LOGINانفتح الباب ببطء شديد، وانشق الفراغ عن امرأة تجاوزت الخمسين من عمرها، لكنها تحصنت بكبرياء طاغٍ وجمال بارد متكبر لا تهزمه السنون. كانت ترتدي معطفاً مخملياً أسود طويلاً يحيط بقامتها الممشوقة، وخلفها في عتمة الممر كان يقف أحد الحراس القدامى، يضع حقائب ملابسها الفخمة أرضاً بوجل، ثم ينسحب في صمت مطبق.
كانت تقف ببرود تام، وهدوء مرعب، وثبات لا يتزحزح.. إنها نرمين هانم ، والدة سيف. المرأة التي غادرت هذا القصر منذ سنوات طويلة إثر خلافات عاصفة هزت أركان العائلة، وعادت الآن في عتمة الليل لتطأ أرض المعركة مجدداً كأنها لم تغادر قط.
تراجعت يد محمود إلى الخلف، وتحجرت ملامحه تماماً، . اتسعت عيناه بذهول وصدمة، وخرجت نبرته ممتزجة بالغضب المكتوم والوجل
: -نرمين ! ايه اللي جابك هنا ؟! وراجعة تعملي ايه بعد كل السنين دي ؟
خلعت نرمين قفازاتها الجلدية السوداء ببطء وثقة مفرطة، ونفضت قطرات المطر الخفيفة عن كتف معطفها، ثم رمقت محمود بنظرة ساخرة مليئة بالتهكم، وقالت بصوت رخيم وقوي يقطر ثقة
: - أهلا يا محمود ، شايفة علامات السن بدأت تترسم على وشك ، معقول شايل الهم للدرجة دي !
رمقها باستهزاء وأردف بهدوء وهو يعلم انها تحاول استفزازه
:- ما جوبتنيش على سؤالي ، ايه اللي جابك هنا ؟
خطت خطوة واسعة نحو داخل المكتب، وجالت بعينيها الحادتين في أرجاء الغرفة وكأنها تتفقد أملاكها، ثم أعادت نظرتها الجليدية إلى زوجها السابق وأردفت ببرود
: - رجعت علشان مبقتش قادرة استحمل اشوف ابني بيحارب لوحده ، رجعت علشان أكون في ضهره وسنده وعلشان أساعده ياخد حقه وسيف مش هيكرر غلطة أبوه مش هيقف يتفرج على حقه وهو بيتاخد منه.وانا متأكدة إنك عمرك ما حتقف مع ابنك ضد عمران
صمتت قليلا ثم تابعت بمكر
:- و أنا داخلة شوفتك قاعد معاه فمردتش أقطع الاجتماع الهادي بتاعكم علشان كدة دخلت من الباب التاني
كان يعلم مكرها جيدًا ،أدركه على مدى سنونًا طويلة عاشها معها وكانت دومًا طامعة للسلطة تشعر بالأحقية في كل شيء حولها
:- مش جديدة عليكي يا نرمين طول عمرك بتدخلي من الباب اللي ورا ، ما بتقدريش تواجهي
ابتسم بانتصار عندما لمح الغيظ يظهر على ملامحمها لكنها نجحت في اخفاءه حين قالت
:- مش خوف ، بس أنا لازم اعرف كل حاجة حواليا ما ابقاش عاملة زي اللعبة اللي كل اللي حواليها بيحركوها
تسمر محمود في مكانه، وهو يعلم نواياها حاول استجماع ثباته وقال بنبرة حادة ومحذرة
: - القصر مش مكانك يا نرمين والعيلة مش لعبة بيتعارك عليها اتنين ، خدي شنطك وامشي لإن وجودك هنا مش هيجيب غير الخراب
ابتسمت نرمين ابتسامة أفعى، واقتربت من المكتب وهي تقرع سطح الخشب بأظافرها قائلة بحسم
: - الخراب بدأ من يوم ما ابوك قرر يدي عمران حق مش حقه ، ويوم ما قررت انت تتنازل عن كل حاجة وتسلم رقبتنا كلنا لعمران وتخلي ابنك تابع ليه
هز محمود رأسه بأسى عما تحاول هذه الافعى فعله فانقطعت الكلمات بينهما، وجمدت نظرات التحدي في الهواء،
هبط الصمت بينهما ثقيلًا كالرصاص.
