Share

السادس عشر

Author: Dina Hammad
last update publish date: 2026-06-20 18:02:59

​وما النهايات إلا بدايات جديدة متخفية، ولكن ليس كل البدايات تفتح أبواب الجنة؛ فهناك بداية تضع قدمك على أول طريق الدمار والانحطاط، وهناك بداية تُعيد لك حياة استحققتها وسُلبت منك عنوة أو ربما تأخرت لأن وقتها لم يكن قد حان بعد، وهناك ببساطة بداية لمرحلة جديدة تخطوها مجبرًا، بحلوها المر، ومرها الذي لا يُطاق.

​انعكست أضواء القاهرة على صفحة النيل الساكنة، بينما كان "مالك" شاردًا، يتابع حركة المياه بعينين غائمتين وعقلٍ يزن كلمات صديقه "سيف" بميزان من ذهب.

نعم، لقد أصاب سيف كبد الحقيقة دون أن يدري؛ لقد
Continue to read this book for free
Scan code to download App
Locked Chapter

Latest chapter

  • كيان مالك   الاربعون

    ما أجمل الطفولة! تجد في ابتساماتهم سحر البراءة، وفي تعاملاتهم البسيطة قلوباً بيضاء لا تعرف الحقد. هم روح الحياة، بهجتها، وسعادتها الل لامتناهية. ومهما كبرنا، سنظل نعشق تلك المرحلة، نتمنى لو يعود بنا الزمن إلى حيث كانت أعظم همومنا مجرد لعبة مكسورة، وأكبر أحزاننا دمعة تمسحها قبلة دافئة.​استيقظت تاليا من نومها، لتجد نفسها في غرفة غريبة تفوح منها رائحة البحر. نظرت حولها بعيون متفحصة، تحاول تذكر كيف وصلت إلى هنا، أو متى قرر والدها قضاء العطلة في هذا المنزل الساحلي، لكن ذاكرتها الطفولية خانتها. نهضت من فراشها الصغير حافية القدمين، واندفعت نحو النافذة الكبيرة لتستقبلها حديقة غناء تسر الناظرين، تتوسطها أرجوحة خشبية بدت وكأنها تدعوها لتجربتها.​ركضت الصغيرة بسرعة نحو الممر الخارجي، لكن خطوتها تعثرت حين تناهى إلى مسامعها صوت بكاء مكتوم.. شهقات متتالية تنبعث من الغرفة القابعة في بداية الممر. اقتربت، وألصقت أذنها بالباب الخشبي لتتأكد، وما إن تيقنت من الصوت حتى دفعت الباب ببطء وحذر شديدين.​وقعت عيناها على جسد متكوم فوق الفراش، يهتز بعنف أثراً للبكاء. اقتربت خطوة فخطوة، لتخرج من بين شفتيها شهقة

  • كيان مالك   التاسع والثلاثون

    ​داخل منزله الذي سادته الفخامة المظلمة، كان يتحرك في غرفته بغضب عارم كليث حبيس في قفص حديدي.​منذ تلك اللحظة التي التقت فيها عيناه بعينيها، لم يفلح في نزع صورتها من مخيلته. كلما أغمض جفنيه، تجسدت أمامه بنظراتها الساحرة. طوال حياته، كانت النساء بالنسبة لـ "مراد" مجرد أداة لإفراغ شهواته وسد رغباته المؤقتة، وكانت خطته الأساسية هي استخدامها لكسر "مالك" وحرمانه من كل ما يملك. لكن الأمر تحول! منذ أن استمع لنبرة صوتها، دخلت تحت جلده واستوطنت عقله.​قاطع حبل أفكاره الهوجاء رنين هاتفه، فالتقطه وأجاب بلهفة غاضبة دون مقدمات:​"ها! يا زفت الطين عرفتوا عنها حاجة؟"​جاءه صوت رجله المكلّف بالمراقبة مرتعشاً ومتردداً:​"مراد بيه.. من يوم ما خرجت من البيت وبلغت حضرتك، وهي مرجعتش تاني.. اختفت تماماً."​ضرب "مراد" المكتب بقبضته ليصرخ بعروق نافرة وصوت هز أركان الغرفة:​"يعني إيه اختفت؟ الأرض انشقت وبلعتها؟! تقلبوا الدنيا، تغطسوا وتجيبوها من تحت الأرض.. اعرفلي مكانها فين والا هنهي حياتك بإيدي!"​أغلق الخط بعنف دون سماع الرد، وظل يزفر بحدة وعيونه تشع شرراً، وهو يقسم بداخله أنه سيمتلكها.. سيمتلك "كيان" مهما

