Mag-log inحاولت سيلانا الاعتراض بكل الطرق، لكن ابنها كان يعلم الكثير عن ماضيها، ولم يتردد فى مواجهتها.
قال لها بحدة: ـ أنا لست مثل أخى، إذا أصابها أى أذى فلن أسكت، وستندمين كثيرًا. صرخت فيه بغضب: ـ كيف تكلمنى بهذه الطريقة؟ أنا والدتك! لكن كلماتها لم تؤثر فيه، بل نظر إليها بسخرية وقال: ـ وماذا تعرفين أصلًا عن الأمومة؟ نحن تربينا مع المربيات والخدم، بينما كنتِ منشغلة بنفسك وبصورتك أمام الجميع. أوجعتها كلماته، لكنها حاولت لاحقًا التحدث معه بهدوء وإقناعه بالتراجع، إلا أنه لم يكن مستعدًا للاستماع إليها، ومع تكرار محاولاتها فقد صبره وقال بوضوح: ـ توقفى عن التدخل، لأنى لن أسمح لأحد بإفساد حياتى. فى النهاية اضطرت سيلانا للموافقة رغمًا عنها، وتم الزواج الذى لم ترغب به أبدًا. وكان الأصعب عليها أنها كلما رأت الزوجين سعيدين أمامها، شعرت وكأن الماضى يعود ليطاردها من جديد، فتراهم وتستحضر فى خيالها ذلك الرجل الذى أحبته يومًا والمرأة التى اختارها بدلًا منها. كان أكثر ما يزعج سيلانا أنها علمت لاحقًا أن الرجل الذى أحبته توفى بعد زوجته بعدة أشهر، بعدما عاش حزينًا على فراقها، تاركًا طفلتهما فى رعاية عمتها. لم تستطع سيلانا استيعاب الأمر، وظلت تتساءل فى داخلها: هل أحبها إلى هذا الحد؟ ما الذى كانت تملكه تلك المرأة ليظل متعلقًا بها حتى آخر أيامه؟ لكن سيلانا لم تفهم يومًا أن ما ميّز غريمتها لم يكن المال ولا الجمال، بل طيبتها وصدقها وقلبها النقى، فقد كانت محبوبة من الجميع لخفة روحها واهتمامها بمن حولها، وهى الصفات نفسها التى ورثتها ابنتها عنها. أما سيلانا، فلم تكن ترى سوى أنها فتاة فقيرة لا أكثر. لكن ما أشعل غيرتها من جديد أن ابنها المقرب تعلّق بابنة غريمتها، ثم أنجبت تلك الابنة طفلة صغيرة تشبه والدتها كثيرًا. والمزعج بالنسبة لسيلانا بحيث ظل عقلها يتساءل: لماذا الجميع أحب تلك الطفلة بشدة؟ حتى ابني الأكبر وزوجته، رغم أن لديهما طفلًا صغيرًا، إنهما متعلقان بها وكأنها فرد مميز فى العائلة. أما حفيدها الأكبر، فكان شديد التعلق بها، يحميها دائمًا ويعاملها وكأنها أغلى ما يملك. ومع مرور الوقت، بدأت سيلانا تخشى المستقبل، خاصة بعدما أصبح ابنها كبير العائلة عقب وفاة والده، مما يعنى أن ابنه سيرث هذه المكانة يومًا ما. وكان أكثر ما يرعبها أنها رأت تعلق حفيدها بتلك الفتاة يكبر يومًا بعد يوم، فبدأت تتخيل أنها قد تصبح يومًا سيدة العائلة كلها. وفى خضم غضبها وكرهها، نسيت سيلانا حقيقة واضحة وهى أن تلك الطفلة حفيدتها هى أيضًا. لقد أعماها الحقد، فرتّبت الأمر هذه المرة بعنايةٍ أشد. سافرت بحجة زيارة إحدى صديقاتها، وهناك جلست مع المرتزقة تخفي ملامحها أسفل وشاحٍ داكن تأمرهم برغبتها في التخلص من زوجة إبنها وطفلتها. نظر أحد الرجال إليها بتردد: لكننا لم نتعامل مع نساءٍ وأطفالٍ من قبل. فضربت الطاولة بعصاها وهي تهتف بحقد: لا يهمني! ستفعلون ما آمركم به، وإلا أقسم أن نهايتكم ستكون أسوأ منهم! صمتوا للحظة، فأخرجت حقيبة ممتلئة بالمال وألقتها أمامهم: نصف الآن... والنصف الآخر حين أتأكد أن الغرفة أصبحت مقبرة. ثم اقتربت هامسةً كالأفعى: لا أريد أثرًا لهما... مفهوم؟ أخبرتهم أن الغرفة تضم زوجة ابنها وطفلتها، لقد سافر إبنها للعمل كعادته، فمنذ وفاة والده أصبح يتناوب السفر مع أخيه لإدارة العمل، ولهذا رأت في الأمر فرصةً ذهبية لا تتكرر. لكن ما لم تعلمه أن زوجة ابنها الصغرى أصيبت بنزلة بردٍ شديدة، فانتقلت زوجة ابنها الكبرى لتبيت معها وتعتني بها. وبرغم الحقد الذي حاولت سيلانا زرعه بينهما، كانت المرأتان تجمعهما علاقة طيبة وصداقة صادقة، وهذا ما كان يزيد نار الغيرة والحقد بقلب سيلانا. حين اقتحم الرجال المكان، كانت إحدى الزوجتين داخل المرحاض. وما إن خرجت حتى تجمدت في مكانها، وقد رأت أحد الغرباء يعتدي على الأخرى بعنف. صرخت بفزعٍ تستغيث، فاستيقظ زوجها الذي كان ينام مع الطفلين في غرفةٍ مجاورة. اندفع نحو الصوت محاولًا حماية زوجته، لكنه تعرض لإصابة قوية أسقطته أرضًا. وكان صراخ النساء قد أيقظ الخدم، فتحول البيت إلى فوضى عارمة، وتعالت الأصوات والركض في كل مكان، بينما عمّ الذعر أرجاء المنزل، حتى بدا المشهد وكأنه كارثة حلت بالجميع. لكن وسط تلك الليلة المرعبة… كان الحفيد مستيقظًا، وكذلك ابنة عمه الصغيرة. لقد كان "عابد" حفيد سيلانا الأول، والأقرب إليها، لا حبًا خالصًا فيه، بل لأنها أرادت دائمًا أن تغيظ ابنها الأصغر المفضل لديها، لكنه لم يكن يبالي بذلك حقًا. ورغم تأخر زوجته لسنوات في الإنجاب، لم يسمح يومًا لأحد أن يجرحها بكلمة، ولم يُشعرها أن الأمر ينقصها شيئًا. حاولت سيلانا مرارًا إقناعه بالزواج من أخرى، فقط لتؤلم قلب زوجته، لكنه كان يرفض بحسم، بينما وقف شقيقه الأكبر بعيدًا عن الأمر تمامًا. وحين حاولت والدته جرّه للحديث قال ببرود: هذا شأنه وحده... ما دام راضيًا بحياته فلا يحق لأحد التدخل. ثم أضاف وهو ينظر لزوجته بحب: وأنا نفسي لا أتخيل أن أؤذي زوجتي بهذا الشكل... فكيف أطلب منه فعل ذلك؟ كل هذا إلى جانب شخصية أخيه الأصغر، فبرغم صغر سنه، كان الأقوى حضورًا والأشد بأسًا. لا يسمح لأحد بالتدخل في حياته الخاصة، وليس لأنه قاسي القلب، بل على العكس تمامًا، فقد كان عاشقًا لعائلته حد الخوف عليهم من نسمة هواء قوية. حتى والدته، برغم طباعها الصعبة، لم يكن يسمح لها بتجاوز حدودها معه. وحين رزقه الله بطفلة تشبه الملائكة، وقع الجميع في حبها منذ اللحظة الأولى، من الخدم حتى كبير العائلة... الجميع عدا سيلانه. حملها والدها بين ذراعيه، وظل يتأمل ملامحها الصغيرة بصمت، بينما أخفى داخل عينيه شوق سنوات طويلة قضاها يتمنى تلك