登入هرلين
خرجنا أخيرًا من عالم الأرواح. وما إن صعدت آخر درجة من ذلك الدرج الطويل حتى شعرت وكأنني أتنفس من جديد. الهواء البارد الحقيقي. رائحة الغابة. وصوت الرياح بين الأشجار. كل شيء بدا مختلفًا الآن. أكثر دفئًا. أكثر حياة. التفتُّ خلفي ببطء نحو لينيا، وما زلت غير مصدقة أنها تمشي معنا فعلًا. ليست روحًا. ليست حلمًا. بل حقيقية. وكان زاك يسير قربها وكأنه يخشى أن تختفي لو ابتعد خطوة واحدة فقط. حتى نظراته لها كانت مليئة بشيء جعل قلبي يدفأ. حب قديم… تعب كثيرًا قبل أن يعود إليه. أما هيفان فكان يمشي بجانبي ويده لم تترك يدي منذ خرجنا. كل بضع دقائق كان ينظر إليّ وإلى بطني وكأنه يتأكد أننا بخير. بعد ما حدث مع نايت… أعتقد أنه لن يتركني وحدي أبدًا مجددًا. وعندما وصلنا أخيرًا إلى المعبد القديم… توقفت خطواتنا. لأن أيان كان جالسًا قرب النار وحده. يبدو متعبًا بسبب إصابته، لكنه كان مستيقظًا ينتظرنا. وفور أن رفع رأسه… وتوقفت عيناه على لينيا… تجمد بالكامل. حتى الكأس الذي كان بيده وقع على الأرض. بقي يحدق بها وكأنه رأى شبحًا. أو حلمًا مستحيلًا. ثم وقف بسرعة رغم ألمه. — “لينيا…؟” خرج اسمها منه بصوت مخنوق. أما لينيا… فنظرت إليه بعينين ممتلئتين بالدموع. وبدون أي كلمة ركضت نحوه. وعانقته بقوة. حتى أيان بقي متجمدًا للحظات قبل أن يعانقها هو أيضًا وكأنه أخيرًا صدق أنها عادت. — “أنتِ حية…” همسها وهو يضغط عليها بقوة. ثم ابتعد قليلًا وهو ينظر إليها بعدم تصديق. — “مستحيل…” ضحكت لينيا بخفة وسط دموعها. أما أنا… فوقفت أراقبهم وقلبي ممتلئ بشعور غريب. دفء. راحة. وكأن قطعة ناقصة من عائلتنا عادت أخيرًا. لكن فجأة لاحظت لينيا تنظر حولها بتوتر. ثم احمر وجهها فجأة بشكل لطيف. رمشت باستغراب. لكن عندما وقعت عيناها على المعبد… ثم على زاك… فهمت فورًا. شهقت بخفة. — “لا تقولي لي…” غطت لينيا وجهها بسرعة وهي تتمتم بخجل: — “هرلين!” أما زاك… فلأول مرة رأيته يبتسم بهذه الطريقة. ابتسامة حقيقية مليئة بالمكر والحنان بنفس الوقت. اقترب منها قليلًا وهمس بشيء قرب أذنها جعل وجهها يحمر أكثر. حتى أيان نضر إليه بصدمة وقال: — “لحظة… لا أريد معرفة أي شيء!” انفجرت ضاحكة فورًا. حتى هيفان ابتسم بخفة هذه المرة. وبعد كل ما عشناه… كانت هذه أول لحظة أشعر فيها أن كل شيء بخير حقًا. قررنا أن نبقى الليلة هنا. خصوصًا أن أيان ما زال بحاجة للراحة. أما العودة إلى المملكة… فستكون صباح الغد. ومع حلول الليل… أشعلنا النار وجلسنا حولها. كانت الأجواء هادئة بشكل جميل. حتى الغابة لم تعد مخيفة كما كانت بالأمس. جلس زاك قرب لينيا وكأنه ما زال غير قادر على الابتعاد عنها. أما هي… فبدأت تحكي لنا عن حياتها معه بعد أن وجدت نفسها في أرض مصاصي الدماء. كيف كان يسرق لها الحلوى وهي صغيرة. وكيف كان يغضب كلما اقترب منها أحد. وكيف كان يتظاهر بالبرود رغم أنه متعلق بها بشكل واضح. حتى زاك بدا محرجًا قليلًا لأول مرة. بينما أيان كان يضحك عليه بلا رحمة. أما