Home / الرومانسية / قصر الظلال / البارت الثامن

Share

البارت الثامن

Author: Faten Aly
last update publish date: 2026-05-20 13:10:23

يعمُّ الصمتُ الأرجاء كدويٍّ صاعق عقب كلماته اللاذعة التي ألقاها في جو الغرفة، لتتجه الأنظارُ كلُّها نحو يحيى، مذهولةً ومترقبة. لم يقطع هذا السكون المطبق سوى شهقةٍ مكتومة انطلقت من صدر سلمى، وهي ترفع يدها بسرعة لتغطي فمها؛ فقد كانت هذه هي المرة الأولى التي يتجرأ فيها أحدُ أفراد المنزل على جرح ابنتها بمثل هذه القسوة أمام الجميع.

في تلك الأثناء، تيبّست رنيم في مكانها، وقد هربت الدماء من وجنتيها ليحلّ محلَّها شحوبٌ أموات، وراحت تردد بصوتٍ خافت ومتهدج

- أنا آسفة.

وما إن كادت تنتهي من نطق كلمتها، حتى استدارت تفرُّ من أمامهم جميعًا، وهي تضمُّ كتبها إلى صدرها كدرعٍ يحميها، متجهةً نحو الخارج بخطواتٍ متعثرة ودون وعي، عاجزةً عن إضافة أيّ حديث.

✨✨✨✨✨✨✨

احتشد المارةُ وتجمهر الناسُ في حلقةٍ ضيقة حول الطفلين، مدفوعين بنوبةٍ من الفزع والشفقة وهم يرمقون حالة الطفلة الحرجة؛ فقد شحب وجهُها شحوبًا مخيفًا، وارتسمت زرقةٌ باهتة على شفتيها الذابلتين، بينما راحت حباتُ العرق البارد تتصبب بغزارة على جبينها الصغير. وفي وسط هذا الوجوم، انحنى أحدُ الشباب بلهفة، ورفع الجسد النحيل بين ذراعيه برفق، ثم التفت نحو شقيقها الذي كان يقف جوارها يبكي بحرقة، وقال له بنبرةٍ تقطر حنانًا لتهدئة روعه

- متقلقش يا عمر.. تعالى، هنوديها المستشفى.

ردد عمر الكلمة وراءه بصوتٍ مخنوق وخافت، وبحركةٍ تلقائية يائسة، راحت يداه المرتعشتان تبحثان في جيوبه عن أي نقودٍ قد تسعفهما، إلا أن الشاب سارع إلى طمأنته واحتواء خوفه، مؤكدًا له أن المال ليس مهمًا الآن وأن كل ما يهم هو إنقاذ حياة الصغيرة؛ فقد كان لسان حال الجميع في هذا الحي يعلم مأساة هذين الطفلين، وقصة تخلّي الوالدين عنهما وتركِهما لمواجهة مصيرٍ قاصٍ بلا سند.

بعد رعب الانتظار ومرور دقائق كأنها دهر، انفتح باب الغرفة ليخرج الطبيبُ مجهدًا، حاملًا معه النبأ الثقيل، حيث أخبرهم بنبرةٍ جادة أن الطفلة مصابة بمرض السكري، وأنها في حالةٍ حرجة تستدعي حجزها فورًا في العناية المركزة حتى ينضبط معدل السكر في دمها، محذرًا إياهم من أن هذا الارتفاع الرهيب والجنوني قد يودي بحياتها في أي لحظة.

هوت الكلماتُ كالصاعقة، لتدقَّ نكبةً جديدة وأشدَّ قسوة في جدار حياة الطفلين المتهالك، وأمام هذا الثقل المطبق والظلام الذي يبتلع براءته، تسلل خاطرٌ أسود إلى وعي عمر، ليتملكه شعورٌ طاغٍ بأن الحل الوحيد والنهائي للتخلص من كل هذه الآلام والعذاب، هو مفارقة هذه الحياة بأكملها.

