Home / الرومانسية / ظل بارد / البارت الثمانون

Share

البارت الثمانون

Author: Faten Aly
last update publish date: 2026-06-21 12:27:45

كان الليل قد ألقى بثقله الداكن على الجميع، وساد وجومٌ رصاصي كأن لكل قلبٍ منهم ليلًا خاصًا به، ليلًا أشد عتمة وأطول مدى من الليل نفسه، تنمحي فيه المظاهر وتتعرى أمام مرآته الضمائر والسرائر.

كانت تجلس بمفردها في ركن غرفتها، وساقاها مَضومتان إلى صدرها، تحدق في الفراغ الساكن بينما الأفكار تتشابك في عقلها كخيوطٍ معقدة أفسدها كثرة الشد. اسم أمجد يمرّ في خاطرها كثيرًا هذه الأيام، يتردد كأغنية قديمة دافئة، يطرق بوابات قلبها المتعبة بهدوءٍ عنيد لا يكل ولا يمل.

قلبها ما زال يدق له، بل إن دقاته تزداد تلا
Continue to read this book for free
Scan code to download App
Locked Chapter

Latest chapter

  • ظل بارد    البارت الثانى والتسعون

    في اليوم التالي، دلف يزن من الباب الخارجي في الموعد المحدد تمامًا، والترقب ينهش صدره. كان أمجد يجلس في الصالة بوقاره المعهود، وما إن وقعت عيناه على يزن حتى ابتسم له ابتسامة أبوية هادئة، وأشار برأسه نحو الممر الداخلي قائلًا بنبرة رجولية دافئة - ادخل يا حبيبى.. ماما ليلى مستنياك جوة في أوضتها . خطا يزن خطواته بقلبٍ يخفق، ودلف إلى الغرفة بخفة؛ ليجد ليلى تجلس فوق الفراش الدافئ، محاطة بمجموعة من الأوراق الرسمية المنسقة، وإلى جوارها صندوق خشبي مخملي قديم ينبعث منه عطر عتيق. لكن ما خطف أنفاسه ولفت نظره بشدة، كانت تلك الصورة القريبة التي تمسكها ليلى بين كفيها بعناية وشغف... إنها صورة والدته الراحلة ندى، بوجهها البشوش النضر الذي لم يره سوى في الأحلام. رفعت ليلى عينيها الفاتنتين اللتين تلألأ فيهما الدمع، ونظرت إلى يزن بابتسامة رقيقة تذوب عذوبة، ثم وجهت نظرتها إلى الصورة وهمست بنبرة مخنوقة من فرط التأثر - تعالى يا يزن.. تعالى يا قلب خالتك. شفتِ يا ندى؟ شفتِ يزن كبر وبقى راجل وملو هدومه وبقى عريس زي الورد؟ أنا متأكدة يا حبيبتي إنك حاسة بينا الليلة دي، ومبسوطة وطايرة من الفرحة عشانه في مكانك.

  • ظل بارد    البارت الحادى والتسعون

    مضت السنوات، وتوالت الفصول لتدور عجلة الزمن وتضع كل ذي حقّ في مكانه الصحيح، ولتثبت الأيام أن غراس القلوب لا تثمر إلا بما سُقيت به؛ فمن زرع الجفاء حصد الخيبة، ومن تمسّك بالوفاء نال السكينة والعوض. في تلك الشقة التي طالما ضجّت بالصخب وبُنيت جدرانها على التحكّم، صار أيمن يدلف إليها كل ليلة مستسلمًا لصمتٍ موحش كفن أرواق عمره. صار وحيدًا، منكسرًا، يعاقره الندم على ما فرّط في شبابه وفي حق أخت ليلى الراحلة. استبد به الحزن الثقيل بعدما رحلت والدته فاطمة؛ تلك المرأة التي قاست سكرات المرض الطويل وواجهت منيتها وحيدة، تلتفت يمنة ويسرة فلا تجد حول فراشها إلا الفراغ، لتموت في غرفتها معزولة عن دنيا طالما أرادت امتلاكها، تاركة لأيمن إرثًا مرًا من ذكريات بيته الخاوي، حتى غدا غريبًا بين جدرانه، حزينًا على ماضٍ لن يعود. أما سمر، فقد مضت في طريق الاختيارات التي ظنتها طوق نجاة، لتجد نفسها حبيسة زواجٍ بارد من رجلٍ عجوز طاعن في السن؛ رجل لم تشأ الاقتران به عن عاطفة بل كان مجرد صفقة لتأمين نفقات حياتها المادية ومتطلبات رفاهيتها. ورغم كل الأموال التي تحيط بها، كانت تشعر بفقر الروح، مدركة أن بريق الذهب لا يم

