LOGINالفصل الخامس: ما بعد الباب
الضوء انفجر. لكن نُوران لم تشعر بالألم. فقط… فراغ. لحظة واحدة كانت فيها ممسكة بيد “حارس الظل”، واللحظة التالية لم تعد تشعر بأي شيء على الإطلاق. ثم عاد الإحساس تدريجيًا. أرض تحت قدميها. هواء في صدرها. وصوت نبضها. فتحت عينيها ببطء. لكن هذه المرة… لم تكن في المكان نفسه. كانت داخل غرفة مختلفة تمامًا. ليست مظلمة مثل الحد الفاصل. ولا طبيعية مثل الأرشيف. بل غرفة تشبه مكتبة ضخمة، لكن بلا سقف واضح. رفوف تمتد للأعلى بلا نهاية، وكأنها تلامس السماء. والكتب… ليست مغلقة. بل كأنها “تتنفس”. “إنتِ كويسة؟” الصوت كان قريبًا جدًا. التفتت بسرعة. وكان هو. حارس الظل. لكن هذه المرة… لم يكن ظلًا فقط. نُوران تجمدت. لأول مرة تراه بوضوح جزئي. ملامحه ليست مكتملة بالكامل، كأن جزءًا منه ما زال بين العالمين. لكن عينيه… كانت واضحة. ثقيلة. تحمل شيء أعمق من أي خوف عرفته. “إنت… شكلك كده؟” همست بعدم تصديق. لم يجب مباشرة. بل نظر حوله أولًا. كأنه يتأكد أن المكان آمن. ثم قال بهدوء: “ده أقل شكل ممكن يثبت فيه وجودي هنا.” نُوران نظرت حولها بارتباك. “إحنا فين دلوقتي؟” “داخل أول طبقة من الكتاب.” تجمدت. “يعني إحنا جوه المخطوطة؟” هز رأسه. “مش بالمعنى اللي في دماغك… لكن أقرب حاجة ليه.” اقتربت خطوة. “إنت كنت عايش هنا؟” صمت. ثم قال: “أنا كنت مربوط هنا.” الجملة كانت ثقيلة. لكن لم يشرح أكثر. فجأة… تحرك أحد الكتب في الرفوف. ثم آخر. ثم بدأت جميع الكتب تهتز بشكل خفيف. نُوران تراجعت خطوة للخلف. “إيه اللي بيحصل؟” “بيحسوا بوجودك.” “مين؟ الكتب؟” “الذكريات.” نظرت له بعدم فهم. “ذكريات إيه؟” لكن قبل أن يجيب… خرج ضوء خافت من أحد الكتب القريبة. وانفتح وحده. لكن بدل الصفحات… ظهر مشهد. مشهد حي. رجل واقف في مكان يشبه المختبر. وصوت يقول: “تم ربط النموذج الأول بحارس الظل.” نُوران ارتجفت. “ده إيه؟” حارس الظل اقترب بسرعة وأغلق الكتاب. “ما تبصيش.” لكنها كانت قد رأت. نظرت له بصدمة. “إنت… اتعملت؟” صمت. لم ينكر. لم يؤكد. لكن صمته كان كافيًا. “إنت مش إنسان طبيعي…” همست. “أنا عارف.” الجملة كانت بسيطة… لكنها كسرت شيئًا بداخلها. جلس على حافة أحد الرفوف المنخفضة. “اسمعيني كويس.” اقتربت بحذر. “إنتِ دخلتي عالم مش معمول للناس.” “أنا ما اخترتش ده.” “ولا أنا اخترته.” صمت لحظة. ثم أضاف: “لكن إحنا الاتنين هنا دلوقتي.” نُوران نظرت إليه. “ليه أنا؟” هذه المرة… لم يتجاهل السؤال. بل نظر مباشرة في عينيها. “لأنك المفتاح اللي ما كانش لازم يظهر.” تجمدت. “مفتاح لإيه؟” لكن قبل أن يجيب… اهتز المكان بعنف. الرفوف بدأت تتحرك فجأة. الكتب أُغلقت بسرعة كأنها خافت. والضوء أصبح متقطعًا. “إحنا مش لوحدنا.” قال بسرعة. “مين؟” “حراس الطبقة.” قبل أن تفهم… ظهر باب ضخم في الهواء أمامهم. باب لم يكن موجودًا من قبل. ومعه صوت معدني عميق: “تم رصد دخول غير مصرح به.” نُوران تراجعت للخلف بخوف. “إيه ده؟” حارس الظل وقف أمامها مباشرة. هذه المرة أقرب