اللحظة. لم يشتكِ يومًا من تأخر الإنجاب، ولم يُظهر لزوجته حزنه حتى لا يزيد همها، حتى جاءه أحد الخدم القدامى، ممن يكنّ لهم احترامًا خاصًا، وقال له ذات يوم: خذ زوجتك وابتعد قليلًا عن القصر يا سيدي... السيدة لا تتركها ترتاح أو تبتسم حتى. ظل صامتًا، فأكمل الرجل بحذر: الراحة أحيانًا تصنع المعجزات. وكان طبيب القصر قد أكد له سابقًا أن كليهما بخير، لذا أخذ بالنصيحة وابتعد بزوجته لبعض الوقت... ولم تمضِ أشهر حتى أتته البشرى التي انتظرها طويلًا. ولهذا، حين حمل طفلته أخيرًا، لم يستطع إخفاء فرحته أكثر. اقترب من زوجته وهمس بسعادةٍ دافئة: سأسميها نجمة... لتنير ظلام ليالينا. أما عابد، فكان شديد التعلق بعمه ويحبه كثيرًا، وحين رأى الصغيرة للمرة الأولى بين ذراعي والدها، اتسعت عيناه بحماسٍ طفولي ولمعتا بسعادة واضحة. اقترب منهما سريعًا وقال بلهفة: عمي هل يمكنني حمل الطفلة؟ نظر له مبتسمًا، ثم أشار بعينيه نحو الصغيرة بين ذراعيه وقال: أترى تلك الصغيرة؟ أومأ عابد بحماس، فتابع عمه بابتسامة دافئة: أتعجبك؟ هتف الصبي سريعًا: أجل... كثيرًا. فضحك الرجل ومد يديه إليه بالطفلة: إذًا هي لك... لكن أمسكها جيدًا. تناولها عابد بحذر شديد، وكأنها شيء ثمين قد ينكسر بين يديه، ثم ضمها إلى صدره وهو يقول بثقة طفولية: سأحميها بروحي. فضحك الجميع بتأثر، بينما تدخلت زوجة عمه وهي تنظر لزوجها بعتاب: كفاك تخويفًا للصبي. لكن الرجل أجابها ضاحكًا: إنه زوج ابنتي المستقبلي... فلا يتدخل أحد بيننا. أدخلت كلماته السعادة إلى قلوب الجميع... عدا سيلانه، التي كانت تنظر إلى الطفلة بحقدٍ يزداد يومًا بعد يوم، وقد أقسمت في سرها أن تتخلص منها مهما كلفها الأمر. ــــــــــــــــــــ لكن بعد فشل مخططها، وتغيير المرتزقة لمسار خطتهم، أصبح عابد والرضيعة "نجمة" الناجيين الوحيدين. حين رأى عابد الفوضى تعم المكان، والخوف يسيطر على الجميع، تسلل بسرعة وحمل الطفلة الصغيرة، ثم اختبأ بها في زاوية ضيقة يراقب ما يحدث بعينين مرتجفتين. وسمع أحد الرجال يقول للآخر بحدة: تأكد أن المكان خالٍ تمامًا قبل أن نغادر... لا نريد شهودًا. فرد الآخر بضيق: المرأة التي أرسلتنا لا يهمها أحد... تريد التخلص من زوجة ابنها والطفلة فقط. ارتجف عابد بقوة حين أدرك حقيقة ما يحدث، وضم نجمة أكثر إلى صدره، حامدًا الله أنها ما زالت نائمة ولم تصدر صوتًا. وبينما بدأ الرجال يفتشون المكان بعنف، كادوا يكتشفون مخبأه، فاضطر لإخفاء الطفلة في مكان صغير بين الصناديق، ثم ابتعد سريعًا ليجذب انتباههم بعيدًا عنها. لكن ما إن ابتعد حتى افتقدت الصغيرة دفئه ورائحته التي اعتادتها منذ ولادتها، فاستيقظت مذعورة وسط الظلام والصمت المخيف، وبدأت تبكي بقوة. انتبه الرجال للصوت فورًا. - هناك أحد!