LOGINمن وجهة نظر لينيا
كنت أجلس في قاعة القصر مع أمي، هرلين، زاك، أيان، وهيفان. كان الجو هادئًا بشكل غريب. هرلين كانت تتحدث عن شيء فعله إيفان صباحًا وجعلها تضحك. وأيان كان يحاول إقناع أمي أن لوكا هو سبب نصف مشاكل المملكة. حتى زاك كان يبدو مرتاحًا قليلًا. ثم فجأة... دوى صوت صرخة في أنحاء القصر. صوت إيفان. — "زاك!" قفز زاك واقفًا قبل الجميع. تجمد الدم في عروقي. لأنني لم أسمع إيفان يصرخ بهذا الشكل من قبل. وفي اللحظة التالية. انفتح باب القاعة بعنف. ودخل إيفان. حاملًا لافندر بين ذراعيه. كانت فاقدة الوعي. ورأسها متدلٍ قليلًا. وشعرها الأسود يغطي جزءًا من وجهها. ولمحت الدم الجاف حول أنفها. شعرت أن قلبي توقف. — "لافندر!" صرخت وأنا أركض نحوها... لكن أحدًا كان أسرع مني. زاك. في لحظة واحدة كان أمامها. وكأن العالم كله اختفى من حوله. لم يعد يرى أحدًا. لا أنا. ولا هيفان. ولا هرلين. ولا حتى ابنته بل فقط الخوف. الخوف الذي لم أرَه في عينيه منذ سنوات طويلة. — "ماذا حدث؟!" خرج صوته كزمجرة مرعبة. حتى إيفان بدا مصدومًا من شكله. — "سقطت في ساحة التدريب." — "كانت تنزف." — "ثم فقدت وعيها. وقبل أن ينهي كلامه. كان زاك قد حملها من بين ذراعيه. وركض نحو غرفتها. دخل الجميع خلفه. وضعها على السرير بحذر شديد. وكأنها مصنوعة من الزجاج. ثم بدأ يدور في الغرفة بجنون. يفتح الأدراج. ويقلب الكتب. ويبحث بين أغراضها. — "زاك!" ناديت عليه. — "ماذا تبحث؟" لكنه لم يجب. — "زاك؟" وفجأة استدار نحوي. وعيناه حمراوان بشكل مخيف. — "اصمتي!" تجمدت في مكاني. لأول مرة. منذ عرفته. صرخ بوجهي. ساد الصمت في الغرفة. حتى هرلين شهقت بصدمة. لكن في الثانية التالية. ظهر الندم على وجهه فورًا. اقترب مني بسرعة. وأمسك يدي. — "لينيا..." خرج صوته مكسورًا. — "أنا آسف." ثم أغلق عينيه بقوة. — "أنا آسف." تنفست ببطء. وكتمت الدموع آلتي كانت على وشك النزول. وأمسكت يده. — "ماذا تبحث؟" رفع رأسه. — "الجوهرة الحمراء." تجمدت. — "ماذا؟" — "الجوهرة التي أحضرها إيفان لها." — "أين وضعتها؟" هززت رأسي. — "لا أعرف." ازداد وجهه شحوبًا. وفي تلك اللحظة. دخل المعالج الروحاني. جلس قرب لافندر. ووضع يده فوق جبينها. بدأت رموز سحرية تضيء حول كفه. مرت دقائق طويلة. ثم تنهد. ونظر نحونا بقلق. — "هي ليست مصابة." تنفس الجميع قليلًا. لكن المعالج أكمل: — "لكن طاقتها الروحية تستنزف بسرعة." تجمدت الغرفة. — "إن لم تتغذَّ على طاقة أو دم قريبًا..." توقف قليلًا. — "فقد تدخل في غيبوبة أطول." ولم يدعه زاك يكمل. عض معصمه مباشرة. ثم قرب الجرح من شفتي لافندر. بدأ دمه ينساب ببطء. حتى وهي فاقدة الوعي. كانت غريزتها كمصاصة دماء تستجيب. بدأ لون وجهها يعود تدريجيًا. عندها فقط. جلس زاك قربها. وأمسك يدها بكلتا يديه. وكأنه يخشى أن تختفي. ثم فجأة. انفتح باب الغرفة بقوة. ودخل لوكا. كان يلهث. وعيناه مليئتان بالخوف. — "لافندر!" ركض