بيت / الرومانسية / قصر الظلال / البارت الرابع

مشاركة

البارت الرابع

مؤلف: Faten Aly
last update تاريخ النشر: 2026-05-18 23:55:15

لحظةٍ لا يختارها أحد… تتقاطع الطرق كما لو أن القدر كان يختبئ خلف الأبواب ينتظر الإشارة.

نظن أن البدايات واضحة، وأن ما نعيشه آمن، حتى يظهر وجهٌ من الماضي أو ظلٌّ من المجهول ليعيد ترتيب كل ما ظننّاه ثابتًا.

هناك، بين صمتٍ لم يُفسَّر ونظرةٍ لم تُكتمل… تبدأ الحكاية الحقيقية، حيث لا شيء يبقى كما كان، وحيث يصبح السؤال أخطر من الإجابة.

فبعض اللقاءات لا تأتي صدفة… بل تأتي لتكشف ما كان مُخبّأً منذ البداية

✨✨✨✨✨✨✨✨

لم يكن فقدان الذاكرة عابرًا أو مؤقتًا… بل كان كأن الذاكرة نفسها قد انسحبت بالكامل، تاركة خلفها فراغًا ثقيلًا يبتلع كل ملامح الماضي. ساد الصمت المكان على نحوٍ مخيف، صمت لا يشبه الهدوء بقدر ما يشبه الصدمة حين تستقر في القلوب.

اقتربت سلمى منها دون تردد، واحتضنتها بحنانٍ مشوبٍ بالألم، كأنها تحاول أن تعوّضها عن كل ما فقدته في لحظة واحدة. كانت الفتاة مجهولة الهوية تمامًا؛ لا بطاقة، لا هاتف، لا شيء يدل على من تكون… فقط ملامح ضائعة بين الخوف والتيه.

وفي المقابل، وقف يحيى الجد بنظراتٍ جامدة، يراقب المشهد كمن يحسب الأمور بميزان العقل وحده، ثم ألقى عليها نظرة قصيرة قبل أن يشيح بوجهه ويغادر وهو يتمتم ببرود محسوب

- لا حول ولا قوة إلا بالله… فقدان ذاكرة يعني. اتصل يا يحيى على رجب ييجي يصوّرها كام صورة، وننزل إعلان في الجرايد… يمكن أهلها يلاقوها. بس خليّه يحط عنوانه ورقم تليفونه.

أومأ يحيى الابن بالموافقة بصمت، ثم تبع والده بخطوات هادئة نحو غرفة المكتب، حيث تنتظرهم تفاصيل أخرى لا تقل ثقلًا عن هذا الموقف.

أما حمزة، فظل واقفًا في مكانه، عينيه لا تفارقان الفتاة للحظات. كان الصمت حوله مزدحمًا بأسئلة لا يجرؤ على قولها، ثم همس في داخله، كأنما يخاطب نفسه قبل أن يخاطب القدر

- يا رب تفضل هنا… يمكن على الأقل ألاقى حد أتكلم معاه يكون غريب زيي ويصبرنى على فراق حبيبى يحيى.... يارب كان نفسى فى بنت سيبهالى يارب

✨✨✨✨✨

في اليوم التالي، كانت سلمى قد أعدّت لها شيئًا من الطمأنينة قبل أن تخرج بها من الغرفة. ساعدتها في تبديل ملابسها، ورتّبت شعرها الأحمر الناري الطويل بعناية، كأنها تحاول أن تُعيد إليها ملامح الحياة شيئًا فشيئًا.

وقفت سلمى تتأملها للحظة، ثم ابتسمت بخفة ممزوجة بالدهشة

- لون شعرك غريب أوي يا بنتي… عارفة عندي فضول أعرف وارثاه من مين.

ضحكت الفتاة رغم ما يثقل صدرها من ألم جسدي ونفسي، ضحكة صغيرة لكنها صادقة، وكأن هذا الحنان الغريب يمنحها مساحة قصيرة لتتنفس بعيدًا عن خوفها.

في الحديقة، جلست على طرف المقعد، والهواء يلامس وجهها كأنه يختبر بقاياها. لم تمضِ دقائق حتى جلس حمزة بجوارها بهدوء، كمن يقترب من شخص يعرف وجعه دون أن يسمعه.

