Masuk"وجدتك أخيرًا... يا زاروك."
تجمد كاسر في مكانه، بينما اتسعت عينا نور وهي تستدير بسرعة نحو الفتاة الغريبة التي وقفت وسط الدخان المتصاعد من جهة البوابة، وكأن الانفجار الذي هز القصر قبل لحظات لم يكن يعنيها على الإطلاق، وكانت نظراتها ثابتة على كاسر وحده، لا ترى سواه.
أما الحراس فقد أحاطوا بها في لحظات.
ارتفعت السيوف.
وتقدم قائد الحرس صارخًا:
"ارفعي إيدك!"
لكنها لم تتحرك.
ظلت تنظر إلى كاسر فقط.
قالت بهدوء:
"واضح إن السيطرة لسه معاه."
في اللحظة نفسها...
تردد صوت زاروك داخل عقل كاسر.
"إبعدها..."
عقد كاسر حاجبيه.
"إنت تعرفها؟"
ساد صمت قصير.
ثم جاء الرد لأول مرة يحمل شيئًا يشبه التوتر.
"أيوة."
شعر كاسر بانقباض صدره.
"مين هي؟"
لكن زاروك لم يجب.
وفي الخارج، دوى صوت اصطدام عنيف عند الأسوار، فعادت الفتاة بنظرها للحراس وقالت:
"لو فضلتوا واقفين قدامي... هيموت ناس كتير."
صرخ قائد الحرس:
"امسكوها!"
اندفع أربعة رجال دفعة واحدة.
لكن الفتاة تحركت بسرعة خاطفة، فتهربت من أول ضربة، ثم استدارت خلف أحدهم وأسقطته أرضًا دون أن تقتله، وضربت الثاني بمقبض سيفه فسقط فاقدًا للوعي، بينما اكتفت بإبعاد الآخرين بحركات دقيقة تدل على تدريب استثنائي.
راقبتها نور بانتباه.
كانت قوية...
لكنها تتجنب القتل عمدًا.
وهذه ليست طريقة المرتزقة الذين هاجموا القصر من قبل.
قالت نور وهي تشهر سيفها:
"خلاص... أنا هواجهها."
التفتت الفتاة إليها.
وللمرة الأولى ظهرت ابتسامة خفيفة على شفتيها.
"إذن... أنتِ نور."
عقدت نور حاجبيها.
"تعرفيني؟"
"أكثر مما تتخيلين."
وقبل أن تسأل سؤالًا آخر، اندفع ذئبان عملاقان بعد أن حطما جزءًا من البوابة.
تغير الموقف في لحظة.
قفز كاسر أمام نور مباشرة، رافعًا سيفه ليصد هجوم أحدهما، بينما واجهت نور الآخر بضربة سريعة أجبرته على التراجع.
بدأ القتال ينتشر في أرجاء الساحة.
الحراس يشتبكون مع المهاجمين.
وصيحات الإنذار تملأ القصر.
وسط الفوضى، كانت الفتاة ذات الشعر الفضي تقاتل إلى جانب رجال القصر، لا ضدهم.
لاحظت نور ذلك، فازدادت حيرتها.
إذا لم تكن مع المهاجمين...
فمن تكون؟
---
بعد دقائق من الاشتباك، تمكن كاسر من إسقاط آخر المهاجمين الأحياء، بينما فر الباقون إلى داخل الغابة بعدما أدركوا فشل خطتهم.
ساد هدوء ثقيل.
يتخلله أنين الجرحى.
تنهد كاسر وهو يمسح الدم عن سيفه.
ثم استدار نحو الفتاة.
لكنه وجدها تحدق فيه بحزن غريب.
قال ببرود:
"مين إنتِ؟"
أجابت بهدوء:
"اسمي لينا."
صمتت لحظة.
ثم أضافت:
"وجيت أحذركم."
اقتربت نور خطوة.
"من إيه؟"
نظرت لينا إلى كاسر مباشرة.
"من الشخص اللي بيدير كل ده."
تدخل أحد القادة ساخرًا:
"وليه نصدقك؟"
أخرجت لينا من جيبها قطعة معدنية صغيرة، عليها نفس الرمز الذي وُجد محفورًا على أسلحة المهاجمين في الهجمات السابقة.
ألقتها أمام كاسر.
"لأن دي كانت بتاعتي... قبل ما أهرب منهم."
ساد الصمت.
ثم قالت بصوت خافت:
"وأول حاجة لازم تعرفوها... إن في واحد قريب جدًا منكم، بيبعت أخبار القصر أولًا بأول."
تبادلت نور وكاسر النظرات.
عاد الشك إلى الواجهة.
لكن هذه المرة...
لم تنظر نور إلى مالك.
بل نظرت إلى جميع الواقفين.
لأنها أدركت أن الخائن قد يكون أي شخص.
---
مع حلول الليل، هدأت الأوضاع قليلًا، لكن التوتر بقي مخيمًا على القصر.
خرجت نور إلى الشرفة لتتنفس بعض الهواء.
ولم تمض دقائق حتى وقف كاسر بجوارها.
