بيت / الرومانسية / قصر الظلال / البارت السابع

مشاركة

البارت السابع

مؤلف: Faten Aly
last update تاريخ النشر: 2026-05-19 13:34:08

دلف إلى غرفته هارباً من الضوضاء الصاخبة في الخارج، وهو لا يعلم أن ثمة ضوضاء عاتية، وأشد فتكاً، كانت بانتظاره خلف الباب المغلق.. ضوضاء تفجرت من أعماق عقله وقلبه.

​تمدد يحيى على فراشه، ذلك الفراش الذي طالما اشتاق لدفئه في ليالي الغربة الباردة. أخذ يجول بعينيه في أركان الغرفة؛ كل شيء كما هو، لم يتزحزح كتاب عن موضعه، ولم تتغير زاوية مقعد. ومَن ذا الذي يجرؤ على تغيير تفصيل واحد في مملكة يحيى؟ حتى والدته، برغم مكانتها، لم تكن تملك تلك الجرأة أمام صرامته وحبه للنظام.

​أغلق عينيه مستدعياً النوم، لكن ضيفاً آخر كان أكثر شبقاً بالزيارة فرض نفسه عليه. فما إن أسدل جفونه، حتى تجسدت أمامه تلك الصورة الفاتنة لرنيم؛ شعرها الأحمر المفرود على كتفيها كشلالات من نيران متدفقة تمردت على الواقع. انقلب على جانبه الآخر محاولاً طرد الطيف، فباغتته أصداء ضحكاتها، كلماتها الرقيقة، ونبرة صوتها العذب.. كان الصوت قريباً وواضحاً لدرجة جعلته يشعر، برعبٍ لذيذ، وكأنها تتمدد بجواره على الفراش ذاته، تتقاسم معه أنفاسه.

​انتفض يحيى فجأة وجلس باعتدال، وعيناه تشخصان في الفراغ، ليهتف بحدة وانفعال وكأنها تقف شاحبة أمامه

- ​إنتِ عاوزة مني إيه؟.. إيه المختلف فيكِ أصلاً؟ حتة عيلة.. لا، يا يحيى، مبقتشى عيلة.. بقت أنثى مكتملة السحر. أنا الذي طفت العالم ورأيت ملكات جمال من كل جنس ولون، ايه الجديد فيها؟ ممكن الشعر الذي يشبه جمر جهنم؟ ايوه،ممكن شعرها هو اللى شدنى......او صدفة او تغيير بعد السفر....... فوق لنفسك يا يحيى واعقل.. لازم اسيطر على نفسى مش دى اللى توقعك يا يحيى

​هجر فراشه بعد أن ضاقت به جدران الغرفة، واتجه نحو الشرفة. أشعل سيجارة وأخذ ينفث دخانها في الفضاء، لكن عينيه خانتاه وتسللتا لتهبطا إلى الحديقة. كانت هناك، تجلس بوقارها المعهود تحتضن كتاباً بين يديها، مغمضة العينين في لحظة تجلٍّ ساحرة، جعلته يحسد ذلك الكتاب الجامد الذي ينعم بلمسة كفيها. ولم تدم اللحظة، إذ اندفع حمزة فجأة وخطف الكتاب من بين يديها، لتنتفض رنيم غاضبة، وتنهض لتوبخه على فعلته الطائشة.

​لم يصل إلى مسامع يحيى خلف زجاج الشرفة أي من الكلمات التي دارت بينهما، لكنه لم يكن بحاجة للسماع؛ فقد شلّت عقله تلك الحمرة العفوية التي كست وجنتيها أثراً للغضب، وتلك الانفعالات الطفولية والأنثوية في آن، والتي أشعلت في صدره شعوراً مبهماً، عجز عن تفسيره أو تصنيفه.

​ألقى بعقب سيجارته أرضاً، وسحقها بقدمه بعنف، ثم صفَق باب الشرفة بقوة وارتد إلى الداخل بخطوات متلاحقة.. كأنما يهرب من وحش ضارٍ يطارده، أو كأنما يهرب من حقيقة نفسه التي بدأت تتكشف أمامه.

✨✨✨✨✨✨

أشرقت شمس الصباح لتعلن عن ميلاد يوم جديد، يحمل في طياته تفاصيل متجددة.

