مشاركة

قصر الظلال
قصر الظلال
مؤلف: Faten Aly

البارت الأول

مؤلف: Faten Aly
last update تاريخ النشر: 2026-05-15 21:53:13

في قصرٍ شامخٍ يعلو كأنه يراقب العالم من برجٍ بعيد، وُلدت الحكاية تحت سقفٍ لا يعرف المساواة، ولا يؤمن إلا بما يراه الجدّ المتسلّط حقيقةً لا تقبل النقاش.

هناك، حيث المال يفرض صوته قبل القلوب، وحيث تُقاس الأرواح بميزان الطبقات، نشأ شابٌ لم يختر هذا العالم، لكنه وُضع داخله كقطعة من ميراثٍ ثقيل.

وفي (قصر الظلال) … لا تُربّي الجدران أبناءها على الحب، بل على ما يجب أن يكونوا عليه لا ما يريدون أن يكونوا.

وهناك… يبدأ الصراع بين ما فُرض عليه، وما يخفيه قلبه.

✨✨✨✨✨✨✨

قصر عتيقٌ يقفُ بشموخٍ وسط حديقةٍ واسعةٍ بدت وكأنها لوحةٌ رُسمت بعنايةٍ مفرطة؛ أشجارٌ مُهذّبة، وأزهارٌ مصطفّة في تناسقٍ أنيق، وروائح الياسمين واللافندر تتسلّل بخفّةٍ إلى الأنفاس، فتغمر الروح براحةٍ خادعة… راحةٌ لا تشبه أبدًا ما يختبئ خلف جدران ذلك القصر.

في المنتصف ارتفع درجٌ رخاميٌّ ضخم، ينقسم إلى جانبين قبل أن يلتقيا مجددًا عند الطابق العلوي، كأنهما طريقان كُتب لهما أن يفترقا ثم يعودا مُكرهَين إلى المصير ذاته. غطّت الدرج سجادةٌ فاخرة بلونٍ خمريٍّ داكن، تقود في نهايتها إلى بابٍ أزرقَ ملكيٍّ هائل، يبعثُ في النفس رهبةً غامضة، وكأن خلفه أسرارًا لا ينبغي لها أن تُروى.

أما الداخل، فكان انعكاسًا صريحًا لعقل مالكه؛ طابعٌ كلاسيكيٌّ صارم، لا مكان فيه للفوضى أو العشوائية. ثريّاتٌ كريستالية تتدلّى من الأسقف العالية، وجدران تزيّنت بلوحاتٍ زيتيةٍ نادرة، وأثاثٌ فاخر يبدو أقرب إلى التحف الأثرية منه إلى مجرد مقتنيات منزلية. كل قطعةٍ موضوعةٌ بدقةٍ مدهشة، وكأن أيّ اختلالٍ بسيط قد يهدّد توازن المكان بأكمله.

وفي قلب غرفة الطعام، استقرّت طاولةٌ طويلة من خشب الماهوجني المصقول، جلس على رأسها رجلٌ تجاوز الخمسين بقليل، لكنه بدا أكبر من عمره هيبةً وقسوة. ظهره مستقيم كالسيف، ونظراته حادّة كنظرات صقرٍ اعتاد السيطرة على كل ما يقع تحت جناحيه. إنه يحيى عدلان… الاسم الذي يكفي وحده ليفتح أبوابًا ويغلق أخرى، رجل الأعمال الذي لم يعتد يومًا أن يخسر معركة، ولا أن يُعارَض له أمر.

وعلى يمينه جلس حفيده الأكبر، يحيى شاكر يحيى عدلان، شابٌ لم يتجاوز الثامنة عشرة، لكنه يحمل في جلسته شيئًا مخيفًا من جده؛ ذات الصمت المتعالي، وذات النظرات الباردة التي تُخفي أكثر مما تُظهر. وضع هاتفه المحمول إلى جواره، يلتقط بين الحين والآخر نظراتٍ سريعة إلى الإشعارات المتدفقة على شاشته، دون أن يسمح لذلك أن ينتقص من هيبته المصطنعة. كان الجميع يعلم أنه الوريث الوحيد لإمبراطورية عدلان، وأن اسمه يُصاغ منذ الآن ليكون النسخة القادمة من الجد.