من أي وقت. “خليكِ ورايا.” لكنها لم تتحرك. “إنت مش بتجاوبني!” التفت لها بسرعة. وعيناه هذه المرة كانت أكثر وضوحًا. وأكثر حدة. “مش كل إجابة هتساعدك دلوقتي.” ثم أضاف بصوت منخفض: “وفي إجابات لو عرفتيها… مش هتقدري تكملي.” صمت. الباب بدأ يفتح ببطء. وصوت خطوات ثقيلة اقترب. لكن لم يظهر أحد بعد. نُوران همست: “إحنا هنموت هنا؟” نظر لها لحظة. ثم قال: “مش لو وثقتي فيّ تاني.” مد يده لها. هذه المرة بدون تردد. لكن قبل أن تمسكها… ظهر ظل ضخم خلف الباب. أكبر من أي شيء رأته. وصوت عميق جدًا خرج: “إعادة تشغيل النظام… تم العثور على الحارس.” نُوران ارتجفت. “نظام إيه؟” حارس الظل شدّ يده أكثر. “دلوقتي…” “اختاري بسرعة.” الظل الضخم بدأ يدخل الغرفة. والرفوف تنهار. والأرض تهتز. نُوران نظرت ليده. ثم للباب. ثم للشيء القادم. وفي لحظة حسم… مدت يدها وأمسكت يده. ابتسم ابتسامة خفيفة جدًا. وقال: “كويس… لسه في أمل.” وفجأة… انفتح ضوء جديد أمامهم. باب آخر. لكن هذه المرة… يؤدي إلى مكان غير معروف إطلاقًا. وقبل أن يقفزوا داخله… سمعت نُوران آخر جملة من الصوت الضخم خلفهم: “إعادة ضبط الحارس… المرحلة الثانية تبدأ.” تجمدت. نظرت لحارس الظل بسرعة. “يعني إيه إعادة ضبط؟!” لكن قبل أن يجيب… سحبها معه داخل الباب. واختفوا. نهاية الفصل الخامسالفصل الثلاثونالرسالة التي سبقت الخطرساد الصمت داخل بهو القصر بمجرد أن انتهى آدم من قراءة الكلمات المكتوبة خلف الصورة."الشاهد القادم... لن يتكلم."لم يكن التهديد هذه المرة عامًا مثل المكالمة السابقة، بل كان واضحًا ومباشرًا، وكأن شخصًا ما أراد أن يخبرهم أنه يعرف تحركاتهم لحظة بلحظة، ويعرف أيضًا إلى أين سيتجهون بعد ذلك.مد سليم يده وأخذ الصورة من آدم، وظل ينظر إليها طويلًا.الصورة كانت حديثة جدًا، التُقطت صباح اليوم أمام بوابة القصر، قبل أن ينطلقوا إلى منزل عم رجب. حتى ملابسهم كانت هي نفسها، والسيارة متوقفة في المكان نفسه.قال ياسين وهو يحاول إخفاء توتره:"يعني اللي صورنا كان واقف قريب جدًا."أجاب آدم وهو يدقق في الصورة:"وأقرب مما تتخيل."رفع الجميع أنظارهم إليه.سأله فؤاد:"إزاي عرفت؟"أشار آدم إلى خلفية الصورة."بصوا على زاوية التصوير... اللي صورها كان واقف ناحية الشجرة الكبيرة اللي جنب السور، مش في الشارع."نظر سليم بسرعة نحو الحديقة."يعني دخل أرض القصر؟"هز آدم رأسه ببطء."أو على الأقل وقف عند البوابة من غير ما يلفت نظر حد."نظر سليم إلى الحارس الذي ما زال يقف عند المدخل.اقترب
الفصل التاسع والعشرونشاهد لم يتكلملم ينم أحد في القصر تلك الليلة نومًا حقيقيًا.المكالمة الغامضة التي تلقاها سليم كانت كافية لتزرع القلق في قلوب الجميع. لم يكن التهديد هو أكثر ما أخافهم، بل الحقيقة التي كشفها... هناك شخص يعرف كل خطوة يخطونها، ويتابع تحركاتهم لحظة بلحظة.جلس آدم في شرفة غرفته قبل شروق الشمس بقليل، يحمل كوبًا من القهوة، لكن القهوة بردت بين يديه دون أن ينتبه. كان يعيد في ذهنه كل ما حدث منذ بدأوا البحث: رسالة المحامي، الفلاشة، الشركة القديمة، الصور، سامح الدمنهوري، والرجل الذي يعرج.