اجتمعت العائلة كعادتها حول مائدة الإفطار، وعاد يحيى الحفيد ليتبوأ مقعده الأثير بجوار جده؛ ذلك المكان المحجوز له دائماً، والذي لم يجرؤ أحد من أفراد العائلة على الاقتراب منه أو أخذه طوال سنوات غيابه.

كان المقعد المقابل لخلوّه من رنيم يثير ريبته؛ فأخذ يختلس النظرات نحو مقعدها الفارغ بين الحين والآخر، تملأه رغبة عارمة في السؤال عنها، لكن كبرياءه الجامح منعه من ذلك، ليعود وينهر نفسه بحدة على استسلامه للتفكير في أمرها.

لم تمر سوى لحظات حتى دلفت رنيم بخفة ومرح من الباب الداخلي للقصر المؤدي إلى الحديقة. كانت تتحرك كالفراشة، وتلقي تحيتها الصباحية بوجه مشرق وهي تحمل في يدها وردتين يقطران ندى. توجهت مباشرة نحو الجد يحيى، طبعت قبلة رقيقة على وجنته وأهدته الوردة الأولى، ثم التفتت نحو سلمى لتقبلها بحفاوة وتهديها الوردة الأخرى.

كانت هذه الطقوس بمثابة عادة صباحية مقدسة لرنيم. وبالرغم من القسوة المعهودة في شخصية الجد والصرامة التي يتعامل بها مع الجميع، إلا أنه كان يلين تماماً معها؛ إذ كان يرى فيها فتاة يتيمة كسرها الزمان، ويحاول جاهداً تعويضها، لاسيما وأنه ما زال يعتقد في قرارة نفسه أن حفيده يحيى هو السبب الخفي وراء الفاجعة التي حلت بها.

وعلى الجانب الآخر من المائدة، كانت هناك عيون تتابع تفاصيل هذا المشهد يومياً بحسرة خفية؛ عيون حمزة الذي تمنى لو تلتفت إليه يوماً وتهديه زهرة مثلهم. تحامل على مشاعره وردد مازحاً لكسر الصمت

-  مفيش وردة لزومي يا رنيم؟

جلست رنيم في مقعدها، وعلت وجهها ابتسامة مرحة وهي تجيبه بداعبتها المعتادة

-  لما تكبر يا زومي

في تلك اللحظة، شعر يحيى الحفيد بنار الغضب تشتعل في صدره دون سبب واضح؛ غضبٌ عارم من مجرد مزاحها العفوي مع ابن عمته، ليعود ويسائل نفسه بإنكار

- ما تعمل اللي هي عاوزاه.. إنت مزعل نفسك ليه ومتتنرفز كده ليه

لم يفت رنيم ملاحظة شروده الواضح وتغير ملامحه الحادة عن اللمسة الدافئة التي التمستها فيه بالأمس. تطلعت إليه بنظرات فاحصة ومباشرة، مما سبب له ارتباكاً ملحوظاً أشعل الصراع في داخله، قبل أن تسأله بعفوية مطلقة

-  مالك يا يحيى؟ إنت منمتش كويس والّا إيه؟

لم يشعر يحيى بنفسه، وكأن سؤالها قد فجر بركان الكبرياء والرفض في أعماقه؛ ألقى بالمحرمة بعنف فوق الطاولة، ونهض واقفاً وعيناه تطاير منهما الشرر، ليهتف بضيق حاد ونبرة قاسية

-  وإنتِ مالك؟ إنتِ هتصاحبيني؟

✨✨✨✨✨✨✨✨✨✨

كانت حياتهما أقل ما يقال عنها أنها بائسة؛ رحلة شقاء يومية يتقاسمها التوأم أمل وعمر، واللذان باتا يشعران بأن المجتمع بأسره يرفضهما ويدفعهما إلى الهامش.

لم يجد الصغيران مأوى عاطفياً في أي مكان؛ فزوجة أبيهما ترفض استضافتهما أو رؤيتهما قط، بينما هدد زوج والدتهما بطرد أمهما وطلاقها إن تجرأت يوماً واستقبلتهما في بيتها. ولم تكن الجدة بأحنّ عليهما من قسوة الأبوين، تلك العجوز سليطة اللسان التي لا تترك مناسبة أو تجمعاً إلا وأمطرت رؤوسهما بالسباب والنعال، حريصة في كل إشراقة شمس على تذكيرهما بأنهما مجرد عالة عليها، وحمل ثقيل لم تعد تقوى على تحمله أو إنفاق قرش واحد عليه.