أما على الجانب الآخر، فجلست سلمى، أرملة شاكر يحيى عدلان. امرأةٌ في أواخر الثلاثينيات، ترتدي هدوءَها كما ترتدي النساء الحزينات سوادهنّ الخفي. ملامحها الناعمة كانت تحمل طيبةً واضحة، لكن خلف تلك الطيبة سكن حزنٌ قديم لم تستطع السنوات اقتلاعه. كانت تجلس بصمتٍ كامل، تُحدّق أمامها وكأن عقلها في مكانٍ آخر، بعيدٍ عن تلك الطاولة التي تجمعهم شكليًا فقط.

وبجوارها جلس حمزة، الابن الأصغر للعائلة… أو هكذا كان يُقال. حفيد يحيى عدلان من ابنته الصغرى، شابٌّ يبدو هادئًا خجولًا في حضرة جده، يُخفض رأسه كلما التقت به عيناه، بينما يخفي خلف ذلك الهدوء شخصيةً أخرى لا يعرفها أحد جيدًا. كان النقيض الكامل ليحيى الحفيد؛ لا يحمل بروده، ولا قسوته، لكنه يحمل شيئًا أكثر خطورة… الغموض.

ساد الصمت أرجاء المائدة، صمتٌ ثقيلٌ حدّ الاختناق، لا يُكسره سوى صوت احتكاك أدوات الطعام بالأطباق، وبعض النحنحات الجافة التي كان يطلقها يحيى عدلان بين الحين والآخر، وكأنها تذكيرٌ خفيٌّ للجميع بأنه ما زال السيد الأول والأخير في هذا المكان.

ثم بدأت الأحاديث المعتادة تدور بين الجد والحفيد؛ نقاشاتٌ تتعلق بالشركات، وصفقات العمل، وأرقام البورصة، يتحدثان وكأنهما شريكان قديمان لا يفصل بينهما أكثر من ثلاثين عامًا من العمر. بينما بقيت سلمى وحمزة خارج الدائرة تمامًا، يكتفيان بالصمت وتبادل النظرات الخاطفة… نظراتٌ قصيرة، لكنها ممتلئة بمعانٍ خفية، وكأن بينهما حديثًا كاملًا لا يجرؤ أيٌّ منهما على النطق به أمام ذلك الرجل الجالس في الصدارة.

وفي ذلك القصر المترف، حيث كل شيءٍ يبدو مثاليًا حدّ الإبهار… كان التصدّع الحقيقي يبدأ من حول تلك الطاولة.

ألقى يحيى عدلان محرمته البيضاء فوق الطاولة بحركةٍ حاسمة، ثم استند إلى مقعده الجلدي الفاخر، لتستقر عيناه الحادتان على حفيده الأكبر. لم يكن بحاجةٍ لرفع صوته كي يفرض هيبته؛ فمجرد نبرته الجافة كانت كافية لأن تجعل المكان بأكمله يصمت.

قال بجدّيته المعتادة، وكأنه يُصدر قرارًا لا يقبل النقاش

-  خلاص يا يحيى… أنا حجزتلك الطيران بعد أسبوع.

... عشان تقدر تفهم الدنيا في فرع ألمانيا قبل الدراسة ما تبدأ.

ساد صمتٌ قصير، لكنه كان كافيًا ليكشف ما حاولت سلمى إخفاءه. ارتجفت ملامحها للحظة، وتسلّل الضيق إلى عينيها الممتلئتين بحزنٍ قديم يتجدد كل مرة يقرر فيها يحيى عدلان مصير الجميع دون أن يترك لهم حق الاعتراض.

كان ابنها… طفلها الوحيد… يُنتزع منها بهدوءٍ بارد، كما تُنتزع الأشياء الثمينة من أصحابها تحت اسم... المصلحة.

خفضت بصرها سريعًا نحو طبقها، تحاول أن تبدو متماسكة، لكن أصابعها التي انقبضت حول الملعقة كانت تفضح العاصفة المشتعلة داخلها. فهي تعلم جيدًا أن قرار حماها نهائي، وأن كلمةً واحدة معارضة قد تُشعل غضبه الذي لا يُحمد عقباه.