أنا… فبقيت أراقبهم بابتسامة. وأشعر بسعادة غريبة داخل صدري. رفعت رأسي قليلًا… وأسندته على كتف هيفان. فورًا شعرت به يلف ذراعه حولي بحماية. رفعت عيني نحو لينيا ثم قلت بهدوء: — “أعتقد… أننا الاثنان محظوظتان، أليس كذلك؟” ابتسمت لينيا فورًا. ثم أسندت رأسها على كتف زاك هي الأخرى. — “أعتقد ذلك أيضًا.” أما أيان… فنظر إلينا نحن الأربعة بنظرة درامية مضحكة جدًا قبل أن يقول: — “جميل… وأنا سأبقى الوحيد التعيس هنا.” ضحكت فورًا. حتى لينيا رمت عليه قطعة خشب صغيرة وهي تضحك: — “توقف عن التصرف كضحية.” أما هيفان… فخفض رأسه قليلًا وقبّل شعري بهدوء. بينما النار تشتعل أمامنا… ولأول مرة منذ وقت طويل جدًا… شعرت أن عائلتنا أصبحت كاملة.من وجهة نظر إيفان لم أعد أحتمل الجلوس مع أحد. منذ أن عرفت الحقيقة... منذ أن عرفت أن لافندر كانت أمامي طوال هذا الوقت... وأنا أشعر وكأن شيئًا ينهش قلبي ببطء. صعدت إلى أعلى برج في القصر. كان المكان هادئًا. لا يسمع فيه سوى صفير الرياح. جلست على حافة الشرفة الحجرية، وبيدي كأس ممتلئ. ارتشفت منه بصمت. ثم مرة أخرى. وأخرى... حتى لم أعد أشعر بطعم الشراب. داخل رأسي... كان كل شيء مختلطًا. صوتها... ابتسامتها... ضحكتها عندما ركبت على ظهر إيف لأول مرة. نظراتها الخجولة. وهي ترتب الورود. وهي تضحك مع إيفونا. ثم... تلك اللحظة. حين وقفت أمامي لتتلقى الخنجر بدلًا عني. أغمضت عيني بقوة. "إيفان..." سمعت صوت إيف داخل رأسي. "توقف عن جلد نفسك." لم أجبه. "هي ما زالت حية." "وسنعيدها." ضحكت بسخرية. "أعيدها؟" "وأين هي؟" "هل تعرف مكانها؟" صمت إيف. فتابعت وأنا أحدق في السائل داخل الكأس. "أنا ألفا..." "ومع ذلك..." "...لا أستطيع حماية أهم شخص في حياتي." "هذا ليس ذنبك." "بل هو ذنبي." رفعت رأسي نحو السماء. كان القمر مكتملًا. يضيء الل
من وجهة نظر لينيا كانت قاعة العرش غارقة في صمت ثقيل. لم يعد أحد يجلس باسترخاء. الخرائط كانت مفروشة فوق الطاولة الطويلة، والرسائل تتكدس أمام الملك، بينما وقف القادة يناقشون احتمالات الهجوم القادم. كان الجميع يدرك... أن الأمر لم يعد يتعلق بخطف لافندر فقط. وقف زاك في مقدمة القاعة، ووجهه لم يفارق الجدية منذ عاد من لقائه بإيثان. تبادل نظرة مع الملك ألفرد، ثم قال بصوت هادئ لكنه حازم: "علينا أن نغير أولوياتنا." ساد الصمت. رفع الجميع أنظارهم إليه. أكمل: "حتى الأمس... كنا نظن أن مشكلتنا الوحيدة هي العثور على لافندر." توقف لحظة. ثم قال: "لكن هذا تغير." وضع يده على الطاولة. "الختم الإلهي... الذي صنعته الإلهة سيلين مع والدي كرستون قبل قرون..." "...قد انكسر." تغيرت ملامح الجميع. حتى ألفرد عقد حاجبيه. أما هيفان فقال بصدمة: "هل أنت متأكد؟" أغمض زاك عينيه للحظة. "رأيته بعيني." "ولم يكن مكسورًا فقط..." "...بل كان فارغًا." ارتجفت أصابعي دون أن أشعر. همست: "يعني..." رفع زاك نظره إلينا. "يعني أن آيروكا خرج." ساد صمت ثقيل. حتى الهواء بدا وكأنه توقف. قال أيان بصوت منخفض:
من وجهة نظر لافندر تجمدتُ في مكاني. صوت الجرس الذي دوّى في أنحاء القرية لم يكن عاديًا. كان يحمل شيئًا... جعل حتى الهواء يبدو ثقيلاً. رفعت رأسي نحو إيثان. كان ينظر من النافذة، وعيناه تضيقان بتركيز. أول مرة... أراه بهذه الجدية. همست بخوف: "إيثان... ماذا يحدث؟" لم يجب مباشرة. ظل يراقب الخارج لثوانٍ طويلة. ثم قال بصوت منخفض: "هذا الجرس لا يُقرَع إلا إذا اقترب خطر من القرية." ارتجف قلبي. "هل... وجدونا؟" قلت وشرارة أمل داخل. لكن فجأة .. أدار وجهه نحوي بسرعة. "لا." قالها بحزم. "لو كانوا هم..." "...لما كان هناك وقت لدق الجرس." شعرت بقليل من الارتياح. لكن التوتر بقي يخنقني. فجأة... ارتفع صوت طرقات متتالية على الباب. دق... دق... دق... تقدم إيثان وفتح الباب بحذر. وقف في الخارج رجل مسن، لحيته بيضاء وظهره منحنٍ قليلًا. كان يلهث. "إيثان..." "اجتمع أهل القرية في الساحة." "قالوا إن شيئًا غريبًا حدث عند الحدود." تردد الرجل قليلا وهو ينظر إلى إيثان وكأنه يريد قول شئ. "هل هناك شيء آخر." تردد قليلاً قبل أن يقول. "اعتقد أنه عاد." تجم
من وجهة نظر الملك نيروت كان الليل قد ابتلع مملكة الظل الأسود. السماء ملبدة بغيوم سوداء كثيفة، والرياح تعصف بأبراج القصر الحجري. وقف الحراس في مواقعهم كعادتهم... حتى... تجمد أحدهم فجأة. "مـ... ما هذا؟" رفع الجميع رؤوسهم. في منتصف ساحة القصر... بدأ الظلام يتجمع. لم يكن ضبابًا... ولا دخانًا. بل... ظلٌّ حي. دوامة سوداء ضخمة أخذت تكبر شيئًا فشيئًا، حتى غطّت أرض الساحة بالكامل. هبطت منها هالة جعلت الهواء نفسه يبدو أثقل. ارتجفت أيدي الحراس. وتراجع بعضهم خطوة دون وعي. "لا... لا يمكن..." همس أحد القادة وقد شحب وجهه. "هذه الهالة..." "...لم أشعر بها منذ مئات السنين." وفجأة... خرجت قدم من قلب الظلام. ثم الثانية. وببطء... ظهر رجل طويل القامة. شعره الأسود الطويل يلامس ظهره. عباءة سوداء تتحرك رغم أن الرياح توقفت تمامًا. وعينان... حمراوان بلون الدم. لكن أكثر ما أرعبهم... ذلك الظل الهائل خلفه. كأنه مخلوق عملاق يقف ملتصقًا بروحه. نظر إليهم بهدوء. ابتسم ابتسامة صغيرة. في اللحظة التالية... ركع أحد الحراس دون أن يشعر. ثم الثاني. ثم الثالث. حتى من حاول المقاومة... و
من وجهة نظر لافندر لم أستطع النوم. رغم دفء المنزل... ورغم هدوء القرية... كان هناك شيء في داخلي لا يهدأ. وقفت أمام النافذة، أتأمل الأضواء الصغيرة المنبعثة من البيوت الخشبية. ضحكات أطفال. رائحة خبز طازج. ونساء يتحدثن أمام منازلهن. كل شيء... بسيط. ودافئ. وكأن هذه القرية معزولة عن كل الحروب التي عرفتها. طرقات خفيفة على الباب قطعت شرودي. "ادخل." فتح الباب بهدوء. كان إيثان يحمل صينية عليها كوب شاي وبعض الخبز الساخن. اقترب ووضعها على الطاولة. ثم ابتسم ابتسامة خفيفة. "ظننت أنك لم تنامي." جلست على طرف السرير. "لم أستطع." ساد الصمت بيننا للحظات. ثم نظرت من جديد نحو القرية. وسألته بهدوء: "ما اسم هذه القرية؟" اقترب ووقف بجانب النافذة. "ليست لها شهرة كبيرة." "تقع قرب حدود مملكة الظل الأسود." تأملت البيوت مرة أخرى. "غريبة..." نظر إليّ. "ماذا؟" ابتسمت بخفة. "الجميع هنا يعامل بعضه بلطف." "لا أحد يبدو خائفًا." تنهد إيثان. "لأن أغلب من يعيش هنا..." "...هم أشخاص فقدوا بيوتهم." التفت إليه. "هاربون من الحروب." "أيتام." "أرامل." "أشخاص لم يعد لديهم مكان آخر." خفض