في ذلك الصباح، استبد الجوع بأمل حتى شعرت بألم ينهش أحشاءها، فأخذت تبحث بلهفة بين زوايا البيت المتهالك عن بضع لقيمات تقيم بها صلبها قبل التوجه إلى المدرسة بصحبة أخيها، لكن دون جدوى. فالجدة، كعادتها الخبيثة، كانت تخفي كل ما يؤكل وتدّعي ليل نهار أنها لا تملك كسرة خبز واحدة.

شعر عمر بعجز أخته وقلة حيلتها، فاقترب منها وأحاط كفها الصغيرة بين يديه، ثم همس في أذنها بنبرة حانية تحمل دفء الأبوة المفقود

-  تعالى نخرج للمدرسة.. أنا شاريلك حتة بسبوسة إمبارح وأنا راجع من الشغل وخبيتها عشان ناكلها في الطريق من غير ما حد يشوفنا.

انفرجت أسارير أمل واندفعت معه يغادران ذلك السجن المسمى بيتاً. وما إن أخرج عمر الحلوى، حتى التهمتها أمل بلهفة وشراهة من شدة جوعها، وكأنها لم تذق طعاماً منذ أيام. ولم تكن تلك الفرحة سوى ومضة عابرة؛ فما هي إلا لحظات، وخطوات قليلة في الطريق، حتى دارت الدنيا في عيني أمل، وترنح جسدها النحيل لتسقط أرضاً غائبة عن الوعي، تاركة عمر يصرخ باسمها ليتجمد الزمان من حولهما.

                     

استمر في قراءة هذا الكتاب مجانا
امسح الكود لتنزيل التطبيق
تعليقات (1)
goodnovel comment avatar
Lola
افضل رواية
عرض جميع التعليقات

أحدث فصل

  • قصر الظلال    البارت الرابع والستون

    لم يكد الكلمة تخرج من فمها حتى اقترب منها مرة أخرى بـنظرة لعوبة جائعة، فشعرت بالخوف مجدداً وانكمشت على نفسها تتراجع للخلف، ليردد بجدية مصطنعة ومكر وهو يميل نحو أذنها- بتقولي إيه؟ سمعيني تاني كده.. شكلك عاجبك الموضوع وعاوزه تتعاقبي تاني دلوقتي حالا؟نفت سارا برأسها برعب ودلال طفولي غافلة، واستدارت تركض بكل سرعتها نحو السيارة، لتفتح الباب وتدلف إلى المقعد المجاور له وهي تحاول التقاط أنفاسها الضائعة. ركب علي بجوارها، وأدار المحرك، ليكون الصمت المطبق والهيام الخفي هو حليف رحلتهما حتى وصلت إلى عتبة منزلها دون كلمة واحدة، لكن الأنفاس كانت تتحدث بالنيابة عنهما.عقب دلوفها المنزل وإغلاق الباب وراءها، استندت بظهرها إلى الخشب وهي تضع يدها على قلبها الذي يكاد يقفز من صدرها. وفجأة، أصدر هاتفها نغمة معلنة عن وصول رسالة نصية؛ فتحتها بيدين ترتجفان، لتجدها من علي مكتوب فيها بـكل رومانسية وعشق - حبيبتي.. دي كانت أجمل لحظات عمري كله لما كنتِ بين إيديا وبين بأحضاني.. دقت عسل شفايفك اللّي دوخني، وكنت حاسس وأنا معاكي إني طاير بين السحاب ولامس نجوم السما اللّي قلتي إنها بعيدة.. تصبحي على خير يا جوهرة قل

