مشاركة

ظل فتاة اخرى

مؤلف: إحداهن
last update تاريخ النشر: 2026-07-28 07:37:37

صباح الأحد، عادت سمارة إلى المتوسطة.

ترجلت من الحافلة بخطوات بطيئة، كأنها تؤجل لحظة الوصول عمدًا. كانت عيناها تسبقانها، تبحثان بين الوجوه عن شخص واحد.

عاطف.

ومنذ اللحظة الأولى، انقسم العالم من حولها إلى نصفين؛ ضجيج التلاميذ في الساحة، وصمتها في الداخل.

ثم رأته.

كان قادمًا من الجهة المقابلة، بخطوات هادئة، لا تعرف الاستعجال ولا التباطؤ، كأنه غارق في أفكاره أكثر من انشغاله بالطريق.

وفي تلك اللحظة، شعرت أن الزمن تباطأ.

تدافعت الأسئلة داخلها دون استئذان.

هل سيتوقف؟

هل سينظر إليّ؟

هل سيتحدث معي؟

لكن الواقع كان أبسط بكثير مما رسمه خيالها.

اقترب منها، ومر بجوارها دون أن يتوقف.

وحين أصبح بمحاذاتها تمامًا، قال بصوت هادئ، كأنه يلقي تحية عابرة:

— صباح الخير يا حبيبتي.

ثم تابع طريقه، دون أن يلتفت.

أما هي، فبقيت واقفة في مكانها.

كانت الكلمة تتردد داخلها بإلحاح.

"يا حبيبتي..."

لم تكن غاضبة...

ولم تكن سعيدة كما توقعت أيضًا.

شيء ما في داخلها ارتبك.

لقد اعتادت عاطف الصامت، البعيد، الذي يكتفي بالنظر من مسافة، ويترك للصمت أن يقول ما يعجز عنه الكلام.

أما هذا العاطف، الذي ينطق بكلمة كبيرة بهذه السهولة، فقد كان جديدًا عليها.

وللمرة الأولى، شعرت أن الصورة التي رسمتها له في خيالها ليست مطابقة تمامًا للواقع.

لم تنطفئ مشاعرها...

لكنها أدركت أن معرفتها به لم تبدأ بعد.

وسارت نحو باب المؤسسة، بينما ظل سؤال صغير يرافقها بصمت:

من هو عاطف حقًا؟

مرّت الأيام التالية بهدوء، وعادت الحياة داخل المؤسسة إلى إيقاعها المعتاد.

الجرس نفسه، والممرات نفسها، والوجوه التي اعتادت رؤيتها كل صباح.

كان كل شيء كما هو...

إلا سمارة.

كانت تحاول أن تعيش يومها كما اعتادت، لكن ذهنها كان يفلت منها بين الحين والآخر، دون أن تشعر.

في إحدى الحصص، طرح الأستاذ سؤالًا على القسم.

انتظر الجميع أن ترفع سمارة يدها كعادتها، لكنها بقيت شاردة، تحدق في السبورة دون أن تسمع السؤال أصلًا.

ابتسم رؤوف وهمس:

— يبدو أن العبقرية أخذت إجازة اليوم.

ضحك بعض التلاميذ بخفة.

انتبهت سمارة متأخرة، فابتسمت ابتسامة مرتبكة، ثم خفضت رأسها إلى دفترها.

وفي الاستراحة، كانت منى تسير إلى جانبها كعادتها.

تأملتها طويلًا، ثم قالت:

— منذ أيام وأنتِ لستِ أنتِ... ماذا يشغل بالك؟

هزت سمارة رأسها محاولة إنهاء الحديث.

— لا شيء... فقط لم أنم جيدًا.

لم تقتنع منى، لكنها لم تُلح.

بعد قليل، انضمت إليهما شيراز، وجلست على الدرج الحجري وهي تقضم بذور دوار الشمس.

قالت متأففة:

— أشعر أن الأيام أصبحت متشابهة... لا شيء يتغير.

ابتسمت سمارة ابتسامة خافتة.

