جميع فصول : الفصل -الفصل 10

24 فصول

الفصل الاول

​في صباح يومٍ صحوٍ مشرق، وقفت في شرفة منزلها الجديد، تقبض بيديها على كوب القهوة الدافئ. أخذت نَفَساً عميقاً وهي تطالع العالم الخارجي بابتسامة خفيفة، وكأنها تراه لأول مرة في حياتها. كانت تشعر أن لكل شيء حولها طعماً ومذاقاً مختلفاً؛ فها هي أخيراً تستطعم نكهة الحرية التي حُرِمت منها لسنوات، حتى نظرتها للحياة تبدلت من السواد إلى الأمل. ​أخذت تتطلع إلى المارين في الشارع ببعض الفضول، وتفكر أن لكل عابرٍ منهم حكاية يخبئها عن الأعين. ثم رفعت عينيها نحو الأعلى، تطالع النوافذ المغلقة للبيوت من حولها وتقول في نفسها: "وراء كل باب حكاية.. ربما حكاية سعيدة يعيش أصحابها في هناء وسرور رغم المشاكل اليومية البسيطة التي تعتبر ملح الحياة، وأخرى حزينة مدمرة.. مثل حكايتي". ​انعقدت شفتها عن ابتسامة تهكمية مريرة وهي تفكر فيما آلت إليه حياتها. تذكرت ذلك اليوم العصيب الذي تغيرت فيه كل المعايير؛ كان بالضبط قد مر عليه تسعة أشهر كاملة. تسعة أشهر وهي تخلد ذلك التاريخ في ذاكرتها كأنه يوم الاستقلال، بداية حريتها وحياتها الجامحة التي طالما أرادت أن تحياها بعيداً عن الجدران الخانقة. ​كانت حينها تججلس في غرفة الاست
اقرأ المزيد

الفصل الثاني

أن تجد بريق أملٍ في وسط عتمتك، هو أقصى ما يتمناه المرء، لكن الأهم والأقوى هو أن تثبت لنفسك وللعالم أنك قادر على تحقيق شيئاً ما. أن تصرخ في وجه الجميع صرخة صامتة مؤداها: "لستُ فاشلة، وحياتي لن تتوقف لمجرد أنني امرأة منفصلة!".. كانت هذه الأفكار التي دارت في عقل "كيان" وهي تقبض على هاتفها بلهفة، تهمّ بالاتصال بوالدتها لتزفّ إليها خبر قبولها في الوظيفة الجديدة. قطع حبل أفكارها طرقات متسارعة على الباب، فنهضت مسرعة والفضول يدفع خطواتها، وما إن فتحت الباب حتى تجمدت مكانها من الصدمة. كانت صديقتها المقربة "صبا" تقف أمامها بملامح مخطوفة وعينين حمراوين من أثر البكاء، تحمل بيدٍ طفلتها الرضيعة "روفان"، وباليد الأخرى حقيبة ملابس ضخمة، بينما كانت وجنتها متورمة بشكل ملحوظ أفسد رقة ملامحها. لم تستطع كيان كبح جماح تساؤلاتها أمام هذا المشهد المريب، فهتفت بنبرة صدمة حذرة: * "لا متقوليش! سليم عملها أخيراً وأخد رد فعل منك وضربك؟" نظرت إليها صبا بنفاد صبر ممزوج بالوجع، وهي تدفع بالصغيرة إلى أحضان صديقتها قائلة بضيق: * "ما تفرحيش أوي كدة.. دة ضرسي اللي واجعني ومورم وشي!" أشارت كيان بذهول ودهشة نحو
اقرأ المزيد

