Masukفي صباح اليوم التالي، وتحديدًا عند زاوية القصر التي تشهد اجتماع العائلة اليومي، تجمعت الأسرة حول مائدة الإفطار الكبيرة التي حُشدت عليها ما لذ وطاب، غير أن المقعد المعتاد لرنيم ظل شاغرًا، غابت عن الجمع وافتقد المكان ضحكتها الهادئة.
ورغمًا عن كل الحصون النفسية التي بناها يحيى بالأمس، ورغم قراره الحاسم بتجنبها، تضبطه عيناه بين الفينة والأخرى وهي تلتفت باختلاس نحو الباب الداخلي للقصر، مترقبًا في سرّه دلوفها، منتظرًا أن يلمح طيفها وهي تقترب. بيد أنه تيقن تمامًا أنها لن تأتي، وتبددت شكوكه حين بادره جده بالسؤال عنها مستفسرًا عن سبب غيابها، لتجيب سلمى بنبرةٍ غلب عليها الإشفاق والتعب - رنيم فضلت تذاكر للصبح، خلاص الامتحانات على الأبواب، وقالت مش هتروح الجامعة إلا عالامتحانات بقى. لم يستطع يحيى إنكار الغصة التي شعرت بها روحه، وسرى ضيقٌ حاد في أوصاله؛ فهو يعلم يقينًا في قرارة نفسه أنها لم تغب لمجرد الاستذكار، بل تعمدت بوضوح تجنب الجلوس معه على مائدة واحدة عقب ما حدث بينهما بالأمس من جفاء وتراشق بالكلمات. تسبب غرق يحيى في بحر شروده وتفكيره بها في عزله عن المحيطين به، حتى إنه لم يستمع إلى حديث جده الموجه إليه، ليرتفع صوت الجد معيدًا الكلمات، مما جعله ينتبه في نهاية المطاف بفزعٍ مخفي. لملم شتات نفسه بسرعة، وحاول جاهدًا الاندماج في الحديث والنقاش العملي مع جده، باحثًا عن أي مهرب يشغله عوضًا عن الاستسلام للتفكير في تلك الرنيم التي بدأت تقلب موازين هدوئه. ✨✨✨✨✨✨✨ تجرّع عمر غصّةً مريرة في حلقه، وابتلع كبرياءه الصغير وهو يقف أمام جدته، باسطًا كفه المرتعشة يطلب منها بعض النقود من أجل شراء الأدوية والمسكنات لشقيقته الملقاة بين الحياة والموت. لكنّ قلوب البعض لا تلين؛ إذ نهرته الجدة بقسوة، ورفعت صوتها توبخه، وبدأت في إلقاء أسطوانتها المعتادة حول تضحيتها وتربيتها لهما، وكيف أنها تنفق كل ما تملك عليهما دون مقابل أو نفع يرتجى. لم يكن لديه رفاهية الوقت للاستماع إلى كل تلك الكلمات الجارحة، فالوقت يمر وحياة أخته معلقة بجرعة دواء. استدار والدموع تحرق جفنيه، وراح يركض في الشوارع كالمجنون حتى وصل إلى منزل والده. طرَقَ الباب بشدة ولهفة، وكأنه يطرق باب النجاة، لتفتح له زوجة والده، والتي وقفت بجمود وسدّت بجسدها فتحة الباب متعمّدة حرمانه من الدلوف إلى الداخل، ثم راحت تتطلع إليه من أعلاه لأسفله بتهكمٍ وازدراء شديدين. لم يبالِ عمر بنظراتها المقيتة ولا باحتقارها له، بل اندفع في الحديث بجسدٍ يرتجف وأنفاسٍ متلاحقة - فين أبويا؟.... أختي محجوزة في العناية ومحتاج أجيبلها علاج بدلًا من الشفقة، امتدت يد زوجة أبيه لتدفعه إلى الخلف بقسوة أذهبت أنفاسه، وردفت بنبرةٍ تقطر سمًا وغلًا - بقولكم إيه.. أنا مش عاوزة قرف! أنا مالي أختك في المستشفى ولا تموتوا ولا تولعوا وأخلص منكم؟!.. محدش