  • كيان مالك   الثامن والثلاثون

    كانت الأرض تمور من تحتها، والمدى خلفها يضيق ليتحول إلى جدران مصمتة من الرعب. تركض بكل ما أوتيت من رمق، تتعثر خطواتها الواهنة بالحصى، فتهوي فوق ركبتيها المجروحتين، لتمتزج دماء جسدها بدموع روحها.لم يكن هناك متسع للألم؛ فالخوف كان سوطاً يلهب ظهرها. تلتفت وراءها بجزع، تتفحص خط العتمة بنظرات مرتجفة، تبحث عن شبحه الذي يطاردها. وفجأة، ومن رحم العدم، انشق الليل عنه! ظهر كالقضاء المستعجل، ذلك الرجل الذي استحال عمرها على يديه إلى جحيم مستعر، وقلب عالمها رأساً على عقب. امتدت يده كالقيد الحديدي، وقبضت على ذراعها بعنف وهو يسحلها نحو باب سيارته المفتوح كفخٍّ أبدي.​"لا.. سيبني.. طلقني!"انتفضت "كيان" من نومها تصرخ بهلع، كانت حبات العرق الغزير تكسو جبينها الشاحب، وأنفاسها المتلاحقة تصطدم بالهواء وتخرج متقطعة كأنها تلهث في ماراثون طويل ركضت فيه خلف حياتها.​في الخارج، كان "مالك" يجلس بشرود يلتهمه صمت المكان وندمه، حتى شق سمعه صوت صراخها المذعور. انتفض من مكانه بجفول، وبدافع غريزي بحت، اندفع إلى الغرفة كالإعصار إثر صيحتها المكتومة.​ما إن دلف حتى وجدها جالسة فوق الفراش بجسد يرتجف عنيفاً، وعيناها المت

  • كيان مالك   السابع والثلاثون

    جلس مالك خارج الغرفة التي تقبع بها كيان، مجرد جسد يرتجف بلا حول ولا قوة. وضع رأسه بين كفيه اللتين استندتا على ركبتيه، وعقله يدور في حلقة مفرغة من جلد الذات. كل محاولاته لتهدئتها باءت بالفشل، حتى انتهى بها الأمر وفقدت وعيها مجددًا، وكأن جسدها الضعيف قرر الهروب من واقعها المرير معه.​لم يجد أمامه سوى الاتصال بصديق عمره، الطبيب "أمجد". كان يعلم تمام العلم أن أمجد ليس مجرد طبيب بارع، بل هو صندوق أسراره الأسود، ورجل يعي جيدًا قدسية أمانة المهنة؛ فالأمر هنا لا يحتمل خطأً واحدًا، أو همسة قد تخرج للرأي العام وتتحول إلى فضيحة تدمر ما تبقى.​وصل أمجد، وبخطواته الواثقة التي تحمل طابع المرح حتى في أحلك الظروف، نظر إلى مالك بجدية مغلفة بابتسامة خفيفة وقال:​"أوعى تقول لي إن أعصابك الحديد دي انهارت أخيراً يا مالك، وجايبني هنا عشان أعالجك؟"​رفع مالك عينيه المحتقنتين بالدماء، ونظرة الغيظ والتوتر قد بلغت ذروتها في عينيه. شعر أن روحه تسحب منه ببطء، وأن جبل الكبرياء قد انهار كليًا فوق رأسه. أخرج حشرجة صوتية ضعيفة وقال بنبرة مكسورة:​"يا ريت الموضوع بسيط كده يا أمجد... أنا عملت مصيبة.. مصيبة هدت كل حاجة

  • كيان مالك   السادس والثلاثون

    تجمدت الدماء في عروق أروى وسيف وهما يشهدان هذا الإعصار البشري العنيف، لكن عقل سيف لم يكن يعرف الركود؛ كان يدور كترسٍ ميكانيكي لا يتوقف عن الطحن. ولكن، ثمة سؤال أسود كان ينهش أحشاءه بلا رحمة: سيف يعلم يقيناً أن رجلاً بصلابة مالك وثباته الصخري لا تفلت زمام أعصابه ليتحول إلى تلك الهمجية المفرطة إلا لسبب واحد.. سبب يرتبط بالماضي الأسود وبأخيه مراد؛ فمراد هو الوحيد القادر على إشعال هذا الجحيم في صدر مالك. ولكن، ما الذي يربط 'كيان' بنقائها الطاهر بمستنقع مراد الآسن؟ كيف التقت الطهارة بالدنس في نقطة واحدة؟"​مزّق شروده صوت أروى المتهدج بالبكاء. كانت تتشبث بذراعه كغريق، وكلماتها تخرج متلاحقة ومذعورة:— «احنا هنسيبه ياسيف ياخدها كدة، مالك مش طبيعي دة ممكن يعمل فيها حاجة. ​نظر إليها سيف بعينين غائبتين، وقد قطّب جبينه بتركيز شديد وصمتٍ غامض يحمل بين طياته قراراً. دون أن ينطق بكلمة، أحكم قبضته على ذراعها وقادها بخطى واسعة نحو السيارة. ما إن استقرت أروى في مقعدها حتى انقض على مقعد القيادة، وأدار المحرك بعنف مفرط، لتنطلق السيارة تشق الطريق في محاولة مستميتة للحاق بـ "مالك"، ليجده يندفع بجنون نحو

