مشاركة

٢

last update تاريخ النشر: 2026-07-03 03:18:03

الفصل الثاني — العائد من الضباب

"هناك أشخاص لا يطرقون أبواب حياتنا… بل يقتحمونها كما تفعل العواصف."

تجمد الدم في عروق إيلي.

وكأن الزمن توقف للحظة.

إيثان؟

عاد؟

ذلك الاسم وحده كان كافيًا ليبعثر كل ما حاولت ترتيبه داخلها طوال السنوات الماضية.

رفعت عينيها نحو والدها بسرعة.

كان فيليب يراقبها بصمت، وكأنه كان ينتظر تلك اللحظة منذ زمن.

"أنت كنت تعلم…"

خرج صوتها مرتجفًا.

لكن فيليب لم يجب.

فقط أغمض عينيه للحظة، وكأن التعب أثقل روحه أكثر من جسده.

ازدادت الطرقات في الأسفل.

وصوت الخدم يتردد في أرجاء القصر.

شعرت إيلي بأن الجدران تضيق حولها.

لا…

لم تكن مستعدة.

ليس الآن.

ليس بعد كل هذه السنوات.

التفتت نحو الباب بخطوات مترددة، لكن قلبها كان يركض بعنف داخل صدرها.

كيف سيبدو الآن؟

هل تغير؟

هل ما زال يحمل تلك النظرة التي كانت تربكها؟

وهل يجرؤ على العودة بعد أن اختفى دون كلمة؟

اشتعل الغضب داخلها.

غضب قديم، ممزوج بشيء آخر…

شيء أكثر وجعًا.

هبطت السلالم الطويلة بسرعة، وثوبها الحريري الأبيض ينساب خلفها كضوء باهت في القصر المعتم.

كانت أنفاسها متسارعة.

وفي الأسفل…

وقف هو.

عند المدخل الكبير.

بمعطف أسود طويل تغطى أطرافه بقطرات المطر، وشعره الأسود المبتل كان مبعثرًا فوق جبينه.

كان أطول مما تتذكر.

أكثر صلابة.

أكثر رجولة.

لكن عينيه…

تلك العينان البندقيتان…

ما زالتا كما هما.

تلك النظرة التي كانت دائمًا تشعرها بأنه يرى ما وراءها.

توقفت على بعد خطوات.

حدقت به.

حدق بها.

وصمت.

ذلك النوع من الصمت الذي يختصر سنوات كاملة.

رأى وجهها.

كبرت.

لكنها ما زالت تحمل نفس البراءة المرهقة، ونفس الضوء الذي كان يطارده حتى في غربته.

ابتلع ريقه بصعوبة.

لقد اشتاق.

أكثر مما اعترف لنفسه.

قال أخيرًا بصوت أجش:

"إيلي."

ارتجف قلبها.

كرهت نفسها لأنها ارتجفت.

رفعت ذقنها بحدة.

"لا تناديني هكذا."

تصلب فكه.

كان يعرف أن هذا سيحدث.

لكن سماع برودها كان أشد قسوة مما تخيل.

أخذ خطوة نحوها.

تراجعت فورًا.

توقفت عيناه عند حركتها.

شيء مؤلم عبر وجهه.

"مر وقت طويل."

ضحكت بسخرية باردة.

"حقًا؟ لم ألاحظ."

تساقط المطر خلفه بغزارة.

وصوت الرياح زاد حدة.

كأن الطبيعة نفسها تراقب هذا اللقاء.

رفع نظره إليها ببطء.

"كنت مضطرًا للرحيل."

اشتعلت عيناها.

"ومن طلب تفسيرك؟"

اقترب أكثر.

هذه المرة لم تتراجع.

كان بينهما أقل من خطوة.

قريبًا جدًا…

حتى أنها استطاعت شم رائحة المطر والبرد عليه.

وذلك العطر الخافت الذي كانت تحفظه جيدًا.

لعنته داخلها.

كيف ما زالت تتذكره؟

قال بهدوء:

"كبرتِ."

رفعت حاجبها.

"وأنت ما زلت وقحًا."