  • ظل بارد    البارت التسعون

    بين حُطام العواصف وسكون المرافئ، تولد حكاياتٌ لم تكتبها الأقلام، بل حفرتها النبضات على جدار الزمن. ​ثمة قلوبٌ كزجاجِ النوافذ في ليل الشتاء؛ تضربها رياح القهر، ويغسلها مطر الخذلان، وتوشك على الانكسار تحت وطأة البرد. امرأةٌ كانت أثرًا من معركة، تلملم ما تبقى من أنوثتها المذبوحة، وتبحث في عيون العابرين عن "وطنٍ" لا يخون، وعن يدٍ تمتد لتداوي لا لتجرح. ​وعلى الضفة الأخرى... يقف "هو"؛ كالجبل في وجه الريح، يحمل في صدره قلبًا لا يعرف الانحناء، وفي عينيه لهيبٌ قادر على إحراق ماضيها العقيم. رجلٌ لم يأتِ ليكون قاضيًا أو عابرًا، بل جاء ليكون السند، والحصن، والملاذ الدافئ. ​حين يلتقي الصدق بالانكسار، تذوب قسوة الدنيا في فضاء العناق. ​الليلة... يسقط القناع عن وجه الخوف. الليلة... تتوقف الحروب، وتُوضع الأسلحة جانباً، لتبدأ معركة من نوعٍ آخر؛ معركةٌ وقودها الشغف، وسلاحها العهد الأبدين ورايتها دقات قلبٍ تعلن الاستسلام المطلق داخل حصن الأمان. ​بين ضوء القمر الفضي وفراشٍ يشتعل بالدفء، تُكتب شهادة ميلادٍ جديدة لأنثى عَمّرت الدموع مآقيها، ولرجلٍ صانَ فاستحق أن يملك الكون في كفٍّ صغيرة ناعمة. إنه الع

  • ظل بارد    البارت التاسع والثمانين

    قطت جملة أمجد الأخيرة وحلفه الصادق على أرجاء المكان كقذيفةٍ ثقيلة خربت صمت الغرفة، وكحجر ضخم أُلقي بعنف في ماء راكد. تجمدت الأم في مكانها للحظة بذهول عارم؛ لم تصدق بأي حال أن ابنها، حبيبهما، قد لوّح بصريح العبارة بالرحيل والهجر من أجل هذه المرأة. ثم التقطت أطراف عباءتها السوداء بعنفٍ وغل، وهرولت خارجة من باب الشقة وهي لا تزال تتمتم وتنفث في الفضاء بكلمات لازعة، تخلط فيها الدعاء بالشر واللوم، والوجع بالعناد الأعمى. وانغلق الباب خلفها أخيرًا بـدوّي شديد. وساد في المكان صمتٌ ثقيل، غارق في الإرهاق والتوتر العاطفي. أرادت ليلى في تلك اللحظة أن تهرب من أمامه، أن تواري خجلها وانكسار كرامتها؛ أرادت أن تنسحب سريعًا إلى المطبخ أو إلى غرفتها المظلمة، إلى أي زاوية لا يراها فيها زوجها وحبيبها منكسرة الملامح ومجروحة الكبرياء بسبب أهله. لكن قبل أن تخطو خطوة واحدة للفرار، مدّ أمجد ذراعه القوية الواثقة، وبحركةٍ مباغتة وجاذبة، شدّ جسدها اللدن إليه بعنفٍ حانٍ. جذبها إلى أحضانه بقوة وجوع رجلٍ تعب من الكلام ومن مصارعة الدنيا، فلم يجد أصدق ولا أطهر من هذا الاحتواء الجسدي ليقول كل شيء. تصلب جسد ليلى للحظ

  • ظل بارد    البارت الثامن والثمانين

    كانت ليلى تقف في جوف المطبخ تُعدّ طعام الغداء بمهارةٍ دافئة، تتحرك بخفةٍ ورشاقة بين الأواني الفخارية والمقالي، بينما كانت رائحة التوابل الزكية والأبخرة المتصاعدة تملأ فضاء الشقة وتمنحها روحًا أسرية حانية ومحببة. من حينٍ لآخر، كانت تلتفت بوجهها المشرق، وترتسم على شفتيها الكرزيتين ابتساماتٌ عذبة نحو الصالة، حيث كان يتعالى صوت ضحكات الأطفال الصافية. في الصالة، كان يزن يجلس على السجادة الدافئة إلى جوار ابنها الصغير، يلهوان معًا بمكعباتهما الصغيرة في انسجامٍ طفولي ساحر. وبالرغم من أن يزن يعيش أغلب الوقت في كنف جدته سعاد، فإنه كان يعشق المجيء إلى بيت خالته ليلى؛ كان يجد في عتباتها ما يفتقده في أماكن كثيرة: دفء الأمومة البديلة، والحنان الخالص، ومساحةً رحبة يضحك فيها بملء فيه دون خوفٍ من زجر أو نهر. كانت ليلى ترى في ملامحه الصغيرة البريئة بقايا من طيف أختها الراحلة وعطرها، لذلك كانت تحيطه دائمًا بعاطفةٍ جياشة وأحضانٍ لا تنقص رقتها يومًا. وفجأة… تبدد ذلك السلام الأنثوي؛ إذ دوّت على الخشب الخارجي طرقاتٌ عنيفة، متلاحقة، وشرسة، كأن الطارق لا يطلب إذنًا للدخول… بل يقتحم ويهدم السكون. تجمدت ليلى