أما يحيى الحفيد، فبدا وكأن الأمر لا يعنيه كثيرًا. اكتفى بإيماءةٍ هادئة، ملامحه جامدة بصورةٍ أثارت غصةً خفية داخل قلب والدته. لم يعترض… لم يتردد… وكأنه اعتاد منذ سنوات أن يتعامل مع حياته باعتبارها جدول أعمال يُديره جده.

التقط هاتفه المحمول من فوق الطاولة، ثم أمسك بمفاتيح سيارته السوداء الفارهة، ونهض بثقةٍ تحمل شيئًا من غرور آل عدلان المتوارث..... تحرك بخطواتٍ ثابتة نحو الباب، بينما صدح صوت احتكاك حذائه بالأرضية الرخامية اللامعة في أرجاء القاعة الهادئة. وقبل أن يغادر، توقفت عيناه للحظة عند شاشة هاتفه التي لم تكفّ عن استقبال الرسائل والاجتماعات والتنبيهات، وكأن العالم بأكمله يطارده حتى على مائدة الطعام.

كان في طريقه إلى شركة عِمران… إحدى أضخم الشركات في الشرق الأوسط، والمنافس الوحيد تقريبًا لإمبراطورية عدلان.

ورغم صغر سنه، إلا أن وجوده هناك لم يكن عبثًا، بل خطوةً جديدة يرسمها الجد بعناية، ليصنع من حفيده نسخةً أكثر قسوةً ودهاءً منه.

تابعته سلمى بعينيها حتى اختفى خلف الباب، ليبقى قلبها وحده عالقًا خلفه… خائفًا من تلك الحياة التي تُسرق من ابنها قطعةً بعد أخرى، تحت اسم المستقبل.

استمر في قراءة هذا الكتاب مجانا
امسح الكود لتنزيل التطبيق
تعليقات (1)
goodnovel comment avatar
أسماء الغندور
اشطر كاتبة ...
عرض جميع التعليقات

أحدث فصل

  • قصر الظلال    البارت الرابع والستون

    لم يكد الكلمة تخرج من فمها حتى اقترب منها مرة أخرى بـنظرة لعوبة جائعة، فشعرت بالخوف مجدداً وانكمشت على نفسها تتراجع للخلف، ليردد بجدية مصطنعة ومكر وهو يميل نحو أذنها- بتقولي إيه؟ سمعيني تاني كده.. شكلك عاجبك الموضوع وعاوزه تتعاقبي تاني دلوقتي حالا؟نفت سارا برأسها برعب ودلال طفولي غافلة، واستدارت تركض بكل سرعتها نحو السيارة، لتفتح الباب وتدلف إلى المقعد المجاور له وهي تحاول التقاط أنفاسها الضائعة. ركب علي بجوارها، وأدار المحرك، ليكون الصمت المطبق والهيام الخفي هو حليف رحلتهما حتى وصلت إلى عتبة منزلها دون كلمة واحدة، لكن الأنفاس كانت تتحدث بالنيابة عنهما.عقب دلوفها المنزل وإغلاق الباب وراءها، استندت بظهرها إلى الخشب وهي تضع يدها على قلبها الذي يكاد يقفز من صدرها. وفجأة، أصدر هاتفها نغمة معلنة عن وصول رسالة نصية؛ فتحتها بيدين ترتجفان، لتجدها من علي مكتوب فيها بـكل رومانسية وعشق - حبيبتي.. دي كانت أجمل لحظات عمري كله لما كنتِ بين إيديا وبين بأحضاني.. دقت عسل شفايفك اللّي دوخني، وكنت حاسس وأنا معاكي إني طاير بين السحاب ولامس نجوم السما اللّي قلتي إنها بعيدة.. تصبحي على خير يا جوهرة قل