— بل يتغير... لكن ليس دائمًا أمام أعيننا.

رمقتها شيراز باستغراب، ثم ضحكت.

— منذ متى أصبحتِ فيلسوفة؟

اكتفت سمارة بالابتسام.

أما منى، فبقيت تراقبها بصمت.

كانت تعرف صديقتها جيدًا.

وتعرف أيضًا أن هذا الهدوء الجديد لم يكن هدوءًا عاديًا...

بل كان يخفي شيئًا لم تخبر به أحدًا بعد.

قطع ذلك الصمت مرور مجموعة من فتيات القسم المجاور.

توقفن على مقربة منهن، وتبادلن همسات خافتة، بينما كانت نظراتهن تتسلل بين الحين والآخر نحو سمارة.

لم يخفَ ذلك على منى.

مالت نحو شيراز وهمست:

— لا أريد أن أظلمهن... انظري جيدًا، هل أتوهّم، أم أنهن يتحدثن عن سمارة؟

راقبت شيراز المشهد لثوانٍ، ثم قالت:

— لا... لستِ تتوهمين، إنهن ينظرن إليها فعلًا.

وضعت يدها برفق على كتف سمارة.

— هل تعرفين أولئك الفتيات؟

التفتت سمارة باستغراب.

— لا... لماذا؟

لم تنتظر منى أكثر.

نهضت بثقة وقالت:

— تعاليا معي... سنعرف الآن.

تبادلت سمارة وشيراز نظرة سريعة، ثم لحقتا بها.

وحين اقتربت من المجموعة، سألت منى مباشرة:

— خير إن شاء الله؟ منذ قليل وأنتم تتهامسون وتنظرون إلينا... ماذا هناك؟

ساد صمت قصير.

ثم ابتسمت إحدى الفتيات ابتسامة خفيفة، وقالت وهي تنظر إلى سمارة:

— كنا نقارن فقط... بين حبيبة عاطف الجديدة والقديمة.

عقدت منى حاجبيها باستغراب.

— ما هذا الهراء؟ سمارة حبيبة عاطف؟ منذ متى؟

ابتسمت فتاة أخرى ابتسامة ساخرة وقالت:

— يبدو أن الخبر لم يصلكم بعد.

قالت منى بنفاد صبر:

— أي خبر؟

أجابت الفتاة ببساطة:

— صباح اليوم... مرّ عاطف بجانبها أمام الجميع وقال لها: "صباح الخير يا حبيبتي."

وأضافت أخرى وهي تهز كتفيها:

— وهل تظنين أن أحدًا يستطيع أن يخفي شيئًا؟ الخبر انتشر في أقل من ساعة.

ساد الصمت.

شعرت منى بصدمة واضحة، ثم التفتت ببطء نحو سمارة.

كانت نظرتها هذه المرة مختلفة...

لم تكن تحمل الدهشة وحدها، بل شيئًا من العتب الصامت.

أما سمارة، فلم تجد ما تقوله.

فاكتفت بخفض رأسها.

بينما بقيت شيراز تراقب صديقتها في صمت.

كانت تعرفها جيدًا، وأدركت أن كبرياءها يمنعها من طرح السؤال الذي يشغلها الآن.

لذلك التفتت إلى الفتيات، وسألت بهدوء:

— ومن هي حبيبته السابقة؟

أجابت إحداهن دون تردد:

— هاجر... ابنة رئيس البلدية.

توقفت الكلمات عند هذا الاسم.

هاجر...

وراحت سمارة تردد الاسم في داخلها بصمت، كأنها تحاول أن تمنحه وجهًا لم تره بعد.

لكنها لم تحتج إلى الانتظار طويلًا.

فما إن رفعت عينيها، حتى وقعتا عليها.

كانت تقف على مسافة غير بعيدة، تتحدث مع بعض زميلاتها بهدوء، دون أن تدري أن فتاة أخرى أخذت تتأملها في صمت.

حدقت فيها سمارة طويلًا.

