تسجيل الدخولنلتقي صدفة، ونفترق صدفة، ونظن أننا نتحكم بالمسارات.. وما نحن إلا عابرون في أقدارٍ غُزلت بعنايةِ الخالق، وتدابيرَ تحمل الخير لنا دائماً، حتى لو عجزت قلوبنا عن فهمها في البداية.
✨✨✨✨✨✨ انقطع حبل أفكار حمزة مع صرير الباب؛ لتتسلل إلى الغرفة تلك الفتاة الشقراء. هبّ واقفاً على الفور، وقبل أن ينطق بكلمة، ارتسمت على وجهه ابتسامة رقيقة ترحيباً بها. إنها ريناد، ابنة عمه التي ما زالت تخطو عتبات الصف الأول الثانوي. تتناقض رقتها وجمالها الهادئ مع عزلتها الاختيارية؛ فهي تتجنب الغوص في العلاقات البشرية، وتفضل دائماً إبقاء الجميع على رصيف العلاقات السطحية العابرة كدرع حماية لها. ورغم تلك الأسوار، كانت ريناد الاستثناء الوحيد في حياة حمزة، والزائرة الوحيدة من عائلة والده التي يغض جده الصارم الطرف عن دخولها. لم تكن زياراتها المتباعدة مجرد عاطفة عابرة، بل كانت الرابط الأخير له بتلك العائلة. المفارقة الأجمل، أن ريناد التي تخشى التعمق في البشر، استطاعت بشكلٍ ما أن تنسج رابطاً قوياً وصادقاً مع رنيم؛ ليتفق كلاهما على تبادل الزيارات سراً، في تحدٍّ مكتوم لعين الجد التي لا تغفل. ✨✨✨✨✨✨ دارت عجلة الأيام مسرعة، وطوت في طريقها سنوات، لتجد رنيم نفسها في السنة النهائية من كلية الآداب. ورغم ذكائها الوقاد وقدرتها العالية على الاستيعاب، إلا أن ظلال ذلك الحادث القديم بقيت عالقة في زوايا عقلها، تسرق من تركيزها بين الحين والآخر غفواتٍ مباغتة، كأنها ضريبة مؤجلة تدفعها من وعيها. في تلك الأثناء، نبتت بين حمزة وريناد ورنيم علاقة دافئة تخطت حدود الصدفة؛ رابطة ثلاثية جعلت رنيم تشعر لأول مرة بأن أقدارها القاسية قد تراجعت لتعوضها. رأت في سلمى تلك الأم الحنون التي تلمس جراحها فتشفى، وفي حمزة وريناد السند والملجأ، ليتحول الغرباء في عينيها إلى عائلة حقيقية تشتد بها في مواجهة الحياة. وعلى الجانب الآخر من العالم، طوى يحيى صفحة دراسته الجامعية لينغمس في تحضير رسالة الماجستير. وطوال تلك الفترة، لم تطأ قدماه أرض مصر؛ فكانت سلمى هي جسره الوحيد نحو الوطن، تسافر إليه مرتين في العام، تقاسمه الغربة لشهرين في كل مرة ثم تعود متخففة من شوقها. ولم يكتفِ يحيى بالنجاح الأكاديمي، بل استطاع بذكاء حاد وصبر طويل أن يفرض اسمه كرجل أعمال محنك، بنى لنفسه هيبة جعلت حيتان سوق العمل يحسبون خطواته ويخشون مواجهته. لكن القلوب لم تكن بمعزل عن هذا التغير؛ فحمزة الذي بدأ كأخ، وجد نفسه يغرق في مشاعر من نوع آخر تجاه رنيم. تلاشت صورة الأخت ليحل محلها طيف امرأة يرجو قربها، مشاعر دافئة وجارفة يكبح جماحها بصعوبة، منتظراً التوقيت المثالي ليفصح عما يختلج في صدره ويضع حداً لانتظاره. أما في الجانب المظلم من الحكاية، فكانت الأنصية تُوزع بشكل مغاير. مضى كل من ثريا وحجاج في طريقه، واختار كل منهما أن يبدأ حياة جديدة بالزواج من أطراف أخرى اشترطت شرطاً واحداً قاسياً لا مكان للأطفال. وهكذا، أُلقي بالصغار في أحضان والدة ثريا لتربيتهم؛ ليكون هذا التخلي الجاف أسوأ عقاب واجهه أطفال لا ذنب لهم، عقاب صاغه الآباء بأنانيتهم، ودفعت ثمنه أرواح صغيرة نبتت بلا مأوى عاطفي حقيقي ✨✨✨✨✨✨✨ جلست رنيم في الحديقة كعادتها، تحتضنها الطبيعة وكأنها جزء منها. كانت ترتدي فستاناً بلون البنفسج، تاركةً خصلات شعرها تنساب خلفها بحرية، لتصنع لوحة فاتنة تفوق الوصف؛ فراشة حية ترفرف بين الزهور، وتدندن بألحان عذبة تتراقص لها قلوب السامعين. في تلك اللحظة، دلف شاب من البوابة الخارجية للقصر. تسمرت قدماه وهو يرى تلك الحورية، وشعرها المفرود على كتفيها يتلألأ تحت الشمس كألسنة لهب أيقظت في صدره شرارة مباغتة، شرارة جهل مصدرها لكنه شعر بلسعتها في أعماق قلبه. لم يكن هذا الشعر غريباً عليه؛ إنه يتذكره جيداً، أو بالأحرى، لم يفلح في نسيانه يوماً. في الماضي، كان يظن أن هذا اللون الفريد مجرد صبغة أو أثر حناء، إذ لم يستوعب عقله حينها أن هناك شعراً طبيعياً يحمل كل هذا السحر والروعة. اندفع نحوها كالمسحور، مقيداً بجاذبية لا تقاوم، وهتف بنبرة تقطر رقة - بنوتي.. انتفضت رنيم فور سماعها تلك الكلمة، وحاولت جاهدة التركيز في نبرات الصوت. نعم، إنه هو.. صوت غاب عن مسامعها لسنوات طويلة لكنه ظل محفوراً في ذاكرتها. التفتت نحوه ببطء، وفي تلك اللحظة تعامدت أشعة الشمس على عينيها، لتعكس سحراً خاصاً كاد يخطف الأنفاس. همست بصوت مرتجف، يثقله اشتياق قديم وأمنيات مؤجلة - يح.... يحيى لم يحر يحيى جواباً، واكتفى بابتسامة دافئة؛ فلا حديث يُقال في محراب الجمال، حيث تبدو رنيم كشمس الغروب.. جميلة وآسرة رغم رحيلها المقترب، تبعث في الروح أملاً جديداً. وقف بقامته الفارهة وملامحه الوسيمة الحادة، وأومأ لها برأسه مؤكداً هويته، بعد أن خذلته الحروف وتاهت كلماته في دروب الصمت. لم يفهم السر وراء حالته تلك، وكأنها ألقت عليه تعويذة سحرية قيدت حواسه، فبات يتمنى لو تتجمد تلك اللحظات وتتحول إلى سنوات لا تنتهي. خلع سترته وألقاها جانباً بكبرياء عفوي، ثم جلس إلى جوارها وبدأ يتبادل معها أطراف الحديث. ورغم أنه كان يسألها ويحاورها، إلا أنه لم يستمع لحرف مما قالت؛ بل كان غارقاً في تفاصيل وجهها وهي تتحدث، وكأن صوتها معزوفة تشدو على نبضات قلبه. في تلك الأثناء، ومن شرفة غرفته، لمح حمزة ذلك الشاب الجالس جوار رنيم. جحظت عيناه بصدمة وفرحة عارمة، وهرع هابطاً الدرج بسرعة جنونية حتى وصل إليهما، ليشق صوته سكون المكان صائحاً - يحيى.. يحيى رجع يا ماما سلمى.. يحيى رجع يا جدو.. يحيى رجع يا شـابّي وما إن نطق باللقب الأخير، حتى لكزه يحيى في صدره بحدة خفيفة ومحذرة، قبل أن يجذبه إليه ويعانقه بشوق. في ثوانٍ معدودة، التف الجميع حول يحيى، وحاصروه بحفاوة بالغة وسعادة لا تسعها الجدران. انهالت عليه الأسئلة من كل حدب وصوب كيف وصل؟ ومتى؟ ولماذا لم يخبرهم؟ وأين حقائبه؟ حاول يحيى في البداية مجاراتهم وإجابتهم بترحيب ومجاملة، لكن سرعان ما تسلل الضيق إلى نفسه من تلك الجلبة والأسئلة المكررة، فقرر الانسحاب بحزم ليأخذ قسطاً من الراحة، هرباً من هذا التحقيق العائلي الممل، رغبةً في استعادة هدوئه.. وإعادة ترتيب مشاعره المبعثرة. ✨✨✨✨✨✨✨✨✨ جلست ريناد، تلك الفتاة التي استحالت مع الأيام أيقونة للجمال والحيوية؛ ولم يكن جمالها مجرد ملامح صاغها القدر، بل كان ذلك السحر الداخلي النقي النابع من قلبٍ عُمِّر بالعشق واكتفى به. كانت تقبع خلف تلك الطاولة في المقاهي، وتطلب بكبرياء طفولي كوباً رابعاً من عصير الليمون لتطفئ به نار انتظارها المشتعل. وطوال تلك الساعات الممتدة، لم تسلم من النظرات المتطفلة والانتقادات اللاذعة حول جلوسها وحيدة لفترة طويلة، حتى تجرأ بعض العابرين على تجاوز الحدود، فهتف أحدهم بوقاحة - إحنا في الخدمة يا جميل بينما أردف آخر بابتسامة سمجة مطاولاً - أنا خالي وإنت خالي.. يبقى نلم الشمل توالت الكلمات السخيفة والتعبيرات التى تلوث للأذن لتجتاح هدوءها، غير أنها صمتت بترفّع، حتى انقشعت تلك الغمامة أخيراً بوصول فارسها.. وفارس أحلامها الذي يحمل من اسمه نصيباً، فارس. أقبل عليها يلقي التحية بابتسامته الرقيقة العذبة، لكنه سرعان ما لمح معالم الغضب المرتسمة على وجهها الجميل، فجلس أمامها بملامح يكسوها الخجل الشديد، وهتف بنبرة هادئة مستعطفة - أنا عارف إني زودتها وأستاهل حبس انفرادي، بس والله العظيم كان عندي مأمورية ولسه مخلص حالا.. سامحيني. كان فارس ضابط شرطة، رجلٌ صلب في عمله لكنه يلين تماماً أمامها؛ فهو يعشق ريناد منذ أربع سنوات، ويحارب الأيام ليحظى بتلك اللحظة التي تجمع شتاتهما وتصبح فيها زوجته وعروسه. رفعت ريناد وجهها إليه ببطء، وفي ثانية واحدة تلاشت غيوم غضبها أمام دفء عينيه، وارتسمت على شفتيها ابتسامة رقيقة عفوية، قبل أن تتذكر كبرياءها الأنثوي وتتجهّم ملامحها مرة أخرى، لتردد بـاندفاع وعتاب لطيف - برضه كان ممكن تكلّمني.. متسبنيش قاعدة على نار كده وأنا مستنياكلم يكد الكلمة تخرج من فمها حتى اقترب منها مرة أخرى بـنظرة لعوبة جائعة، فشعرت بالخوف مجدداً وانكمشت على نفسها تتراجع للخلف، ليردد بجدية مصطنعة ومكر وهو يميل نحو أذنها- بتقولي إيه؟ سمعيني تاني كده.. شكلك عاجبك الموضوع وعاوزه تتعاقبي تاني دلوقتي حالا؟نفت سارا برأسها برعب ودلال طفولي غافلة، واستدارت تركض بكل سرعتها نحو السيارة، لتفتح الباب وتدلف إلى المقعد المجاور له وهي تحاول التقاط أنفاسها الضائعة. ركب علي بجوارها، وأدار المحرك، ليكون الصمت المطبق والهيام الخفي هو حليف رحلتهما حتى وصلت إلى عتبة منزلها دون كلمة واحدة، لكن الأنفاس كانت تتحدث بالنيابة عنهما.عقب دلوفها المنزل وإغلاق الباب وراءها، استندت بظهرها إلى الخشب وهي تضع يدها على قلبها الذي يكاد يقفز من صدرها. وفجأة، أصدر هاتفها نغمة معلنة عن وصول رسالة نصية؛ فتحتها بيدين ترتجفان، لتجدها من علي مكتوب فيها بـكل رومانسية وعشق - حبيبتي.. دي كانت أجمل لحظات عمري كله لما كنتِ بين إيديا وبين بأحضاني.. دقت عسل شفايفك اللّي دوخني، وكنت حاسس وأنا معاكي إني طاير بين السحاب ولامس نجوم السما اللّي قلتي إنها بعيدة.. تصبحي على خير يا جوهرة قل