كل الخيوط كانت تتجه نحو شيء واحد...لكن ما زالت هناك قطعة مفقودة.وفي الجهة الأخرى من القصر، كانت نوران تقف أمام صورة والدتها.مررت أصابعها على إطار الصورة برفق وهمست:"أنا قربت يا ماما... حاسة إني قربت أوي."دخلت أمينة بهدوء بعدما طرقت الباب.ابتسمت بحنان وقالت:"لسه صاحبة العادة دي؟"ابتسمت نوران بحزن."كل ما أتوه... أكلمها."اقتربت أمينة وربتت على كتفها."وأنا متأكدة إنها لو كانت موجودة، كانت هتفخر بيكي."ابتسمت نوران، لكن دمعة صغيرة لم تستطع منعها من النزول.بعد الإفطار، اجتمع الجميع في
الفصل الثامن والعشرونالصورة التي لم يلاحظها أحدعادوا إلى القصر مع اقتراب المساء، لكن هذه المرة لم يكن الصمت سببه التعب، بل كثرة الأسئلة التي أصبحت أكبر من الإجابات.دخلوا مكتب سليم كعادتهم، ووضع آدم الصور فوق الطاولة بعناية، كأنها قطع أثرية لا يجوز أن يمسها أحد بلا انتباه.جلس ياسين أمام المكتب وهو يقلب الصور واحدة تلو الأخرى.قال وهو يزفر:"كل صورة بتفتح باب جديد... وإحنا لسه واقفين عند أول الطريق."رد سليم بهدوء:"وده معناه إننا ماشيين صح."أما نوران فكانت تمسك الصورة الأخيرة... الصورة التي ظهرت فيها والدتها وهي تحمل الظرف البني وتنظر إلى شخص خارج إطار الكاميرا.لم تستطع أن تبعد عينيها عنها.اقترب آدم وجلس بجوارها.سألها بصوت منخفض:"لسه بتفكري فيها؟"هزت رأسها."حاسّة إن ماما كانت عايزة تقول حاجة... بس الصورة وقفت قبل ما أعرف هي كانت بتبص لمين."ابتسم آدم ابتسامة خفيفة."يمكن الصورة نفسها لسه ما قالتش كل اللي عندها."نظرت إليه باستغراب."تقصد إيه؟"مد يده وأخذ الصورة منها.رفعها أمام الضوء القادم من نافذة المكتب.ظل يتأملها لثوانٍ طويلة.ثم قال:"ممكن نستفيد منها أكتر لو عملنا له
الفصل السابع والعشرونخيط لا يجب قطعهفضلوا واقفين قدام مدخل العمارة بعد كلام عم حسين.أول واحد كسر الصمت كان سليم."إنت متأكد من موضوع العرجة؟"هز عم حسين رأسه بثقة."متأكد... لأن الراجل كان مستعجل، ولما نزل من السلم كان باين إنه بيضغط على رجله الشمال."سأله آدم:"كان كبير في السن؟""لأ... وقتها كان في الأربعين تقريبًا.""وكان لوحده؟"فكر عم حسين شوية."أيوه... العربية كان فيها سواق، لكن اللي طلع الشركة كان راجل واحد."شكره سليم، ووعده إنه لو افتكر أي تفصيلة تانية يبلغهم.ركبوا العربية، لكن المرة دي محدش اقترح يرجع القصر.قال آدم وهو بيشغل العربية:"فيه مكان لازم نعدي عليه."بصله ياسين."استوديو العدسة؟"ابتسم آدم."بالضبط."وافقه سليم."طالما قريب من هنا، يبقى نستغل الوقت."...بعد حوالي عشرين دقيقة...وقفوا قدام محل قديم.اللافتة كانت مكتوب عليها:استوديو العدسةكان واضح إنه من أقدم محلات التصوير في المنطقة.دخلوا.ورحب بيهم رجل في الستينات من عمره."اتفضلوا."قال سليم:"إحنا بندور على صور اتصورت من حوالي ستاشر أو سبعتاشر سنة."ابتسم الرجل باعتذار."دي مدة كبيرة."تقدمت نوران خطوة.
