LOGINلم يمرّ العام الرابع على سمارة كما مرّت الأعوام السابقة.
كانت قد أصبحت أكثر حضورًا وثقة بنفسها، ولم يعد ذلك الخجل الطفولي الذي لازمها في بداياتها واضحًا كما كان. اعتادت أن تلاحظ النظرات التي تتبعها أحيانًا، وأن تتعامل مع محاولات التقرب منها بالهدوء نفسه الذي اعتادته. لم تكن ترى في تلك الأمور ما يستحق أن يشغلها. فقد رسمت حدودها بوضوح، واعتادت أن تحافظ على المسافة التي تجعلها مرتاحة، مقتنعة بأن لا أحد يستطيع أن يغير قناعاتها بسهولة. لكنها لم تكن تعلم أن بعض التفاصيل الصغيرة قد تترك أثرًا أكبر مما نتوقع. كان صباح الأحد هادئًا على غير العادة. امتلأت الطرقات المؤدية إلى المؤسسة بالتلاميذ العائدين من عطلة نهاية الأسبوع، بخطوات بطيئة ووجوه لم تتخلص بعد من راحة البيت. كانت سمارة تمشي وسط صديقاتها كعادتها، تحمل حقيبتها على كتف واحد، وتشاركهن الحديث والضحك دون أن تلقي بالًا لما يدور حولها. وفي أثناء سيرها، وقع بصرها مصادفة على شاب يقف قرب مدخل الثانوية المجاورة. بدا وكأنه ينتظر أحدًا. لم تهتم في البداية، وأكملت طريقها بصورة طبيعية. لكنها، قبل أن تدخل بوابة المؤسسة، رفعت رأسها مرة أخرى دون قصد، فوجدته ما يزال في مكانه، ينظر في اتجاهها بهدوء. لم تكن نظرته تشبه تلك النظرات التي اعتادت أن تراها من الآخرين؛ لم يكن فيها إلحاح أو محاولة واضحة لجذب انتباهها، بل مجرد هدوء غريب جعلها تتوقف للحظة دون أن تعرف السبب. أشاحت ببصرها سريعًا، ومضت مع صديقاتها. هل كان ينظر إليّ فعلًا، أم أنني توهمت ذلك؟ سؤال بسيط مرّ في ذهنها، ثم حاولت أن تطرده كما تطرد أي فكرة عابرة. لم يشغلها الأمر طويلًا، وانصرفت عنه مع بداية الحصص، لكنها لم تكن تعلم أن ذلك المشهد البسيط سيتكرر. لم يكن طالبًا في متوسطة سمارة، بل في الثانوية القريبة، ولهذا ارتبط ظهوره غالبًا بيومي الأحد والخميس؛ يومي الذهاب والعودة. ومع مرور الأسابيع، تكرر وجوده أكثر من مرة. كانت تراه واقفًا في المكان نفسه تقريبًا، بالنظرة الهادئة ذاتها، ثم يمضي كل واحد منهما في طريقه دون كلمة. في البداية، اعتبرت الأمر مجرد مصادفة. لكنها بدأت، دون أن تنتبه، تحفظ مكان وقوفه. فإذا رأته، تابعت سيرها كأن شيئًا لم يكن، وإذا لم تجده، لم تتوقف طويلًا عند الأمر... لكنها كانت تدرك أنها لاحظت غيابه. وكان ذلك أكثر ما أزعجها. لم تكن تفهم لماذا انتبهت لشخص لم يحاول حتى الاقتراب منها. أما هو، فلم يحاول إرسال رسالة، ولم يبحث عن طريقة لفرض وجوده. لم يكن يفعل شيئًا سوى أنه يظهر للحظات، يلتقي نظرهما من بعيد، ثم يرحل. وكان هذا الصمت الغريب هو ما أثار فضولها أكثر. فهي اعتادت أن تتجاهل من يحاولون لفت انتباهها بالكلام أو الملاحقة، أما هذا الشاب فلم يقدم لها سببًا واضحًا لتتجاهله أو ترفضه. كان مجرد حضور هادئ... وهذا وحده كان كافيًا ليجعلها تتساءل. وفي أحد صباحات الأحد، كانت غرفة المبيت تعجّ بالفوضى المعتادة؛ حقائب تُفتح، وأغطية تُرتب على عجل، وأصوات الفتيات تختلط بالضحكات والحديث عن عطلة مرت سريعًا. كانت سمارة تقف أمام خزانتها ترتب أغراضها، حين اقتربت منها شيراز بخطوات سريعة ونظرة لا تخفي فضولها. همست: — سمارة... هل لاحظتِ ذلك الشاب الذي نراه كل أحد وخميس عند الطريق؟ توقفت يد سمارة لحظة، ثم أغلقت خزانتها وقالت بهدوء: — أي شاب؟ ابتسمت شيراز بخبث: — ذلك الأسمر... الذي يقف قرب الثانوية وينظر نحوك. قالت سمارة بسرعة: — أنا لا أراقب الناس حتى أنتبه لمثل هذه الأمور. ضحكت شيراز: — . — اسمه عاطف... ويريد أن يتحدث معك. توقفت سمارة للحظة. عاطف. لأول مرة، أصبح لذلك الوجه الذي كانت تراه من بعيد اسم تعرفه. بدا الاسم غريبًا عليها للحظة، كأنها كانت تعرف وجوده قبل أن تعرف صاحبه. وعادت في ذهنها تلك الوقفات الصامتة عند الطريق، والنظرة الهادئة التي لم تطلب منها شيئًا. ثم قطعت الفكرة بسرعة. قالت: — وماذا يريد مني؟ أنا لا أتحدث مع الغرباء. ابتسمت شيراز وهي تراقبها: — كنت أعرف أنك ستقولين ذلك. شدّت سمارة أطراف مئزرها وقالت بثبات: — أخبريه أنني لا أريد هذا النوع من العلاقات. لا أصاحب الذكور، ولا أريد أن يتكرر الأمر. هزت شيراز كتفيها: — حسنًا... سأوصل له الرسالة. وغادرت نحو بقية الفتيات، بينما بقيت سمارة واقفة للحظات أمام خزانتها المغلقة. عاطف... لم يكن الاسم يعني لها شيئًا قبل دقائق، لكنه ارتبط في ذهنها بصورة وجه رأته مرات كثيرة دون أن تعرف عنه شيئًا. استغربت نفسها أكثر مما استغربت ذلك الشاب. لماذا بقي الاسم في ذاكرتي؟ هزّت رأسها كأنها تطرد فكرة لا تستحق البقاء، ثم عادت إلى ما كانت تفعله. — لا يعنيني الأمر. لكنها، للمرة الأولى منذ وقت طويل، لم تستطع أن تقنع نفسها بسهولة. وفي تلك الليلة، تمددت على سريرها داخل المبيت، بينما كانت الغرفة تغرق في الضجيج المعتاد؛ ضحكات وهمسات وأحاديث لا تنتهي. أما هي، فكانت تحدق في السقف بصمت. كلما حاولت التفكير في شيء آخر، عاد اسم واحد إلى ذاكرتها. عاطف. لم يكن الأمر إعجابًا، ولم تكن تعرف عنه ما يكفي لتشعر بشيء محدد. لكنها كانت منزعجة من فكرة واحدة فقط... أن شخصًا لم يحاول الاقتراب منها استطاع، بطريقة غريبة، أن يجعلها تنتبه إلى وجوده. أغمضت عينيها أخيرًا، محاولة إقناع نفسها بأن الأمر لا يستحق كل هذا التفكير.تجمدت سمارة في مكانها.لم تكن تتوقعها.ولم يسبق لها أن هيأت قلبها لسماعها.شعرت وكأن قلبها أخطأ نبضته الأولى، ثم اندفع يخفق بعنف حتى خافت أن يسمعه من يقف حولها.ارتجفت أطراف أصابعها دون أن تشعر، وجف حلقها، ولم تعد تعرف أين تنظر.كانت تحاول أن ترفع عينيها إليه...لكن الخجل كان يسبقها في كل مرة، فيعيدهما إلى الأرض.للمرة الأولى، شعرت أن وجهها لم يعد ملكها.كانت حرارة الخجل تزحف إليه ببطء، حتى أحست أن وجنتيها تفضحان كل ما حاولت إخفاءه.أرادت أن تقول شيئًا...أي شيء.أن ترفع عينيها إليه.أن تبتسم دون أن يفضحها الخجل.أن تخبره أن قلبها لم يعد كما كان قبل لحظات.لكن الكلمات كلها بقيت حبيسة صدرها.فقط...ابتسامة صغيرة، خجولة، صادقة، ارتسمت على شفتيها دون استئذان.ابتسامة قالت ما عجزت عنه الكلمات.بقي عاطف ينظر إليها لحظات، وقد ارتخت ملامحه قليلًا، وكأنه وجد في تلك الابتسامة ما يكفي من الطمأنينة.ثم ابتسم هو الآخر... دون أن يقول شيئًا.---طوال طريق العودة، لم تستطع أن تهدئ قلبها.كانت كلما تذكرت صوته وهو يقول: "أنا أحبك." شعرت أن ابتسامة صغيرة ترتسم على شفتيها دون إرادة منها.لكن، في كل مرة