لم يكن بينهما تشابه يلفت النظر من الوهلة الأولى، غير أن شيئًا خفيًا في هدوء الملامح، وفي نظرات العينين، وفي طريقة وقوفها، أيقظ داخلها إحساسًا غريبًا لم تستطع تفسيره.

أبعدت عينيها عنها، ثم عادت تنظر إليها مرة أخرى، كأنها تبحث عن شيء لا تعرف اسمه.

وفي تلك اللحظة، تسلل إليها سؤال لم تستطع منعه:

هل أحبني لأنني أنا... أم لأنني أذكره بها؟

تسارعت الأفكار داخلها.

الكلمات التي قالها لها...

والنظرات التي ظنتها مختلفة...

وثقته وهو يناديها أمام الجميع...

كل ذلك لم يعد يبدو بالوضوح نفسه.

وللمرة الأولى، شعرت أن الصورة التي رسمتها لعاطف بدأت تتشقق قليلًا.

ليس لأنها اكتشفت حقيقة...

بل لأنها لم تعد تعرف أين تنتهي الحقيقة، وأين تبدأ أوهامها.

انسحبت من بين الفتيات بخطوات بطيئة، بينما كانت كلمات منى القديمة تعود إلى ذهنها، لا كذكرى بعيدة، بل كأنها تُقال الآن:

— «أنتِ لستِ من هذا النوع.»

يومها أزعجتها تلك العبارة.

أما الآن...

فبدت أثقل مما كانت تتخيل.

خفضت رأسها وهي تمضي في طريقها، وشعرت للمرة الأولى أن قلبها، الذي كانت تظنه واضحًا أمامها، بدأ يمتلئ بأسئلة لا تملك لها جوابًا.

مرّت الحصص ببطء، ولم تستطع أن تركز في كلمة واحدة.

كانت الأفكار تتزاحم في رأسها، بينما ظل السؤال الذي وُلد في الساحة يطغى على كل شيء:

هل أحبني لأنني أنا... أم لأنني أذكره بها؟

ومع انطلاق جرس نهاية الدوام، عادت الفتيات إلى المرقد.

ومنذ اللحظة الأولى، لاحظت سمارة أن منى لم تعد كما كانت.

لم تلتفت إليها، ولم تبادلها الحديث، واكتفت بالإجابة بكلمات قصيرة كلما اضطرت إلى ذلك.

في البداية، أقنعت سمارة نفسها بأن الأمر مجرد صدفة.

لكن حين نزلن إلى قاعة الطعام، حملت منى صحنها واتجهت إلى طاولة أخرى، تاركة المكان الذي اعتادت الجلوس فيه مع سمارة وشيراز.

حينها فقط...

أدركت سمارة أن صديقتها تتجنبها عمدًا.

وبعد انتهاء العشاء، أسرعت خلفها.

— منى... انتظريني.

توقفت منى، لكنها لم تلتفت إليها إلا بعد لحظات.

اقتربت منها سمارة وقالت بصوت خافت:

— أعرف أنك غاضبة مني... لكن أرجوك، افهميني.

ظلت منى صامتة.

تابعت سمارة، وقد بدا الارتباك واضحًا في عينيها:

— لم أقصد أن أخفي عنك شيئًا... كنت سأخبرك، لكنني كنت أحاول أولًا أن أفهم ما أشعر به. حتى أنا لم أكن أعرف ما الذي يحدث.

نظرت إليها منى طويلًا، ثم قالت بهدوء امتزج فيه العتب بالألم:

— ما آلمني ليس أنك أحببتِ... بل أن الجميع عرف قبلي.

خفضت سمارة رأسها.

— أعلم... وأعتذر.

تنهدت منى، ثم اقتربت منها خطوة.

— كنت أظن أنني أول من تلجئين إليه... في الفرح قبل الحزن.

ارتجف صوت سمارة وهي تقول:

— وما زلتِ كذلك... صدقيني. أخطأت، لكنني لم أشك يومًا في مكانتك عندي.

ساد بينهما صمت قصير.

ثم مدت منى يدها، وربتت برفق على كتفها.