من وجهة نظر لافندر لم أكن أعرف كم مرّ من الوقت. جلست بصمت قرب نافذة الكوخ، أحدق في الغابة الممتدة أمامي. كل شيء هادئ... هادئ إلى درجة مخيفة. لكن قلبي... لم يعرف الهدوء منذ أن استعدت ذاكرتي. إيفان... أمي... أبي... هرلين... الجميع... هل ما زالوا يبحثون عني؟ أم أنهم فقدوا الأمل؟ شعرت بغصة تخنقني، وأخفضت رأسي. وفجأة... انفتح باب الكوخ بقوة. "لافندر!" رفعت رأسي بسرعة. دخل ، وكان يتنفس بسرعة وكأنه ركض مسافة طويلة. لكن أكثر ما أخافني... هو أنه لم يكن يبتسم. لأول مرة منذ عرفته... كان القلق واضحًا في عينيه. وقبل أن أنطق بحرف... وصل إليّ بخطوتين فقط، وضمني بقوة إلى صدره. تجمدت مكاني. "أ... أنت؟" كنت أشعر بسرعة نبضات قلبه. وهو يردد بصوت منخفض: "الحمد لله..." "...وصلت في الوقت المناسب." رمشت بعدم فهم. ثم دفعت صدره بخفة حتى ابتعد خطوة "ماذا حدث؟" رفع رأسه نحو النافذة، وكأنه يتأكد من شيء. ثم قال بسرعة: "علينا المغادرة." اتسعت عيناي. "الآن؟" أومأ. "فورًا." بدأ يجمع بعض الأغراض الموجودة في الكوخ. لم أفهم شيئًا. فسألته بتردد: "هل... هل وجدني أهلي؟" توقف لل
من وجهة نظر أنجلي لم أستطع إخراج ما قرأته من رأسي. منذ أن وجدت ذلك الكتاب... وأنا أفكر بالأمر نفسه. "قد تحاول روح شخص راحل إيصال شيء لم تستطع قوله قبل موتها..." أغلقت عيني للحظة. هل هذا ما يحدث معي؟ هل تلك الذكريات ليست ذكرياتي أصلًا؟ هل أرى حياة شخص آخر؟ لكن لماذا أنا؟ ولماذا ا
من وجهة نظر زاك كانت مكتبة القصر هادئة كعادتها. أشعة الغروب الأخيرة كانت تتسلل عبر النوافذ الطويلة. أما أنا... فكنت أقف أمام أحد الرفوف أقلب كتابًا دون أن أقرأ حرفًا واحدًا منه. لأنني كنت أنتظر شخصًا معينًا. إيفونا. إذا كانت تريد أن تصبح جزءًا من عائلتي... فمن حقي أن أعرفها جيدًا. تنهدت به
من وجهة نظر هرلين حل الليل أخيرًا فوق سيلينورا. وكانت المملكة تبدو هادئة بشكل جميل تحت ضوء القمر الفضي. وقفت عند شرفة الغرفة. أراقب الأضواء البعيدة. وأستمع إلى أصوات الليل الهادئة. الهواء كان لطيفًا. يحمل معه رائحة الأشجار والزهور القادمة من حدائق القصر. أما جوليا... فكانت مسترخية داخل رأس
من وجهة نظر لوكا كان الجميع ما يزالون جالسين في القاعة. يتحدثون ويضحكون. أما أنا... فلم أكن أسمع نصف ما يقال. لأن عيني كانت تعود إليها كل دقيقة. إيفونا. كانت جالسة قرب أنجلي. تتكلم مع إحدى الخادمات. وكلما التقت أعيننا... تحمر وجنتاها بسرعة. فيبتسم أرون داخل رأسي.قال أرون:" إلى متى ستبقى