✨✨✨✨✨✨✨✨

لم تتوجه رنيم إلى الجامعة في ذلك اليوم بعد أن فقدت الشغف والقدرة على مواجهة الوجوه، بل آثرت الهروب من واقعها الخانق وضيق صدرها بلقاءٍ سريع جمعها بإحدى زميلاتها في محاولة لتشتيت ذهنها، أتبعته بزيارةٍ خاطفة لصديقتها المقربة ريناد. هناك، وأمام فيض الحنان والإنصات، شعرت عقبها بتحسن كبير وانزاح عن كاهلها ثقلٌ جاثم، لتستجمع شتات نفسها وتعود إلى المنزل. وطوال طريق العودة، كانت تبتهل إلى الله في سرها وتدعوه بإلحاح ألا تلمح عيناها ذلك المتغطرس الفظ؛ فهي لا تعلم بحق كيف ستمضي معه أيام إجازته تحت سقف قصر واحد وتتحمل فجاجته، غافلةً تمامًا عن الحقيقة المرة التي كانت لتسلبها أنفاسها لو عرفتها، وهي أنه لم يأتِ في زيارة مؤقتة، بل عاد نهائيًا واستقر في أرض الوطن.

فور دلوفها من بوابة القصر الخارجية، ولم تكد تخطو خطوات قسيرة في الحديقة، حتى أبصرها حمزة من بعيد، فهرول نحوها بخطواتٍ متسارعة تكاد تسبق أنفاسه، ووقف أمامها يردد بلهفةٍ وقلقٍ عارم

- كنتي فين يا رنيم؟.. رحت الجامعة ليكي قالولي محضرتيش، وكمان سايبة الفون بتاعك هنا

سكنت ضربات قلبها المضطربة وزفرت براحةٍ عميقة عقب حديثه هذا؛ فقد تملكها الخوف طوال الطريق وظنت أن ثمة كارثة قد وقعت أو أن غيابها أثار أزمة في البيت، لتجيبه بنبرةٍ غلفتها اللامبالاة ومسحة من الضيق المكتوم

- إتمشيت شوية وقابلت ريناد.. مكنش ليا مزاج أحضر حاجة بعد قلة ذوق إبن خالك ده.. بصراحة شخص لا يطاق

أضاءت ملامح حمزة وسرت موجةٌ عارمة من السعادة والتشفي في أعماقه وهو يستمع إلى كلماتها الناقمة؛ إذ شعر في تلك اللحظة أن الروابط بينهما تقوى، وأن ثمة قواسم مشتركة كثيرة باتت تجمعهما، وها هو قاسمٌ جديد متين يضاف إلى القائمة، وهو كرههما المشترك والعميق لنفس الشخص.

نعم، لم يكن حمزة يطيق ذكر اسم يحيى، بل كان يحمل في قلبه غلًا أسود وكراهيةً متجذرة تجاهه؛ ليس فقط لتميزه الظاهر ومكانته المرموقة التي يخطف بها الأضواء دائمًا، بل لكونه الابن المدلل لعائلة عدلان، تلك العائلة الأنانية التي حرمته قسرًا، وبكل قسوة، من التمتع بأحضان والده، ومنعته من رؤيته أو حتى زيارته، ليجد نفسه يتجرع مرارة اليتم وعقدة النقص بالرغم من أن والده على قيد الحياة ويرزق.

انتهز حمزة الفرصة على الفور ليغذي تلك النار ويشاركها الرأي، مرددًا بتأكيدٍ حاقد ونبرة تقطر سمًا

- فعلاً، ده واحد مناخيره في السما طول عمره، زي جده بالظبط.

وقعت كلماته الأخيرة وتشبهه بجده كالصدمة على مسامعها، لتتوقف رنيم فجأة عن السير كأنما لُجمت، والتفتت إليه تحدق في ملامحه بنظراتٍ مطولة، حادة ومستنكرة، وكأنها تعيد اكتشاف شخصيته من جديد، قبل أن تستأنف سيرها نحو الداخل بخطوات واسعة وهي تنهي هذا الحوار غير المريح قائلة بجدية وحسم

- أنا طالعة أذاكر، خلاص الامتحانات بعد أسبوع وعاوزة أخلص بقى

✨✨✨✨✨✨✨✨

عاد يحيى، الحفيد الأكبر والوارث الحقيقي لعرش العائلة، ليقف مجددًا أمام مبنى شركته الشاهق، يرمق الصرح الإداري العملاق بنظراتٍ ملؤها الفخر والاعتزاز؛ فهذه المجموعة الهائلة من الشركات التي يتربع على قمتها لم تكن مجرد جدران، بل إمبراطورية اقتصادية ممتدة الفروع، تمتد جذورها وتتشعب في العديد من دول العالم بفضل حنكته وإدارته الصارمة.

