مبرزاً مفاتن قوامها المصري الفاتن ومفاتن جسدها المثير إلى أبعد حد، وهي تنظر إلى خع إم واست بنظرة شغف حارة تفيض بالحماس اللاهب والتحدي المكتوم؛ فبرغم أنها لم تنل عهده المكتوب بالشهوة في مضجعها، إلا أنها نجحت في ربط روحه بروحها عبر شبكة أثيرية لا تفصم، جاعلة من نفسها الجزء المتمم لقوته الجديدة.

"لقد حزت الخلود الذي لم ينله ملوك قبلك يا ابن رمسيس،" همست تابوبو بنبرة صوت رخيمة تذوب عذوبة وإثارة، وتقدمت ببطء حتى كادت أنفاسها الساخنة تلامس وجنته البرونزية، مادّة يدها الناعمة ذات الأظافر القرمزية الساخنة لتمررها بدلال فوق معصمه الصلب. "لكن تذكر دائمًا.. شفرات الكون التي تحرك الجبال وتطوع أثير الموت باتت مرتبطة بنبضي. كلما استخدمت سطرًا من سطور الكتاب، كلما ناداك عطر محرابي وجذبتك غوايتي لتكتمل القرابين. اذهب الآن إلى معابد منف وطهرها، لكنك ستعود إليّ مدفوعًا بحماس الرغبة العارمة التي لا يطفئها سوى عناقي الأبدي."

لم ينحنِ خع إم واست لوعيدها المبطن بالغواية الحميمية الطاغية؛ بل تجلى كبرياؤه وقوته العقلية الفائقة، فثبت نظرته الحاسمة في عينيها الواسعتين المكحلتين بسواد الليل، مستدعيًا طيف الكاهنة الجميلة "تفنوت" وعشقها الجارف الخالص الذي ظل ينبض في وجدانه كحصن روحي أخير يحميه من الغرق الكامل في محيط السحر الأسود. وبحركة خاطفة ومباغتة، أدار عباءته الجلدية الثقيلة لتغطي صدره المفتول، والتف بكامل قامته المهيبة خطوًا نحو المخرج، منطلقًا بخطوات واسعة وعنيفة نحو عربته الحربية؛ فالأحداث المتسارعة تفرض عليه العودة الفورية إلى منف قبل أن ترتد طاقة الفناء على معبده الطاهر، لتبدأ الفصول الأكثر حسمًا ومواجهة في ملحمته الكبرى. اعتلى الأمير "خع إم واست" متن عربته الحربية الفخمة بكامل عنفوانه وجسارته الملكية، فقبض بيده اليسرى القوية على الأعنّة الجِلدية، بينما كانت يده اليمنى تضغط بحسم على "كتاب تحوت" المستقر خلف درعه. التفت بكامل وسامته الطاغية ونظر نظرة أخيرة نحو معبد "بو باستيس" الذي بات يلفه ضباب أرجواني كثيف، ثم أطلق صيحة جهورية حازمة هزت أركان الليل المتأخر، لتندفع الجياد الملكية المفتولة العضلات بسرعة جنونية خارقة، مخترقة الفضاء الأثيري المشبع بالطاقة المرتدة. كانت عجلات العربة البرونزية تطلق شرراً قرمزياً صاخباً كلما لامست حجر الطريق، وكأنها لا تسير فوق أرض مصر الصلبة، بل تعبر جسراً لامرئياً شُق بين عالم الأحياء وغياهب "الدوات".

كانت الأحداث تتسارع من حوله بشكل مذهل، والهواء اللافح يضرب صدره العريض وعباءته الجلدية التي تطايرت خلفه كأجنحة عقاب كاسر. شعر الأمير بنبضات الطاقة الجديدة تسري في شرايينه وفق ترتيلة الترحال الملعونة التي نُقشت بأحرف مقلوبة تتشابك فيها الأفاعي بالأجنحة، وراحت الكلمات السحرية تتردد في ذهنه كطلسم قديم يقول:

"يا عابر حجب الأثير وممزق خيوط الزمن، احبس أنفاس الأرض تحت وطأة عجلاتك، واجعل من غبار ركضك ستاراً يحجب روحك عن عيون حراس العالم السفلي، حتى تبلغ الملاذ الموعود قبل انطفاء النجم الأسود."