وفي الخارج كانت الرياح تعصف بأشجار الحديقة بعنف، بينما وقفت حقائب نرمين عند الباب كإعلان حرب صامت.
أدرك محمود في تلك اللحظة أن عودة نرمين لم تكن زيارة عابرة...
بل كانت أول خطوة في معركة ستقسم عائلة عزام إلى نصفين.
*******
مع نسمات الصباح الهادئة كان قسم الطوارئ يعيش صخبه المألوف وفوضاه العارمة التي لا تهدأ
تداخِلت أصوات الأجهزة الطبية بنغماتها الرتيبة، مع الخطوات المتلاحقة للممرضين، وصيحات سيارات الإسعاف التي كانت تمزق سكون الصباح بالخارج وتتوالى على البوابة، وكأن المدينة بأكملها قد تواطأت على أن تمرض في يوم واحد.
وسط هذا المعترك، انفتح باب إحدى الغرف وخرج منه آدم. نزع قفازيه الطبيين بإرهاق بدا واضحاً على تقاطيع وجهه، ثم مرر كفه خلف عنقه، محاولاً فك التوتر العضلي المتراكم منذ بداية نوبته الطويلة. لكن، وتلقائياً كما تنجذب الإبرة إلى مغناطيسها، استقرت عيناه على المكتب المقابل في الممر.
كانت ياسمين تجلس هناك. منحنية بجسدها فوق ركام من الملفات الطبية، بينما انسدلت خصلات من شعرها الداكن على جانب وجهها، تحجب جزءاً من ملامحها المستغرقة في مراجعة نتائج التحاليل لأحد المرضى بتركيز حديدي.
ابتسم آدم دون وعي، ونبتت في قلبه لفتة دافئة؛ فلم يكن يعرف متى أو كيف أصبحت رؤيتها وسط زحام هذا المكان الموحش تمنحه هذا القدر من السلام والارتياح.
اتجه بخطوات هادئة نحو ماكينة القهوة القابعة في نهاية الممر، وعاد بعد دقائق يحمل في يديه كوبين يتصاعد منهما البخار. توقف أمام مكتبها، ووضع أحدهما برفق ولطف بجوار كفها المنشغلة بالكتابة.
رفعت ياسمين رأسها باستغراب نابع من اندماجها، ونظرت إلى الكوب، ثم رفعت عينيها إليه، وعقدت حاجبيها متسائلة بنبرة جافة لم تخلُ من الدهشة
: - إيه ده؟
جلس آدم بأريحية على حافة المكتب المقابل لها، وسند كفيه على الرخام قاصداً نبرة جادة ومصطنعة
: -محاولة إنقاذ.
رمشت بعينيها بحيرة
: -إنقاذ مين؟
أشار بطرف كوبه نحو وجهها قائلًا
: - المريضة اللي قدامي دي.
نظرت إليه بعدم فهم، فأكمل بنفس الملامح الجادة والوقار المزيف
: -بقالك أربع ساعات كاملة مركزة في الورق الأبيض ده، لدرجة إني بدأت أشك كطبيب إنك محتاجة تعليق محاليل فوراً.
كادت ضحكتها أن تفلت من بين شفتيها، لكنها تماسكَت بصعوبة بالغة احترماً لردائها الأبيض، وقالت بنبرة عملية ممتنة
: - شكرًا على التشخيص العبقري يا دكتور آدم.
رفعت الكوب وارتشفت منه رشفة صغيرة تحت نظراته التي راقبتها لثانية قبل أن يسأل بترقب طفولي
: - حلوة؟
نظرت إلى الكوب ثم إلى عينيه
: - كويسة .
وضع يده فوق موضع قلبه متظاهراً بوقوع الصدمة عليه
: - كويسة بس ؟!
ابتسمت رغماً عنها أمام حركاته الدرامية
: - أيوة.