الفصل الثالث

*"عندما تقرر النجاح، فعليك تحديد هدفك أولاً.. ولكن، احذر أن تربط نجاحك، أو تطلعاتك، أو حتى سعادتك بوجود أشخاص؛ فحينها ستفشل وبجدارة.. إنما أنت هو الشخص، والفرصة، والحل الوحيد لنجاحك."*كانت هذه الكلمات بمثابة الدستور السري الذي خطّته "كيان" بدموعها وكرامتها من تجربة زواجها الجحيمية السابقة. درسٌ قاسٍ دفع ثمنه شبابها، والآن، ها هي تقف على أعتاب طريقها الجديد، تخطو أولى خطواتها بنبضات قلب متسارعة ولكن ثابتة. لم تعد تلك المرأة التي تنتظر من ينقذها؛ بل وضعت أهدافها نصب عينيها، وتعهدت ألا تحيد عنها مهما بلغت العواصف.داخل مكتب أنيق غارق في الفخامة بالطابق العشرين من شركة "كريتيف"، وضعت كيان القلم جانباً بعد أن وقعت على عقود العمل؛ عقودٌ دفعتها ظروفها الخانقة ورغبتها في التحدي إلى الإمضاء عليها دون أن تلمح بنداً واحداً من بنودها للأسف.التقط "مالك الجمال" الأوراق، وجفف حبرها بنظرة سريعة، ثم مد يده بنسختها قائلاً بنبرة تقريرية صارمة، تشعر معها أن كلامه أمر عسكري لا يقبل النقاش، قبل أن ينهض من مقعده الوثير بكامل هيبته:* "يلا.. تعالي معايا، طالعين شغل."رمقته كيان بنظرة مبهوتة، وحاولت فتح شفت
اقرأ المزيد

الفصل الرابع

​"ما أجمل ذلك اللقاء الذي يجمعك بمن تحب.. فهو ينسيك حنين الأمس، ويسرق من قلبك مخاوف الغد.. لكن احذر، فبعض اللقاءات تأتي محملة بالعواصف، لتبدد دفء الأمان في لحظة واحدة."​لم تذق "صبا" طعم النوم في تلك الليلة؛ كانت تتقلب في فراشها وشريط ذكرياتها مع "سليم" يمر أمام عينيها كفيلم سينمائي طويل.انتظرت خيوط الصباح الأولى بفارغ الصبر، تارة تنظر إلى عقارب ساعتها اليدوية، وتارة تصوب عينيها نحو ساعة الحائط، قبل أن تتم الدورة بالنظر إلى شاشة هاتفها.زفرت بضيق وحنق، فالوقت في حضرة الانتظار يتحول إلى سلحفاة عجوز تأبى أن تتحرك.​وأخيراً، وبعد دهر من الترقب، تأكدت صبا من نزول سليم إلى عمله. انطلقت كالسهم نحو شقتها؛ لقد حسمت أمرها وقررت أن تفاجئه بعودتها، ولم تكتفِ بذلك بل تعهدت لنفسها أن تطهو له بيديها أصناف الطعام التي يعشقها، واعدةً قلبها بأنها ستبذل كل جهد لتجعله الزوج الأسعد دائماً، متناسية غصّة الأمس.​ما إن وطأت قدماها مدخل البناية، حتى استدعت حارس العقار قائلة بلهجة آمرة جادة:​"بص يا عم مسعد.. أنا عايزة واحدة تكون نظيفة وأمينة أوي، تروق لي الشقة وتساعدني في البيت، بس بشرط تكون مضمونة وعلى يدك
اقرأ المزيد

الفصل الخامس

كان الهواء داخل مكتب "سيف" بالمعرض ثقيلًا، خانقًا، ومريبًا إلى الحد الذي جعل أنفاس "كيان" تتهدج في صدرها. وقفت متصلبة وعيناها تتسعان بذهول وقلق ينهشان هدوءها، وهي تتأمل ذلك الرجل القابع أمامها. ملامحه لم تكن غريبة فحسب، بل كانت تحمل آثار معركة حامية وطازجة؛ كدمات زرقاء، وخدوش متفرقة تشي بشجار عنيف دار قبل قليل. في البداية، قفز إلى عقلها أنه لص محترف اقتحم المكان، لكن نبرته الهادئة، المستفزة برودتها، جعلت دماءها تتجمد في عروقها. كان يتقدم منها ببطء، يحني رأسه قليلًا ليخترق مساحتها الشخصية، ويهمس بكلمات تقطر ثقة:— أنتِ اللي هنا.. بتعملي إيه في المعرض بتاعي، وجوة أوضة مكتبي كمان؟​تراجعت خطوة، وجفناها يرمشان بتلاحم سريع محاولةً رتق الفجوة بين الواقع والهذيان. مَعرض مَن؟ ومكتب مَن؟ ومَن هذا المجنون الذي يسحق الفراغ الفاصل بينهما بكبرياء جريء؟ حاولت استجماع شتات نفسها، أغمضت عينيها وأخذت نفساً عميقاً، زفرته ببطء شديد وهي تتذكر ذلك الزر السحري أسفل حافة المكتب؛ الزر الذي استدعت به الساعي منذ فترة وجيزة. كانت بحاجة لثوانٍ فقط لتتحرر من حصار نظراته الحادة، فقالت بنبرة حاولت جعلها جامدة
اقرأ المزيد