ومع كل ميل يقطعه نحو "منف"، كان يرى بعينيه الساحرتين خيوط السحر الأسود وهي تتأرجح في الأفق، محاولةً عرقلة مساره بتوجيه من أرواح الفراعنة الغاضبين الذين أقلق راحتهم في قبورهم السحيقة. لكن كبرياءه وقوته العقلية الفائقة كانا له بالمرصاد؛ فكان يتلو شفرات الحماية بصوت رخيم وثابت، ليمزق حجب الظلام واحداً تلو الآخر، ويهز جنبات الوادي بوهج نوره الملكي المباغت.

في تلك الثواني المستعرة بالحماس والإثارة اللاهبة، لم يكن وعيه لينفصل عن الكاهنة الجميلة "تفنوت"؛ إذ كان يشعر بجسدها الممشوق البعيد وهو يرتعش في محراب منف، ويستقبل تموجات عشقها الجارف الخالص كدرع واقٍ يصد عنه رذاذ عطر الساحرة "تابوبو" الذي لا يزال عالقاً بأطراف ثوبه الشفاف. كان هذا الجذب الأنثوي المزدوج—بين طهر تفنوت وغواية تابوبو الحميمية الطاغية—يُلهب حماسه العارم ويزيد من سرعة اندفاعه، مستعداً لمواجهة العواقب الكبرى التي بدأت تلوح في أفق منف، حيث ينتظره الفصل الأكثر خطورة وشهوة في الملحمة الأسطورية.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • سيد الرماد والضوء   165

    انصرف الأمير "سى اوزير" من قاعة المشورة بخطوات متباطئة، مثقلة بعبء الكلمات التي نطق بها أمام والده وعمه. كان يترك خلفه نظراتهما المتفحصة ليغرق مجدداً في دوامة أفكاره، بينما اتجه قلبه وعقله نحو المهام الكهنوتية التي تنتظره في أروقة معبد "بتاح"، في محاولةٍ يائسة لاستعادة توازنه المفقود. على الجانب الآخر، لم تجد الأميرة "تفنوت" أيّ وسيلة للهدوء بعد لقائها المريب مع "أناتيرا". كانت تمشي في الممرات الفسيحة، وقد تلبّستها حالة من اليقظة الشديدة التي لا تفارق الكاهنات اللواتي خبرن أسرار الغيب. بمجرد أن رأت زوجها "خع إم واست" في جناحه الخاص، يراجع بعض اللفائف البردية التي تخص طقوس الحماية الكبرى، دخلت عليه بملامح تنبئ بأن في صدرها حديثاً لا يحتمل التأجيل. اقتربت منه، ووضعت يدها على اللفيفة التي كان يقرؤها، وقالت بصوت خافت لكنه مشحون بالإصرار: "يا زوجي، لا تظن أنني جئت لأشغل وقتك بحديث العيد وما جرى فيه. قلبي لا يزال يرتجف، وهناك شعورٌ بارد يغلف روحي كلما اقتربتُ من تلك الفتاة الشمالية. لقد طلبتُ من الكاهن 'حور-محب' أن يراقبها، لكنني أعلم أن هذا لا يكفي. أنت يا خع إم واست، تمتلك من القدرات م

