INICIAR SESIÓNلم يكن البرد في تلك الليلة قادمًا من الشتاء، بل من ظلٍّ طويلٍ التصق بروحها، ظلٍّ لا يترك أثر أقدام، ولا يصدر صوتًا، لكنه حين يمرّ... يُطفئ الدفء في كل ما يلمسه. كانت تسير في حياتها كما يسير المرء في ممرٍّ ضيّق، جدرانه من الذكريات، وسقفه من أسئلةٍ لم تجد لها إجابة. كلما حاولت الالتفات للخلف، شعرت بذلك الظلّ يسبقها بخطوة، كأن الماضي لا يُلاحَق... بل يُطارد. تعلمت مبكرًا أن بعض الخسارات لا تُرى، وأن أخطر ما يمكن أن يربك القلب ليس الوجع، بل البرود الذي يأتي بعده
Ver másتسري همهمات لاهثة في القاعة، تتبادل المقاعد النظرات، وتتحرك الرؤوس بدهشة. لم يحتمل أيمن الكلمة، فوقف فجأة من مقعده كالديس المذبوح، واشتعل الغضب الأعمى في عينيه وصاح - ليه؟ هو أنا اللي سرقتك ولا أكلت مالك؟ ده أنتِ اللي خربتي بيتي يضرب القاضي بمطرقته الخشبية ضربة عنيفة هزت أركان المنصة، ويخرج صوته حاسمًا كالصاعقة - اقعد مكانك! إنت في محكمة، وأي تجاوز تاني منك أو من دفاعك، هأمر بحبسك فوراً وتتحط في القفص بتهمة إهانة الهيئة يتراجع أيمن على مضض وهو يجر أذيال الخيبة، وصدره يعلو ويهبط بعنف كمن يختنق. تمد فاطمة يدها المرتعشة تحاول الإمساك بكتفه لتهدئته، لكنها في الوقت ذاته تطلق نحو ليلى نظرة مسمومة تقطر ذعافاً، نظرة امرأة ترى في هذه الفتاة الصغيرة سبب انهيار وتفتت عالمها وجبروتها. يعود رئيس المحكمة بنظره إلى ليلى، وتكتسي نبرته بفضول أدق وأعمق، يسألها - ممكن توضحي للمحكمة يا بنتي… لا يؤتمن إزاي؟ إيه الضرر الواقع عليكي؟ تبتلع ليلى غصّتها ببطء شديد، كأنها تبتلع جمرة مشتعلة لا ماء في الكون يطفئ لظاها. السؤال وحده كان كافيًا ليفتح الصندوق الأسود ويوقظ كل الأرواح التي حاولت دفنها في أعماقه
أثناء عودتها، كان الطريق المألوف يمتدّ أمامها كأنه بلا نهاية، أطول وأكثر كآبة من المعتاد، كأن الأسفلت يتثاءب تحت قدميها، والخطوات تُسحب من تحتها سحبًا بقوة خفية. الهواء حولها كان لزجًا، ثقيلًا يملأ الرئتين بغبار الخيبة، والذاكرة في رأسها كانت أثقل من أن تُحمل. وفجأة، وسط زحام الشارع وضجيجه الباهت، شقّ الصمتَ المفروض عليها صوتٌ هادئ، يهتف باسمها بنبرة دافئة... صوتٌ تعرفه جيدًا، نبرة مألوفة لا يخطئها نبض القلب مهما حاولت دروع العقل التناسي والإنكار. - ليلى… توقف الزمن لثانية واحدة، جمدت قطرات الوقت في الهواء. ارتجف شيء قديم، غض، في زاوية مهجورة من صدرها؛ شيء ظنّت بيقين أنها دفنته تحت ركام الانتقام منذ زمن بعيد. التفتت بجسدها ببطء شديد، وكأنها تخشى أن تواجه الحقيقة العارية، فإذا به أمجد... يقف على مسافة غير بعيدة، وعيناه العسليتان معلقتان بملامحها بشوق فاضح، عارم، شوق طفولي لم يستطع لجمه أو إخفاءه خلف وقار قناع الأستاذ الجامعي مهما حاول. كان واقفًا بهيبته ذاتها كما تركته يوماً في ممرات الكلية، لكن ملامحه اليوم كانت مغسولة بأسئلة مؤجلة، وعتب مرير، وحنين مؤلم يمزق الصدر. - عاملة إيه يا
