تسجيل الدخولوفي صباح أحد الأيام، وبينما كانت الحافلات تستعد للمغادرة، توقفت دراجة نارية غير بعيد عنهن.
ترجل منها شاب بدا أكبر من طلاب المؤسسة، واتجه نحو سمارة. مد إليها ورقة صغيرة مطوية وقال باقتضاب: — اتصلي به. ثم استدار وغادر. فتحت الورقة ببطء. رقم هاتف. وتحته اسم واحد... عاطف. طوتها بهدوء، وأخفتها في جيب مئزرها. مضى ذلك الأسبوع مثقلًا بالتردد. كانت تخرج الورقة أحيانًا، تتأمل الرقم لحظات، ثم تعيد طيها سريعًا كلما سمعت وقع خطوات في الممر أو نداء إحدى زميلاتها. وفي القسم، كانت تحاول أن تركز في الدرس، غير أن اسمه كان يمر بخاطرها بين الحين والآخر، فتطرده وتعود إلى دفترها. ولما جاء صباح الخميس، كانت الورقة لا تزال في جيب مئزرها. وعندما وصلت إلى المحطة، وقعت عيناها على الهاتف العمومي. تجاوزته... ثم توقفت. التفتت إليه مرة أخرى. أخرجت الورقة ببطء، وظلت تحدق في الرقم طويلًا. لم تكن تعرف إن كان ما يدفعها إلى الاتصال فضولًا، أم رغبة في أن تعرف لماذا اختفى فجأة. أخذت نفسًا هادئًا، ثم رفعت السماعة. بدأت تضغط الأرقام، رقمًا بعد آخر. رن الهاتف مرتين... ثم جاءها صوته: ألو؟ انعقد لسانها. لم تستطع أن تنطق بكلمة. ساد صمت قصير. ثم قال بهدوء: — سمارة... أليس كذلك؟ اتسعت عيناها بدهشة. — كيف عرفت؟ ابتسم ابتسامة خفيفة، وقال: — لأنني أنتظر هذا الاتصال منذ أشهر. لم تعرف بماذا تجيب، فاكتفت بالصمت. فسألها برفق: — كيف حالك؟ — بخير... وأنت؟ ابتسم، وقال بصوت خافت: — الآن فقط... أصبحت بخير. شعرت بقلبها يخفق أسرع، لكنها لم تنبس بكلمة. قال بعد لحظة: — ستفوتك الحافلة. ثم أردف: هل ستتصلين ثانية؟ همست: — ربما... وأغلقت الخط. سمارة التي كانت ترفض مجرد الحديث مع أي شاب، وجدت نفسها تكسر ذلك المبدأ من أجل شخص لم تتبادل معه سوى نظراتٍ صامتة لأشهر. تنهدت بخفة، ثم أخفت الورقة في جيبها من جديد، ومضت نحو الحافلة وهي تحاول إقناع نفسها أن ما حدث لن يتكرر... لكنها، في أعماقها، لم تكن واثقة من ذلك. اتجهت سمارة نحو الحافلة بخطوات شاردة. كان كل شيء كما هو؛ الطريق نفسه، والضجيج نفسه، والوجوه نفسها... لكنها لم تعد كما كانت. شعرت أن شيئًا خفيًا تحرّك داخلها، شيئًا لم تستطع أن تمنحه اسمًا، لكنه جعل العالم يبدو مختلفًا قليلًا. عادت إلى البيت ذلك المساء وهي تحمل ذلك الشعور معها. كانت أكثر هدوءًا من المعتاد، وأكثر شرودًا. واكثر ابتساما. كان في داخلها امتلاء غريب، يخفف عنها ثقلًا لم تكن تشعر بوجوده من قبل. دخلت غرفتها، وأغلقت الباب برفق. اتجهت إلى جهاز الكمبيوتر، وجلست أمامه لحظات صامتة قبل أن تشغله. فتحت قائمة الموسيقى، واختارت أغنية اعتادت سماعها منذ سنوات. لكنها، في تلك الليلة، بدت وكأنها تسمعها للمرة الأولى. أسندت رأسها إلى الكرسي، وأغمضت عينيها. لأول مرة منذ زمن، لم تحاول الهرب من أفكارها، بل تركتها تمر بهدوء، وهي تراقبها بصمت. ومع حلول الليل، خفتت الأصوات في أرجاء البيت. أُغلقت الأبواب واحدًا تلو الآخر، وانطفأت الأنوار، واستسلم الجميع للنوم. انتظرت سمارة قليلًا، ثم نهضت بحذر. ألقت نظرة سريعة نحو الباب، تتأكد أن أحدًا لم يستيقظ، ثم تسللت بخطوات هادئة إلى غرفة والدتها. كان الهاتف فوق