نحو السرير فورًا. وتوقف عندما رآها فاقدة الوعي. اختفى اللون من وجهه. — "ماذا حدث لها؟" خلفه مباشرة. دخل الملك ألفريد. ثم أبي ألنيوس جدها. وعندما رأى ألنيوس حفيدته على السرير. انقبض وجهه فورًا. أما الملك ألفريد. فنظر إلى زاك. ثم إلى لافندر. وقال بصوت منخفض وخطير: — "أخبرني أن هذا مجرد إغماء عادي." لكن أحدًا في الغرفة... لم يكن يملك جوابًا يطمئن قلبه. وفي زاوية الغرفة... كان إيفان واقفًا بصمت. وعيناه لم تغادرا لافندر ولو لثانية واحدة. ولأول مرة منذ سنوات طويلة... كان يشعر بخوف حقيقي.من وجهه نظر لافندر رفعتُ نظري عنه وأنا أحاول أن أفهمه. كلما تحدث... شعرت أنه يعرف عني أكثر مما أعرف أنا عن نفسي. ابتلعت ريقي بصعوبة، ثم همست: "إذا... كنت تراقبني طوال هذا الوقت..." رفع عينيه إليّ وهو يحرّك الملعقة داخل القدر الصغير فوق النار. "...كيف عرفت أنني لافندر قبل حتى أن أتذكر أنا؟" ساد الصمت لثوانٍ. ثم ابتسم. لم تكن ابتسامة انتصار... بل ابتسامة شخص كان ينتظر هذا السؤال منذ سنوات. قال بهدوء: "لأنني لم أتوقف عن البحث عنك." اتسعت عيناي. أكمل وهو يسكب الحساء في وعاء خشبي: "في البداية... لم تكوني أنت هدفي." قطبّت حاجبي. "هدفي كان زاك." توقفت يده للحظة. "كان بيننا دين قديم... وثأر لم ينتهِ." ارتجفت أصابعي. "لكن..." رفع نظره نحوي. "ثم رأيت فتاةً بشعر اسود تعمل بين الأعشاب... تبتسم للناس رغم أنها كانت تحمل حزناً لا تفهمه." اقترب بخطوة. "راقبتها يوماً..." ثم ابتسم بخفوت. "ثم أسبوعاً..." "ثم شهراً..." أخفض رأسه وهو يضحك ضحكة قصيرة. "وفي لحظة... أدركت أنني لم أعد أراقبها لأجل زاك." شعرت بقشعريرة تسري في جسدي. همس: "وقعت ف
من وجهة نظر لافندر أول شيء شعرت به... كان شيئاً يمر بين خصلات شعري برفق. تجمد جسدي. وقبل أن أفتح عيني... سمعت صوتاً هادئاً. "استيقظتِ أخيراً..." فتحت عيني ببطء. أول شيء رأيته... كان هو. يجلس على طرف السرير، ينظر إليّ بابتسامة هادئة، بينما كانت أصابعه تلعب بخصلات شعري الأسود الطويل وكأنها أثمن شيء يملكه. ارتجف جسدي كله. ابتعدت بسرعة حتى التصق ظهري برأس السرير. راقبني بصمت. ثم ابتسم أكثر. "صباح الخير... يا أميرتي." لم أستطع الرد. كلما نظر إليّ... كنت أشعر بذلك الخوف نفسه. ليس لأنه كان يصرخ... ولا لأنه كان يؤذيني... بل لأن هدوءه كان مرعباً. كان ينظر إليّ وكأنني شيء يخصه منذ زمن طويل. نهض بهدوء. وقال: "الماء ساخن." رمشت باستغراب. أشار إلى باب صغير في زاوية الكوخ. "اذهبي واستحمي." ثم نظر إلى الفستان الموضوع فوق السرير. كان فستاناً بلون البنفسج الداكن، مزيناً بخيوط فضية رقيقة. "ارتديه." حدقت بالفستان. "...من أين أتيت به؟" ابتسم. "صممته من أجلك." توسعت عيناي. حتى المقاس... كان مناسباً تماماً. وكأنه يعرف كل تفصيل في جسدي. شعرت بقشعريرة تسري في ظهري. اس