ترجل من سيارته الفارهة وراح يسير بخطواتٍ ثابته، متزنة، ومدروسة بعناية، تنم عن هيبةٍ طاغية تفرض احترامها على الجميع، ومن خلفه يتحرك طاقم حراسته الخاصة بآلية ونظام صارم لحمايته. دلف إلى داخل المبنى الفاخر، متوجهًا مباشرة إلى المصعد الخاص، ومنه صعد إلى الطابق العلوي حيث يقع مكتبه؛ ذلك المكان الذي اشتاق إليه وإلى تفاصيله طوال فترة غيابه.

وما إن خطت قدماه عتبة الغرفة، حتى وقف يتأمل الأرجاء، محتضنًا كل قطعة أثاث ولوحة فنية بعينيه الشغوفتين، فتلك الغرفة هي مملكته الخاصة التي يعشقها، وملاذه الآمن الذي يصنع فيه مجده. تقدم نحو مقعده الجلدي المريح الوثير، وجلس عليه مسترخيًا، ثم أغمض عينيه مستسلمًا للحظة هدوء، ودار بمقعده نصف دورة نحو النافذة الزجاجية الكبيرة. لكن، وفجأة ودون سابق إنذار، اقتحمت صورتها هيئته الفكرية، فتمثلت أمام عينيه بملامحها الحزينة المنكسرة وشحوبها الذي رآه في الصباح. في تلك اللحظة، شعر بضيقٍ غريب وثقيل يتملك من صدره، وداهمه إحساس بالذنب لكونه السبب المباشر في جرحها وإحزانها بتلك الطريقة القاسية أمام الجميع.

حاول جاهدًا تجاهل ذلك الشعور المزعج وطرد طيفها من مخيلته، إلا أن الإحساس بالضيق لم ينصرف وظل جاثمًا على أنفاسه، مما أثار حنقه. وبحركةٍ عصبية غاضبة، ضرب بقبضة يده على سطح المكتب الخشبي العريض من أمامه، وراح يردد بضيق ونبرة حادة مخنوقة، وكأنه يوبخ شخصًا يقف أمامه ويعاتبه

- مالك يا يحيى فيه إيه؟... من إمتى وإنت بتهتم مين زعل ومين إتضايق!.. البت دي خطر عليا، لازم أتجنبها خالص.

أخيرًا، اتخذ قراره الحاسم بالابتعاد عنها وتجاهل وجودها تمامًا، وبمجرد الاستقرار على هذا القرار، سرت في جسده موجة من الراحة المؤقتة، وكأن تلك الفكرة قد محت تمامًا ذكرى ما حدث في الصباح وأغلقت ملفها. انكب بعدها على الأوراق والملفات المتراكمة أمامه، يطالعها ويبدأ عمله بنشاط وحيوية متجددة، ملقيًا بكل جوارحه في العمل. ولكن، على الرغم من قناعه الصارم وقراره الحاسم، كلما داهمه طيفها العابر وتذكر ملامحها العفوية، كان يجاهد ويحارب ابتسامة دافئة رغما عنه، كادت تطفو وتتكحل بها شفتاه

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • قصر الظلال    البارت الرابع والستون

    لم يكد الكلمة تخرج من فمها حتى اقترب منها مرة أخرى بـنظرة لعوبة جائعة، فشعرت بالخوف مجدداً وانكمشت على نفسها تتراجع للخلف، ليردد بجدية مصطنعة ومكر وهو يميل نحو أذنها- بتقولي إيه؟ سمعيني تاني كده.. شكلك عاجبك الموضوع وعاوزه تتعاقبي تاني دلوقتي حالا؟نفت سارا برأسها برعب ودلال طفولي غافلة، واستدارت تركض بكل سرعتها نحو السيارة، لتفتح الباب وتدلف إلى المقعد المجاور له وهي تحاول التقاط أنفاسها الضائعة. ركب علي بجوارها، وأدار المحرك، ليكون الصمت المطبق والهيام الخفي هو حليف رحلتهما حتى وصلت إلى عتبة منزلها دون كلمة واحدة، لكن الأنفاس كانت تتحدث بالنيابة عنهما.عقب دلوفها المنزل وإغلاق الباب وراءها، استندت بظهرها إلى الخشب وهي تضع يدها على قلبها الذي يكاد يقفز من صدرها. وفجأة، أصدر هاتفها نغمة معلنة عن وصول رسالة نصية؛ فتحتها بيدين ترتجفان، لتجدها من علي مكتوب فيها بـكل رومانسية وعشق - حبيبتي.. دي كانت أجمل لحظات عمري كله لما كنتِ بين إيديا وبين بأحضاني.. دقت عسل شفايفك اللّي دوخني، وكنت حاسس وأنا معاكي إني طاير بين السحاب ولامس نجوم السما اللّي قلتي إنها بعيدة.. تصبحي على خير يا جوهرة قل