تنهد قائلاً
: - طيب الحمد لله..
:- الحمد لله على إيه؟
:- إني لسه ما فقدتش موهبتي.
رفعت حاجبها باستغراب من ثقته
: - وموهبة إيه دي بقى؟
رد ببساطة
: - اختيار القهوة.
هزت رأسها يميناً ويساراً بيأس مصطنع وهي تطالع ملامحه المسترخية
: - أنا مش مصدقة إنك دكتور بجد والله.
ابتسم آدم بهدوء ساحر، ونظر إلى كوبها وقال
: - وأنا اللي مش مصدق إن في كائن بشري يقدر يشرب القهوة من غير سكر..
نظرت لكوبها كأنها تدافع عن مبدئها
: - وايه المشكلة ؟
عقد حاجبيه بضيق طريف
: - دي مش قهوة يا ياسمين.. دي عقاب قانوني.
ضحكت هذه المرة فعلاً؛ ضحكة قصيرة، خافتة، انطلقت من بين شفتيها كأغنية رقيقة وسط ضوضاء الطوارئ، وكانت تلك الضحكة كافية جداً لتجعل ملامحه تشرق بابتسامة حقيقية دون أن يشعر.
في تلك اللحظة، مرّ طبيب شاب من زملائهما بجوارهما، ولمح الأجواء المبهجة، فقال بمكر وغمزة عابرة
: - واضح إن في استراحة محترمة هنا في الجناح وإحنا مش داريين!
رد آدم فوراً وبسرعة بديهة، ودون أن تتزحزح ملامحه الجادة
: - لا يا دكتور أنت فاهم غلط، إحنا بنناقش قضية علمية معقدة وجوهرية .
توقف الطبيب بفضول: — قضية إيه؟
أجاب آدم وهو ينظر لياسمين بطرف عينه
: - هل القهوة السادة من غير سكر تعتبر مشروب آدمي، ولا جريمة جنائية يعاقب عليها القانون بالحبس؟
انفجرت ياسمين ضاحكة بصوت مسموع هذه المرة، بينما هز الطبيب الشاب رأسه مستسلماً ومضى في طريقه وهو يتمتم بقلة حيلة من ألاعيب آدم.
تنهد آدم براحة دافئة وهو يحتسي رشفة من قهوته، وهدأت ملامحه تماماً، ثم قال بنبرة خفيضة، حانية، هربت من بين ثنايا صوته
: - أخيرًا شوفتك بتضحكي..
توقفت ياسمين عن الضحك فجأة، وتجمدت حركتها للحظة. رفعت عينيها ببطء لتقابل عينيه، فوجدته ينظر إليها ببساطة شديدة، وعمق عارٍ من أي مزاح أو مواربة.. كانت جملة خرجت منه بعفوية كاملة صدقها قلبها قبل عقلها.
شعرت بحرارة خفيفة تسري في وجنتيها، وأحست بارتباك حلو يداعب دقات قلبها، فخفضت عينيها سريعاً إلى الملفات المفتوحة أمامها، وحاولت جاهدة استعادة نبرتها الرسمية وهي تقلب الأوراق بيد مرتعشة
: - عندنا شغل كتير يا دكتور آدم.. والطابور طويل ، اليوم لسة في أوله .
ارتسمت ابتسامة صغيرة، خفيفة وذكية على شفتي آدم. لقد فهم الرسالة تماماً؛ هي لم ترفض وجوده، ولم تصد مشاعره.. فقط ما زالت تحاول الهرب من حصار ارتباكها الأنثوي كلما نظر إليها بهذه الطريقة التي تعري مشاعرها.
أما هو، فلم يكن متعجلاً أبدًا؛ كان يكتشف يوماً بعد يوم، وجلسة بعد جلسة، أن أجمل الأشياء في هذه الحياة هي تلك التي تنمو وتأتي.. بهدوء شديد.
وبينما كان ياسمين تعود لملفاتها بخجل خافت، شعر آدم للمرة الأولى منذ أيام طويلة أن الصباح أقل قسوة مما اعتاد
وفجأة.. قطع هذا السكون الفارق رنين هاتف آدم الصاخب في جيبه.