قال بهدوء يحمل شيئًا من المرارة

- أنا حمزة… غلطة الزمن زي ما بيقول جدي. أنا ابن بنته.

رفعت عينيها إليه بشفقة صامتة، كأنها تفهم الألم أكثر مما تفهم الكلمات، وسألته بصوت خافت عن سبب هذا اللقب الثقيل.

ابتسم بسخرية قصيرة، ثم قال

- عشان ماما اتجوزت بابا اللي مش من مستواهم… وبعد ما ولدتني اتطلقوا. ماما اتجوزت، وبابا اتجوز… وأنا اتحكم عليا أعيش بين اتنين يحيى.

ساد بينهما صمتٌ قصير، قبل أن يعود يحيى من العمل بخطوات واثقة، يرمق المشهد بعينٍ فاحصة. توقّف قليلًا أمام الفتاة، يلاحظ الكدمات التي تغطي ملامحها، وتورم عينيها، والبقعة الزرقاء التي تخفي جزءًا كبيرًا من وجهها، كأنها تحاول إخفاء هوية لا تزال مفقودة.

جلس بجوارها بهدوء، وسألها عن حالها اليوم، ثم صمت فجأة. نظر إليها طويلًا، وكأنه ينتبه لفراغ لم يكن قد رآه من قبل… لا اسم لها..... قال بعد لحظة تفكير

- إيه رأيك أختار لك اسم… مؤقت يعني، لحد ما تظهر عيلتك؟

هزّت رأسها بالموافقة بصمت، بينما أبدى حمزة اهتمامًا بالفكرة.... نظر يحيى أمامه قليلًا، ثم قال بهدوء

- رنيم… اسم حلو وجميل وبحبه. إيه رأيكم؟

ابتسم حمزة موافقًا، لكن الفتاة لم تبتسم… بل شردت بعيدًا، كأن الاسم لم يلمسها فقط، بل فتح داخلها بابًا جديدًا من الأسئلة.

- من أنا؟

سؤال لم تجد له صوتًا بعد… لكنه بدأ يصرخ داخلها بصمتٍ موجع.

✨✨✨✨✨✨✨

تدور الأيام، ولا يظهر أي أثر لمعلومة واحدة عن رنيم. والواقع أن الإعلان الذي كان من المفترض أن يُنشر عنها لم يصل أصلًا إلى النور؛ فقد أهمله الموظف المكلف به، وانشغل عنه حتى مضى الوقت، ثم آثر الصمت خوفًا على مكانته داخل الشركة، وأبلغ يحيى في النهاية بعدم وجود أي بلاغات أو تواصل بشأن الفتاة.

جاء اليوم الذي تقرر فيه سفر يحيى الحفيد، فاجتمع الجميع على المائدة في أجواء يختلط فيها الهدوء بشيء من الترقب. التفت يحيى إليها مازحًا، وصوته يحمل ألفة خفيفة

- كان نفسي أشوف شكلك قبل ما أسافر يا بنوتي… ابقي ابعتيلي صورك لما وشك يبان له ملامح بقى.

كان يحيى الجد يضيق صدره كلما سمع كلمة (بنوتي) التي اعتاد الحفيد أن يطلقها على رنيم، كنوع من المزاح الذي يراه الجد تجاوزًا غير مقبول، رغم أنها مجرد فتاة وُجدت صدفة داخل قصره.

ظل الجد صامتًا لحظات، يفكر بجدية في مصيرها، ثم قال بنبرة حاسمة

- أنا شايف نسلم البنت للبوليس… أو نوديها ملجأ بدل ما تفضل كده، ما لهاش أهل ولا حد سأل عليها.

ارتجف قلب رنيم في داخلها عند كلماته، ليس خوفًا فقط، بل شعورًا خفيًا بالإهانة وكأنها عبء يمكن التخلص منه في أي لحظة. التفتت سلمى بسرعة، وقد بدا الانزعاج واضحًا على ملامحها، ثم قالت بانفعال لا يخلو من الحزم

- لا طبعًا… البنت دي تفضل معانا هنا. ومتنساش إن يحيى هو اللي كان السبب في اللي حصلها.

كانت الحقيقة مختلفة، فسلمى كانت تعلم تفاصيل ما حدث، لكنها آثرت أن تُلقي بالمسؤولية كاملة على يحيى، كدرع يحمي رنيم من فكرة الرحيل أو الضياع من جديد.