لأول مرة…

ابتسم.

ابتسامة صغيرة أربكتها أكثر مما ينبغي.

كان ذلك غير عادل.

كيف يعود بعد كل هذا، ويبتسم وكأن شيئًا لم يحدث؟

وقبل أن تتكلم—

جاء صوت سعال قوي من الأعلى.

التفتا معًا.

فيليب.

كان يقف متعبًا أعلى السلم.

لكن وجهه حمل ارتياحًا غريبًا حين رأى إيثان.

صعد إيثان فورًا نحوه.

"عمي."

احتضنه بحذر.

راقبته إيلي بصمت.

شيء ما انقبض داخلها.

كيف عاد مباشرة إليه؟

وكأنه لم يغادرهم أصلًا.

رفع فيليب يده على كتف إيثان وقال بصوت متعب:

"أخيرًا عدت."

ثم نظر بينهما.

وفي عينيه سر ثقيل.

"الليلة… سنبدأ من جديد."

لم تفهم إيلي قصده.

لكنها شعرت بالخطر.

ليس خطرًا واضحًا…

بل ذلك النوع من الخطر الذي يبدأ داخل القلب.

لأن وجود إيثان هنا…

يعني أن كل ما دفنته…

سيعود للحياة.

استمر في قراءة هذا الكتاب مجانا
امسح الكود لتنزيل التطبيق

أحدث فصل

  • سيدة القصر    ٣٠

    الفصل الثلاثون — رسائل لا يكتبها الموتى"أخطر الرسائل... ليست تلك التي تحمل تهديدًا، بل التي تثبت أن صاحبها يعرف عنك أكثر مما تعرفه عن نفسك."ساد الصمت داخل الغرفة الدائرية.بقي الظرف الأبيض بين يدي إيلي.لم تستطع أن تبعد عينيها عن اسمها المكتوب بخط أسود أنيق.كان الخط مألوفًا...باردًا...وواثقًا.كأن صاحبه لم يكن يكتب رسالة...بل يصدر حكمًا.قال إيثان بهدوء:"لا تفتحيه."رفعت نظرها إليه."لماذا؟"اقترب منها.أخذ الظرف بحذر.قلبه بين أصابعه.ثم مرر إبهامه على حافته.ابتسم ابتسامة خفيفة."لأنه يريدك أن تفتحيه فورًا."قطبت حاجبيها."لا أفهم."قال وهو يناول الظرف إلى آدم:"في الحرب...""...كل ما يريده خصمك أولًا...""...هو أول شيء يجب أن تؤجله."نظر آدم إلى الظرف طويلًا.ثم أومأ موافقًا."إيثان محق."تنهدت إيلي.رغم فضولها الذي كان يكاد يمزقها...وافقت."حسنًا."لكنها لم تكن تعلم...أن تأجيل فتح الرسالة لن يمنعها من تغيير كل شيء.---خرج الثلاثة من الممر السري.كانت الأنفاق أكثر هدوءًا الآن.لكن رائحة الدخان ازدادت وضوحًا.توقف إيثان فجأة.رفع يده.إشارة اعتاد بيتر فهمها في المهمات القد

  • سيدة القصر    ٢٩

    الفصل التاسع والعشرون — الرجل الذي عاش بين الظلال"أحيانًا... أكثر الناس إخلاصًا هم أول من تتهمهم."ظل آدم واقفًا عند مدخل الممر الحجري.لم يتحرك.ولم يحاول الاقتراب.كان يحمل الفانوس القديم بيده اليمنى، بينما بقيت اليسرى داخل معطفه الطويل.انعكس ضوء اللهب على وجهه الهادئ.وجه رجل تجاوز الخمسين بقليل.خطوط الزمن حفرت ملامحه، لكن عينيه...كانتا ثابتتين بصورة غريبة.رفع إيثان مسدسه نحوه دون تردد."لا تتحرك."ابتسم آدم ابتسامة هادئة."لو أردت إيذاءكما..."رفع يديه ببطء."...لكنت أغلقت الباب مرة أخرى."ساد الصمت.لم يُنزل إيثان سلاحه.قال ببرود:"كيف عرفت هذا المكان؟"تنهد آدم.ونظر حوله وكأنه يعود بذاكرته سنوات طويلة."لأنني آخر من أغلق هذا الباب."تجمدت إيلي.رمشت عدة مرات."ماذا تقصد؟"رفع بصره إليها.وكانت نظرته مختلفة تمامًا عن نظرات البستاني البسيط الذي عرفته طوال حياتها.قال بصوت منخفض:"أنا من دفن أسرار والدتك."---تقدمت إيلي خطوة."أنت تكذب."هز رأسه بهدوء."أتمنى لو كنت أفعل."أخرج من جيبه شيئًا صغيرًا.قطعة فضية قديمة.علقها في الهواء بين أصابعه.شهقت إيلي.عرفتها فورًا.كانت