في صباح اليوم التالي كانت العائلة مجتمعة حول مائدة الإفطار، بينما كانت الضحكات تملأ المكان بسبب مشاكسات ليان الصغيرة.وفجأءة قال عابد وهو يطالع إحدى الدعوات التى وصلته:يبدو أن موسم الزيجات لم ينته بعد.رفع أُسيد رأسه متسائلًا: من هذه المرة؟ابتسم عابد ابتسامة خفيفة: ريتال.رفعت هاله حاجبيها بدهشة: ريتال؟! أحقًا ستتزوج؟ يا إلاهي لهذا لم تعد تطارد أُسيدأومأ عابد:لقد خُطبت بالفعل، هذه دعوة خطبتها، والزفاف بعد أشهر قليلة.ضحك رسلان ساخرًا وهو يرتشف قهوته: يبدو أن المسكين الذى اختارته يحتاج إلى من يدعو له.ضحكت هاله قائلة: مسكين حقًا... ليصبره الله.ابتسم أُسيد هو الآخر: المهم أنها أخيرًا اقتنعت أن مطاردة الناس لا تصنع حبًا.هز رسلان رأسه ساخرًا: بل يبدو أنها وجدت ضحية جديدة.تعالت ضحكات الجميع إلا شخصًا واحدًا... إنها سيا.توقفت يدها فى الهواء، وتجمدت ملامحها تمامًا.لاحظت هاله شرودها فقالت:ما بك؟انتفضت سيا كأنها أُعيدت إلى الواقع: لا... لا شيء.لكنها لم تسمع بقية الحديث. كانت الكلمات تتردد داخل رأسها فقط."خُطبت بالفعل.""وجدت ضحية جديدة.""تطارد أُسيد" ولكن كيف؟ألَم تقل لى إنها
جلست سيا على حافة السرير وهى تضغط على رأسها بيدها تتذكر كلمات ريتال.حينها كانت مقتنعة بأنها تفعل الصواب، كانت ترى نفسها تبتعد حتى تترك المجال لصاحبة الحق.لكن الآن... لم تعد تعرف أين الحقيقة.وفى صباح اليوم التالى كانت سيا تسير فى الممر المؤدى إلى الحديقة حين سمعت صوت ضحكات مرتفعة.توقفت دون وعى لتجد ياسمين جالسة تحت إحدى المظلات بينما كان رسلان يقف أمامها.قالت ياسمين وهى تضحك:لا أصدق أنك ما زلت تحتفظ بتلك الصورة.تنهد رسلان باستسلام:لأن كريم لو علم أننى أتلفتها سيظل يزعجنى بقية عمرى.ضحكت أكثر، أما سيا فشعرت بانقباض مؤلم فى صدرها، كانت تعرف أنها لا يحق لها الغيرة، فهو لم يعدها بشيء وهى من رفضته.لكن رؤية امرأة أخرى تضحك معه بهذا الشكل... كانت مؤلمة.مؤلمة أكثر مما اعترفت به لنفسها.استدارت بسرعة وغادرت قبل أن يراها أحد، لكنها لم تنتبه إلى أن هاله كانت تقف فى نهاية الممر تراقبها.فتمتمت هالة بحسرة:يا إلهى... هذه الفتاة ستدفعنا جميعًا إلى الجنون.وبعد يومين بدأت مراسم عقد قران أُسيد ورينا.امتلأ القصر بالضيوف والأقارب، وعادت الأجواء الصاخبة من جديد، حتى رسلان اضطر للمشاركة فى الا
مرت عدة أيام، واستمرت ياسمين فى تنفيذ خطتها بكل حماس، بينما كان رسلان يندم فى كل ساعة على موافقته لها.أما رينا فكانت تراقب كل ما يحدث بصمت فى البداية.لكن كلما رأت نظرات سيا الحزينة، وملامحها التى تزداد انطفاءً يومًا بعد يوم، كانت تشعر بالضيق أكثر.وفى أحد الأيام كانت العائلة مجتمعة فى الصالة، بينما كانت ياسمين تحكى موقفًا مضحكًا جعل الجميع يضحكون، حتى رسلان.فقالت رينا فجأة: مدهش حقًا.فالتفت إليها رسلان قائلًا: ما المدهش؟