تدخل يحيى الحفيد بهدوء عملي، وكأنه يحاول إيجاد حل يرضي الجميع:

خلاص، نتبناها مؤقتًا لحد ما يبان أهلها… وكمان عشان التعليم والمدرسة ما يضيعوش عليها.

ألقى يحيى الجد محرمته على الطاولة بغضب مكبوت، وقال بسخرية حادة

- نتبناها؟ عشان في الآخر تطالب بميراث؟ إنت اتجننت؟

ثم تابع بعد لحظة، وكأن فكرة خطرت له فجأة

- عندي حل تاني… نعمل لها شهادة ميلاد باسم متفبرك، وتدخل المدرسة اللي فيها حمزة.

بدت الفكرة عملية في نظر يحيى والحفيد، فوافق سريعًا، بينما حمزة جلس صامتًا للحظة، يرفع نظره للأعلى وكأن داخله يبتسم وحده

- الحمد لله… شكلي كده اتحققت أمنيتي.

أما رنيم، فكانت تجلس بينهم بصمت، تراقب كل شيء دون أن تمتلك حق الاعتراض، وكأن حياتها تُدار حولها لا بها. وبرغم القبول الذي يبدو أنه منحها بقاءً، إلا أن داخلها كان ممتلئًا بتساؤلٍ ثقيل

- هل هذا أمان… أم مجرد شكل آخر من الضياع؟

وفي قلب سلمى، كان دعاء خافت يهرب بصعوبة بين أنفاسها

- يا رب… احفظها من قسوة يحيى عظلان وازرع فى قلبه حبها واحفظها ليا يارب واجعلها الابنة البارة

استمر في قراءة هذا الكتاب مجانا
امسح الكود لتنزيل التطبيق

أحدث فصل

  • قصر الظلال    البارت الرابع والستون

    لم يكد الكلمة تخرج من فمها حتى اقترب منها مرة أخرى بـنظرة لعوبة جائعة، فشعرت بالخوف مجدداً وانكمشت على نفسها تتراجع للخلف، ليردد بجدية مصطنعة ومكر وهو يميل نحو أذنها- بتقولي إيه؟ سمعيني تاني كده.. شكلك عاجبك الموضوع وعاوزه تتعاقبي تاني دلوقتي حالا؟نفت سارا برأسها برعب ودلال طفولي غافلة، واستدارت تركض بكل سرعتها نحو السيارة، لتفتح الباب وتدلف إلى المقعد المجاور له وهي تحاول التقاط أنفاسها الضائعة. ركب علي بجوارها، وأدار المحرك، ليكون الصمت المطبق والهيام الخفي هو حليف رحلتهما حتى وصلت إلى عتبة منزلها دون كلمة واحدة، لكن الأنفاس كانت تتحدث بالنيابة عنهما.عقب دلوفها المنزل وإغلاق الباب وراءها، استندت بظهرها إلى الخشب وهي تضع يدها على قلبها الذي يكاد يقفز من صدرها. وفجأة، أصدر هاتفها نغمة معلنة عن وصول رسالة نصية؛ فتحتها بيدين ترتجفان، لتجدها من علي مكتوب فيها بـكل رومانسية وعشق - حبيبتي.. دي كانت أجمل لحظات عمري كله لما كنتِ بين إيديا وبين بأحضاني.. دقت عسل شفايفك اللّي دوخني، وكنت حاسس وأنا معاكي إني طاير بين السحاب ولامس نجوم السما اللّي قلتي إنها بعيدة.. تصبحي على خير يا جوهرة قل