  • قصر الظلال    البارت الثالث والستون

    ركضت شابي نحو الداخل بخطى متسارعة، عيناها تطوفان في أرجاء القصر الفخم بلهفة وشغف جارف، تبحث عنه في كل زاوية، فـقد أضناها الشوق ولم تعد تقوى على الانتظار لحظة واحدة أخرى. استمرت في ركضها حتى وجدت الجد "يحيى عدلان" يقف بوقاره المعتاد أمامها في بهو القصر، فاندفعت نحوه وتساءلت بلهفة وأنفاس متهدجة - فين يحيى يا جدو؟ هو وصل مش كده؟.. طمنّي عليه أنا مشتاقة أوي أشوفهتطلع إليها الجد باستنكار وضيق من اندفاعها غير المبرر، وهز رأسه بقلة حيلة ليشير لها بيده نحو الأعلى، مردفاً بنبرة حادة وجافة- فوق في أوضته.. لسه واصل من المطار من شوية.... لم تنتظر شابي سماع بقية كلماته؛ بل استدارت في لمح البصر وراحت تأكل درجات السلم الرخامي بنشاط، مدفوعة بأشواقها العارمة. وصلت إلى جناحه، ودلفت إلى غرفته بخطوات خفيفة، لتجده يجلس بمفرده في الشرفة، متكئاً بمرفقيه وظهره مائل إلى الأمام، وعيناه شاردتان بحزن عميق مع تلك الورود الذابلة في الشرفة.ابتسمت شابي بحب، وبدأت تسير على أطراف أصابعها بهدوء شديد حتى لا يشعر بوجودها، وما إن وصلت خلف مقعده تماماً، حتى مدت يديها ونزلت بهما لتضع كفيها فوق عينيه مباغتة إياه بـمرح

  • قصر الظلال    البارت الثانى والستون

    وقف يحيى على أعتاب بوابة الطائرة، متسمراً لثوانٍ وهو يغمض عينيه، ويستنشق بعمق عبير هواء وطنه الذي افتقده واشتاق إليه منذ ما يقرب من الأربع سنوات؛ سنوات طوال قضاها في غربة جسدية، لكن روحه بقيت معلقة هنا. بدأ يهبط درج الطائرة بخطوات ثابتة وئيدة، والوجع يعتصر ملامحه الرصينة؛ لقد سافر وفارق كل شيء في الماضي ظناً منه أن البعد ترياق، وأنه سيمحو من ذاكرته ذلك الشوق العاصف الذي كاد أن يقتله، ولكنه عاد اليوم ليكتشف الحقيقة المُرّة.. عاد وقد تضاعف الشوق في صدره مئات المرات، وباتت نيرانه تلتهم جوفه. بعد مدة من الوقت، انطوت المسافات لتتوقف السيارة الفارهة أمام أبواب القصر الحديدية الضخمة. ترجل منها يحيى بخيباته وأشواقه، وما إن دلف من البوابة الداخلية حتى قوبل بترحاب حافل وصاخب من الخدم وجميع من في القصر؛ فقد كانت عودته مفاجأة مدوية للجميع، إذ لم يخبر أحداً بموعد وصوله أو يمهد لخطوته تلك. تخطى يحيى الجموع بابتسامة باهتة ومجاملة، وبدأ يصعد درج القصر الرخامي المؤدي للأجنحة العلوية. ومع كل درجة يخطوها، كان يستعيد شريط ذكرياته مع رنيم؛ تفاصيل ضحكاتها، ركضها، وعطرها الذي كان يملأ المكان. زفر بضيق وح

  • قصر الظلال    البارت الحادى والستون

    أنهت سارا صلاتها للتو، وظلت مستقرة في مجلسها فوق الفراش، طارحةً سجادة الصلاة جانباً وممسكةً بمصحفها الصغير. راحت تقرأ ما تيسر من آيات الذكر الحكيم بنبرة متهدجة، بينما كانت دموعها تنهمر في صمت فوق الصفحات، باكيةً على فقيد قلبها مروان، وعلى تلك الفرحة الغالية التي تلاشت وتبخرت من بين يديها قبل أن تنالها أو تذوق حلاوتها. في تلك الأثناء، دلف شقيقها فارس بخطى وئيدة، وجلس بجوارها على الفراش صامتاً لعدة لحظات؛ كان الصمت يمزق نياط قلبه وهو يتأمل هيئتها الحزينة الذابلة. لقد مرت عدة أشهر كاملة على موت مروان، لكن الأيام لم تزد سارا إلا لوعة، ولم يقلّ من حزنها وجمر شوقها شيء. وكعادتها الحانية معه، فتح فارس ذراعيه لها على اتساعهما دون أن ينطق بكلمة؛ فلم تتردد سارا، واندفعت سريعاً لتدلف بين أحضانه، واضعةً رأسها المثقل بالهموم على صدره. راح يربت على ظهرها بحنان جارف وأخوة صادقة، لتنفجر هي في بكاء مرير، ونحيب مكتوم زلزل كيانها النحيل. تركها فارس على راحتها، ولم يحاول إسكاتها، بل سمح لنوبة البكاء العنيفة تلك أن تفرغ كل الشحنات السامة والكسرة القابعة في أعماق روحها، حتى هدأت أنفاسها تماماً واستكانت.