الطاولة. التقطته برفق، وعادت به إلى غرفتها، ثم أغلقت الباب خلفها. جلست على حافة السرير، وقلبها يخفق بسرعة لم تعهدها في نفسها. ظلت تحدق في الشاشة لحظات طويلة، قبل أن تكتب أخيرًا: «هذه أنا.» قرأت الرسالة مرة، ثم ضغطت زر الإرسال. لم تمضِ سوى ثوانٍ حتى اهتز الهاتف بين يديها. اتصال. اتسعت عيناها، وأسرعت تنظر نحو الباب، ثم نحو أختها النائمة. ترددت لحظة، قبل أن تضغط زر الرفض. وبأصابع ترتجف قليلًا، كتبت: — أختي نائمة بجانبي... لا أستطيع الرد. أرسلت الرسالة، وبقيت تحدق في الشاشة، تنتظر جوابه. لم يطل الانتظار. ظهر الرد: — من أنتِ؟ توقفت. أعادت قراءة الجملة مرة... ثم مرة أخرى. عقدت حاجبيها في حيرة. كانت تتوقع أي شيء... إلا هذا السؤال. ظل الهاتف بين يديها، بينما راحت الأفكار تتزاحم في رأسها. وأخيرًا، كتبت: — لا أحد... مجرد خطأ. لا تتصل بهذا الرقم مرة أخرى. ضغطت زر الإرسال، ثم وضعت الهاتف إلى جوارها. لكن النوم لم يزرها تلك الليلة. ظل سؤال واحد يدور في ذهنها بلا توقف... كيف يمكن لمن كان ينتظر اتصالها، أن يسألها فجأة: «من أنتِ؟» في الصباح التالي، بينما كانت سمارة تعبث بهاتف والدتها، اهتز الجهاز بين يديها معلنًا عن اتصال من عاطف. تسمّرت مكانها لثوانٍ. ماذا تفعل الآن؟ التقطت الهاتف بسرعة، وتسللت إلى غرفتها، ثم أغلقت الباب برفق قبل أن تضغط زر الإجابة. — ألو... جاءها صوته هادئًا، يحمل ابتسامة واضحة: — أهذه أنتِ يا سمارة؟ لم تحاول الإنكار، لكنها قالت بنبرة امتزج فيها العتب بالارتباك: — نعم... لكنك البارحة لم تعرفني؟ ضحك بخفة، ثم قال: — كنت أعرف أنها أنت... لكنني أردت أن أسمعها منك. ساد صمت قصير، قبل أن يضيف بنبرة واثقة: — أردت أن أسمعك تقولين: "أنا سمارة... حبيبتك." ارتبكت سمارة فورًا، وقالت بسرعة: — حبيبتك؟ أليس هذا مبكرًا؟ نحن لا نكاد نعرف بعضنا. ابتسم عاطف وقال بهدوء: — مبكر؟ أنا أراقبك منذ شهور يا سمارة. أعرف أنكِ تكثرين من الضحك كلما مررتِ أمامي، فقط حتى أتوهّم أنكِ لا تراقبينني أنتِ أيضًا. احمرّ وجهها وهمست محاولة التهرب: — أنت تتخيل أشياء كثيرة. ضحك بخفة وقال: — ربما... لكنني كنت متأكدًا أنك ستتصلين يومًا ما. ابتسمت دون أن تشعر، ثم قالت بخجل: — أما أنا... فكنت متأكدة أنني لن أفعل. قال بصوت دافئ: — وسعدت لأنك فعلتِ. ساد بينهما صمت قصير، شعرت خلاله سمارة بأن خجلها يزداد مع كل ثانية. ثم قالت على عجل: — أمي تناديني... يجب أن أغلق الآن. — حسنًا... إلى اللقاء يا سمارة. — إلى اللقاء. وأغلقت الخط بسرعة، بينما بقيت ابتسامة صغيرة ترتسم على شفتيهاتجمدت سمارة في مكانها.لم تكن تتوقعها.ولم يسبق لها أن هيأت قلبها لسماعها.شعرت وكأن قلبها أخطأ نبضته الأولى، ثم اندفع يخفق بعنف حتى خافت أن يسمعه من يقف حولها.ارتجفت أطراف أصابعها دون أن تشعر، وجف حلقها، ولم تعد تعرف أين تنظر.كانت تحاول أن ترفع عينيها إليه...لكن الخجل كان يسبقها في كل مرة، فيعيدهما إلى الأرض.للمرة الأولى، شعرت أن وجهها لم يعد ملكها.كانت حرارة الخجل تزحف إليه ببطء، حتى أحست أن وجنتيها تفضحان كل ما حاولت إخفاءه.أرادت أن تقول شيئًا...أي شيء.أن ترفع عينيها إليه.أن تبتسم دون أن يفضحها الخجل.