  • قصر الظلال    البارت الثالث والستون

    ركضت شابي نحو الداخل بخطى متسارعة، عيناها تطوفان في أرجاء القصر الفخم بلهفة وشغف جارف، تبحث عنه في كل زاوية، فـقد أضناها الشوق ولم تعد تقوى على الانتظار لحظة واحدة أخرى. استمرت في ركضها حتى وجدت الجد "يحيى عدلان" يقف بوقاره المعتاد أمامها في بهو القصر، فاندفعت نحوه وتساءلت بلهفة وأنفاس متهدجة - فين يحيى يا جدو؟ هو وصل مش كده؟.. طمنّي عليه أنا مشتاقة أوي أشوفهتطلع إليها الجد باستنكار وضيق من اندفاعها غير المبرر، وهز رأسه بقلة حيلة ليشير لها بيده نحو الأعلى، مردفاً بنبرة حادة وجافة- فوق في أوضته.. لسه واصل من المطار من شوية.... لم تنتظر شابي سماع بقية كلماته؛ بل استدارت في لمح البصر وراحت تأكل درجات السلم الرخامي بنشاط، مدفوعة بأشواقها العارمة. وصلت إلى جناحه، ودلفت إلى غرفته بخطوات خفيفة، لتجده يجلس بمفرده في الشرفة، متكئاً بمرفقيه وظهره مائل إلى الأمام، وعيناه شاردتان بحزن عميق مع تلك الورود الذابلة في الشرفة.ابتسمت شابي بحب، وبدأت تسير على أطراف أصابعها بهدوء شديد حتى لا يشعر بوجودها، وما إن وصلت خلف مقعده تماماً، حتى مدت يديها ونزلت بهما لتضع كفيها فوق عينيه مباغتة إياه بـمرح

  • قصر الظلال    البارت الثانى والستون

    وقف يحيى على أعتاب بوابة الطائرة، متسمراً لثوانٍ وهو يغمض عينيه، ويستنشق بعمق عبير هواء وطنه الذي افتقده واشتاق إليه منذ ما يقرب من الأربع سنوات؛ سنوات طوال قضاها في غربة جسدية، لكن روحه بقيت معلقة هنا. بدأ يهبط درج الطائرة بخطوات ثابتة وئيدة، والوجع يعتصر ملامحه الرصينة؛ لقد سافر وفارق كل شيء في الماضي ظناً منه أن البعد ترياق، وأنه سيمحو من ذاكرته ذلك الشوق العاصف الذي كاد أن يقتله، ولكنه عاد اليوم ليكتشف الحقيقة المُرّة.. عاد وقد تضاعف الشوق في صدره مئات المرات، وباتت نيرانه تلتهم جوفه. بعد مدة من الوقت، انطوت المسافات لتتوقف السيارة الفارهة أمام أبواب القصر الحديدية الضخمة. ترجل منها يحيى بخيباته وأشواقه، وما إن دلف من البوابة الداخلية حتى قوبل بترحاب حافل وصاخب من الخدم وجميع من في القصر؛ فقد كانت عودته مفاجأة مدوية للجميع، إذ لم يخبر أحداً بموعد وصوله أو يمهد لخطوته تلك. تخطى يحيى الجموع بابتسامة باهتة ومجاملة، وبدأ يصعد درج القصر الرخامي المؤدي للأجنحة العلوية. ومع كل درجة يخطوها، كان يستعيد شريط ذكرياته مع رنيم؛ تفاصيل ضحكاتها، ركضها، وعطرها الذي كان يملأ المكان. زفر بضيق وح

  • قصر الظلال    البارت الحادى والستون

    أنهت سارا صلاتها للتو، وظلت مستقرة في مجلسها فوق الفراش، طارحةً سجادة الصلاة جانباً وممسكةً بمصحفها الصغير. راحت تقرأ ما تيسر من آيات الذكر الحكيم بنبرة متهدجة، بينما كانت دموعها تنهمر في صمت فوق الصفحات، باكيةً على فقيد قلبها مروان، وعلى تلك الفرحة الغالية التي تلاشت وتبخرت من بين يديها قبل أن تنالها أو تذوق حلاوتها. في تلك الأثناء، دلف شقيقها فارس بخطى وئيدة، وجلس بجوارها على الفراش صامتاً لعدة لحظات؛ كان الصمت يمزق نياط قلبه وهو يتأمل هيئتها الحزينة الذابلة. لقد مرت عدة أشهر كاملة على موت مروان، لكن الأيام لم تزد سارا إلا لوعة، ولم يقلّ من حزنها وجمر شوقها شيء. وكعادتها الحانية معه، فتح فارس ذراعيه لها على اتساعهما دون أن ينطق بكلمة؛ فلم تتردد سارا، واندفعت سريعاً لتدلف بين أحضانه، واضعةً رأسها المثقل بالهموم على صدره. راح يربت على ظهرها بحنان جارف وأخوة صادقة، لتنفجر هي في بكاء مرير، ونحيب مكتوم زلزل كيانها النحيل. تركها فارس على راحتها، ولم يحاول إسكاتها، بل سمح لنوبة البكاء العنيفة تلك أن تفرغ كل الشحنات السامة والكسرة القابعة في أعماق روحها، حتى هدأت أنفاسها تماماً واستكانت.