أجابته وهى ترتشف قهوتها: قدرة بعض الرجال على تجاوز مشاعرهم بسرعة.انعقد حاجباه فورًا: ماذا تقصدين؟رفعت كتفيها بلا مبالاة: لا أقصد شيئًا بعينه.ـ إذن لا تتحدثى بالألغاز.وضعت الفنجان أمامها وقالت: حسنًا... أقصد أن الرجل قد يقسم أنه يعشق امرأة، ثم بعد أيام قليلة نجده يضحك ويمزح وكأن شيئًا لم يكن.ساد الصمت فى المكان أما رسلان فقال ببرود: هل انتهيتِ؟ابتسمت بسخرية خفيفة: ليس بعد.تنهد بضيق: تفضلى.نظرت إليه مباشرة وقالت: بصراحة بدأت أشك أن بعض الرجال يستمتعون فقط بلعب دور العاشق.قال رسلان بنبرة منخفضة: هل تتحدثين عنى؟أجابته فورًا: إذا وجدت الوصف مناسبًا لك فلا أست
كان الجميع منشغلين بتفاصيل الزفاف، بين اختيار القاعة والزينة والملابس، بينما جلس أُسيد يقلب بعض الأوراق أمامه بملامح متجهمة على غير عادته.لاحظت رينا الأمر فسألته برفق: ما بك؟ منذ أيام وأنت شارد.رفع رأسه إليها ثم تنهد قائلاً: لقد اتخذت قرارًا.قطبت جبينها باستغراب: أى قرار؟أغلق الملف أمامه وقال بحزم: سنكتفى بعقد القران الآن.اتسعت عيناها بدهشة: ماذا؟ـ سنعقد القران كما هو مخطط، أما الزفاف فسيؤجل.ساد الصمت للحظات قبل أن تسأله بحيرة: ولماذا؟مرر يده بين خصلات شعره بضيق: لأننى لن أتزوج بدونه.فهمت مقصده فورًا: أتقصد رسلان؟أكد حديثه بإصرار: نعم فرسلان لم يكن صديقى فقط، بل كان أخًا لم تنجبه أمى، وقف بجانبى فى كل مراحل حياتى، ولن أقف أمام المأذون وأبدأ حياة جديدة وهو بهذه الحالة.ابتسمت رينا بحزن فهى تعرف جيدًا مكانة رسلان لديه لكنها قالت محاولة التخفيف عنه: إذن تحدث معه.ضحك بسخرية: أتحدث معه؟ وهل يترك لى فرصة؟ثم أضاف بضيق واضح: كلما حاولت الاقتراب منه يهرب، إن سألته قال إنه بخير، وإن جلست معه غير الحديث، وإن ضغطت عليه اختفى.هز رأسه مستنكرًا: وكأننى شخص غريب عنه.وفى المساء كان أُسيد
ابتسم رسلان بخفة محاولًا تدارك الموقف، لكن شيئًا ما انكسر داخله حين وجد سيا تنظر إليه ببرود، وكأن كل ما بينهما لم يكن سوى تمثيلية عابرة.ساد الصمت للحظات واكتفى رسلان بابتسامة باهتة، وإيمائة رأس ثم تراجع للخلف بصمت، بينما لم تهتم سيا حتى بالنظر إليه.راقبت هاله الموقف بعدم فهم، وهمست لليان:هل هما متخاصمان؟هزت ليان كتفيها بحيرة، بينما كان رسلان ينسحب بهدوء من التجمع كله.ومنذ ذلك اليوم… بدأ التباعد.لم يعد رسلان يلاحق سيا كعادته، لا يضايقها، لا يفتعل المزاح معها، ولا حتى ينظر إليها طويلًا، وذلك الهدوء الذى ظنت يومًا أنها تتمناه أصبح يزعجها بشكل غريب.كان يتعامل معها بلباقة باردة، وكأنها فرد عادى من العائلة، لا أكثر.أما هى فلم تشرح شيئًا.كلما حاولت هاله سؤالها، تهربت، وكلما اقتربت ليان منها لتفهم سبب رفضها المفاجئ، أغلقت الحديث سريعًا.لكن الحقيقة التى لم يعرفها أحد… أن الحزن كان ينهش قلبها.كانت تراه يستحق فتاة أفضل، فتاة طبيعية، ليست مليئة بالعقد، والذكريات المؤلمة، والكوابيس التى تلاحقها كل ليلة.كانت تخشى أن تحبه أكثر… ثم تؤذي نفسها بعشق ليس لها.ولهذا اختارت الابتعاد، حتى وإن