  • قصر الظلال    البارت الثالث والستون

    ركضت شابي نحو الداخل بخطى متسارعة، عيناها تطوفان في أرجاء القصر الفخم بلهفة وشغف جارف، تبحث عنه في كل زاوية، فـقد أضناها الشوق ولم تعد تقوى على الانتظار لحظة واحدة أخرى. استمرت في ركضها حتى وجدت الجد "يحيى عدلان" يقف بوقاره المعتاد أمامها في بهو القصر، فاندفعت نحوه وتساءلت بلهفة وأنفاس متهدجة - فين يحيى يا جدو؟ هو وصل مش كده؟.. طمنّي عليه أنا مشتاقة أوي أشوفهتطلع إليها الجد باستنكار وضيق من اندفاعها غير المبرر، وهز رأسه بقلة حيلة ليشير لها بيده نحو الأعلى، مردفاً بنبرة حادة وجافة- فوق في أوضته.. لسه واصل من المطار من شوية.... لم تنتظر شابي سماع بقية كلماته؛ بل استدارت في لمح البصر وراحت تأكل درجات السلم الرخامي بنشاط، مدفوعة بأشواقها العارمة. وصلت إلى جناحه، ودلفت إلى غرفته بخطوات خفيفة، لتجده يجلس بمفرده في الشرفة، متكئاً بمرفقيه وظهره مائل إلى الأمام، وعيناه شاردتان بحزن عميق مع تلك الورود الذابلة في الشرفة.ابتسمت شابي بحب، وبدأت تسير على أطراف أصابعها بهدوء شديد حتى لا يشعر بوجودها، وما إن وصلت خلف مقعده تماماً، حتى مدت يديها ونزلت بهما لتضع كفيها فوق عينيه مباغتة إياه بـمرح

  • قصر الظلال    البارت الثانى والستون

    وقف يحيى على أعتاب بوابة الطائرة، متسمراً لثوانٍ وهو يغمض عينيه، ويستنشق بعمق عبير هواء وطنه الذي افتقده واشتاق إليه منذ ما يقرب من الأربع سنوات؛ سنوات طوال قضاها في غربة جسدية، لكن روحه بقيت معلقة هنا. بدأ يهبط درج الطائرة بخطوات ثابتة وئيدة، والوجع يعتصر ملامحه الرصينة؛ لقد سافر وفارق كل شيء في الماضي ظناً منه أن البعد ترياق، وأنه سيمحو من ذاكرته ذلك الشوق العاصف الذي كاد أن يقتله، ولكنه عاد اليوم ليكتشف الحقيقة المُرّة.. عاد وقد تضاعف الشوق في صدره مئات المرات، وباتت نيرانه تلتهم جوفه. بعد مدة من الوقت، انطوت المسافات لتتوقف السيارة الفارهة أمام أبواب القصر الحديدية الضخمة. ترجل منها يحيى بخيباته وأشواقه، وما إن دلف من البوابة الداخلية حتى قوبل بترحاب حافل وصاخب من الخدم وجميع من في القصر؛ فقد كانت عودته مفاجأة مدوية للجميع، إذ لم يخبر أحداً بموعد وصوله أو يمهد لخطوته تلك. تخطى يحيى الجموع بابتسامة باهتة ومجاملة، وبدأ يصعد درج القصر الرخامي المؤدي للأجنحة العلوية. ومع كل درجة يخطوها، كان يستعيد شريط ذكرياته مع رنيم؛ تفاصيل ضحكاتها، ركضها، وعطرها الذي كان يملأ المكان. زفر بضيق وح