— لا تفعليها مرة أخرى.

ارتسمت ابتسامة صغيرة على وجه سمارة، بينما شعرت أن حملًا ثقيلًا انزاح عن قلبها... ولو قليلًا.

رفعت رأسها نحو منى، فوجدت ابتسامتها القديمة تعود إليها شيئًا فشيئًا.

وفي تلك اللحظة، أدركت أن بعض العلاقات لا تحتاج إلى كلمات كثيرة كي تُرمَّم...

بل تحتاج فقط إلى صدقٍ يأتي في وقته.

وسارتا معًا نحو المرقد، بينما كانت سمارة تعلم أن الأسئلة التي أثقلتها ذلك اليوم لم تجد جوابها بعد…

استمر في قراءة هذا الكتاب مجانا
امسح الكود لتنزيل التطبيق

أحدث فصل

  • عواصف مراهقة   بين الحب و الفقد

    تجمدت سمارة في مكانها.لم تكن تتوقعها.ولم يسبق لها أن هيأت قلبها لسماعها.شعرت وكأن قلبها أخطأ نبضته الأولى، ثم اندفع يخفق بعنف حتى خافت أن يسمعه من يقف حولها.ارتجفت أطراف أصابعها دون أن تشعر، وجف حلقها، ولم تعد تعرف أين تنظر.كانت تحاول أن ترفع عينيها إليه...لكن الخجل كان يسبقها في كل مرة، فيعيدهما إلى الأرض.للمرة الأولى، شعرت أن وجهها لم يعد ملكها.كانت حرارة الخجل تزحف إليه ببطء، حتى أحست أن وجنتيها تفضحان كل ما حاولت إخفاءه.أرادت أن تقول شيئًا...أي شيء.أن ترفع عينيها إليه.أن تبتسم دون أن يفضحها الخجل.أن تخبره أن قلبها لم يعد كما كان قبل لحظات.لكن الكلمات كلها بقيت حبيسة صدرها.فقط...ابتسامة صغيرة، خجولة، صادقة، ارتسمت على شفتيها دون استئذان.ابتسامة قالت ما عجزت عنه الكلمات.بقي عاطف ينظر إليها لحظات، وقد ارتخت ملامحه قليلًا، وكأنه وجد في تلك الابتسامة ما يكفي من الطمأنينة.ثم ابتسم هو الآخر... دون أن يقول شيئًا.---طوال طريق العودة، لم تستطع أن تهدئ قلبها.كانت كلما تذكرت صوته وهو يقول: "أنا أحبك." شعرت أن ابتسامة صغيرة ترتسم على شفتيها دون إرادة منها.لكن، في كل مرة

  • عواصف مراهقة   اعتراف

    في المرقد، كانت الحياة تمضي كما اعتادت دائمًا.مع حلول الليل، تبدأ الهواتف المخفية بالخروج من أماكنها السرية، وتضيء الشاشات الصغيرة تحت الأغطية، بينما تتعالى الهمسات والضحكات المكتومة. كانت كل واحدة تجد شخصًا تتحدث إليه، أو رسالة تنتظرها، أو حكاية ترويها قبل النوم.أما سمارة، فكانت تراقب ذلك العالم بصمت.كثيرًا ما وقعت عيناها على هواتف زميلاتها، ثم سرعان ما تشيح بنظرها، كأنها تخشى أن يفضحها مجرد التفكير.كانت تستطيع أن تطلب هاتفًا من أي واحدة منهن، وتعرف أنها لن تُرفض.لكنها لم تفعل.كل ليلة كانت تؤجل الأمر إلى الليلة التي تليها، حتى أصبحت تؤمن أن الصمت أسهل من سؤال واحد قد يغيّر كل شيء.ومع ذلك، كانت الحياة داخل المرقد لا تتوقف.عقوبات جماعية بسبب ضحكة في وقت النوم، وأحاديث طويلة لا تنتهي، ومقالب بريئة، وأسرار تنتقل من سرير إلى آخر، ودموع تمسحها بقية الفتيات قبل أن تجف وحدها.كان ذلك المكان عالمًا كاملًا، بعيدًا عن الأهل، صنعته قلوب مراهقات يتعلمن الحياة للمرة الأولى.أما سمارة... فكانت تعيش بينهم بجسدها، بينما بقي جزء من قلبها عالقًا خارج أسوار المؤسسةوجاء يوم الخميس أخيرًا.ومنذ ا