ييجي هنا تاني.. غور بقى صدعتني. وصَفقت الباب في وجهه بقوة هزّت أركان جسده النحيل. وقف عمر يتطلع إلى الخشب الأصم، وكأنه يواسيه على كسرة قلبه وخيبته فيمن يحمل اسمه، فلملم أحزانه المبعثرة وجرّ أذيال الخيبة، متوجهًا صوب منزل والدته، علّ وعسى أن يجد في حضنها ملاذًا، لكن المقابلة هناك لم تكن بأفضل حالٍ من سابقتها، بل قُوبل بنفس الجفاء والخذلان. بات يسير في طريق عودته هائمًا على وجهه، لا يدري بتلك الدموع الساخنة التي راحت تتسابق في الهطول على وجنتيه حتى غرق وجهه بالكامل. كان عقله مشتتًا وضائعًا، لا يعلم أهو يبكي على حاله ويتمه في وجود والديه؟ أم يبكي فراق أمه التي تخلت عنه ولا يعلم أين هي من كل هذه المتاعب؟ أم يبكي شقيقته الصغيرة التي ترقد بين جدران المستشفى الباردة في أمسّ الحاجة إلى أدوية لا يملك ثمنها؟ قطع مسترسل أحزانه صوتٌ مألوف، كان صوت زينة، ابنة خالته، وهي تسأله بلهفةٍ وفزع بعد أن روعها منظره - بتعيط ليه يا عمر؟ إيه اللي حصل؟ سارع عمر إلى مسح دموعه بكم قميصه عقب سؤالها، فقد انتبه للتو إلى سقوطها، وأخبرها بصوتٍ مخنوق بطبيعة الأمر والمأساة التي يمر بها. لم تمر سوى لحظات معدودة، حتى كانت زينة قد نقلت الخبر لوالدها، والذي لم يتأخر ثانية واحدة؛ إذ هرول الرجل مع عمر إلى المستشفى بخطواتٍ سريعة، واشترى على الفور كل تلك الأدوية الحرجة التي تحتاجها أمل. ولم يكتفِ بشهامته عند هذا الحد، بل أحضر طعامًا لعمر الذي أنهكه الجوع والتعب، ودسّ في يده بضع ورقاتٍ نقدية، رادفًا بحنو وهو يربت على كتفه - متقلقش يا حبيبي.. أنا جنبك ومش هسيبكم أبدًا. كان ذلك الرجل بمثابة غيثٍ وسط صحراء قاحلة، رجلٌ جُبل على الخير، يسعى دائمًا لإغاثة الملهوف وصنع المعروف مع الجميع دون انتظار شكر أو ثناء. ✨✨✨✨✨✨✨✨ أسبوعٌ كاملٌ مضى وانقضى كأنه دهرٌ ثقيل، وهو لم يلمح فيه طيفها ولو لمرة واحدة؛ فقد أتقنت رنيم التهرب والتخفي ببراعة فائقة، وضبطت مواعيد حركتها في القصر كي لا تقع عيناها على عينيه. وفي المقابل، كان هو الآخر مستغرقًا بكليته ومكبًا على عمله، حيث كانت ساعات دوامه تمتد وتطول لتنتهي يوميًا بعد منتصف الليل؛ فقد عاد من ألمانيا بروحٍ وثابة وقوة متجددة وعزيمة فولاذية، جعلت الشركة بأكملها تقف على قدم وساق، لتدور عجلة الإمبراطورية الاقتصادية بنشاط غير مسبوق تحت إشرافه الصارم. بيد أن هذا اليوم كان مختلفًا تمامًا عن سابقيه، ويحمل في طياته إيقاعًا مغايرًا؛ فقد وصلت أخيرًا شحنة حقائبه الخاصة من ألمانيا، ومن بينها حقيبةٌ ضخمة خُصصت بالكامل لرنيم. فبالرغم من جفائه الظاهر وحدته معها، إلا أنه لم ينسَها في غربته، وبما أنه لم يجلب لها هدايا منفردة طوال سنوات سفره، فقد انتقى لها هذه المرة أشياء عديدة، ثمينة ومتنوعة، قبل صعوده الطائرة عائدًا إلى أرض الوطن. وزّع يحيى الهدايا على جميع أفراد العائلة في