من وجهة نظر لينيا "...أمي." وصلني صوت صغير... بعيد... يرتجف. وسط الضباب. التفت بسرعة. كانت فتاة تقف بين الأشجار. شعرها الأسود الطويل يتراقص مع الريح. وعيناها الحمراوان مملوءتان بالدموع. "لافندر..." همست باسـمها قبل أن أشعر. رفعت رأسها نحوي. ثم ابتسمت ابتسامة حزينة. "أمي..." ركضت نحوها بكل ما أملك. "لافندر! انتظري!" لكن كلما اقتربت... كانت تبتعد أكثر. مددت يدي. "تعالي... أرجوك..." خرج صوتها متقطعاً. "ساعديني..." "...أمي..." "...أنا خائفة." شهقت. "لافندر!" ثم... اختفى كل شيء. --- فتحت عيني بعنف. وأخذت ألهث. دموعي كانت تنساب قبل حتى أن أستوعب أين أنا. نظرت حولي بسرعة. غرفة... سرير... قصر سيليفورد. "...زاك." خرج الاسم مرتجفاً. "زاك..." وما هي إلا لحظات حتى انفتح الباب بسرعة. دخل وهو يحمل كوباً زجاجياً فيه سائل أحمر داكن. ما إن رآني مستيقظة... حتى وضع الكوب على الطاولة دون اهتمام. وفي ثانية واحدة... كان بجانبي. "لينيا." قالها بسرعة وهو يجلس على حافة السرير. "أنا هنا." "اهدئي." وقبل أن أتكلم... احتضنني بقوة. وكأنّه يخشى أن أختفي أنا أيضاً.
من وجهه نظر هرلين جلست بجانب سرير إيفان بهدوء. أخذت أمرر أصابعي بين خصلات شعره الأبيض الطويل كما كنت أفعل منذ كان صغيراً. كم كبر... لكن بالنسبة لي... سيبقى ذلك الجرو الصغير الذي كان يختبئ خلفي كلما غضب منه هيفان. ابتسمت دون أن أشعر. فجأة سمعت صوت جوليا داخل رأسي. "لقد كبر بالفعل." همست وأنا ما زلت أنظر إلى وجهه النائم: "أعرف..." سكتت جوليا لحظة. ثم قالت بنبرة هادئة لأول مرة منذ مدة: "لكنه متعب." تنهدت. "بل أكثر من متعب..." "يحمل كل شيء وحده." أغمضت عيني قليلاً. "عندما كان الجميع يضن أن لافندر مات... لم يعد يبتسم كما كان." "كان بعيد عن الجميع لفترة طويلة،يخفي كل مشاعره رغماً أني كنت أعرف أنه يتئلم." ساد الصمت. ثم قالت جوليا: "أنت تلومين نفسك." عضضت شفتي. "...كيف لا؟" "كنت أمه." "كان يجب أن أحميه." "لا." قالتها جوليا بحزم. "كنت تستطيعين حمايته من الوحوش..." "لكن ليس من القدر." خفضت رأسي. دمعت عيناي قليلاً. "كلما رأيته يتألم..." "أتمنى لو أستطيع أخذ الألم عنه." ابتسمت جوليا بحنان. "وهذا ما تفعله كل أم." ربتُّ على
من وجهه نظر إيفان فتحت عيني ببطء... كل شيء كان ضبابياً في البداية. السقف الخشبي... رائحة الأعشاب... والألم الخفيف الذي ما زال يسكن صدري. "إيف..." ناديت ذئبي بصوت مبحوح، لكن كل ما وصلني كان أنين ضعيف داخل رأسي. "...أنا هنا..." تنهدت براحة. إذن... ما زال بخير. حاولت الجلوس، لكن فور أن رفعت نصف جسدي، دار العالم كله حولي. "تباً..." وفجأة... انفتح الباب بسرعة. "إيفان!" دخلت أمي وهي تحمل صينية صغيرة، وما إن رأتني أحاول الوقوف حتى أسرعت نحوي. وضعت يديها على كتفي وأعادتني للفراش بحزم. "اجلس! ماذا تظن نفسك فاعلاً؟" ابتسمت بتعب. "أنا بخير..." لكنها لم تسمعني حتى. بدأت تتفقد وجهي. ثم جبيني. ثم رقبتي. ثم أمسكت يدي. "هل تشعر بألم؟" "هل ما زال السم يؤلمك؟" "هل تتنفس جيداً؟" "هل تحتاج للمعالج؟" "هل تشعر بدوار؟" "هل..." "أمي..." توقفت أخيراً. ابتسمت لها بهدوء وأنا أمسك يدها. "أنا بخير... فقط متعب قليلاً." ارتخت ملامحها أخيراً. جلست بجانبي على السرير. ثم أمسكت وجهي بين كفيها كما كانت تفعل وأنا صغير. ابتسمت بحنان وهي تمرر إبهامها على خدي. "أعرف..." همست. "أعرف أ