أن تخبره أن قلبها لم يعد كما كان قبل لحظات.لكن الكلمات كلها بقيت حبيسة صدرها.فقط...ابتسامة صغيرة، خجولة، صادقة، ارتسمت على شفتيها دون استئذان.ابتسامة قالت ما عجزت عنه الكلمات.بقي عاطف ينظر إليها لحظات، وقد ارتخت ملامحه قليلًا، وكأنه وجد في تلك الابتسامة ما يكفي من الطمأنينة.ثم ابتسم هو الآخر... دون أن يقول شيئًا.---طوال طريق العودة، لم تستطع أن تهدئ قلبها.كانت كلما تذكرت صوته وهو يقول: "أنا أحبك." شعرت أن ابتسامة صغيرة ترتسم على شفتيها دون إرادة منها.لكن، في كل مرة
في المرقد، كانت الحياة تمضي كما اعتادت دائمًا.مع حلول الليل، تبدأ الهواتف المخفية بالخروج من أماكنها السرية، وتضيء الشاشات الصغيرة تحت الأغطية، بينما تتعالى الهمسات والضحكات المكتومة. كانت كل واحدة تجد شخصًا تتحدث إليه، أو رسالة تنتظرها، أو حكاية ترويها قبل النوم.أما سمارة، فكانت تراقب ذلك العالم بصمت.كثيرًا ما وقعت عيناها على هواتف زميلاتها، ثم سرعان ما تشيح بنظرها، كأنها تخشى أن يفضحها مجرد التفكير.كانت تستطيع أن تطلب هاتفًا من أي واحدة منهن، وتعرف أنها لن تُرفض.لكنها لم تفعل.كل ليلة كانت تؤجل الأمر إلى الليلة التي تليها، حتى أصبحت تؤمن أن الصمت أسهل من سؤال واحد قد يغيّر كل شيء.ومع ذلك، كانت الحياة داخل المرقد لا تتوقف.عقوبات جماعية بسبب ضحكة في وقت النوم، وأحاديث طويلة لا تنتهي، ومقالب بريئة، وأسرار تنتقل من سرير إلى آخر، ودموع تمسحها بقية الفتيات قبل أن تجف وحدها.كان ذلك المكان عالمًا كاملًا، بعيدًا عن الأهل، صنعته قلوب مراهقات يتعلمن الحياة للمرة الأولى.أما سمارة... فكانت تعيش بينهم بجسدها، بينما بقي جزء من قلبها عالقًا خارج أسوار المؤسسةوجاء يوم الخميس أخيرًا.ومنذ ا
اقترب رؤوف منها مباشرة، وعلى وجهه تلك الابتسامة المستفزة التي لا تكاد تفارقه.قال وهو يرمقها بنظرة ماكرة:— عاطف إذًا...رفعت سمارة رأسها إليه بسرعة، وقد ارتبكت للحظة.— ماذا؟ابتسم بخبث، ثم سألها:— هل تعرفينه؟نظرت إليه ببرود متعمد وقالت:— وهل تعرفه أنت؟ضحك رؤوف وهز رأسه.— طبعًا أعرفه. كان يدرس هنا العام الماضي.ثم مال قليلًا نحوهـا وأضاف:— لا تقولي إنك لم تريه مع ابنة رئيس البلدية!ظلت تنظر إليه دون أن تجيب.اتسعت ابتسامته وقال ساخرًا:— من أي كوكب أنتِ يا سمارة؟لكن الحقيقة أنها فعلًا لم تره من قبل.ورغم أنها كانت تعرف هاجر معرفة عابرة، فإنها لم تكن يومًا تهتم بالأحاديث التي تشغل معظم التلاميذ. كانت تعيش في عالمها الخاص؛ الدراسة، والضحكات، والأصدقاء، وتفاصيل أيامها البسيطة.ولهذا بدا لها الأمر الآن غريبًا ومؤلمًا في الوقت نفسه.كأنها دخلت حكاية بدأت قبل وصولها بوقت طويل...حكاية تحمل فصولًا لم تعشها، وأسرارًا لم يخبرها بها أحد.مرّت الحصص ببطء ذلك اليوم.كان الأستاذ يشرح، والطباشير يرسم سطوره على السبورة، لكن الكلمات كانت تعبر أذن سمارة دون أن تستقر في ذهنها.كانت تحاول أن ترك
