تسجيل الدخولتطلع إليها مليًا وعيناه تتشربان دهشتها وعفويتها، قبل أن يطلق ضحكته الرجولية الرنانة التي بددت سكون الممر المحيط بهما؛ فقد أدرك بفطنته أن تلك الشقية تظن واهمة أنه حزم أمتعته للرحيل، وتكاد تطير فرحًا لـخلوّ المكان لها.
رمقته رنيم باتساع عينين وذهولٍ جمّ أخرس لسانها، لكن صمودها لم يدم طويلًا أمام سحر تلك الضحكة العفوية المباغتة؛ إذ سرعان ما وجدت نفسها تذوب وتنساق خلف نبراته الدافئة، متأملةً ملامحه التي ازدادت وسامة وجاذبية حين تحررت من قيود التجهم، لتردد في شرودٍ تام غير واعية بما ينطق به لسانها - ما أنت ضحكتك حلوة أهي.. ليه مصدرلنا الوش الخشب؟ لم يتوقع يحيى منها هذه الصراحة الجريئة والمباغتة، فرفع حاجبيه بعجبٍ ممزوج بالاستمتاع، لكنه سرعان ما أطلق ضحكة أخرى خافتة، ثم نحّاها جانبًا برفق بكتفه، ودلف إلى داخل غرفتها بخطواتٍ واثقة حاملاً الحقيبة الفاخرة، ومضى مباشرةً ليجلس في دعة على طرف فراشها، متطلعًا إليها بعينين تلمعان بخبث ترقبًا لردة فعلها. تسمرت رنيم مكانها وقد تملكها العجب التام من جرأته التي تخطت الحدود.... فلم يسبق لأحد من رجال العائلة أو شبانها أن تجرأ على تخطي عتبة غرفتها..... إذ كان هذا الأمر خطًا أحمر وممنوعًا منعًا باتًا وفقًا لتعليمات سلمى الصارمة وقواعد البيت. وبحركةٍ طفولية عفوية تنم عن حنقها، ضربت رنيم قدمها بالأرض بقوة وهي تقترب منه، ثم وقفت أمامه وهي تربع يديها إلى صدرها وتزم شفتيها مرددة بحنقٍ طفولي ظاهر - إنت إزاي تدخل أوضتي كده؟.. عيب ميصحش لم يحرك يحيى ساكنًا، بل عدل جلسته واضعًا ساقًا فوق الأخرى بمنتهى الهدوء والبرود الإيجابي، ممررًا عينيه عليها قبل أن يردد بنبرةٍ رخيمة هادئة - ليه.. إنتي بنوتي اندفعت نحو المقعد المقابل له وجلست عليه بحركة سريعة، مالت بجسدها إلى الأمام وهي ترشق عينيها في عينيه لتسأله باستنكار مستفسر - بنوتك إيه؟!.. الفرق ما بينا هي أربع خمس سنين بس ابتسم بثقة، وقام برفع الحقيبة الضخمة ليضعها بوسط الفراش، ثم مال بجذعه نحوها مقتربًا من فلكها الخاص، وسألها بنبرة دافئة أشبه بالهمس - إنتي إسمك إيه؟ أرجعت ظهرها إلى الخلف لتستند على المقعد بارتياح، وأعادت تربيع يديها أمام صدرها متمسكةً بملامح الكبرياء، ورددت بنبرة صُبغت بالفخر والاعتزاز - إسمي رنيم يحيى محمود. انطلقت ضحكاته مجددًا لتملأ أركان الغرفة، وردد بتأكيدٍ منتصر وهو يشير بسبّابته إليها - خلاص تبقى بنوتي.. يلا تعالي أفرجك على هديتك، بطلي رغي بقى. بذكائه المعهود، استطاع في ثوانٍ معدودة أن يجذب كامل انتباهها نحو الحقيبة الغامضة، وما إن ذُكرت الهدايا حتى تبخر حنقها وحلّت مكانه فرحةٌ طفولية غامرة، لتثب من مقعدها وتنتقل بخفة لتجلس إلى جواره على الفراش. ركزت كل حواسها معه، وتعلقت عيناها بيده وهي تفتح السحاب، متلهفةً بشدة لاستكشاف ما تحتويه تلك الحقيبة المخملية. بدأ يحيى بإخراج محتويات الحقيبة ببطء متعمّد، وقد غمرته سعادة خفية لم يعهدها من قبل؛ فقد راق له جدًا انقلاب حالها، وكيف تخلت عن غضبها العارم ونفورها منه لتستبدله ببهجةٍ صافية وانبهار شديد بكل قطعة