  • سيدة القصر    ٢٨

    الفصل الثامن والعشرون — عندما يختار القلب"أخطر الحروب... هي تلك التي تبدأ داخل القلب، قبل أن تبدأ بين البنادق."لم ينم أحد في القصر تلك الليلة.كان المطر يضرب النوافذ الزجاجية بعنف، والرياح تعصف بين أشجار الحديقة حتى بدا المكان كله وكأنه يئن من ثقل الأسرار التي يحملها.أما داخل جناح إيثان...فكان الصمت سيد الموقف.جلس على حافة السرير بعد أن غادر الطبيب، محاولًا تحريك كتفه بحذر.الألم كان شديدًا، لكنه اعتاد تجاهله.الأصعب من الألم...كان التفكير.نظر إلى الصورة التي تركها المجهول.إيلي تمسك بيده.وكأن شخصًا كان يقف يراقبهما من خلف الزجاج طوال الوقت.قبض على الصورة حتى تجعدت أطرافها.همس لنفسه:"إذن... يوجد واحد منهم داخل القصر."طرق الباب.دخل بيتر.أغلق الباب خلفه.ثم ألقى ملفًا فوق الطاولة.قال:"راجعت أسماء جميع العاملين."رفع إيثان رأسه."وجدت شيئًا؟"فتح بيتر الملف."ثلاثة خدم التحقوا بالقصر خلال السنوات الخمس الأخيرة.""لكن واحدًا منهم فقط...""...لا نعرف شيئًا عن ماضيه."نظر إليه إيثان باهتمام."اسمه؟"قلب بيتر الصفحة."آدم."انعقد حاجبا إيثان."البستاني؟"أومأ بيتر."كل أوراقه

  • سيدة القصر    ٢٧

    الفصل السابع والعشرون — حين يخاف القلب"أقسى اللحظات... ليست حين يقترب الموت منك، بل حين تراه يقترب ممن تحب."لم تتوقف الطلقات إلا بعد دقائق بدت للجميع كأنها عمر كامل.اختبأ بيتر خلف شاهد قبر رخامي، وردّ بإطلاق النار في اتجاه الأشجار الكثيفة التي خرجت منها الطلقة الأولى.أما فيليب، فاندفع مع اثنين من الحراس نحو الجهة اليمنى من المقبرة، محاولًا تطويق المهاجم.لكن المهاجمين كانوا يعرفون المكان جيدًا.اختفوا بين الضباب كما لو أنهم جزء منه.وسط كل ذلك...لم تكن إيلي تسمع شيئًا.لا الطلقات.ولا صرخات الحراس.ولا أوامر بيتر.كل ما كانت تسمعه...هو أنفاس إيثان المتقطعة.كان مستلقيًا على الأرض، ويده ما زالت تحيط بخصرها، كأنه حتى وهو مصاب، يرفض أن يتركها.وضعت يدها على كتفه.فامتلأت أصابعها بالدم.ارتجفت."إيثان..."فتح عينيه بصعوبة.حاول أن يبتسم.لكن الألم كان أقوى.قال بصوت خافت:"هل أصابك شيء؟"نظرت إليه غير مصدقة.كان هو من ينزف...ومع ذلك كان أول سؤال سأله عنها.هزت رأسها بسرعة."أنا بخير..."ثم أضافت وهي تكاد تبكي:"...لكن أنت لست بخير."اقترب الطبيب الذي كان يرافق الحراس.شق القماش حول