الفصل السادس

جلست "صبا" في ركن الغرفة كتمثال من رخام، عيناها شاخصتان نحو الفراغ، وعقلها يدور في حلقة مفرغة من الذهول. أيعقل؟ "سليم"؟ الرجل الذي اختصرت فيه العالم، وحاربت لأجله، يكون خائناً؟ انسابت دمعة حارة حررت معها غصة مكتومة في حلقها، وهي تستحضر شريط خمس سنوات من الحب الجارف الذي توج ببيت صغير ظنته دافئاً. لكن كبرياءها أنقذها من الانهيار؛ قررت أن تؤجل الانفجار حتى تكتسح الشكوك باليقين.​قامت تنفض عنها غبار العجز، وراحت تنهي ما تبقى من أعمال منزلية لتشغل عقلها المستعر. طهت الطعام، وحين التفتت إلى ساعة الحائط، وجدتها تعلن أن عقاربها تقترب من موعد عودته؛ لم يبقَ سوى ساعة واحدة.​دلت غرفتها بخطى مثقلة، ودلفت إلى المرحاض. فتحت صنبور المياه الدافئة لتملأ حوض الاستحمام، وسكبت فيه قطرات من زيوتها العطرية المفضلة، ومزجتها بسائل الاستحمام برائحة "التوت البري"– ذلك العطر الذي كان سليم يوصفه دائماً بأنه نقطة ضعفه.​غمرت جسدها في الماء الدافئ، وأسندت رأسها للخلف مغمضة العينين، بينما الأفكار تتلاطم في رأسها كأمواج عاتية: «كيف أتأكد؟ هل أواجهه بالشك، أم أنتظر حتى أقبض على خيانته بالجرم المشهود؟» تنهدت بيأس و
اقرأ المزيد

الفصل السابع

في صباح اليوم التالي، وتحديداً داخل ذلك المكتب الأنيق المخصص لـ "سها" سكرتيرة مالك الجمال، كانت الأجواء مشحونة بهدوء غريب يسبق العواصف المعتادة في هذه الشركة.جلست "كيان" على مقعدها الجلدي بملل يكاد يخنق أنفاسها؛ فقد مرت ساعتان كاملتان وهي تقبع في مكانها كتمثال مهجور، دون أن تُكلف بمهمة واحدة تبرر وجودها. فـ "مالك" لم يعطها الى الان ذلك العقد اللعين المطلوب منها ترجمته. تطلعت بعينين ذابلتين إلى أكوام الأوراق والملفات التي تغرق فيها سها، وزفرت بضيق حارق وهي تطرق بأصابعها الصغيرة على مكتبها:— هاتي يا سها شوية ورق أخلصه معاكي، بدل ما أنا قاعدة زي قتيل اللوكاندة كده وزهقانة والوقت مبيعديش!التفتت إليها سها، وارتسمت على وجهها ابتسامة مجاملة باهتة، لكن عينيها كانتا تخفيان رعباً حقيقياً وغير مبرر وهي تجيب بارتباك ملحوظ وتجذب الملفات نحو صدرها كأنها تحمي كنزاً:— لا معلش يا كيان.. تسلمي، أنا بحب أراجع وأتأكد من شغلي بنفسي.شعرت كيان بوخز الإحراج يسري في عروقها؛ فكل ما ابتغته هو المساعدة وكسر حدة الوقت الراكد. انتبهت سها لملامح كيان التي انطفأت بغتة، فعضت على شفتها السفلى بندم، وحاولت تبرير م
اقرأ المزيد

الفصل الثامن

ثمة أوقات تمر على الإنسان يشعر فيها بضآلته، وكأنه مجرد هامش باهت في كتاب الحياة المزدحم؛ لا يلتفت إليه أحد، ولا يترك غيابه أو حضوره أثرًا في نفوس البشر.كان هذا الشعور تحديدًا هو الزنزانة غير المرئية التي قُيدت داخلها "كيان" طوال سنوات زواجها العجاف. لم يكن طليقها يمرر يومًا واحدًا دون أن يمارس ساديته النفسية الممنهجة؛ يتلذذ بالتقليل من شأنها، ويهدم طموحها لبنة فوق أخرى، حتى تبخرت ثقتها بنفسها وانعدمت تمامًا.لذا، حين وقفت اليوم داخل المكتب أمام "مالك" و"سيف" تقترح فكرة بدت لها في تلك اللحظة ساذجة ومثيرة للسخرية، لم تكن تتوقع أبدًا أن تصطدم بجدار من الصمت، مما جعلها تتحفز تائهة بين رادارات ردود أفعالهما المبهمة.حين طال صمتهما ولم يجيباها، تسلل إليها إحباطها القديم كأفعى سامة. نكست رأسها مستسلمة لواقعها الافتراضي المرير الذي أقنعها طليقها به، وقالت بنبرة مخنوقة كادت تتلاشى في الهواء:— "فكرة سخيفة.. بلاش منها أحسن."لكن مالك فاجأها، ورمم بكلماته شرخًا غائرًا في جدار روحها المتصدع، حين قال بنبرة جادة واثقة اهتزت لها أوتار مشاعرها:— "بالعكس، فكرة في منتهى الذكاء!"سكت قليلًا، وراحت عين
اقرأ المزيد