يخرجها، حيث راحت تثني على ذوقه بكلمات متلاحقة. تناولت أحد الفساتين الحريرية الأنيقة، ورفعته أمام جسدها وهي تتمايل بسعادة بالغة، قائلة بعينين تلمعان - ذوقك حلو أوي يا يحيى.. الفستان تحفة أوي وكمان الإكسسوارات تحفة في تلك اللحظة، تاه يحيى تمامًا في تفاصيلها؛ سحرته إبتسامتها العذبة، وأسره مرحها العفوي، ولمعة عينيها التي فاقت بريق الجواهر التي أحضرها لها. شعر برغبة عارمة تجتاح وجدانه وتتمنى لو أن تلك اللحظات الثمينة التي تجمعه بها تتجمد، وتطول لتصبح أعوامًا مديدة لا تنتهي. أخيرًا، استعاد يحيى ثباته وسيطرته على مشاعره الجميلة، فدار بعينيه سريعا في أرجاء الغرفة، يطالع تفاصيلها وألوانها ولوحاتها المعلقة وكأنه يقرأ خبايا شخصيتها من خلال مأواها الخاص، ثم نهض بخطوات هادئة وغادر الغرفة متوجهًا لغرفته، وقد طغى عليه شعورٌ غريب وجديد، شعورٌ دافئ وعميق لا يملك له تفسيرًا، ولا يقوى على مقاومته. ✨✨✨✨✨ تقف تلك الفتاة الشابة أمام مرآتها الكبيرة، تعيد غزل أحلامها الوردية وهي تقيس فستانًا تلو الآخر، ملقيةً بالملابس خلفها دون اكتراث حتى تحولت غرفتها الأنيقة إلى ساحة من الفوضى العارمة؛ حيث تناثرت الأثواب والألوان في كل زاوية بطريقة تخطت حدود المعقول. إنها شابي، ابنة خالة يحيى، تلك الفتاة التي بات عشقها له يسري في عروقها منذ نعومة أظفارها، معلقةً قلبها الصغير بطيفه وراجيةً أن تصبح يومًا ما ملكةً على عرش قلبه. انفتح الباب ودلفت والدتها "سوزان" إلى الغرفة، لتتسمر مكانها مذهولةً من حجم تلك الفوضى التي اجتاحت المكان، ورفعت يديها تهتف باستنكارٍ وذهول - إيه اللي إنتي عاملاه في أوضتك ده يا شابي؟ والفساتين كلها خارجة ليه كده برة الدولاب؟ لم تكترث شابي لتوبيخ والدتها، بل هرولت نحوها بوجهٍ يشع فرحةً عارمة، وأمسكت بيدها تجرها بلهفةٍ عفوية وهي تردد بنبرةٍ متسارعة تكاد تقفز من بين شفتيها - ماما.. أنا عرفت إن يحيى رجع! تعالي معايا، اختاري معايا فستان بسرعة عشان أروح أسلم عليه أمام هذه الفرحة الطاغية، انطفأت ملامح سوزان وأطلقت تنهيدة حارة، تنهيدةً خرجت من أعماق قلب أمٍّ يمزقها الخوف على ابنتها؛ فهي تعلم علم اليقين، وبحكم معرفتها بطباع ابن أختها الصارم، أن يحيى لا يحمل لابنتها أي مشاعر، بل لا يضعها في حساباته أو تفكيره نهائيًا، وتدرك تمامًا أن نهاية هذا الركض خلف سرابه لن تكون سوى كسرةٍ مريرة تدمي قلب ابنتها الصغير. ✨✨✨✨✨✨✨✨ التفَّ الجميعُ حول مائدة الإفطار الوثيرة في بهو القصر، وفي أعماقه تعتمل رغبةٌ جارفة وملحة، رغبةٌ لم يستطع لجمها في أن يراها هذا الصباح؛ فما زالت ابتسامتُها العذبة التي أضاءت عتمة ليلته البارحة مطبوعةً في مخيلته، وتفاصيل مرحها العفوي تأبى أن تغادر عينيه. وكأن الله قد استجاب لدعائه الصامت في سرّه وأشفق على قلبه المتيم بالحيرة، إذ انتبه فجأة على رنين صوتها العذب وهي تدلف نحوهم، ملقيةً تحية الصباح بمرحها المعتاد الذي يبعث الحياة في المكان، ثم راحت تهدي ورودها الفواحة لكل فردٍ كعادتها الصباحية التي تنشر البهجة. كان يحيى في تلك اللحظة يقف على الحد الفاصل ما بين اليقظة والخيال ، غامرتْه مشاعر متضاربة حتى لم يعد يدري أهذه حقيقةٌ ملموسة تُبعث أمامه أم أنها مجرد طيفٍ ساحر من نسج خياله الخصب؟ تملكه ارتباكٌ غريب جعل عاجزًا لثوانٍ عن رفع عينيه للتحقق من الأمر، حتى اخترق مَسامعه صوت والدته وهي تهتف بإعجابٍ وانبهار شديدين - الله! إيه الفستان التحفة ده يا رنيم؟ عندها، رفع يحيى عينيه مباشرةً لتلتقي نظراته بنظراتها، وفي تلك اللحظة الفريدة، شعر وكأن شرارةً كهربائية عنيفة تسير في أوصال جسده وتخترق حصونه. حبس أنفاسه وتمسَّك بمقعده وهو يرى تلك الحورية تتألق أمامه بالفستان الذي انتقاه لها بعناية من ألمانيا؛ فقد بدا الثوب عليها أبهى مما تخيل، وجعلها تبدو كأميرةٍ هربت للتو من بين صفحات كتب الأساطير والخيال. تقدمت رنيم بخطواتٍ خفيفة وجلست على مقعدها المعتاد، بينما بقيت نظراتها معلقةً بيحيى، تلمح في عينيه أثر صنيعه، لتردد بابتسامةٍ مشرقة غلفتها البراءة وهي تلتفت لوالدتها - ده جابهولي يحيى هدية.. إيه رأيك، حلو عليا؟ انطلقت كلمات الثناء من سلمى وهي تتغزل بجمال ابنتها وحسن طلعتها، كما شاركها الجد بابتسامة وقور، مثنيًا على ذوق يحيى الرفيع وحسن اختياره. وفي المقابل، كان حمزة يجلس على الجانب الآخر والنار تأكل صدره، تملّكه الغيظ والكمد من هذا التقارب المفاجئ بينهما، فلم يحتمل البقاء؛ ألقى بالمحرمة الورقية جانبًا بعصبيةٍ مكتومة، ونهض من مقعده مغادرًا المكان بخطواتٍ غاضبة دون أن ينبس ببنت شفة.لم يكد الكلمة تخرج من فمها حتى اقترب منها مرة أخرى بـنظرة لعوبة جائعة، فشعرت بالخوف مجدداً وانكمشت على نفسها تتراجع للخلف، ليردد بجدية مصطنعة ومكر وهو يميل نحو أذنها- بتقولي إيه؟ سمعيني تاني كده.. شكلك عاجبك الموضوع وعاوزه تتعاقبي تاني دلوقتي حالا؟نفت سارا برأسها برعب ودلال طفولي غافلة، واستدارت تركض بكل سرعتها نحو السيارة، لتفتح الباب وتدلف إلى المقعد المجاور له وهي تحاول التقاط أنفاسها الضائعة. ركب علي بجوارها، وأدار المحرك، ليكون الصمت المطبق والهيام الخفي هو حليف رحلتهما حتى وصلت إلى عتبة منزلها دون كلمة واحدة، لكن الأنفاس كانت تتحدث بالنيابة عنهما.عقب دلوفها المنزل وإغلاق الباب وراءها، استندت بظهرها إلى الخشب وهي تضع يدها على قلبها الذي يكاد يقفز من صدرها. وفجأة، أصدر هاتفها نغمة معلنة عن وصول رسالة نصية؛ فتحتها بيدين ترتجفان، لتجدها من علي مكتوب فيها بـكل رومانسية وعشق - حبيبتي.. دي كانت أجمل لحظات عمري كله لما كنتِ بين إيديا وبين بأحضاني.. دقت عسل شفايفك اللّي دوخني، وكنت حاسس وأنا معاكي إني طاير بين السحاب ولامس نجوم السما اللّي قلتي إنها بعيدة.. تصبحي على خير يا جوهرة قل
ركضت شابي نحو الداخل بخطى متسارعة، عيناها تطوفان في أرجاء القصر الفخم بلهفة وشغف جارف، تبحث عنه في كل زاوية، فـقد أضناها الشوق ولم تعد تقوى على الانتظار لحظة واحدة أخرى. استمرت في ركضها حتى وجدت الجد "يحيى عدلان" يقف بوقاره المعتاد أمامها في بهو القصر، فاندفعت نحوه وتساءلت بلهفة وأنفاس متهدجة - فين يحيى يا جدو؟ هو وصل مش كده؟.. طمنّي عليه أنا مشتاقة أوي أشوفهتطلع إليها الجد باستنكار وضيق من اندفاعها غير المبرر، وهز رأسه بقلة حيلة ليشير لها بيده نحو الأعلى، مردفاً بنبرة حادة وجافة- فوق في أوضته.. لسه واصل من المطار من شوية.... لم تنتظر شابي سماع بقية كلماته؛ بل استدارت في لمح البصر وراحت تأكل درجات السلم الرخامي بنشاط، مدفوعة بأشواقها العارمة. وصلت إلى جناحه، ودلفت إلى غرفته بخطوات خفيفة، لتجده يجلس بمفرده في الشرفة، متكئاً بمرفقيه وظهره مائل إلى الأمام، وعيناه شاردتان بحزن عميق مع تلك الورود الذابلة في الشرفة.ابتسمت شابي بحب، وبدأت تسير على أطراف أصابعها بهدوء شديد حتى لا يشعر بوجودها، وما إن وصلت خلف مقعده تماماً، حتى مدت يديها ونزلت بهما لتضع كفيها فوق عينيه مباغتة إياه بـمرح
وقف يحيى على أعتاب بوابة الطائرة، متسمراً لثوانٍ وهو يغمض عينيه، ويستنشق بعمق عبير هواء وطنه الذي افتقده واشتاق إليه منذ ما يقرب من الأربع سنوات؛ سنوات طوال قضاها في غربة جسدية، لكن روحه بقيت معلقة هنا. بدأ يهبط درج الطائرة بخطوات ثابتة وئيدة، والوجع يعتصر ملامحه الرصينة؛ لقد سافر وفارق كل شيء في الماضي ظناً منه أن البعد ترياق، وأنه سيمحو من ذاكرته ذلك الشوق العاصف الذي كاد أن يقتله، ولكنه عاد اليوم ليكتشف الحقيقة المُرّة.. عاد وقد تضاعف الشوق في صدره مئات المرات، وباتت نيرانه تلتهم جوفه. بعد مدة من الوقت، انطوت المسافات لتتوقف السيارة الفارهة أمام أبواب القصر الحديدية الضخمة. ترجل منها يحيى بخيباته وأشواقه، وما إن دلف من البوابة الداخلية حتى قوبل بترحاب حافل وصاخب من الخدم وجميع من في القصر؛ فقد كانت عودته مفاجأة مدوية للجميع، إذ لم يخبر أحداً بموعد وصوله أو يمهد لخطوته تلك. تخطى يحيى الجموع بابتسامة باهتة ومجاملة، وبدأ يصعد درج القصر الرخامي المؤدي للأجنحة العلوية. ومع كل درجة يخطوها، كان يستعيد شريط ذكرياته مع رنيم؛ تفاصيل ضحكاتها، ركضها، وعطرها الذي كان يملأ المكان. زفر بضيق وح
أنهت سارا صلاتها للتو، وظلت مستقرة في مجلسها فوق الفراش، طارحةً سجادة الصلاة جانباً وممسكةً بمصحفها الصغير. راحت تقرأ ما تيسر من آيات الذكر الحكيم بنبرة متهدجة، بينما كانت دموعها تنهمر في صمت فوق الصفحات، باكيةً على فقيد قلبها مروان، وعلى تلك الفرحة الغالية التي تلاشت وتبخرت من بين يديها قبل أن تنالها أو تذوق حلاوتها. في تلك الأثناء، دلف شقيقها فارس بخطى وئيدة، وجلس بجوارها على الفراش صامتاً لعدة لحظات؛ كان الصمت يمزق نياط قلبه وهو يتأمل هيئتها الحزينة الذابلة. لقد مرت عدة أشهر كاملة على موت مروان، لكن الأيام لم تزد سارا إلا لوعة، ولم يقلّ من حزنها وجمر شوقها شيء. وكعادتها الحانية معه، فتح فارس ذراعيه لها على اتساعهما دون أن ينطق بكلمة؛ فلم تتردد سارا، واندفعت سريعاً لتدلف بين أحضانه، واضعةً رأسها المثقل بالهموم على صدره. راح يربت على ظهرها بحنان جارف وأخوة صادقة، لتنفجر هي في بكاء مرير، ونحيب مكتوم زلزل كيانها النحيل. تركها فارس على راحتها، ولم يحاول إسكاتها، بل سمح لنوبة البكاء العنيفة تلك أن تفرغ كل الشحنات السامة والكسرة القابعة في أعماق روحها، حتى هدأت أنفاسها تماماً واستكانت.