ركضت شابي نحو الداخل بخطى متسارعة، عيناها تطوفان في أرجاء القصر الفخم بلهفة وشغف جارف، تبحث عنه في كل زاوية، فـقد أضناها الشوق ولم تعد تقوى على الانتظار لحظة واحدة أخرى. استمرت في ركضها حتى وجدت الجد "يحيى عدلان" يقف بوقاره المعتاد أمامها في بهو القصر، فاندفعت نحوه وتساءلت بلهفة وأنفاس متهدجة - فين يحيى يا جدو؟ هو وصل مش كده؟.. طمنّي عليه أنا مشتاقة أوي أشوفهتطلع إليها الجد باستنكار وضيق من اندفاعها غير المبرر، وهز رأسه بقلة حيلة ليشير لها بيده نحو الأعلى، مردفاً بنبرة حادة وجافة- فوق في أوضته.. لسه واصل من المطار من شوية.... لم تنتظر شابي سماع بقية كلماته؛ بل استدارت في لمح البصر وراحت تأكل درجات السلم الرخامي بنشاط، مدفوعة بأشواقها العارمة. وصلت إلى جناحه، ودلفت إلى غرفته بخطوات خفيفة، لتجده يجلس بمفرده في الشرفة، متكئاً بمرفقيه وظهره مائل إلى الأمام، وعيناه شاردتان بحزن عميق مع تلك الورود الذابلة في الشرفة.ابتسمت شابي بحب، وبدأت تسير على أطراف أصابعها بهدوء شديد حتى لا يشعر بوجودها، وما إن وصلت خلف مقعده تماماً، حتى مدت يديها ونزلت بهما لتضع كفيها فوق عينيه مباغتة إياه بـمرح
وقف يحيى على أعتاب بوابة الطائرة، متسمراً لثوانٍ وهو يغمض عينيه، ويستنشق بعمق عبير هواء وطنه الذي افتقده واشتاق إليه منذ ما يقرب من الأربع سنوات؛ سنوات طوال قضاها في غربة جسدية، لكن روحه بقيت معلقة هنا. بدأ يهبط درج الطائرة بخطوات ثابتة وئيدة، والوجع يعتصر ملامحه الرصينة؛ لقد سافر وفارق كل شيء في الماضي ظناً منه أن البعد ترياق، وأنه سيمحو من ذاكرته ذلك الشوق العاصف الذي كاد أن يقتله، ولكنه عاد اليوم ليكتشف الحقيقة المُرّة.. عاد وقد تضاعف الشوق في صدره مئات المرات، وباتت نيرانه تلتهم جوفه. بعد مدة من الوقت، انطوت المسافات لتتوقف السيارة الفارهة أمام أبواب القصر الحديدية الضخمة. ترجل منها يحيى بخيباته وأشواقه، وما إن دلف من البوابة الداخلية حتى قوبل بترحاب حافل وصاخب من الخدم وجميع من في القصر؛ فقد كانت عودته مفاجأة مدوية للجميع، إذ لم يخبر أحداً بموعد وصوله أو يمهد لخطوته تلك. تخطى يحيى الجموع بابتسامة باهتة ومجاملة، وبدأ يصعد درج القصر الرخامي المؤدي للأجنحة العلوية. ومع كل درجة يخطوها، كان يستعيد شريط ذكرياته مع رنيم؛ تفاصيل ضحكاتها، ركضها، وعطرها الذي كان يملأ المكان. زفر بضيق وح
أنهت سارا صلاتها للتو، وظلت مستقرة في مجلسها فوق الفراش، طارحةً سجادة الصلاة جانباً وممسكةً بمصحفها الصغير. راحت تقرأ ما تيسر من آيات الذكر الحكيم بنبرة متهدجة، بينما كانت دموعها تنهمر في صمت فوق الصفحات، باكيةً على فقيد قلبها مروان، وعلى تلك الفرحة الغالية التي تلاشت وتبخرت من بين يديها قبل أن تنالها أو تذوق حلاوتها. في تلك الأثناء، دلف شقيقها فارس بخطى وئيدة، وجلس بجوارها على الفراش صامتاً لعدة لحظات؛ كان الصمت يمزق نياط قلبه وهو يتأمل هيئتها الحزينة الذابلة. لقد مرت عدة أشهر كاملة على موت مروان، لكن الأيام لم تزد سارا إلا لوعة، ولم يقلّ من حزنها وجمر شوقها شيء. وكعادتها الحانية معه، فتح فارس ذراعيه لها على اتساعهما دون أن ينطق بكلمة؛ فلم تتردد سارا، واندفعت سريعاً لتدلف بين أحضانه، واضعةً رأسها المثقل بالهموم على صدره. راح يربت على ظهرها بحنان جارف وأخوة صادقة، لتنفجر هي في بكاء مرير، ونحيب مكتوم زلزل كيانها النحيل. تركها فارس على راحتها، ولم يحاول إسكاتها، بل سمح لنوبة البكاء العنيفة تلك أن تفرغ كل الشحنات السامة والكسرة القابعة في أعماق روحها، حتى هدأت أنفاسها تماماً واستكانت.