التاسع

التقطت كيان بطاقة الصرف البنكية من كفه الممدودة. وللبرهة الأولى، لامست برودة البلاستيك المصقول حرارة أناملها المرتجفة، فسرى في عروقها تيار غريب، هجين بين الإهانة والتحدي. في تلك اللحظة بالذات، انطلقت في رأسها شرارات شتى، وأفكار وليدة تنتوي بها الانتقام. لقد قررت أن تلقنه درساً قاسياً، درساً يعيد صياغة خطوط التماس بينهما، ويعاقبه على عنجهيته وطريقته الفجة في معاملتها.كانت لا تزال واقفة في بقعتها أمام مكتبه الخشبي الضخم، تحتضن بين يديها مفكرة صغيرة وقلمًا، تحاول ترتيب شتات أفكارها وتدوين مهام اليوم. تساءلت في سرها بنبرة حائرة: من أين تبدأ لتجهيز مستلزمات حفلٍ بهذا الحجم؟"حسناً، لتبدأ بنفسها أولاً.. ثيابها!"وهنا صدمتها الحقيقة المرة؛ إنها لا تفقه شيئاً عن فساتين السهرة أو دور الأزياء الراقية، إذ لم تسعفها الذاكرة قط بأن طليقها قد اصطحبها يوماً إلى مناسبة تليق بامرأة، أو تستلزم رداءً فاخراً. كانت حياتها السابقة باهتة، كلوحة زيتية منسية خلف جدران الإهمال، خالية من الصخب والألوان.تنهدت بضيقٍ جثم على صدرها، تنهيدة حائرة لم تدرِ أهي مأتمٌ على سنوات عمرها الضائعة، أم خوفًا دفينًا من أن تفش
اقرأ المزيد

العاشر

خرجت كيان من غرف مكتب مالك، والوجوم يكسو ملامحها، لكنها زفرت براحة نسبية وحمدت ربها في سرها حين رأت أروى تمسك بالقلم وتوقع العقد بالفعل، واضعة حدًا لترددها. كانت أروى غارقة في حديث جانبي مع سها، التي ما إن علمت أن الواقفة أمامها منسقة حفلات محترفة، حتى انقضت عليها تستغل خبرتها، وتمطرها بأسئلة وأفكار لا تنتهي من أجل حفل زفافها المرتقب.أجبرت كيان شفتيها على رسم ابتسامة باهتة مجاملة، ثم جلست على أقرب مقعد وداخلها يعتمل بمزيج مبهم من المشاعر؛ خوفٌ يتسلل إلى أطرافها، وقلقٌ ينهش صدرها، وإحساسٌ ثقيل بالندم بدأ يفرض سطوته عليها.سحبت شهيقًا عميقًا ملأ رئتيها بالهواء، ثم أغمضت عينيها ببطء شديد، وهي تدفع الزفير وكأنها تحاول طرد طيف مالك من مخيلتها. لكن نظراته الأخيرة كانت عصية على النسيان. تساءلت بنبضات متسارعة: *"هل ما رأيته في عيونه كان حقيقيًا؟"*.لو أقسمت لنفسها أنها لمحت في رماديتيه نظرة انكسار مريرة، غلفها غضب عارم وضيق مكتوم، لاتهمت عقلها بالحماقة بل وبالجنون المحض! فمن يكون هو لتكسره كلمات صبية مثلها؟ أقنعت نفسها بأنها تتوهم لا محالة، لكن قلوبنا أحيانًا ترفض تكذيب ما تشعر به، وكيان كان
اقرأ المزيد
السابق
123
امسح الكود للقراءة على التطبيق
DMCA.com Protection Status