  • سيدة القصر    ٢٦

    الفصل السادس والعشرون — تحت تمثال الملاك"بعض القبور لا تخفي الموتى... بل تخفي الحقيقة."لم يغمض لإيثان جفن طوال الليل.ظل الزر الأسود بين أصابعه، يقلبه مرة بعد أخرى، بينما تتردد في ذهنه كلمات جورج الأخيرة."ابحثوا تحت تمثال الملاك."ومع أول ضوء للفجر...كانت عربة القصر تشق طريقها نحو المقبرة القديمة الواقعة خلف الغابة.داخل العربة، جلس فيليب صامتًا.وبجواره بيتر يقلب دفتر جورج من جديد.أما إيلي...فجلست قبالة إيثان.كانت تنظر من النافذة، لكن انعكاس صورته على الزجاج كان يفضح أنها تراقبه منذ دقائق.لاحظ ذلك.ابتسم ابتسامة صغيرة."ماذا؟"ارتبكت."لا شيء."رفع حاجبه."تعلمت الكذب."ابتسمت لأول مرة منذ أيام."وتعلمت أنت اكتشافه."ساد بينهما صمت هادئ.ليس الصمت المليء بالغضب كما كان في البداية...بل صمت يعرف فيه كل منهما أن وجود الآخر يمنحه شيئًا من الطمأنينة.توقفت العربة.وصلوا.---كانت المقبرة مهجورة منذ سنوات.الأشجار الضخمة أحاطت بها من كل جانب.والضباب غطى شواهد القبور حتى بدت كأنها أشباح واقفة في انتظارهم.سار جورج أمامهم في دفتره بخطوات مرسومة على الورق.أشار بيتر إلى الصفحة."تمث

  • سيدة القصر    ٢٥

    الفصل الخامس والعشرون — الطريق الذي لا عودة منه"هناك لحظة يدرك فيها الإنسان أن حياته القديمة انتهت... حتى لو ظل قلبه يلتفت إليها كل يوم."شق الحصانان طريقهما وسط الغابة الكثيفة.كانت الأغصان تضرب وجهيهما، والضباب يتصاعد من بين الأشجار مع أولى ساعات الفجر.لم يتوقف إيثان عن النظر خلفه.كان يعلم أن جنود المملكة لن يتأخروا في ملاحقتهما.أما إيلي...فكانت تنظر إلى القصر الذي بدأ يختفي شيئًا فشيئًا بين الأشجار.شعرت أن جزءًا من روحها بقي هناك.مع والدها.ومع طفولتها.ومع كل الذكريات التي لم تعد تعرف إن كانت ستراها مرة أخرى.همست بصوت مكسور:"تركته وحده."نظر إليها إيثان.لم يجب مباشرة.ترك الصمت يهدأ قليلًا.ثم قال:"هو من اختار ذلك."أغمضت عينيها."لكنني ابنته."اقترب بحصانه منها.حتى أصبحت ركبتاهما تكادان تتلامسان.وقال بهدوء:"وأنت أيضًا أمله الأخير."نظرت إليه.كانت عيناه متعبتين.لكنهما ثابتتان."لو بقيتِ...""لانتهت عائلة مونتغمري اليوم."سكت لحظة.ثم أكمل:"أما الآن...""فلديها فرصة."خفضت رأسها.كانت تعلم أنه محق.لكن الحقيقة لم تجعل الألم أقل.---بعد ساعتين من السير...وصلا إلى

فصول أخرى
استكشاف وقراءة روايات جيدة مجانية
الوصول المجاني إلى عدد كبير من الروايات الجيدة على تطبيق GoodNovel. تنزيل الكتب التي تحبها وقراءتها كلما وأينما أردت
اقرأ الكتب مجانا في التطبيق
امسح الكود للقراءة على التطبيق
DMCA.com Protection Status