كان يوم الاثنين غارقًا في الضجيج والمرح، كما اعتادت المجموعة دائمًا. جلست سمارة مع رؤوف وشيراز ومنى قرب الساحة، يراقبون التلاميذ الخارجين من الأقسام أثناء الاستراحة، بينما كان الهواء البارد يحرّك أوراق الأشجار المتناثرة على الأرض. وكعادته، كان رؤوف يحوّل أي موقف إلى مسرحية كاملة. وقف يقلّد أستاذة اللغة العربية بعد أن طردته صباحًا من الحصة، ثم شبك يديه خلف ظهره وراح يمشي بخطواتها نفسها وهو يقول بنبرة صارمة: — يا رؤوف... إذا كان الكلام يُمنح عليه علامات، لكنتَ الأول في المؤسسة! وفي وسط ذلك الدفء العابر، توقفت منى فجأة عن الضحك، ثم همست: — سمارة... انظري من أتى. رفعت سمارة رأسها دون تفكير. كان عاطف يدخل من الباب الخلفي للمؤسسة. توقفت أنفاسها لوهلة. ورغم كل الأسئلة التي ملأت قلبها منذ أن سمعت باسم هاجر... ورغم كل محاولاتها لإقناع نفسها بأن تبتعد عنه... إلا أن شيئًا داخلها فرح لرؤيته. فرحٌ عفوي، سبق عقلها، ولم يستأذن كبرياءها. أطرقت برأسها سريعًا، كأنها تحاول أن تخفي ذلك الشعور حتى عن نفسها. وأزعجها أنها لم تستطع. كيف يمكن لقلبها أن يشتاق إلى شخص أصبح يشككها في كل شيء؟ وكيف
صباح الأحد، عادت سمارة إلى المتوسطة.ترجلت من الحافلة بخطوات بطيئة، كأنها تؤجل لحظة الوصول عمدًا. كانت عيناها تسبقانها، تبحثان بين الوجوه عن شخص واحد.عاطف.ومنذ اللحظة الأولى، انقسم العالم من حولها إلى نصفين؛ ضجيج التلاميذ في الساحة، وصمتها في الداخل.ثم رأته.كان قادمًا من الجهة المقابلة، بخطوات هادئة، لا تعرف الاستعجال ولا التباطؤ، كأنه غارق في أفكاره أكثر من انشغاله بالطريق.وفي تلك اللحظة، شعرت أن الزمن تباطأ.تدافعت الأسئلة داخلها دون استئذان.هل سيتوقف؟هل سينظر إليّ؟هل سيتحدث معي؟لكن الواقع كان أبسط بكثير مما رسمه خيالها.اقترب منها، ومر بجوارها دون أن يتوقف.وحين أصبح بمحاذاتها تمامًا، قال بصوت هادئ، كأنه يلقي تحية عابرة:— صباح الخير يا حبيبتي.ثم تابع طريقه، دون أن يلتفت.أما هي، فبقيت واقفة في مكانها.كانت الكلمة تتردد داخلها بإلحاح."يا حبيبتي..."لم تكن غاضبة...ولم تكن سعيدة كما توقعت أيضًا.شيء ما في داخلها ارتبك.لقد اعتادت عاطف الصامت، البعيد، الذي يكتفي بالنظر من مسافة، ويترك للصمت أن يقول ما يعجز عنه الكلام.أما هذا العاطف، الذي ينطق بكلمة كبيرة بهذه السهولة، فقد
وفي صباح أحد الأيام، وبينما كانت الحافلات تستعد للمغادرة، توقفت دراجة نارية غير بعيد عنهن.ترجل منها شاب بدا أكبر من طلاب المؤسسة، واتجه نحو سمارة.مد إليها ورقة صغيرة مطوية وقال باقتضاب:— اتصلي به.ثم استدار وغادر.فتحت الورقة ببطء.رقم هاتف.وتحته اسم واحد...عاطف.طوتها بهدوء، وأخفتها في جيب مئزرها.مضى ذلك الأسبوع مثقلًا بالتردد.كانت تخرج الورقة أحيانًا، تتأمل الرقم لحظات، ثم تعيد طيها سريعًا كلما سمعت وقع خطوات في الممر أو نداء إحدى زميلاتها.وفي القسم، كانت تحاول أن تركز في الدرس، غير أن اسمه كان يمر بخاطرها بين الحين والآخر، فتطرده وتعود إلى دفترها.ولما جاء صباح الخميس، كانت الورقة لا تزال في جيب مئزرها.وعندما وصلت إلى المحطة، وقعت عيناها على الهاتف العمومي.تجاوزته...ثم توقفت.التفتت إليه مرة أخرى.أخرجت الورقة ببطء، وظلت تحدق في الرقم طويلًا.لم تكن تعرف إن كان ما يدفعها إلى الاتصال فضولًا، أم رغبة في أن تعرف لماذا اختفى فجأة.أخذت نفسًا هادئًا، ثم رفعت السماعة.بدأت تضغط الأرقام، رقمًا بعد آخر.رن الهاتف مرتين...ثم جاءها صوته:ألو؟انعقد لسانها. لم تستطع أن تنطق بكلمة.