سحب آدم الهاتف من جيبه ببطء، وعيناه ما زالتا عالقتين بملامح ياسمين المرتبكة التي بدأت تلحظ تبدل ملامحه. ضغط على زر الإجابة، ووضع الهاتف على أذنه دون أن يتكلم، مستمعاً إلى أنفاس سيف المتلاحقة عبر الأثير.
وجاءه صوت سيف حاداً، مشحوناً بنبرة انتصار غريبة ممزوجة بالتوتر وهو يقول بفحيح مكتوم
: -جايبلك خبر تحفة على الصبح ، نرمين هانم وصلت القصر امبارح بالليل ومعاها الشنط يعني هتقعد رسمي
في تلك اللحظة، شعر آدم وكأن الأرض قد مادت تحت قدميه. اختفت الابتسامة تماماً عن شفتيه، وتصلبت عضلات فكه وعيناه تشتعلان بنظرة غموض حادة وباردة، نظرة لم تعتدها ياسمين منه قط. تحول الطبيب العفوي المرح في ثانية واحدة إلى رجل آخر، رجل يحمل جينات "عزام" بكل حذرها وتوجسها.
هو يعلم جيداً أن عودة والدته "نرمين" في هذا التوقيت بالذات، وقبل أيام من وصول الجد عثمان، ليست مجرد زيارة عابرة أو حنين مفاجئ؛ أمّه لا تتحرك إلا بحسابات دقيقة، ورجوعها بامتعتها يعني أنها تدبر لأمر خطير، قنبلة موقوتة ستفجر القصر فوق رؤوس الجميع
لاحظت ياسمين هذا التحول المفاجئ؛ رأت كيف انقبضت ملامحه، وكيف أصبحت عيناه غائمتين ومظلمتين كبحر ثائر في ليلة شاتية. شعرت بالقلق يتسلل إليها فقالت بنبرة خفيضة
: - دكتور آدم؟ في حاجة حصلت؟
لم يجب آدم أخاه على الهاتف فوراً، بل أبعد الجهاز عن أذنه قليلاً، ونظر إلى ياسمين. حاول جاهدةً أن يستدعي قناعه الخفيف ليداري خلفه هذا الجحيم المفاجئ، لكن عينيه خانتاه وظلتا محتفظتين بذكائهما الحذر وغموضهما القاتل. هو يعلم أن ياسمين نقية، بعيدة كل البعد عن وحل عائلته ومؤامراتها، ولا يريد وتحديداً الآن أن يلوث عالمها الهادئ بأسرار القصر المسمومة.
أعاد الهاتف إلى أذنه وقال بصوت منخفض، هادئ بشكل مخيف، حمل أمراً حاسماً لأخيه
: - مسافة السكة يا سيف.. أنا جاي.
أغلق الخط، وأعاد الهاتف إلى جيبه بحركة آلية. نظر إلى كوب القهوة السادة المستقر بجوار يد ياسمين، ثم رفع عينيه إليها، وارتسمت على شفتيه ابتسامة صغيرة، باهتة لكنها تحمل وداعاً مؤقتاً، وقال بنبرة هادئة غلفها الغموض
:- واضح إن القضية العلمية بتاعة القهوة السادة هتحتاج تتأجل يا دكتورة.. ورايا مشوار مفاجئ ولازم أمشي حالاً.
نهض عن حافة المكتب، وعدل من هندام معطفه الأبيض، ثم التفت إليها قبل أن يتحرك خطوة واحدة وقال وعيناه تثبتان في عينيها بنظرة عميقة لم تفهم ياسمين أبعادها
:- خلي بالك من نفسك.. ومن القهوة بتاعتك.