في المرقد، كانت الحياة تمضي كما اعتادت دائمًا.مع حلول الليل، تبدأ الهواتف المخفية بالخروج من أماكنها السرية، وتضيء الشاشات الصغيرة تحت الأغطية، بينما تتعالى الهمسات والضحكات المكتومة. كانت كل واحدة تجد شخصًا تتحدث إليه، أو رسالة تنتظرها، أو حكاية ترويها قبل النوم.أما سمارة، فكانت تراقب ذلك العالم بصمت.كثيرًا ما وقعت عيناها على هواتف زميلاتها، ثم سرعان ما تشيح بنظرها، كأنها تخشى أن يفضحها مجرد التفكير.كانت تستطيع أن تطلب هاتفًا من أي واحدة منهن، وتعرف أنها لن تُرفض.لكنها لم تفعل.كل ليلة كانت تؤجل الأمر إلى الليلة التي تليها، حتى أصبحت تؤمن أن الصمت أسهل من سؤال واحد قد يغيّر كل شيء.ومع ذلك، كانت الحياة داخل المرقد لا تتوقف.عقوبات جماعية بسبب ضحكة في وقت النوم، وأحاديث طويلة لا تنتهي، ومقالب بريئة، وأسرار تنتقل من سرير إلى آخر، ودموع تمسحها بقية الفتيات قبل أن تجف وحدها.كان ذلك المكان عالمًا كاملًا، بعيدًا عن الأهل، صنعته قلوب مراهقات يتعلمن الحياة للمرة الأولى.أما سمارة... فكانت تعيش بينهم بجسدها، بينما بقي جزء من قلبها عالقًا خارج أسوار المؤسسةوجاء يوم الخميس أخيرًا.ومنذ ا
اقترب رؤوف منها مباشرة، وعلى وجهه تلك الابتسامة المستفزة التي لا تكاد تفارقه.قال وهو يرمقها بنظرة ماكرة:— عاطف إذًا...رفعت سمارة رأسها إليه بسرعة، وقد ارتبكت للحظة.— ماذا؟ابتسم بخبث، ثم سألها:— هل تعرفينه؟نظرت إليه ببرود متعمد وقالت:— وهل تعرفه أنت؟ضحك رؤوف وهز رأسه.— طبعًا أعرفه. كان يدرس هنا العام الماضي.ثم مال قليلًا نحوهـا وأضاف:— لا تقولي إنك لم تريه مع ابنة رئيس البلدية!ظلت تنظر إليه دون أن تجيب.اتسعت ابتسامته وقال ساخرًا:— من أي كوكب أنتِ يا سمارة؟لكن الحقيقة أنها فعلًا لم تره من قبل.ورغم أنها كانت تعرف هاجر معرفة عابرة، فإنها لم تكن يومًا تهتم بالأحاديث التي تشغل معظم التلاميذ. كانت تعيش في عالمها الخاص؛ الدراسة، والضحكات، والأصدقاء، وتفاصيل أيامها البسيطة.ولهذا بدا لها الأمر الآن غريبًا ومؤلمًا في الوقت نفسه.كأنها دخلت حكاية بدأت قبل وصولها بوقت طويل...حكاية تحمل فصولًا لم تعشها، وأسرارًا لم يخبرها بها أحد.مرّت الحصص ببطء ذلك اليوم.كان الأستاذ يشرح، والطباشير يرسم سطوره على السبورة، لكن الكلمات كانت تعبر أذن سمارة دون أن تستقر في ذهنها.كانت تحاول أن ترك