  • عواصف مراهقة   ندبة لا ترى

    اقترب رؤوف منها مباشرة، وعلى وجهه تلك الابتسامة المستفزة التي لا تكاد تفارقه.قال وهو يرمقها بنظرة ماكرة:— عاطف إذًا...رفعت سمارة رأسها إليه بسرعة، وقد ارتبكت للحظة.— ماذا؟ابتسم بخبث، ثم سألها:— هل تعرفينه؟نظرت إليه ببرود متعمد وقالت:— وهل تعرفه أنت؟ضحك رؤوف وهز رأسه.— طبعًا أعرفه. كان يدرس هنا العام الماضي.ثم مال قليلًا نحوهـا وأضاف:— لا تقولي إنك لم تريه مع ابنة رئيس البلدية!ظلت تنظر إليه دون أن تجيب.اتسعت ابتسامته وقال ساخرًا:— من أي كوكب أنتِ يا سمارة؟لكن الحقيقة أنها فعلًا لم تره من قبل.ورغم أنها كانت تعرف هاجر معرفة عابرة، فإنها لم تكن يومًا تهتم بالأحاديث التي تشغل معظم التلاميذ. كانت تعيش في عالمها الخاص؛ الدراسة، والضحكات، والأصدقاء، وتفاصيل أيامها البسيطة.ولهذا بدا لها الأمر الآن غريبًا ومؤلمًا في الوقت نفسه.كأنها دخلت حكاية بدأت قبل وصولها بوقت طويل...حكاية تحمل فصولًا لم تعشها، وأسرارًا لم يخبرها بها أحد.مرّت الحصص ببطء ذلك اليوم.كان الأستاذ يشرح، والطباشير يرسم سطوره على السبورة، لكن الكلمات كانت تعبر أذن سمارة دون أن تستقر في ذهنها.كانت تحاول أن ترك

  • عواصف مراهقة   النظرة التي اربكته

    كان يوم الاثنين غارقًا في الضجيج والمرح، كما اعتادت المجموعة دائمًا. جلست سمارة مع رؤوف وشيراز ومنى قرب الساحة، يراقبون التلاميذ الخارجين من الأقسام أثناء الاستراحة، بينما كان الهواء البارد يحرّك أوراق الأشجار المتناثرة على الأرض. وكعادته، كان رؤوف يحوّل أي موقف إلى مسرحية كاملة. وقف يقلّد أستاذة اللغة العربية بعد أن طردته صباحًا من الحصة، ثم شبك يديه خلف ظهره وراح يمشي بخطواتها نفسها وهو يقول بنبرة صارمة: — يا رؤوف... إذا كان الكلام يُمنح عليه علامات، لكنتَ الأول في المؤسسة! وفي وسط ذلك الدفء العابر، توقفت منى فجأة عن الضحك، ثم همست: — سمارة... انظري من أتى. رفعت سمارة رأسها دون تفكير. كان عاطف يدخل من الباب الخلفي للمؤسسة. توقفت أنفاسها لوهلة. ورغم كل الأسئلة التي ملأت قلبها منذ أن سمعت باسم هاجر... ورغم كل محاولاتها لإقناع نفسها بأن تبتعد عنه... إلا أن شيئًا داخلها فرح لرؤيته. فرحٌ عفوي، سبق عقلها، ولم يستأذن كبرياءها. أطرقت برأسها سريعًا، كأنها تحاول أن تخفي ذلك الشعور حتى عن نفسها. وأزعجها أنها لم تستطع. كيف يمكن لقلبها أن يشتاق إلى شخص أصبح يشككها في كل شيء؟ وكيف