  • قصر الظلال    البارت الستون

    خفض حمزة صوت التلفاز فوراً عقب سماعه صوتاً أشبه بالنحيب المكتوم يأتي من بعيد؛ تفرّس في الصوت لثوانٍ حتى تأكد تماماً أنه صوت زوجته ومحبوبته ميسون تنحب بنبرة باكية داخل المطبخ. انتفض من مقعده وهرول نحوها وقلبه يخفق خوفاً من أن يكون أصابها أي مكروه. دلف إلى المطبخ ليجدها تقف أمام خلاط الطهو، وجسدها يهتز بخفة وهي تبكي بحرقة مصطنعة؛ اقترب منها بلهفة، وأحاط كتفيها بوجل يسألها بنبرة حانية - بتعيطي ليه بس يا روحي؟ فيكِ إيه إيه اللّي حصل؟ قامت بالضغط على مفتاح التشغيل الخاص بالخلاط عدة مرات متتالية أمام عينيه، ولكنه بالطبع لم يبدِ أي استجابة، لتردد من بين بكائها ونبرتها الطفولية - الخلاط باظ يا روحي.. مش راضي يشتغل خالص وأنا بوظته تطلع حمزة إلى الخلاط للحظات بقلة حيلة، ثم اتجه يحملق في ملامح وجهها الباكي والبريئ، وهبط بجل بصره ليرى سلك الجهاز ملقى على الرخام؛ أمسك بالفيشة بملل، وردد من بين أسنانه وهو يحاول كتم ضحكته - طبيعي يا روحي مش هيشتغل.. إلا لو اتكرمنا ووصلناه بالكهربا.... بسيطة يعني ومستاهلتش كل المناحة دي. تركها حمزة وعاد إلى الصالة، وما إن أدار ظهره حتى اختفت دموع ميسون الز

  • قصر الظلال    البارت التاسع والخمسون

    لم تبخل رنيم على إخوتها بجهدٍ أو مال؛ لقد أغدقت عليهم من حنانها ووقتها، وعوّضتهم في تلك الأشهر القليلة المريرة مرارة السنوات العجاف التي عاشوها في الماضي تحت وطأة القسوة والمهانة. حققت لهما حياة كريمة، هادئة، ومستقرة، جعلت عمر وأمل يشعران في أعماقهما بأنهما سيظلان مدينين لهذه الأخت الكبرى بطوق نجاتهما طيلة عمرهما. ولكن، ورغم هذا الدفء الظاهر، بقيت هناك غيوم كثيفة من التساؤلات الحائرة تدور في فلك عقلهما حول حياتها السابقة؛ ذلك الجنين الذي يكبر في بطنها يوماً بعد يوم، وزوجها الغامض الذي لم تذكر إسمه قط، ولا تحدثت عن تفاصيل غيابه، وكأنها قطعت كل حبال الماضي بسكين بارد. وفي إحدى الليالي الساكنة، جلس عمر بجوارها على الأريكة، وقد عزم أمره وشحن شجاعته أن يفتح ذلك الصندوق المغلق ويتحدث معها اليوم؛ التفت إليها وتطلع إلى ملامحها الهادئة، ثم سألها بفضول ممزوج بالخوف الأخوي - رينو.. هو إحنا مش هنعرف حاجة عن حياتك اللّي فاتت دي؟ عملتي فيها إيه وكنتي عايشة إزاي؟.. وطب وجوزك.. جوزك فين يا رنيم؟ وليه سايبك لوحدك في ظروف زي دي؟ توقفت يد رنيم عما كانت تفعله، وفجأة، أطلقت ضحكات متتالية؛ لكنها لم تك

فصول أخرى
استكشاف وقراءة روايات جيدة مجانية
الوصول المجاني إلى عدد كبير من الروايات الجيدة على تطبيق GoodNovel. تنزيل الكتب التي تحبها وقراءتها كلما وأينما أردت
اقرأ الكتب مجانا في التطبيق
امسح الكود للقراءة على التطبيق
DMCA.com Protection Status