  • قصر الظلال    البارت الثالث والستون

    ركضت شابي نحو الداخل بخطى متسارعة، عيناها تطوفان في أرجاء القصر الفخم بلهفة وشغف جارف، تبحث عنه في كل زاوية، فـقد أضناها الشوق ولم تعد تقوى على الانتظار لحظة واحدة أخرى. استمرت في ركضها حتى وجدت الجد "يحيى عدلان" يقف بوقاره المعتاد أمامها في بهو القصر، فاندفعت نحوه وتساءلت بلهفة وأنفاس متهدجة - فين يحيى يا جدو؟ هو وصل مش كده؟.. طمنّي عليه أنا مشتاقة أوي أشوفهتطلع إليها الجد باستنكار وضيق من اندفاعها غير المبرر، وهز رأسه بقلة حيلة ليشير لها بيده نحو الأعلى، مردفاً بنبرة حادة وجافة- فوق في أوضته.. لسه واصل من المطار من شوية.... لم تنتظر شابي سماع بقية كلماته؛ بل استدارت في لمح البصر وراحت تأكل درجات السلم الرخامي بنشاط، مدفوعة بأشواقها العارمة. وصلت إلى جناحه، ودلفت إلى غرفته بخطوات خفيفة، لتجده يجلس بمفرده في الشرفة، متكئاً بمرفقيه وظهره مائل إلى الأمام، وعيناه شاردتان بحزن عميق مع تلك الورود الذابلة في الشرفة.ابتسمت شابي بحب، وبدأت تسير على أطراف أصابعها بهدوء شديد حتى لا يشعر بوجودها، وما إن وصلت خلف مقعده تماماً، حتى مدت يديها ونزلت بهما لتضع كفيها فوق عينيه مباغتة إياه بـمرح

  • قصر الظلال    البارت الثانى والستون

    وقف يحيى على أعتاب بوابة الطائرة، متسمراً لثوانٍ وهو يغمض عينيه، ويستنشق بعمق عبير هواء وطنه الذي افتقده واشتاق إليه منذ ما يقرب من الأربع سنوات؛ سنوات طوال قضاها في غربة جسدية، لكن روحه بقيت معلقة هنا. بدأ يهبط درج الطائرة بخطوات ثابتة وئيدة، والوجع يعتصر ملامحه الرصينة؛ لقد سافر وفارق كل شيء في الماضي ظناً منه أن البعد ترياق، وأنه سيمحو من ذاكرته ذلك الشوق العاصف الذي كاد أن يقتله، ولكنه عاد اليوم ليكتشف الحقيقة المُرّة.. عاد وقد تضاعف الشوق في صدره مئات المرات، وباتت نيرانه تلتهم جوفه. بعد مدة من الوقت، انطوت المسافات لتتوقف السيارة الفارهة أمام أبواب القصر الحديدية الضخمة. ترجل منها يحيى بخيباته وأشواقه، وما إن دلف من البوابة الداخلية حتى قوبل بترحاب حافل وصاخب من الخدم وجميع من في القصر؛ فقد كانت عودته مفاجأة مدوية للجميع، إذ لم يخبر أحداً بموعد وصوله أو يمهد لخطوته تلك. تخطى يحيى الجموع بابتسامة باهتة ومجاملة، وبدأ يصعد درج القصر الرخامي المؤدي للأجنحة العلوية. ومع كل درجة يخطوها، كان يستعيد شريط ذكرياته مع رنيم؛ تفاصيل ضحكاتها، ركضها، وعطرها الذي كان يملأ المكان. زفر بضيق وح

  • قصر الظلال    البارت الحادى والستون

    أنهت سارا صلاتها للتو، وظلت مستقرة في مجلسها فوق الفراش، طارحةً سجادة الصلاة جانباً وممسكةً بمصحفها الصغير. راحت تقرأ ما تيسر من آيات الذكر الحكيم بنبرة متهدجة، بينما كانت دموعها تنهمر في صمت فوق الصفحات، باكيةً على فقيد قلبها مروان، وعلى تلك الفرحة الغالية التي تلاشت وتبخرت من بين يديها قبل أن تنالها أو تذوق حلاوتها. في تلك الأثناء، دلف شقيقها فارس بخطى وئيدة، وجلس بجوارها على الفراش صامتاً لعدة لحظات؛ كان الصمت يمزق نياط قلبه وهو يتأمل هيئتها الحزينة الذابلة. لقد مرت عدة أشهر كاملة على موت مروان، لكن الأيام لم تزد سارا إلا لوعة، ولم يقلّ من حزنها وجمر شوقها شيء. وكعادتها الحانية معه، فتح فارس ذراعيه لها على اتساعهما دون أن ينطق بكلمة؛ فلم تتردد سارا، واندفعت سريعاً لتدلف بين أحضانه، واضعةً رأسها المثقل بالهموم على صدره. راح يربت على ظهرها بحنان جارف وأخوة صادقة، لتنفجر هي في بكاء مرير، ونحيب مكتوم زلزل كيانها النحيل. تركها فارس على راحتها، ولم يحاول إسكاتها، بل سمح لنوبة البكاء العنيفة تلك أن تفرغ كل الشحنات السامة والكسرة القابعة في أعماق روحها، حتى هدأت أنفاسها تماماً واستكانت.