كان يوم الاثنين غارقًا في الضجيج والمرح، كما اعتادت المجموعة دائمًا. جلست سمارة مع رؤوف وشيراز ومنى قرب الساحة، يراقبون التلاميذ الخارجين من الأقسام أثناء الاستراحة، بينما كان الهواء البارد يحرّك أوراق الأشجار المتناثرة على الأرض. وكعادته، كان رؤوف يحوّل أي موقف إلى مسرحية كاملة. وقف يقلّد أستاذة اللغة العربية بعد أن طردته صباحًا من الحصة، ثم شبك يديه خلف ظهره وراح يمشي بخطواتها نفسها وهو يقول بنبرة صارمة: — يا رؤوف... إذا كان الكلام يُمنح عليه علامات، لكنتَ الأول في المؤسسة! وفي وسط ذلك الدفء العابر، توقفت منى فجأة عن الضحك، ثم همست: — سمارة... انظري من أتى. رفعت سمارة رأسها دون تفكير. كان عاطف يدخل من الباب الخلفي للمؤسسة. توقفت أنفاسها لوهلة. ورغم كل الأسئلة التي ملأت قلبها منذ أن سمعت باسم هاجر... ورغم كل محاولاتها لإقناع نفسها بأن تبتعد عنه... إلا أن شيئًا داخلها فرح لرؤيته. فرحٌ عفوي، سبق عقلها، ولم يستأذن كبرياءها. أطرقت برأسها سريعًا، كأنها تحاول أن تخفي ذلك الشعور حتى عن نفسها. وأزعجها أنها لم تستطع. كيف يمكن لقلبها أن يشتاق إلى شخص أصبح يشككها في كل شيء؟ وكيف
صباح الأحد، عادت سمارة إلى المتوسطة.ترجلت من الحافلة بخطوات بطيئة، كأنها تؤجل لحظة الوصول عمدًا. كانت عيناها تسبقانها، تبحثان بين الوجوه عن شخص واحد.عاطف.ومنذ اللحظة الأولى، انقسم العالم من حولها إلى نصفين؛ ضجيج التلاميذ في الساحة، وصمتها في الداخل.ثم رأته.كان قادمًا من الجهة المقابلة، بخطوات هادئة، لا تعرف الاستعجال ولا التباطؤ، كأنه غارق في أفكاره أكثر من انشغاله بالطريق.وفي تلك اللحظة، شعرت أن الزمن تباطأ.تدافعت الأسئلة داخلها دون استئذان.هل سيتوقف؟هل سينظر إليّ؟هل سيتحدث معي؟لكن الواقع كان أبسط بكثير مما رسمه خيالها.اقترب منها، ومر بجوارها دون أن يتوقف.وحين أصبح بمحاذاتها تمامًا، قال بصوت هادئ، كأنه يلقي تحية عابرة:— صباح الخير يا حبيبتي.ثم تابع طريقه، دون أن يلتفت.أما هي، فبقيت واقفة في مكانها.كانت الكلمة تتردد داخلها بإلحاح."يا حبيبتي..."لم تكن غاضبة...ولم تكن سعيدة كما توقعت أيضًا.شيء ما في داخلها ارتبك.لقد اعتادت عاطف الصامت، البعيد، الذي يكتفي بالنظر من مسافة، ويترك للصمت أن يقول ما يعجز عنه الكلام.أما هذا العاطف، الذي ينطق بكلمة كبيرة بهذه السهولة، فقد
وفي صباح أحد الأيام، وبينما كانت الحافلات تستعد للمغادرة، توقفت دراجة نارية غير بعيد عنهن.ترجل منها شاب بدا أكبر من طلاب المؤسسة، واتجه نحو سمارة.مد إليها ورقة صغيرة مطوية وقال باقتضاب:— اتصلي به.ثم استدار وغادر.فتحت الورقة ببطء.رقم هاتف.وتحته اسم واحد...عاطف.طوتها بهدوء، وأخفتها في جيب مئزرها.مضى ذلك الأسبوع مثقلًا بالتردد.كانت تخرج الورقة أحيانًا، تتأمل الرقم لحظات، ثم تعيد طيها سريعًا كلما سمعت وقع خطوات في الممر أو نداء إحدى زميلاتها.وفي القسم، كانت تحاول أن تركز في الدرس، غير أن اسمه كان يمر بخاطرها بين الحين والآخر، فتطرده وتعود إلى دفترها.ولما جاء صباح الخميس، كانت الورقة لا تزال في جيب مئزرها.وعندما وصلت إلى المحطة، وقعت عيناها على الهاتف العمومي.تجاوزته...ثم توقفت.التفتت إليه مرة أخرى.أخرجت الورقة ببطء، وظلت تحدق في الرقم طويلًا.لم تكن تعرف إن كان ما يدفعها إلى الاتصال فضولًا، أم رغبة في أن تعرف لماذا اختفى فجأة.أخذت نفسًا هادئًا، ثم رفعت السماعة.بدأت تضغط الأرقام، رقمًا بعد آخر.رن الهاتف مرتين...ثم جاءها صوته:ألو؟انعقد لسانها. لم تستطع أن تنطق بكلمة.