  • ظل بارد    البارت السابع والثمانين

    اهتز قلب ليلى بعنف داخل ضلوعها، وشعرت بحرارةٍ لاهبة تملأ وجهها وعنقها. مد يده الكبيرة الواثقة وأمسك كفها الصغيرة برفقٍ، ثم تغلغلت أصابعه بين أصابعها في تشابكٍ حميمي وثيق، كأنها قطعة من بلورٍ ثمين ونادر يخشى عليها من الكسر. - ليلى… أنا عارف وبيشهد ربنا إنك تعبتي كتير في حياتك اللي فاتت، وشوفتي أيام صعبة تكسر الظهر… وعارف إن جواكي خوف ووجع لسه ما ماتش وجواكى جروح لسه بتنزف صمت لحظة، واقترب أكثر حتى التفت أنفاسه الساخنة بأنفاسها، ثم شد على كفها بحنانٍ جارف وضغط بجسده نحوها برقة - بس أوعدك وعهدي عليا الليلة دي.. هتعرفي معايا وتدوقي إن الجواز ممكن يبقى رحمة متواصلة، مش حرب واستعراض قوة. وسند حقيقي تترمي عليه.. مش حمل تقيل يهد حيلك. وأمان مطلق تنامي فيه في حضني.. مش خوف . لم تشعر ليلى في تلك اللحظة إلا بدموعٍ دافئة، ممتنة، تتجمع في مآقي عينيها لتغسل كل آثار قسوة والدته وسمر. همست بصوت مرتعش، يكاد يخرج من شفتيها الكرزيتين كالتنهيدة - وأنا… خوفي ده كله وضياعي القديم هيروح فين؟ هيضيع منك؟ اقترب أمجد أكثر، ألغى كل المسافات المتبقية بينهما حتى صار صوته يتردد عند حدود شفتيها، وشعرت بحرا

  • ظل بارد    البارت الحادى عشر

    منذ أن فتحت سعاد عينيها ذلك الصباح، شعرت بأن صدرها ليس كما اعتادت؛ ضيقٌ ثقيل، كأن حجرًا وُضع فوق قلبها، لا يزول بتغيير الوضع ولا يلين مع الأنفاس العميقة. حاولت أن تُقنع نفسها أن الأمر إرهاق، خوف عابر قبل العملية، لكن الإحساس كان أعمق من ذلك، كان حدس أمٍّ يعرف أن شيئًا ما ليس على ما يرام. التفتت إلى

  • ظل بارد    البارت التاسع

    انتهى اليوم الدراسي، وتفرّق الطلاب في الشارع الضيق أمام المدرسة. كانت ليلى تسير بخطواتها المعتادة، حقيبتها تتأرجح على كتفها، وعيناها تسبقانها إلى نفس النقطة كل يوم.كان هناك.يقف عند ناصية الشارع، كما يفعل دائمًا. لا يقترب، لا يلوّح، فقط ينظر. نظرة ثابتة تلاحقها حتى تختفي بين المارة. اعتادت وجوده،

  • ظل بارد    البارت الثامن

    مرّ يوم، ثم يومان، ثم ثلاثة، ولم يأتِ ذكر أيمن. لم يتصل، لم يسأل، ولم يحاول أن يطمئن. كانت ندى تتابع الأيام وهي مستلقية في بيت أبيها، تتعافى جسديًا ببطء، بينما يزداد ثِقل الصمت داخلها. حتى الأسبوع اكتمل، وكأنها لم تكن يومًا زوجته، أو أم طفله القادم.في صباح ذلك اليوم، سمعت أصواتًا مرتفعة في الخارج.

  • ظل بارد    البارت السابع

    رفع رأسه إليها هذه المرة، وقد بدا الانزعاج جليًا على ملامحه.- دكتور ليه؟ إنتى أول ولا آخر واحدة تحملى... بطلى دلع شعرت ندى بشيء ينكسر بداخلها، لكنها حاولت ألا تفقد هدوءها.- أنا مش بطلب حاجة مستحيلة، أنا بطلب أرتاح شوية وأطمن على نفسي.... أكشف زى أى واحدة حامل وقف أيمن من مكانه، وصار صوته أعلى.

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status