استدار آدم ومشى في الممر بخطوات واسعة، سريعة، ومثقلة بهموٍم جديدة، تاركاً خلفه ياسمين تقف في حيرة قاتلة، تنظر إلى أثره وهي تتساءل في سرها وما هو السر الذي استطاع في لمحة عين أن يطفئ نور المرح في عينيه ويستبدله بكل هذا الغموض؟
جلس الجميع حول المائدة الطويلة التي امتدت بطول القاعة الرئيسية كأنها تفصل بين ممالك صغيرة داخل القصر الواحد.في المقدمة جلس عثمان عزام.على يمينه عمران وميرا.وعلى الجانبين توزع بقية أفراد العائلة.لم يكن أحد يتحدث.فوجود عثمان وحده كان كافياً لفرض الصمت.رفع الجد فنجان القهوة أمامه بهدوء، ثم ألقى نظرة شاملة على الوجوه الجالسة.نظرة جعلت الجميع يشعر وكأنه يُفحص من الداخل.حتى جُمان شعرت للحظة أن الرجل يقرأ أفكارها.لكنها حافظت على برودها.قال عثمان أخيراً:— زمان كنت لما أدخل القصر أسمع صوتكم من أول البوابة... دلوقتي حاسس إني داخل شركة مش بيت.ابتسم آدم بخفة.— يمكن علشان حضرتك بتخوفنا يا جدي.ضحك عثمان ضحكة قصيرة.— لو كنت بخوفكم بجد مكنتش هتتكلم كدة يا دكتور.ضحك بعض الجالسين بخفوت.بينما بقي سيف صامتاً.وبقي عمران أكثر صمتاً.التقط عثمان ذلك فوراً.ثم قال فجأة:— قولي يا آدم... لو عندك مريض رفض العلاج اللي هيعيش بيه... تعمل إيه؟رفع آدم حاجبه باستغراب.— أحاول أقنعه.— ولو أصر؟— أشرحله العواقب.— ولو اقتنع إن العواقب دي تستاهل؟صمت آدم قليلاً.ثم قال:— ساعتها القرار قراره.هز عثم
لم يكن صباح القصر الكبير يشبه أي صباح آخر.الهواء نفسه بدا مشدودًا، كأنه يتهيأ لشيء لا يجرؤ أحد على تسميته. الخدم ينسحبون بخطوات سريعة ووجوه متوترة، وأصواتهم تنخفض كلما مرّت واحدة من نساء العائلة في الممرات الطويلة، بينما ظل عمران يتحرك داخل القصر بملامح ثابتة لا تفصح عن شيء، وكأنه وحده من يملك القدرة على الوقوف وسط هذا الاضطراب دون أن يهتز.أما جُمان...فكانت تقف في الجناح الشرقي أمام المرآة، ترتدي فستان ميرا للمرة الأولى أمام الجميع. الفستان الداكن كان ينساب حول جسدها بنعومة مترفة، وشعرها الأسود مصففًا بالطريقة التي حفظتها من الفيديوهات، ونظرتها... كانت الشيء الوحيد الذي ظل يقاوم الانسلاخ الكامل عن نفسها.وقفت صوفيا خلفها، تعدل آخر تفصيلة في الأكمام، ثم قالت بصوت منخفض:— خدي نفس عميق.ابتلعت جُمان ريقها بصعوبة.— أنا باخده من ساعة ما صحيّت وما خلصش.ابتسمت صوفيا رغم التوتر، ثم وضعت يدًا خفيفة على كتفها.— عثمان بيه مش هيفوت حاجة... بس إنتِ لو اتماسكتي في أول دقيقة، هتعدي الباقي.رفعت جُمان عينيها إلى المرآة، فرأت انعكاس امرأة لا تشبهها إلا في الملامح.تلك اللعنة التي جلبها الشبه بي