لقد إسود وجه إبن الغجر حين علم بأمر الحفل، وحين أخطر والدته كادت تُجن. - كيف هذا؟! يا إلاهى! هل تكون من إختطفتها ليست إبنتهم؟! - كيف هذا؟ ألم أكن أحضر لكِ الجرائد التى تتحدث عن الأمر؟! - كلانا لا نحسن القراءة، وكنا فقط نرى الصور، قد تكون إبنة خادم لديهم، أى بلا قيمه، وقد يكون الأحمق الذى أتيت به معها، هو نفسه أباها، أنت أحمق! كيف ظننتك ستفعل شيئاً ذا قيمه؟! ظلا يتشاجران، وإرتفعت أصواتهما حتى وصلت إلى مسامع زوجها، الذى إشتعل الغضب بنفسه، وقرر أخيراً أن يتدخل، مادام الأمر وصل حد الإختطاف. لقد أحس بوجود خطب ما منذ عدة أيام، والإرتياح، والبسمة الخبيثة هى لغة زوجته وإبنه، والآن فقط أدرك السبب، لذا عمل هو وإبنته على مراقبتهما، حتى وجدا المخبأ الذى يخفى به إبنه الفتاة والرجل، فتسللت إبنته بغياب أخاها، وحدثتهما من خلف الباب. - يا من بالداخل. أجاب عرفان بلهفه: نعم؟ نحن هنا، من أنتم؟! وماذا تبغون من إختطاف طفلة كهذه؟! - لست من خطفكما، بل انا من سينقذكما، لذا حين أفتح الباب، لا تصنعان أى ضجة، وإتبعانى بهدوء حتى نخرج من هنا. وافقها سريعاً، ولكن ما إن فتحت حتى دفعها أحدهم إلى الدا
تم إلقاء القبض على والدة سلمان، وعلى أخاها السيد فاخر المبجل، ولكن هذا كان السبب فى تدمير سمعة سلمان وعلي إلى الأبد. فإنزوى الناس عنهم، خاصة وأن زوجة علي فقيره، لا سلطة لأهلها لتحمى زوجها من براثن هذا المجتمع المخملى المدلل. بينما إنطوى سلمان لعدة أيام بعيداً عن الجميع، فقد إزدرى الحياة كما أن أخ
غادر سلمان إلى حيث لا يريد! فقد إجتمع بعدة رجال يرغبون بمناقشة شأن العبيد مجدداً، لما هم أغبياء إلى هذا الحد؟! ألا يرون أن العالم من حولهم يتغير، وهم يحيون بعصور غفلها الزمان؟!لكنهم أنانيين، لا يرون سوى أنفسهم فقط، حيث إستنكر أحدهم.- إننا نحتاج إلى الخدم، وشراؤهم أوفر لنا من إعاطئهم أجوراً.فأيده
دقق النظر، فوجد على بعد خطوات بعيده بداخل الصحراء جسداً ملقى على الأرض، فأمر السائق الذى لم يبالى بأمر سلمان بالتوقف!- قف يا هذا!قضب جبينه بضيق: ماذا هناك سيدى؟!رفع حاجبه بتحدى ساخر: أمرتك أن تقف، فهل لديك إعتراض؟أنكس رأسه بضيق: لا سيدى.أوقف السائق العربه، فتنهد علي بإنزعاج، وخرج هو وسلمان، فت
حين أخبرها العدد، أدركت أنهم بالفعل الأسرى الذين كانوا معها، ولكن لما لم يشملها معهم؟! لما لم يصنع لها أوراق هويه مثلهم؟! وحينها نظرت إلى الشيخ.- أخبرنى يا شيخ، حين يتزوج إثنان بلا أوراق هويه، هل هذا صحيح؟- لا أفهم.- فلنفترض أن هناك إثنان، يعلم الجميع بأنهما متزوجان، لكنهما لم يكونا زوجين بالفعل