  • قصر الظلال    البارت الستون

    خفض حمزة صوت التلفاز فوراً عقب سماعه صوتاً أشبه بالنحيب المكتوم يأتي من بعيد؛ تفرّس في الصوت لثوانٍ حتى تأكد تماماً أنه صوت زوجته ومحبوبته ميسون تنحب بنبرة باكية داخل المطبخ. انتفض من مقعده وهرول نحوها وقلبه يخفق خوفاً من أن يكون أصابها أي مكروه. دلف إلى المطبخ ليجدها تقف أمام خلاط الطهو، وجسدها يهتز بخفة وهي تبكي بحرقة مصطنعة؛ اقترب منها بلهفة، وأحاط كتفيها بوجل يسألها بنبرة حانية - بتعيطي ليه بس يا روحي؟ فيكِ إيه إيه اللّي حصل؟ قامت بالضغط على مفتاح التشغيل الخاص بالخلاط عدة مرات متتالية أمام عينيه، ولكنه بالطبع لم يبدِ أي استجابة، لتردد من بين بكائها ونبرتها الطفولية - الخلاط باظ يا روحي.. مش راضي يشتغل خالص وأنا بوظته تطلع حمزة إلى الخلاط للحظات بقلة حيلة، ثم اتجه يحملق في ملامح وجهها الباكي والبريئ، وهبط بجل بصره ليرى سلك الجهاز ملقى على الرخام؛ أمسك بالفيشة بملل، وردد من بين أسنانه وهو يحاول كتم ضحكته - طبيعي يا روحي مش هيشتغل.. إلا لو اتكرمنا ووصلناه بالكهربا.... بسيطة يعني ومستاهلتش كل المناحة دي. تركها حمزة وعاد إلى الصالة، وما إن أدار ظهره حتى اختفت دموع ميسون الز

  • قصر الظلال    البارت التاسع والخمسون

    لم تبخل رنيم على إخوتها بجهدٍ أو مال؛ لقد أغدقت عليهم من حنانها ووقتها، وعوّضتهم في تلك الأشهر القليلة المريرة مرارة السنوات العجاف التي عاشوها في الماضي تحت وطأة القسوة والمهانة. حققت لهما حياة كريمة، هادئة، ومستقرة، جعلت عمر وأمل يشعران في أعماقهما بأنهما سيظلان مدينين لهذه الأخت الكبرى بطوق نجاتهما طيلة عمرهما. ولكن، ورغم هذا الدفء الظاهر، بقيت هناك غيوم كثيفة من التساؤلات الحائرة تدور في فلك عقلهما حول حياتها السابقة؛ ذلك الجنين الذي يكبر في بطنها يوماً بعد يوم، وزوجها الغامض الذي لم تذكر إسمه قط، ولا تحدثت عن تفاصيل غيابه، وكأنها قطعت كل حبال الماضي بسكين بارد. وفي إحدى الليالي الساكنة، جلس عمر بجوارها على الأريكة، وقد عزم أمره وشحن شجاعته أن يفتح ذلك الصندوق المغلق ويتحدث معها اليوم؛ التفت إليها وتطلع إلى ملامحها الهادئة، ثم سألها بفضول ممزوج بالخوف الأخوي - رينو.. هو إحنا مش هنعرف حاجة عن حياتك اللّي فاتت دي؟ عملتي فيها إيه وكنتي عايشة إزاي؟.. وطب وجوزك.. جوزك فين يا رنيم؟ وليه سايبك لوحدك في ظروف زي دي؟ توقفت يد رنيم عما كانت تفعله، وفجأة، أطلقت ضحكات متتالية؛ لكنها لم تك

فصول أخرى
استكشاف وقراءة روايات جيدة مجانية
الوصول المجاني إلى عدد كبير من الروايات الجيدة على تطبيق GoodNovel. تنزيل الكتب التي تحبها وقراءتها كلما وأينما أردت
اقرأ الكتب مجانا في التطبيق
امسح الكود للقراءة على التطبيق
DMCA.com Protection Status