الفصل السادس والعشرونخيط لا يجب قطعهفضل سليم ماسك الصورة بين إيده، وعينه ثابتة على وش الراجل اللي واقف في آخرها.سامح الدمنهوري.الاسم رجع له ذكريات كان فاكر إنه نسيها.قال آدم بهدوء:"واضح إنك تعرفه كويس."تنهد سليم، وقعد على أقرب كرسي."مش كويس... لكن اشتغلت معاه أكتر من مرة."بصتله نوران."ليه مقلتش اسمه قبل كده؟"رفع عينه ليها."لأن اسمه عمره ما اتذكر في التحقيق."استغرب آدم."إزاي؟"رد سليم:"لأنه ما كانش بيظهر في الشركة كتير. كان شريك برأس المال، لكن الإدارة اليومية كانت مع والدتك وماهر."فؤاد هز رأسه موافقًا."صح... كان بييجي مرة كل شهر أو شهرين، وممكن يعدي ساعة ويمشي."سألته نوران:"يعني حضرتك قابلته؟""مرات قليلة.""وكان عامل إزاي؟"فكر فؤاد شوية."هادي... وكلامه قليل. لكن كان بيحب يعرف كل صغيرة وكبيرة بتحصل."...أخد آدم الصورة من سليم.بص فيها مرة تانية.لاحظ حاجة محدش خد باله منها."استنوا."قرب الصورة من النور.وأشار بإصبعه على الخلفية."اللوحة دي."بصوا كلهم.كانت لوحة صغيرة معلقة على الحيطة، مكتوب عليها بخط واضح:"الاجتماع السنوي - 2010"قال آدم:"الصورة دي اتصورت قبل
الفصل الخامس والعشرون الباب الذي لم يُغلقوقف الأربعة قدام المبنى للحظات.المكان كان واضح عليه إنه مقفول من سنين.طبقة تراب على الشبابيك، ولافتة الشركة لونها بهت من الشمس، والهدوء حوالين العمارة كان غريب.بص سليم للمبنى وقال:"آخر مرة دخلت هنا كانت بعد الحادث بيومين."سألته نوران:"ولقيت إيه وقتها؟"تنهد."المكاتب كانت متبهدلة... والشرطة قالت إنهم خلصوا معاينة المكان، وبعدها الشركة اتقفلت بالشمع الأحمر فترة، وبعد كده المالك استلم المبنى."عقد آدم حاجبيه."يعني المكان اتفتح بعد كده.""أيوه... لكن محدش رجع يشتغل فيه."...دخلوا العمارة.كان في رجل كبير في السن قاعد عند المدخل، بيقرا الجرنال.أول ما شاف سليم، حاول يفتكره."حضرتك... مش الأستاذ سليم؟"ابتسم سليم."أيوه يا عم حسين."قام الرجل وهو بيصافحه."ياااه... بقالك سنين."قال سليم:"إحنا جايين نبص على مكتب الشركة القديم."هز عم حسين رأسه."الدور الرابع... زي ما هو تقريبًا. محدش استأجره من يومها."بصله آدم."هو حضرتك كنت شغال هنا وقتها؟"ابتسم الرجل."أنا بواب العمارة من أكتر من خمسة وعشرين سنة."تبادل آدم وسليم نظرة سريعة.دي أول مرة