  • قصر الظلال    البارت الحادى والستون

    أنهت سارا صلاتها للتو، وظلت مستقرة في مجلسها فوق الفراش، طارحةً سجادة الصلاة جانباً وممسكةً بمصحفها الصغير. راحت تقرأ ما تيسر من آيات الذكر الحكيم بنبرة متهدجة، بينما كانت دموعها تنهمر في صمت فوق الصفحات، باكيةً على فقيد قلبها مروان، وعلى تلك الفرحة الغالية التي تلاشت وتبخرت من بين يديها قبل أن تنالها أو تذوق حلاوتها. في تلك الأثناء، دلف شقيقها فارس بخطى وئيدة، وجلس بجوارها على الفراش صامتاً لعدة لحظات؛ كان الصمت يمزق نياط قلبه وهو يتأمل هيئتها الحزينة الذابلة. لقد مرت عدة أشهر كاملة على موت مروان، لكن الأيام لم تزد سارا إلا لوعة، ولم يقلّ من حزنها وجمر شوقها شيء. وكعادتها الحانية معه، فتح فارس ذراعيه لها على اتساعهما دون أن ينطق بكلمة؛ فلم تتردد سارا، واندفعت سريعاً لتدلف بين أحضانه، واضعةً رأسها المثقل بالهموم على صدره. راح يربت على ظهرها بحنان جارف وأخوة صادقة، لتنفجر هي في بكاء مرير، ونحيب مكتوم زلزل كيانها النحيل. تركها فارس على راحتها، ولم يحاول إسكاتها، بل سمح لنوبة البكاء العنيفة تلك أن تفرغ كل الشحنات السامة والكسرة القابعة في أعماق روحها، حتى هدأت أنفاسها تماماً واستكانت.

  • قصر الظلال    البارت الستون

    خفض حمزة صوت التلفاز فوراً عقب سماعه صوتاً أشبه بالنحيب المكتوم يأتي من بعيد؛ تفرّس في الصوت لثوانٍ حتى تأكد تماماً أنه صوت زوجته ومحبوبته ميسون تنحب بنبرة باكية داخل المطبخ. انتفض من مقعده وهرول نحوها وقلبه يخفق خوفاً من أن يكون أصابها أي مكروه. دلف إلى المطبخ ليجدها تقف أمام خلاط الطهو، وجسدها يهتز بخفة وهي تبكي بحرقة مصطنعة؛ اقترب منها بلهفة، وأحاط كتفيها بوجل يسألها بنبرة حانية - بتعيطي ليه بس يا روحي؟ فيكِ إيه إيه اللّي حصل؟ قامت بالضغط على مفتاح التشغيل الخاص بالخلاط عدة مرات متتالية أمام عينيه، ولكنه بالطبع لم يبدِ أي استجابة، لتردد من بين بكائها ونبرتها الطفولية - الخلاط باظ يا روحي.. مش راضي يشتغل خالص وأنا بوظته تطلع حمزة إلى الخلاط للحظات بقلة حيلة، ثم اتجه يحملق في ملامح وجهها الباكي والبريئ، وهبط بجل بصره ليرى سلك الجهاز ملقى على الرخام؛ أمسك بالفيشة بملل، وردد من بين أسنانه وهو يحاول كتم ضحكته - طبيعي يا روحي مش هيشتغل.. إلا لو اتكرمنا ووصلناه بالكهربا.... بسيطة يعني ومستاهلتش كل المناحة دي. تركها حمزة وعاد إلى الصالة، وما إن أدار ظهره حتى اختفت دموع ميسون الز

  • قصر الظلال    البارت التاسع والخمسون

    لم تبخل رنيم على إخوتها بجهدٍ أو مال؛ لقد أغدقت عليهم من حنانها ووقتها، وعوّضتهم في تلك الأشهر القليلة المريرة مرارة السنوات العجاف التي عاشوها في الماضي تحت وطأة القسوة والمهانة. حققت لهما حياة كريمة، هادئة، ومستقرة، جعلت عمر وأمل يشعران في أعماقهما بأنهما سيظلان مدينين لهذه الأخت الكبرى بطوق نجاتهما طيلة عمرهما. ولكن، ورغم هذا الدفء الظاهر، بقيت هناك غيوم كثيفة من التساؤلات الحائرة تدور في فلك عقلهما حول حياتها السابقة؛ ذلك الجنين الذي يكبر في بطنها يوماً بعد يوم، وزوجها الغامض الذي لم تذكر إسمه قط، ولا تحدثت عن تفاصيل غيابه، وكأنها قطعت كل حبال الماضي بسكين بارد. وفي إحدى الليالي الساكنة، جلس عمر بجوارها على الأريكة، وقد عزم أمره وشحن شجاعته أن يفتح ذلك الصندوق المغلق ويتحدث معها اليوم؛ التفت إليها وتطلع إلى ملامحها الهادئة، ثم سألها بفضول ممزوج بالخوف الأخوي - رينو.. هو إحنا مش هنعرف حاجة عن حياتك اللّي فاتت دي؟ عملتي فيها إيه وكنتي عايشة إزاي؟.. وطب وجوزك.. جوزك فين يا رنيم؟ وليه سايبك لوحدك في ظروف زي دي؟ توقفت يد رنيم عما كانت تفعله، وفجأة، أطلقت ضحكات متتالية؛ لكنها لم تك

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status