في الحديقة الخلفية، كان الليل قد بسط عباءته المخملية الثقيلة على أرجاء القصر، وتواطأت الأضواء الخافتة المتناثرة بين أوراق الشجر والنافورة الرخامية على صنع هالة من الغموض.كان سيف يسير بخطوات وئيدة، متباطئة لكنها مشحونة، يداه مستقرتان في جيبي بنطاله، وعقله يغلي بمحاولات عاجزة لتفريغ الشحنة العنيفة من الغضب والغيرة التي استوطنت صدره منذ مكالمة الصباح.ثم رآها.كانت تجلس بمفردها على المقعد الرخامي الأبيض القريب من حافة جدار النافورة، يستقر فوقها ضوء مصباح حديقة خافت يمنحها مظهرًا أشبه بلوحة دافئة وسط برودة المكان. رأسها منخفض بقلق، وبين كفيها كتاب مفتوح، لكن عينيها التائهتين كانتا تحدقان في الفراغ؛ لا تقرأ، بل تطحنها الأفكار.تجمدت خطوات سيف فوراً، وتصلب جسده في مكانه. لثوانٍ امتدت كالعمر، وقف يحدق بطيفها، وأطلق في سره لعنة صامتة على قلبه وعاطفته المعاندة. أي امرأة أخرى في هذا العالم كانت لتتحول لدخان أو اسم عابر في قائمة أيامه، أما روان... فكانت اللعنة الوحيدة العذبة التي كلما حاول التخلص من قيدها، وجد نفسه يغرق في شباكها أكثر.ترددت في عقله تلميحات عالية الخبيثة، ثم قفزت أمامه ملامح رو
في جناحه الخاص، حيث تتخفف الأشياء من صرامة القصر الأرستقراطية، كان محمود يقف في الركن المخصص له أمام ماكينة القهوة الصغيرة. أمسك بالكوب الزجاجي بيده الدافئة، وراقب خيوط السائل الداكن وهي تصب ببطء وانسيابية، قبل أن ينثر فوق وجهها القليل من مسحوق القرفة.. كانت رائحتها النفاذة هي طقسه الحميمي الذي يفتتح به كل صباح.كان يستمتع ويثمن هذه الدقائق القليلة جداً من عزلته؛ الدقائق النادرة التي يتوقف فيها الزمن، ولا يطالبه فيها مخلوق داخل هذا الوكر باتخاذ قرار، أو إبداء رأي، أو تبني موقف يحسب عليه في بورصة النفوذ.انفتح الباب فجأة، دون إذن أو طرقات تمهد للحضور. دلفت نرمين بخطواتها الواثقة التي تحمل دائماً صدى سلطوياً متعالياً. ألقت نظرة فاحصة، سريعة وخاطفة على أركان الغرفة، قبل أن تقع عيناها الصارمتان عليه.رفعت حاجبها الأيمن باستغراب لم تحاول إخفاءه، وهي تراه يحضر قهوته بيديه دون استعانة بأحد، وسألته بنبرة لائمة ومتهكمة: — هو الخدم اختفوا من القصر وأنا معرفش؟التفت محمود إليها بهدوء شديد، هدوء بدا مستفزاً لاندفاعها، وأجاب بنبرة رخية: — لا.. موجودين.: — أمال واقف تعمل القهوة بنفسك ليه؟أعاد م
انبثقت على الشاشة السوداء عبارة واحدة جعلت الهواء يتجمد في الغرفة:.استقام عمران في جلسته فوراً، وتصلب ظهره باحترام تلقائي، وضغط زر الإجابة واضعاً الهاتف على أذنه. جاءه صوت عثمان عزام من الطرف الآخر؛ صوتاً عميقاً، رخامياً، ومهيباً يحمل نبرة المؤسس الذي لا ينثني: — مساء الخير يا عمران.— مساء النور يا جدي.ساد صمت قصير ومحمل بالثقل قبل أن يسأل الجد بنبرته المقتضبة: — كله جاهز؟أدرك عمران على الفور، وبفطنته المعتادة، أن جده يتحدث عن الترتيبات الأمنية والبروتوكولية لزيارته المرتقبة، فأجاب بثبات: — متقلقش يا جدي... كل حاجة جاهزة وعلى أكمل وجه.— كويس.توقف عثمان للحظة، ثم أردف بنبرة حاول جعلها عادية لكنها لم تخفِ اهتمامه الحذر: — طمني على ميرا.ارتسمت نظرة غامضة، مليئة بالخطورة والتحدي في عيني عمران وهو يفكر بالقابعة في الجناح الشرقي، وأجاب ببرود متقن: — أحسن بكتير.— الحمد لله.جاء رد الجد مقتضباً ومثقلاً بالغموض كعادته، ثم أضاف بصيغة آمرة وحاسمة لا تقبل المراجعة: — أنا هكون عندكم بكرة الصبح بدري.. وعايز كل أفراد العيلة بلا استثناء يكونوا موجودين ... محدش يتأخر يا عمران.وراء كلما