لم تتراجع ليلى خطوة واحدة إلى الخلف أمام غضبه؛ لم تنكس رأسها خجلاً، ولم تحاول تلمس الأعذار أو التبرير الواهي. وقفت أمامه بثباتٍ موجع، صلب كالصخر، بعينين تقدحان شررًا من القهر والغل المكبوت لسنوات، وقالت بتحدٍ صريح وصوت زلزل ضميره، كأنها هي من تحاكمه هو وتدينه هذه المرة - لأنكم ربتونا عالضعف والمسكنة... ربتونا نطاطي للظلم ونقول حاضر. تقدّمت نحوه خطوة واسعة، وازداد صوتها قسوة وصدقًا يمزق القلوب - ندى الله يرحمها ويحسن إليها كانت بتيجي لحد هنا وتشتكي وتعيط من حماتها فاطمة، ومن أخت جوزها سمر… كام مرة جات لك وبكت وقالت أنا تعبانة ومحدش حس بيها؟ وكل اللي كان على لسانك وعلى لسان ماما...... معلش عيشي واستحملي عشان بيتك.. متشمتيش فيكي وفي أهلك حد.. بكرا يتصلح حالهم انفلتت دموعها الحارّة أخيرًا لتغسل وجنتيها الشاحبتين، دموع حارّة لم تُضعف نبرتها القوية بل زادتها حدة وصرامة تصفع القلوب - وآهي في الآخر مستحملتش وماتت.. ماتت ونزفت من كثرة ظلمهم وقسوتهم وإهمالهم ليها وهي في نفاسها وأنا كمان مستحملتش.. مستحملتش أشوف دمها راح هدر وأسيب حقها يضيع وسط كلام الأصول والناس سكتت ليلى لثانية واحدة
توجّه الحاج محمد بخطواتٍ واهنة ولكنها مدفوعة بغضبٍ عارم نحو بيت أخته وفاء؛ ذلك البيت الذي تحوّل فجأة إلى حصنٍ احتمت فيه ليلى منذ أن انفجرت الأحداث وتكاثفت القضايا كغيوم سوداء خانقة فوق رأس عائلته. لمح في طريقه دفاتر المخالفات وأصداء الفضيحة: قضية جنائية تلف حول عنق سمر، وسيلٌ جارف من البلاغات والمحاضر الكيدية التي لا يعرف لها عددًا ولا مسميات رُفعت على أيمن لتجريده من شرفه وماله. كان محمد يشعر لأول مرة في حياته أن الأرض تميد تحت قدميه، وأن صرح الأصول والسمعة الطيبة الذي بناه طوال عمره ينهار ويتفتت دفعة واحدة أمام جيرانه وأهله. اندفع داخل البيت هائجًا كعاصفة خريفية كسرت قيودها؛ كانت خطواته ثقيلة، غليظة، ونظراته تشتعل بشرر يتطاير من عينيه الغائرتين. قابلته أخته وفاء عند العتبة بلهفةٍ خائفة، يسبق قلبُها المضطرب قدميها المرتعشتين، وقد تملّكها الرعب حين رأت حالته ووجهه المحتقن بالدم - تعالى يا أبو نادر… ادخل وحد الله في قلبك. لم يُمهلها العجوز؛ أبعدها عن طريقه بجفاء وقسوة بيده الغليظة، وهو يرمقها بنظرةٍ حادة كالسيف، كأنه يراها شريكة متواطئة في هذه المؤامرة الدنيئة - اوعى إنتِ كمان وس






reseñas