  • عواصف مراهقة   ظل فتاة اخرى

    صباح الأحد، عادت سمارة إلى المتوسطة.ترجلت من الحافلة بخطوات بطيئة، كأنها تؤجل لحظة الوصول عمدًا. كانت عيناها تسبقانها، تبحثان بين الوجوه عن شخص واحد.عاطف.ومنذ اللحظة الأولى، انقسم العالم من حولها إلى نصفين؛ ضجيج التلاميذ في الساحة، وصمتها في الداخل.ثم رأته.كان قادمًا من الجهة المقابلة، بخطوات هادئة، لا تعرف الاستعجال ولا التباطؤ، كأنه غارق في أفكاره أكثر من انشغاله بالطريق.وفي تلك اللحظة، شعرت أن الزمن تباطأ.تدافعت الأسئلة داخلها دون استئذان.هل سيتوقف؟هل سينظر إليّ؟هل سيتحدث معي؟لكن الواقع كان أبسط بكثير مما رسمه خيالها.اقترب منها، ومر بجوارها دون أن يتوقف.وحين أصبح بمحاذاتها تمامًا، قال بصوت هادئ، كأنه يلقي تحية عابرة:— صباح الخير يا حبيبتي.ثم تابع طريقه، دون أن يلتفت.أما هي، فبقيت واقفة في مكانها.كانت الكلمة تتردد داخلها بإلحاح."يا حبيبتي..."لم تكن غاضبة...ولم تكن سعيدة كما توقعت أيضًا.شيء ما في داخلها ارتبك.لقد اعتادت عاطف الصامت، البعيد، الذي يكتفي بالنظر من مسافة، ويترك للصمت أن يقول ما يعجز عنه الكلام.أما هذا العاطف، الذي ينطق بكلمة كبيرة بهذه السهولة، فقد

  • عواصف مراهقة   الاتصال الاول

    وفي صباح أحد الأيام، وبينما كانت الحافلات تستعد للمغادرة، توقفت دراجة نارية غير بعيد عنهن.ترجل منها شاب بدا أكبر من طلاب المؤسسة، واتجه نحو سمارة.مد إليها ورقة صغيرة مطوية وقال باقتضاب:— اتصلي به.ثم استدار وغادر.فتحت الورقة ببطء.رقم هاتف.وتحته اسم واحد...عاطف.طوتها بهدوء، وأخفتها في جيب مئزرها.مضى ذلك الأسبوع مثقلًا بالتردد.كانت تخرج الورقة أحيانًا، تتأمل الرقم لحظات، ثم تعيد طيها سريعًا كلما سمعت وقع خطوات في الممر أو نداء إحدى زميلاتها.وفي القسم، كانت تحاول أن تركز في الدرس، غير أن اسمه كان يمر بخاطرها بين الحين والآخر، فتطرده وتعود إلى دفترها.ولما جاء صباح الخميس، كانت الورقة لا تزال في جيب مئزرها.وعندما وصلت إلى المحطة، وقعت عيناها على الهاتف العمومي.تجاوزته...ثم توقفت.التفتت إليه مرة أخرى.أخرجت الورقة ببطء، وظلت تحدق في الرقم طويلًا.لم تكن تعرف إن كان ما يدفعها إلى الاتصال فضولًا، أم رغبة في أن تعرف لماذا اختفى فجأة.أخذت نفسًا هادئًا، ثم رفعت السماعة.بدأت تضغط الأرقام، رقمًا بعد آخر.رن الهاتف مرتين...ثم جاءها صوته:ألو؟انعقد لسانها. لم تستطع أن تنطق بكلمة.

فصول أخرى
استكشاف وقراءة روايات جيدة مجانية
الوصول المجاني إلى عدد كبير من الروايات الجيدة على تطبيق GoodNovel. تنزيل الكتب التي تحبها وقراءتها كلما وأينما أردت
اقرأ الكتب مجانا في التطبيق
امسح الكود للقراءة على التطبيق
DMCA.com Protection Status