داخل إحدى غرف الملاحظة الهادئة في المستشفى، كان رجل خمسيني يجلس فوق السرير الطبي بملامحه المتعبة، بينما تنتهي إحدى الممرضات من لف حزام جهاز قياس الضغط حول ذراعه.وقف آدم أمامه، يقلب نتائج الفحوصات الطبية بتركيز قبل أن يغلق الملف، ثم رفع عينيه نحو المريض بنظرة فاحصة ممتزجة بمداعبة مألوفة: — طمني يا حاج محمود... بتدخن كام سيجارة في اليوم؟تنحنح الرجل، وحاول أن يهرب بعينيه قليلاً وهو يقول بتحفظ ومواربة: — يعني... شوية بسيطين يا دكتور.رفع آدم حاجباً واحداً بذكاء، وسأله وهو يبتسم برفق: — وشوية دي يعني كام بالظبط؟— علبة.— في الأسبوع؟— لا... في اليوم.صفق آدم الملف الطبي على راحة يده فجأة، وأطلق صيحة دهشة مصطنعة أدارت الرؤوس في الغرفة: — الله أكبر! علبة في اليوم وعايز قلبك مايشتكيش ؟!ضحك الرجل بخجل وهز رأسه محاولاً التملص: — كله بأمر ربنا يا دكتور، إحنا أسباب.هز آدم رأسه بأسف داعب، وعلق بنبرة واعظة لكنها حنونة: — ونعم بالله يا حاج محمود، بس ربنا قالك حافظ على نفسك وعمر صحتك الأول، مش تخلص علبة كاملة وتقول كله بأمر ربنا.. ده انتحار رسمي!انفجرت الممرضة الواقفة بجوارهما ضاحكة، أما
في جناحها الخاص، وقفت عالية هانم خلف النافذة العريضة المطلة على حدائق القصر. كانت الرياح تحرك الأشجار ببطء، بينما ظل الهاتف في يدها دافئًا من أثر المكالمة الأخيرة.مكالمة سيف.لم تتحرك لثوانٍ طويلة. فقط راحت تحدق في الخارج، كأنها ترى شيئًا أبعد من الأشجار والنافورة والضباب الخفيف.ثم عادت الكلمات ت
خرجت جُمان إلى الممر الطويل بخطوات واثقة حاولت جاهدة ضبط إيقاعها، بينما كانت كلمات عمران الأخيرة لا تزال تدور داخل رأسها وتزن في أذنها قبضت على أصابعها قليلًا لتدفع الرعشة الكامنة فيها. كانت تكره الاعتراف بذلك، لكنه كان محقاً في كل كلمة. الأسماء سهلة، والقصص المكتوبة في الأوراق سهلة يمكن حفظها، أم
كان عداد السرعة يتجاوز الـ 140 كم/ساعة، والإطارات تصرخ بعنف مع كل منعطف حاد يسلكه على الطريق الصحراوي المهجور. لم يكن سيف يرى الطريق أمامه؛ بل كان يرى وجه "روان" وهي تنكمش في مقعدها، وعيناها الهاربتان اللتان أكدتا له كل المخاوف التي زحفت إلى صدره.أطبق بكلتا يديه على مقود السيارة بقوة جعلت مفاصل أص
السفرة الأساسية الفخمة داخل القصر الكبير، حيث كانت الأواني الفضية والبلور الصافي يعكسان كبرياء المكان، جلست نرمين هانم على الطاولة ببرودها المعتاد بعد مغادرة سيف. كانت تتابع بعيون صقرية ما يحدث داخل القصر؛ لم يكن هادئاً كالعادة بل يضج بالحركة والنشاط، وهناك تقف صوفيا تتابع حركة الخدم في غياب ميرا