من وجهة نظر لافندر حلّ الليل ببطء. كانت آخر خيوط الشمس تختفي خلف قمم الجبال، بينما بدأت الرياح الباردة تعصف بين الأشجار الكثيفة المحيطة بالكوخ. سمعت صوت خطواته يقترب. تجمد جسدي. توقف أمامي، ثم نظر إلى الحبال التي تقيد يديّ بالكرسي. للحظة... ظننت أنه سيتركني هكذا حتى الصباح. لكنه انحنى وفك الحبال. قبل أن أشعر بالارتياح، أمسك بمعصمي وربطني بحبل أطول إلى أحد أعمدة السرير الخشبي. أصبحت أستطيع الجلوس والاستلقاء، لكن الهرب بقي مستحيلاً. ابتلعت ريقي بصعوبة. تراجعت حتى لامس ظهري رأس السرير. جلس على الكرسي المقابل بهدوء، وكأنه لا يرى خوفي. ساد الصمت بيننا لدقائق طويلة. كنت أسمع فقط صوت الريح وهي تضرب جدران الكوخ الخشبية. ثم قال دون أن ينظر إلي: "أتعلمين..." رفع عينيه نحوي. "أعرف أن قلبك ليس معي." شددت أصابعي حول الغطاء. أكمل بابتسامة هادئة أثارت القشعريرة في جسدي: "ولن يكون معي غدًا أيضًا." تنفست ببطء، دون أن أجيب. لكنه تابع بنفس النبرة الهادئة: "لكن الوقت... يغيّر أشياء كثيرة." هززت رأسي بقوة. "لن يغيّرني." التقت أعيننا. قلت بثبات، رغم
الرواي لم يعد إيفان يسمع شيئًا. لا صرخات. لا أصوات السيوف. لا حتى صوت المعركة نفسها. كل ما كان يراه أمامه... سيلفورد. اندفع نحوه مرة بعد أخرى. مخالبه تمزق الأرض. وسيفه يضرب بعنف جعل حتى جنود سيلفورد يبتعدون خوفًا من الاقتراب. أما سيلفورد فبدأ يدرك أن هذا الشاب لم يعد يقاتل بعقله
الراوي كانت لافندر بالكاد قادرة على الوقوف. أنفاسها متقطعة. رؤيتها مشوشة. واستخدامها المستمر للسحر وجيش الموتى بدأ يستهلك ما تبقى من قوتها. لكنها رفضت التراجع. رفعت يدها مجددًا. وحاولت استدعاء المزيد من الأرواح. وفجأة... ظهر سيلفورد أمامها. سريعًا بشكل مرعب. لم تستطع حتى رؤيته يقترب. و
الراوي كانت المعركة تزداد سوءًا مع كل دقيقة تمر. الدخان غطّى أجزاء كبيرة من ساحة القتال. والأرض التي كانت يومًا خضراء أصبحت مليئة بالحفر وآثار السحر والنيران. بعد أن نزع الملك ألفريد السهم الفضي بنفسه، سال الدم من كتفه بغزارة، لكنه رفض التراجع. وقف بصعوبة. أسنانه مطبقة بقوة. ثم قال بصوت جع
من وجهة نظر هيفان كان كل شيء غارقًا في الفوضى. صراخ. دماء. أصوات السيوف. وسحر يمزق الهواء من كل اتجاه. كنت أقاتل بجانب الملك ألفريد، ظهري إلى ظهره كما فعلنا عشرات المرات خلال السنوات الماضية. لكن هذه المرة كانت مختلفة. هذه ليست معركة ضد متمردين. وليست هجومًا عابرًا. هذه حرب ستحدد مصير نور