بهو القصر، مغدقًا عليهم من كرمه وجالبًا البهجة لقلوبهم، لتبقى هدية رنيم وحدها معلقة بين يديه؛ إذ لم يرَها طوال الأمسية، فكعادتها التي استنتها مؤخرًا كدرع واقٍ لها، رفضت النزول لحضور وجبة العشاء بمجرد علمها بوجوده في المنزل واجتماع العائلة حول المائدة. وللمرة الأولى في حياته الصارمة التي يقودها المنطق الجاف، تخلى يحيى عن حسابات عقله المعقدة وكبريائه المعهود، ليستجيب مرغمًا لنداءٍ خفي في أعماقه؛ ومن دون أي تفكير أو تردد قد يثنيه عن فعلته، حمل تلك الحقيبة الأنيقة وتوجه نحو الطابق العلوي، ليقف مباشرةً وبخطواتٍ حاسمة أمام الباب المجاور لغرفته.. إنها غرفة رنيم. في تلك الأثناء، كانت رنيم مستلقية في دعة على فراشها، مستغرقةً بكل جوارحها في قراءة إحدى الروايات الرومانسية التي تفصلها عن واقعها وتأخذها لعالم رحب، وما إن استمعت إلى طرقاتٍ خفيفة ومنتظمة على بابها، حتى سارعت إلى إخفاء الكتاب تحت وسادتها بحركةٍ تلقائية وجلة، ظنًا منها أن الطارق هو والدتها التي عودتها على هذه الزيارات الليلية، ثم حدثت نفسها بامتنانٍ وبراءة طفولية - دي أكيد الدادا حبيبتي.. حست بيا وجابتلي سندوتشات. نهضت من فراشها وعدلت ثيابها بخفة، ثم تقدمت تفتح الباب وعلى وجهها ابتسامة دافئة ومرحبة، لكن تلك الابتسامة سرعان ما تلاشت وتبخرت كليًا، وحلّ محلها جمودٌ تام وعلامات دهشة ارتسمت على تقاطيع وجهها عندما وقع بصرها على يحيى واقِفًا بشموخه المعتاد أمامها، بل والأغرب أن ثغره كان مفترًا عن ابتسامة رقيقة ونادرة لم تعتدها منه قط. تسمّرت رنيم في مكانها لثوانٍ مرت عليها كأنها ساعات، وعقلها عاجزٌ تمامًا عن استيعاب هذا التحول المفاجئ أو التوصل لرد الفعل المناسب لمواجهة هذا الحضور الطاغي. وفي وسط ذهولها وضياع كلماتها، هبطت عيناها لتلمح تلك الحقيبة الفاخرة التي يقبض عليها بيده، فاندفعت الكلمات من بين شفتيها بتلقائية وعفوية مطلقة متسائلة بطلب نجاة - إيه ده.. إنت مسافر وجاي تسلم عليا؟ ✨✨✨✨✨✨✨ في بقعةٍ نائية انقطعت عنها الحياة، ولَفّها ظلامٌ دامس وسكونٌ مريب، كان ذلك الرجل يسير بخطواتٍ متعثرة، يتلفت حوله بجسدٍ يرتجف رعبًا، وعينين زاغتا من شدة الخوف، تلاحقه خيالات الليل والترقب من أن ينكشف أمره. استمر في طريقه الواجف حتى انشق السواد عن ظِل شخصٍ آخر كان بانتظاره في الموعد والمكان المحددين، وما إن رآه ينتفض فزعًا حتى بادر بتهدئته قائلًا بصوتٍ خافت حذر - متخافش ده أنا.. خد ده جواز السفر المضروب ودي فلوس أهي. التقط الرجل منه الأوراق والنقود بيدين مرتعشتين، لكن ملامحه الخائفة تبدلت فجأة لتتصلب بقسوةٍ وحشية، وشخص بوجَهه نحو الأفق البعيد بنظراتٍ تشتعل غيظًا وتوعدًا، ثم أردف بنبرةٍ فحيحها يقطر بالشر - كده مش فاضل غير إني أقتل البت اللي كانت السبب في كل اللي حصلي ده.. هدور عليها وأقتلها وأشفي غليلي منها.