  • سيد الرماد والضوء   164

    بينما كانت "تفنوت" تعود إلى جناحها الخاص، كان شعورٌ بارد كأنه وخز إبر جليدية يتسرب إلى عظامها. لم يكن قلقاً عادياً، بل كان شعوراً بالانزعاج من "الكمال". توقفت عند إحدى المرايا البرونزية الكبيرة ونظرت إلى انعكاس صورتها، ثم همست لنفسها: "الكمالُ في الطبيعة البشرية مستحيل.. لا أحد يولد بكل هذا التوازن، ولا أحد يمتلك هذا الهدوء الذي يطغى على الفوضى المحيطة به". كانت تشعر بأن أناتيرا مثل تمثالٍ منحوتٍ بدقة متناهية، خاوٍ من العيوب التي تجعل البشر بشراً. هذا "الكمال" في ملامح الفتاة، في ردودها، في حركاتها، كان هو نفسه الفخ الذي يثير الريبة في قلب أمٍ خبرت دهاليز القصور. بمجرد وصولها، استدعت الكاهن الأكبر "حور-محب"، الرجل الذي أفنى عمره في تتبع حركات النجوم وتحليل الطاقات الغامضة. جلست تفنوت على مقعدها المذهب، وقالت بصوت خافت لم يخلُ من الحدة: "يا حور-محب، عيني لا تخطئ، لكن قلبي يرفض أن يصدق ما أراه. تلك الفتاة.. الشمالية.. ليست كما تبدو. هناك هدوء يحيط بها وكأنها تعيش في عالمٍ موازٍ لعالمنا. لا أريد تهمةً باطلة، ولا أريد ظلماً، لكنني أريدك أن تضعها تحت نظرك. أريد رقابةً لا تُشعرها بأنها مُ

  • سيد الرماد والضوء   163

    مع بزوغ شمس اليوم التالي، انقشع صخب احتفالات الأوبت الذي ملأ آفاق طيبة لأيام، وعادت الحياة إلى وتيرتها المعهودة داخل جدران المعبد الكرنكي العتيق. خفت أصوات الترانيم، وأُعيدت التماثيل المقدسة إلى مقصوراتها، وانصرف الكهنة والطلاب إلى واجباتهم اليومية المعتادة بين البرديات وأدوات التطهير. كان الصمت الذي حلّ في أرجاء المعبد ثقيلاً، مشحوناً بتفاصيل الليلة السابقة التي تركت في نفس سى اوزير شرخاً لا يندمل، وفي نفس "عنات" نيران رغبة لا تطفئها إلا السيطرة المطلقة. كانت الأميرة تفنوت، بحدسها الأمومي الفذ ونظراتها التي كانت تسبر أغوار النفوس، قد قررت أن هذا هو الوقت الأمثل للقيام بخطوتها التي خططت لها في مجلس العائلة. كانت تعلم أن قلب ابنها سى اوزير قد سُرق، وأن الخطر يكمن في عدم معرفة هوية السارق. وبينما كانت "أناتيرا" تسير في أروقة حديقة المعبد، تلملم زهور اللوتس التي تساقطت من إكليل العيد، اعترضت طريقها تفنوت بخطواتها الوئيدة التي تفوح منها رائحة البخور الممزوجة بالوقار الملكي. تفنوت (بابتسامة هادئة ورقيقة، تخفي خلفها تيقظاً حاداً): "صباحكِ مبارك يا ابنتي أناتيرا. أرى أن العيد قد انتهى، ول

  • سيد الرماد والضوء   163

    مع بزوغ شمس اليوم التالي، انقشع صخب احتفالات الأوبت الذي ملأ آفاق طيبة لأيام، وعادت الحياة إلى وتيرتها المعهودة داخل جدران المعبد الكرنكي العتيق. خفت أصوات الترانيم، وأُعيدت التماثيل المقدسة إلى مقصوراتها، وانصرف الكهنة والطلاب إلى واجباتهم اليومية المعتادة بين البرديات وأدوات التطهير. كان الصمت الذي حلّ في أرجاء المعبد ثقيلاً، مشحوناً بتفاصيل الليلة السابقة التي تركت في نفس سى اوزير شرخاً لا يندمل، وفي نفس "عنات" نيران رغبة لا تطفئها إلا السيطرة المطلقة. كانت الأميرة تفنوت، بحدسها الأمومي الفذ ونظراتها التي كانت تسبر أغوار النفوس، قد قررت أن هذا هو الوقت الأمثل للقيام بخطوتها التي خططت لها في مجلس العائلة. كانت تعلم أن قلب ابنها سى اوزير قد سُرق، وأن الخطر يكمن في عدم معرفة هوية السارق. وبينما كانت "أناتيرا" تسير في أروقة حديقة المعبد، تلملم زهور اللوتس التي تساقطت من إكليل العيد، اعترضت طريقها تفنوت بخطواتها الوئيدة التي تفوح منها رائحة البخور الممزوجة بالوقار الملكي. تفنوت (بابتسامة هادئة ورقيقة، تخفي خلفها تيقظاً حاداً): "صباحكِ مبارك يا ابنتي أناتيرا. أرى أن العيد قد انتهى، ول