  • كيان مالك   الخامس والثلاثون

    ​إذا أردت أن تخبر شخصاً بمدى حبك له، فقط كل ما عليك فعله هو أن تهتم به وسيفهم هو حينها بأنك تحبه. كانت صبا قد أعدت نفسها للذهاب إلى الطبيبة بدون سليم، فهي تعلم أنه منشغل كثيراً في الشركة، ولكنها تفاجأت بوجوده أمامها وهو يخرج من المصعد حتى يكون بجانبها في هذا اليوم.​طوال الطريق وهي لم ترفع عينيها من عليه، تنظر إليه بحب يقطر من عينيها، فسليم بالنسبة إليها ليس مجرد زوج، فهو أول من دق قلبها بحبه ولم ولن يسكن قلبها غيره.​واثناء انشغالها بالنظر إليه استفاقت على حركة يده أمام وجهها وهو يهتف باسمها:— صبا.. إيه كل ده، سرحانة في إيه؟​ابتسمت له بحب ثم تطلعت حولها لتجد أنهم قد وصلوا، فتحدثت باندهاش:— الله، إحنا وصلنا؟ ما حستش خالص بالطريق!​ابتسم لها هو الآخر وأجابها وهو يترجل من السيارة:— ده أنا واقف بقالي بتاع 3 دقائق، وأنتِ ولا هنا.​ساعدها سليم في الخروج من السيارة، ودلفوا إلى داخل العيادة الخاصة بالطبيبة، وما هي إلا عدة دقائق انتظروا فيها حتى يحين دورهم. وها هي صبا ترقد على الفراش والطبيبة تضع تلك العصا الخاصة بجهاز السونار على منطقة بطنها، ثم تحدثت وعلى وجهها ابتسامة:— شايفين النقطتي

  • كيان مالك   الفصل السابع

    في صباح اليوم التالي، وتحديداً داخل ذلك المكتب الأنيق المخصص لـ "سها" سكرتيرة مالك الجمال، كانت الأجواء مشحونة بهدوء غريب يسبق العواصف المعتادة في هذه الشركة.جلست "كيان" على مقعدها الجلدي بملل يكاد يخنق أنفاسها؛ فقد مرت ساعتان كاملتان وهي تقبع في مكانها كتمثال مهجور، دون أن تُكلف بمهمة واحدة تبرر

  • كيان مالك   الفصل الثالث

    *"عندما تقرر النجاح، فعليك تحديد هدفك أولاً.. ولكن، احذر أن تربط نجاحك، أو تطلعاتك، أو حتى سعادتك بوجود أشخاص؛ فحينها ستفشل وبجدارة.. إنما أنت هو الشخص، والفرصة، والحل الوحيد لنجاحك."*كانت هذه الكلمات بمثابة الدستور السري الذي خطّته "كيان" بدموعها وكرامتها من تجربة زواجها الجحيمية السابقة. درسٌ قا

  • كيان مالك   الفصل الثاني

    أن تجد بريق أملٍ في وسط عتمتك، هو أقصى ما يتمناه المرء، لكن الأهم والأقوى هو أن تثبت لنفسك وللعالم أنك قادر على تحقيق شيئاً ما. أن تصرخ في وجه الجميع صرخة صامتة مؤداها: "لستُ فاشلة، وحياتي لن تتوقف لمجرد أنني امرأة منفصلة!".. كانت هذه الأفكار التي دارت في عقل "كيان" وهي تقبض على هاتفها بلهفة، تهم

  • كيان مالك   الفصل الاول

    ​في صباح يومٍ صحوٍ مشرق، وقفت في شرفة منزلها الجديد، تقبض بيديها على كوب القهوة الدافئ. أخذت نَفَساً عميقاً وهي تطالع العالم الخارجي بابتسامة خفيفة، وكأنها تراه لأول مرة في حياتها. كانت تشعر أن لكل شيء حولها طعماً ومذاقاً مختلفاً؛ فها هي أخيراً تستطعم نكهة الحرية التي حُرِمت منها لسنوات، حتى نظرتها

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status