خفض حمزة صوت التلفاز فوراً عقب سماعه صوتاً أشبه بالنحيب المكتوم يأتي من بعيد؛ تفرّس في الصوت لثوانٍ حتى تأكد تماماً أنه صوت زوجته ومحبوبته ميسون تنحب بنبرة باكية داخل المطبخ. انتفض من مقعده وهرول نحوها وقلبه يخفق خوفاً من أن يكون أصابها أي مكروه. دلف إلى المطبخ ليجدها تقف أمام خلاط الطهو، وجسدها يهتز بخفة وهي تبكي بحرقة مصطنعة؛ اقترب منها بلهفة، وأحاط كتفيها بوجل يسألها بنبرة حانية - بتعيطي ليه بس يا روحي؟ فيكِ إيه إيه اللّي حصل؟ قامت بالضغط على مفتاح التشغيل الخاص بالخلاط عدة مرات متتالية أمام عينيه، ولكنه بالطبع لم يبدِ أي استجابة، لتردد من بين بكائها ونبرتها الطفولية - الخلاط باظ يا روحي.. مش راضي يشتغل خالص وأنا بوظته تطلع حمزة إلى الخلاط للحظات بقلة حيلة، ثم اتجه يحملق في ملامح وجهها الباكي والبريئ، وهبط بجل بصره ليرى سلك الجهاز ملقى على الرخام؛ أمسك بالفيشة بملل، وردد من بين أسنانه وهو يحاول كتم ضحكته - طبيعي يا روحي مش هيشتغل.. إلا لو اتكرمنا ووصلناه بالكهربا.... بسيطة يعني ومستاهلتش كل المناحة دي. تركها حمزة وعاد إلى الصالة، وما إن أدار ظهره حتى اختفت دموع ميسون الز
لم تبخل رنيم على إخوتها بجهدٍ أو مال؛ لقد أغدقت عليهم من حنانها ووقتها، وعوّضتهم في تلك الأشهر القليلة المريرة مرارة السنوات العجاف التي عاشوها في الماضي تحت وطأة القسوة والمهانة. حققت لهما حياة كريمة، هادئة، ومستقرة، جعلت عمر وأمل يشعران في أعماقهما بأنهما سيظلان مدينين لهذه الأخت الكبرى بطوق نجاتهما طيلة عمرهما. ولكن، ورغم هذا الدفء الظاهر، بقيت هناك غيوم كثيفة من التساؤلات الحائرة تدور في فلك عقلهما حول حياتها السابقة؛ ذلك الجنين الذي يكبر في بطنها يوماً بعد يوم، وزوجها الغامض الذي لم تذكر إسمه قط، ولا تحدثت عن تفاصيل غيابه، وكأنها قطعت كل حبال الماضي بسكين بارد. وفي إحدى الليالي الساكنة، جلس عمر بجوارها على الأريكة، وقد عزم أمره وشحن شجاعته أن يفتح ذلك الصندوق المغلق ويتحدث معها اليوم؛ التفت إليها وتطلع إلى ملامحها الهادئة، ثم سألها بفضول ممزوج بالخوف الأخوي - رينو.. هو إحنا مش هنعرف حاجة عن حياتك اللّي فاتت دي؟ عملتي فيها إيه وكنتي عايشة إزاي؟.. وطب وجوزك.. جوزك فين يا رنيم؟ وليه سايبك لوحدك في ظروف زي دي؟ توقفت يد رنيم عما كانت تفعله، وفجأة، أطلقت ضحكات متتالية؛ لكنها لم تك