  • قصر الظلال    البارت الستون

    خفض حمزة صوت التلفاز فوراً عقب سماعه صوتاً أشبه بالنحيب المكتوم يأتي من بعيد؛ تفرّس في الصوت لثوانٍ حتى تأكد تماماً أنه صوت زوجته ومحبوبته ميسون تنحب بنبرة باكية داخل المطبخ. انتفض من مقعده وهرول نحوها وقلبه يخفق خوفاً من أن يكون أصابها أي مكروه. دلف إلى المطبخ ليجدها تقف أمام خلاط الطهو، وجسدها يهتز بخفة وهي تبكي بحرقة مصطنعة؛ اقترب منها بلهفة، وأحاط كتفيها بوجل يسألها بنبرة حانية - بتعيطي ليه بس يا روحي؟ فيكِ إيه إيه اللّي حصل؟ قامت بالضغط على مفتاح التشغيل الخاص بالخلاط عدة مرات متتالية أمام عينيه، ولكنه بالطبع لم يبدِ أي استجابة، لتردد من بين بكائها ونبرتها الطفولية - الخلاط باظ يا روحي.. مش راضي يشتغل خالص وأنا بوظته تطلع حمزة إلى الخلاط للحظات بقلة حيلة، ثم اتجه يحملق في ملامح وجهها الباكي والبريئ، وهبط بجل بصره ليرى سلك الجهاز ملقى على الرخام؛ أمسك بالفيشة بملل، وردد من بين أسنانه وهو يحاول كتم ضحكته - طبيعي يا روحي مش هيشتغل.. إلا لو اتكرمنا ووصلناه بالكهربا.... بسيطة يعني ومستاهلتش كل المناحة دي. تركها حمزة وعاد إلى الصالة، وما إن أدار ظهره حتى اختفت دموع ميسون الز

  • قصر الظلال    البارت التاسع والخمسون

    لم تبخل رنيم على إخوتها بجهدٍ أو مال؛ لقد أغدقت عليهم من حنانها ووقتها، وعوّضتهم في تلك الأشهر القليلة المريرة مرارة السنوات العجاف التي عاشوها في الماضي تحت وطأة القسوة والمهانة. حققت لهما حياة كريمة، هادئة، ومستقرة، جعلت عمر وأمل يشعران في أعماقهما بأنهما سيظلان مدينين لهذه الأخت الكبرى بطوق نجاتهما طيلة عمرهما. ولكن، ورغم هذا الدفء الظاهر، بقيت هناك غيوم كثيفة من التساؤلات الحائرة تدور في فلك عقلهما حول حياتها السابقة؛ ذلك الجنين الذي يكبر في بطنها يوماً بعد يوم، وزوجها الغامض الذي لم تذكر إسمه قط، ولا تحدثت عن تفاصيل غيابه، وكأنها قطعت كل حبال الماضي بسكين بارد. وفي إحدى الليالي الساكنة، جلس عمر بجوارها على الأريكة، وقد عزم أمره وشحن شجاعته أن يفتح ذلك الصندوق المغلق ويتحدث معها اليوم؛ التفت إليها وتطلع إلى ملامحها الهادئة، ثم سألها بفضول ممزوج بالخوف الأخوي - رينو.. هو إحنا مش هنعرف حاجة عن حياتك اللّي فاتت دي؟ عملتي فيها إيه وكنتي عايشة إزاي؟.. وطب وجوزك.. جوزك فين يا رنيم؟ وليه سايبك لوحدك في ظروف زي دي؟ توقفت يد رنيم عما كانت تفعله، وفجأة، أطلقت ضحكات متتالية؛ لكنها لم تك

فصول أخرى
استكشاف وقراءة روايات جيدة مجانية
الوصول المجاني إلى عدد كبير من الروايات الجيدة على تطبيق GoodNovel. تنزيل الكتب التي تحبها وقراءتها كلما وأينما أردت
اقرأ الكتب مجانا في التطبيق
امسح الكود للقراءة على التطبيق
DMCA.com Protection Status