  • سيد الرماد والضوء   162

    انقضت أيام عيد الأوبت العظيمة، وهدأت صخب الطبول التي كانت تزلزل ساحات طيبة، وغابت الأضواء الذهبية التي زينت معبد الأقصر لتترك المكان تحت ظلال الهدوء المهيب. في تلك اللحظات الأخيرة من الاحتفال، كان الشعب يعود إلى دياره مشحوناً بالبركة، بينما كانت النخبة الكهنوتية والأمراء يلملمون شتات أنفسهم بعد طقوس استنزفت الكثير من الطاقات الروحية والبدنية. في غرفتها الخاصة، كانت أناتيرا -الإلهة عنات- تقف أمام نافذتها المطلة على النيل، تخلع أثوابها المطرزة بالذهب الواحدة تلو الأخرى، لتكشف عن جسد يتوهج في عتمة الغرفة بجمال لا يمت للبشر بصلة. لم تكن الابتسامة التي تعلو شفتيها ابتسامة فتاة مغرمة، بل كانت بسمة صياد محترف يرى فريسته قد اقتربت من السقوط في الفخ. شعرت بأن قناع "الفتاة الرقيقة المستضعفة" قد أدى غرضه، لكنها أدركت أيضاً أن الأمير "سى اوزير" ليس صيداً سهلاً؛ فهو يملك عقلية حصينة وإرادة فولاذية تستمد قوتها من تقاليد عائلته العريقة. "إنه يحاول أن يتظاهر بالقوة والتباعد،" همست لنفسها بصوت مسموع ملأ الغرفة ببرودة ثلجية. "يظن أن حصونه الأخلاقية ستحميه، لكنه لا يعلم أنني لست بحاجة إلى اقتحام أسوار

  • سيد الرماد والضوء   161

    شعر سى اوزير وكأنها تحاول استنزاف كل ما تبقى من طاقته. كانت كلماتها كالنسيم العليل الذي يفكك حصون قلبه، ورغم ردوده التي حاول أن يصبغها بصبغة الواجب، كان يرى في عينيها تحدياً لا يملك إلا أن يحترمه. التفت بعيداً، نحو تمثال آمون العظيم الذي ينتصب في وسط الفناء، محاولاً الاستنجاد بالصمت الأبدي للآلهة. "إلهي.. امنحني القوة لأظل على ثباتي،" تمتم في سره. ثم التفت إليها، وبذل جهداً جباراً لتبدو ملامحه خالية من أي إحساس، وقال بلهجة آمرة، لكنها مليئة بالشفقة التي لم يستطع إخفاءها: "الزمن ليس وسيلة للإثبات، بل هو امتحانٌ للصبر. إن رغبتِ في الانتظار، فهذا شأنك، ولكن لا تتوقعي مني أن أترك مسار حياتي لأجل أوهامٍ قد تكون عابرة. إن احتفالات الأوبت تتطلب حضوراً لائقاً وانضباطاً في السلوك، لا وقوفاً لتبادل الكلمات التي تزيد النفس حيرة. غداً، في محراب المعبد، سيكون لنا حديثٌ آخر حول دروسكِ، بعيداً عن صخب المهرجانات. انصرفي الآن إلى حيث يُطلب منكِ الوقوف، فهذا هو الأنسب لكِ وللمعبد." كان سي اوزير لايفهم بعد ماهى حقيقة مابداخله هل هو عشق ام مجرد شهوة جسديه لاحقته منذ ان راها عاريه تسبح في النيل فكان يدرك

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status