بعد مرور عدة سنوات.. مرّ العمر كـقطارٍ سريع، تاركاً وراءه قصصاً كُتبت بـماء الذهب، جُبرت فيها الخواطر، وتلاشت فيها غيوم الماضي لـتشرق شمس الاستقرار. في قاعة الزفاف الفخمة، كانت رنيم تقف كـملكةٍ متوجة، متألقة بـفستانٍ من اللون الأزرق القاتم (الكحلي الملكي)، مرصعٍ بـحبات اللؤلؤ الدقيقة التي لمعت تحت الأضواء كـالنجوم في ليلةٍ صافية، ومغطى بـطبقةٍ انسيابية من الشيفون الرقيق الذي رسم معالم جسدها الرشيق الذي لم تزدْه السنوات إلا نضجاً وجاذبية. بـجوارها كانت تقف ميسون بـملامحها البشوشة، وقد اكتسبت بعض الوزن المحبب عقب ولادتها الأخيرة، ومن الناحية الأخرى تقف سلمى وعيناها مسلطتان بـدموع الفرح على العروس.. أمل. اليوم هو ليلة العمر لـأمل، التي زُفت إلى أحد أشهر أطباء الجراحة، بعد قصة حبٍّ نقية جَمَعتهما في أروقة المستشفى والجامعة، وتنتهي اليوم بالرباط المقدس. التفتت سلمى إلى رنيم، وضمتها إلى صدرها بـعاطفةٍ جياشة، مرددة بـنبرةٍ تهتز من فرط السعادة - أنا بشكر ربنا من كل قلبي يا رنيم.. طول عمري كان نفسي في بنت، وربنا كرمني بـيكم وبقى عندي بنتين مش بنت واحدة. مالت رنيم عليها، وطبعت قبلةً حانية
كان الزفاف أشبه بـلوحة فنية نُسجت خيوطها من النور والبهجة، تألقت فيها سارا بـفستانها الذي زادها جمالاً على جمالها، بينما كان "علي" يقف بـجوارها وكأنه قد ملك العالم أجمع؛ فاليوم لم يكن مجرد ليلة زفاف، بل كان تتويجاً لحلمٍ طالما دعا الله بـإلحاحٍ أن يجعله واقعاً ملموساً. مع انتهاء الحفل، وبينما يستعد العروسان للمغادرة، وقف يحيى بـقامته الفارعة، محتضناً خصر رنيم بـتملكٍ حانٍ، وابتسامة غامضة ترتسم على ثغره، ليسأل بـمرح - العرسان الحلوين هيقضوا شهر العسل فين؟ تبادل علي وسارا نظراتٍ يملؤها الحب قبل أن يرد عليّ بـابتسامة عريضة - في عش حبنا السعيد يا يحيى. أشار يحيى بـإبهامه نحو سيارة فارهة مزينة بـأناقة كانت تصطف بـجانب القصر في انتظار إشارته. ترجل السائق بـسرعة ليفتح باب السيارة، وسط دهشة الحاضرين، ليردف يحيى بـنبرةٍ تجمع بين السخاء والود - وممكن تصنعوا ذكريات أجمل في مكان تاني.. العربية دي هتوصلكم لشاليه خاص بيا في مرسى مطروح، خدو راحتكم خالص، قضوا الوقت اللي تحتاجوه.. شهر عسل سعيد تركهم يحيى في صدمةٍ ممتزجة بـسعادة غامرة، ولوح لهم بـيده مغادراً قبل أن يتمكنوا حتى من شكره، ساحباً
انضم يحيى إليهما بخطواتٍ متسارعة، قلبُه يضطرب بـذعرٍ غير مسبوق وهو يرى رنيم في هذه الحالة المنهارة. لم يتردد للحظة، بل ضمها بقوة بين أحضانه، مخبئاً وجهها عن أعين العالم، ليتلقى صرخاتها المكتومة داخل ضلوعه، وكأنها سهامٌ تغرس في قلبه. سأل بلهفةٍ ممزوجةٍ بالخوف، وصوته يرتجف - في إيه يا رنيم؟ إيه اللي حصل؟ حد ضايقك؟ اتكلمي يا روحي انفجرت رنيم بالبكاء أكثر، وكلماتها تتقطع بين شهقاتها المتلاحقة - عمر.. عمر يا يحيى.. عاوز يسيب القصر ويأخد أمل ويعيشوا لوحدهم.. وعاوز ينزل شغل عشان يصرف عليها.. أنا.. أنا عملت إيه عشان يبعدوا عني؟ إيه اللي قصرت فيه؟ انهارت بـاكية، فـشعر عمر بـقلبه يتمزق أمام حالتها التي لم يقصدها أبداً. تقدم خطوة ليمسك يدها، مردداً بـنبرةٍ يغلفها الصدق والأسف - والله يا حبيبتي، أنا مش زعلان منك في أي حاجة.. بالعكس... إنتي الوحيدة اللي وقفتي جنبنا، كفاية اللي عملتيه عشاننا.. ولولاكي، مكناش هنوصل للي إحنا فيه دلوقتي.. أنا بس بقول كفاية كده يا حبيبتي، إنتي حياتك استقرت مع جوزك، وأنا كبرت وعاوز أعتمد على نفسي.. قبل أن يكمل عمر، أشار له يحيى بـحزمٍ صامت أن يصمت، ثم أومأ برأسه
انضم يحيى إلى العائلة على مائدة الإفطار، وبدت عليه ملامح الترقب بانتظار معشوقته. جلس في مقعده، ونظف حلقه بـحرج عدة مرات قبل أن يرفع نظره بـثباتٍ وجسارة إلى جده، مردداً بـنبرة هادئة ومحترمة - صباح الخير يا جدو... ألف سلامة على حضرتك، أتمنى تكون بخير النهاردة. تهللت أسارير الجد عدلان بـسعادة غامرة؛ فـهذه هي المرة الأولى التي يلقي فيها يحيى التحية بـهذا الصفاء عقب صدامهم الأخير العنيف. لم يكتفِ يحيى بالكلمات، بل نهض واقفاً بـهيبة القيصر، توجه بخطوات واثقة نحو الجد، انحنى ليقبل يده بـوقار، ثم احتضنه بحرارة طابعاً قبلة على رأسه في اعترافٍ ضمني بـمكانته. كانت سلمى تتابع المشهد وعيناها تلمعان بـدموع الفرح، بينما جلس الصغير سليم يراقب الموقف بـبراءة وعدم فهم لما يدور حوله، في حين تبادل عمر وأمل نظرات الرضا والحب لهذا الصلح الأسري. وما إن استقر يحيى في مقعده مجدداً، حتى انفتح باب القصر المطل على الحديقة، لتدلف منه رنيم كـنسمة ربيعٍ مباغتة، بـابتسامة مشرقة كفيلة بـأن تشرق معها شمس يومه؛ ابتسامة خاطفة لـأنفاسه ومعيدةً لـقلبه نبضه. قالت بـمرحها العذب - صباح الفل توجهت رنيم بخطواتها الرش
استند على بـثقل على مقعد الاستراحة الوثير، وقد بدأ الإرهاق ينهش في جسده؛ فـساعات النهار كانت ثقيلة، بين عمله الشاق في الصباح، وجولته المرهقة التي امتدت لأكثر من أربع ساعات متواصلة يدور فيها داخل أروقة مراكز التسوق مع سارا، باحثاً عن فستان أحلامها الذي استعصى على ذوقها. مسح على وجهه بـكف مجهد، ثم تطلع إليها بـنظرة عتابٍ ممزوجة بـابتسامة حانية، مردداً بـنبرة منهكة - بقى كل الفساتين اللي شفناها دي، بـكل ألوانها وتصاميمها، وفي الآخر مفيش حاجة عاجباكي؟ حرام عليكي يا سارا.. رجلي تقريباً مبقتش حاسس بيها، وكأننا بنلف في سباق ماراثون مش بنشتري فستان فرح تذمرت سارا بـدلال، واعتدلت في جلستها وهي تعقد حاجبيها بـتذمر طفولي، ثم أطلقت تنهيدة طويلة وهي تردد بـنبرة تختلط فيها الحيرة بالضغط النفسي الذي تعيشه العائلة - أعمل إيه بس يا على؟ مش عارفة أختار، وإنت أصلاً مش بتساعدني! كل ما أوريك فستان تقول لي حلو، كأنك حافظ الكلمة دي وخلاص، مش حاسس بـالضغط اللي عليا.. حظي كده في الوقت ده بالذات؛ بنت ريناد تعبانة، ورنيم حالتها هي ويحيى شاغلة بالي، ونهال جوزها لسه راجع من السفر يعني هي كمان مشغولة.. الكل في