خفض حمزة صوت التلفاز فوراً عقب سماعه صوتاً أشبه بالنحيب المكتوم يأتي من بعيد؛ تفرّس في الصوت لثوانٍ حتى تأكد تماماً أنه صوت زوجته ومحبوبته ميسون تنحب بنبرة باكية داخل المطبخ. انتفض من مقعده وهرول نحوها وقلبه يخفق خوفاً من أن يكون أصابها أي مكروه. دلف إلى المطبخ ليجدها تقف أمام خلاط الطهو، وجسدها يهتز بخفة وهي تبكي بحرقة مصطنعة؛ اقترب منها بلهفة، وأحاط كتفيها بوجل يسألها بنبرة حانية - بتعيطي ليه بس يا روحي؟ فيكِ إيه إيه اللّي حصل؟ قامت بالضغط على مفتاح التشغيل الخاص بالخلاط عدة مرات متتالية أمام عينيه، ولكنه بالطبع لم يبدِ أي استجابة، لتردد من بين بكائها ونبرتها الطفولية - الخلاط باظ يا روحي.. مش راضي يشتغل خالص وأنا بوظته تطلع حمزة إلى الخلاط للحظات بقلة حيلة، ثم اتجه يحملق في ملامح وجهها الباكي والبريئ، وهبط بجل بصره ليرى سلك الجهاز ملقى على الرخام؛ أمسك بالفيشة بملل، وردد من بين أسنانه وهو يحاول كتم ضحكته - طبيعي يا روحي مش هيشتغل.. إلا لو اتكرمنا ووصلناه بالكهربا.... بسيطة يعني ومستاهلتش كل المناحة دي. تركها حمزة وعاد إلى الصالة، وما إن أدار ظهره حتى اختفت دموع ميسون الز
لم تبخل رنيم على إخوتها بجهدٍ أو مال؛ لقد أغدقت عليهم من حنانها ووقتها، وعوّضتهم في تلك الأشهر القليلة المريرة مرارة السنوات العجاف التي عاشوها في الماضي تحت وطأة القسوة والمهانة. حققت لهما حياة كريمة، هادئة، ومستقرة، جعلت عمر وأمل يشعران في أعماقهما بأنهما سيظلان مدينين لهذه الأخت الكبرى بطوق نجاتهما طيلة عمرهما. ولكن، ورغم هذا الدفء الظاهر، بقيت هناك غيوم كثيفة من التساؤلات الحائرة تدور في فلك عقلهما حول حياتها السابقة؛ ذلك الجنين الذي يكبر في بطنها يوماً بعد يوم، وزوجها الغامض الذي لم تذكر إسمه قط، ولا تحدثت عن تفاصيل غيابه، وكأنها قطعت كل حبال الماضي بسكين بارد. وفي إحدى الليالي الساكنة، جلس عمر بجوارها على الأريكة، وقد عزم أمره وشحن شجاعته أن يفتح ذلك الصندوق المغلق ويتحدث معها اليوم؛ التفت إليها وتطلع إلى ملامحها الهادئة، ثم سألها بفضول ممزوج بالخوف الأخوي - رينو.. هو إحنا مش هنعرف حاجة عن حياتك اللّي فاتت دي؟ عملتي فيها إيه وكنتي عايشة إزاي؟.. وطب وجوزك.. جوزك فين يا رنيم؟ وليه سايبك لوحدك في ظروف زي دي؟ توقفت يد رنيم عما كانت تفعله، وفجأة، أطلقت ضحكات متتالية؛ لكنها لم تك