هنا.. انتفض يحيى بـعنف، وكأنه طُعن بـنصل خنجر مسموم أصاب ضلوعه وشرايين قلبه، ليردد بـاندفاع حاد وغيرة تملكت نبرته - دي كلمة ملهاش وجود ولا مكان في قاموس حياتنا بعد النهاردة يا رنيم... في عز ما كنت موجوع ومكسور ومسافر، مقدرتش مجرد التفكير فيها.. حبيبتي، أرجوكي، إوعي تنطقي الكلمة دي على لسانك تاني.. إنتي ملكي وعمري لآخر نفس. تطلعت يميناً ويساراً بـضياع وتشتت طفولي سحر لبه، ليشعر هو بـتوهان روحها وهشاشتها في تلك اللحظة؛ فـتطلعت إليه مرة أخرى وعيناها تلتمسان الأمان، لتردد بـرجاء طفولي وعذب - يحيى.. أنا مش بحلم صح؟ إنت حقيقة.. إنت هنا جنبي بجد؟ورجعنا لبعض لم يكن رده تِلك المرة بـالكلمات؛ بل كان بـفعل بركانيّ زلزل مضجع الجناح! اعتصرها بين أحضانه بـقوة تملكية ضاربة، وانحنى يقبل عنقها المرمري قُبلات متلاحقة، رقيقة وحارقة في آن واحد، بينما راحت يداه الجريئتان تجوبان منحنيات جسدها اللين وتفاصيل أنوثتها بـعشق جارف حطم كل السدود. وصل بـشفتيه إلى وجنتها يلثمها بـقبلاته الدافئة التي تذيب الصخر، إلى أن وصل أخيراً إلى غايته.. إلى شفتيها الكرزيّتين. احتضن شفتيها بـجوع ونهم طال لـسنوات، راح يت
طرقاتٌ عنيفة دوّت على الباب الخلفي للحافلة، لتشقّ ذلك الصمت المشبع بالخوف.تأفّف السائق بضيقٍ وهو يضغط المكابح بعنف، فانحرفت الحافلة قليلًا قبل أن تتوقف على جانب الطريق الرمليّ القريب من البحر. سبّ بصوتٍ خافت ثم ترجل بخطواتٍ غاضبة، متجهًا نحو الباب الخلفي.ما إن فتحه حتى توقفت عيناه للحظة.كانت هنا
ظلامٌ كثيفٌ ابتلع الطريق بأكمله، حتى بدا العالم خارج تلك الحافلة كفراغٍ موحشٍ بلا نهاية. لا أضواء… لا أصوات… سوى هدير المحرك العنيف وهو يشقّ الليل بلا رحمة، وكأن الحافلة تهرب من شيءٍ ما، أو تركض نحو مصيرٍ أكثر ظلمة.داخلها، تمدّد الخوف ككائنٍ حيّ بين المقاعد المهترئة.أطفالٌ صغار، بعضهم لم يتجاوز ا
يجلس حجاج على المقعد، مطأطئ الرأس، كأن كتفيه لم تعودا قادرتين على حمل هذا الثقل من الاتهامات والخذلان. أمامه تجلس والدته، تلوك الكلمات كالسياط، لا تترك فرصة للرحمة أن تتسلل إلى صوتها، وهي تردد بأن ابنته لم يكن اختفاؤها إلا هروبًا مع أحد الشباب، وكأنها قد أغلقت كل أبواب الاحتمال الأخرى عمدًا.صرخت ب
لحظةٍ لا يختارها أحد… تتقاطع الطرق كما لو أن القدر كان يختبئ خلف الأبواب ينتظر الإشارة.نظن أن البدايات واضحة، وأن ما نعيشه آمن، حتى يظهر وجهٌ من الماضي أو ظلٌّ من المجهول ليعيد ترتيب كل ما ظننّاه ثابتًا.هناك، بين صمتٍ لم يُفسَّر ونظرةٍ لم تُكتمل… تبدأ الحكاية الحقيقية، حيث لا شيء يبقى كما كان، وح