قال مبتسمًا ابتسامة خفيفة:
"واضح إننا بقينا بنتقابل هنا كتير."
ابتسمت رغم إرهاقها.
"يمكن عشان ده المكان الوحيد اللي مفيهوش دوشة."
وقفا معًا ينظران إلى القمر.
ثم قالت بعد صمت:
"كنت هتتحول النهارده."
نظر إليها.
"حسيتي؟"
أومأت برأسها.
"عينيك اتغيروا للحظة."
تنهد.
"كنت قريب أفقد السيطرة."
سألته بهدوء:
"ولو فقدتها؟"
التفت إليها.
ثم قال بصراحة لم يعتدها:
"أول حاجة هعملها... إني أبعد عنك."
ارتسمت على وجهها ابتسامة صغيرة.
"وأنا مش هسيبك."
نظر إليها بدهشة.
أما هي فأكملت بثقة:
"لو زاروك خرج... هنرجعك."
للمرة الأولى منذ سنوات طويلة، شعر كاسر أن هناك من لا يخاف الوحش الذي يسكنه.
بل يتمسك به رغم وجوده.
ظلت نور واقفة إلى جواره، تتأمل القمر المعلق في السماء، بينما خيّم الصمت بينهما من جديد، لكنه لم يعد الصمت الثقيل الذي كان يفصل بينهما في الأيام الأولى، بل أصبح يحمل راحة غريبة لم يعترف أي منهما بها.
قالت نور وهي تبتسم بخفة:
"عارف... أول مرة شوفتك فيها افتكرتك أكتر واحد بارد في الدنيا."
التفت إليها كاسر، وارتسمت على شفتيه ابتسامة هادئة.
"وده كان انطباع موفق."
هزت رأسها معترضة.
"لأ... اكتشفت إنك بارد من بره بس."
رفع حاجبه مستفسرًا.
"ومن جوه؟"
نظرت إليه للحظة قبل أن تقول بصوت خافت:
"من جوه... بتخبي كل حاجة."
ساد الصمت لثوانٍ، ثم تنهد كاسر وهو يضع ساعديه على سور الشرفة.
"يمكن."
التفت إليها مجددًا وأكمل:
"لأن أي حد قرب مني قبل كده... دفع تمن القرب."
شعرت نور بأن نبرة صوته تغيرت، ولمست فيها ألمًا حقيقيًا لم تسمعه منه من قبل، فاقتربت خطوة دون أن تشعر، ثم قالت بهدوء:
"مش كل الناس نهايتها واحدة."
نظر إليها طويلًا، وكأنه يحاول أن يصدق كلماتها.
ثم ابتسم ابتسامة صغيرة وقال:
"إنتِ عندك قدرة غريبة."
ابتسمت باستغراب.
"قدرة إيه؟"
أجاب وهو لا يبعد عينيه عنها:
"بتخلي الواحد ينسى إنه متعود يعيش لوحده."
توقفت أنفاسها للحظة، ولم تجد ردًا مناسبًا، بينما ظل هو ينظر إليها بصمت، قبل أن يبتعد نصف خطوة وكأنه يخشى أن يطول بقاؤه قريبًا منها أكثر من اللازم.
وفي تلك اللحظة تحديدًا...
اندفع أحد الحراس نحو الشرفة وهو يلهث، لتتحطم تلك اللحظة الهادئة على وقع الخبر الذي سيقلب القصر كله رأسًا على عقب
وقبل أن ينطق بكلمة...
ركض أحد الحراس نحو الشرفة وهو يلهث.
"ألفا!"
استدار الاثنان بسرعة.
صرخ الحارس:
"في حد سرق ملف التحقيق... والختم السري الخاص بالقصر اختفى!"
تجمد كاسر.
لكن الصدمة الأكبر جاءت عندما أكمل الحارس:
"والباب اللي اتسرق منه الملف... هو مكتب مالك."
وانتهى الفصل.
واصل مالك النظر إليها طويلًا، وكأن الكلمات التي خرجت منها جردته من كل الأعذار التي كان قد أعدها في رأسه، ثم اتجه بهدوء نحو النافذة وأزاح الستارة قليلًا ليتأكد أن لا أحد يقف في الخارج، قبل أن يعود إليها ويقول بصوت منخفض:"كل اللي هقوله دلوقتي... لو خرج بره الأوضة دي، إحنا الاتنين هنكون في خطر."لم تجلس نور.بقيت واقفة، وسيفها لا يزال معلقًا عند خصرها.وقالت بجمود:"أنا مش جاية أسمع قصة."أومأ برأسه."عارف.""أنا جاية أعرف... إنت خنت كاسر ولا لأ."انقبض فك مالك.وبدا للحظة وكأنه تأذى من السؤال أكثر مما غضب منه.ثم قال بثبات:"لو في يوم اضطرّيت أختار بين حياتي وحياة كاسر... هختار كاسر من غير ما أفكر."لم تهتز ملامحها."الكلام سهل."ابتسم بمرارة."عشان كده معنديش غير دليل واحد."أخرج من جيبه قطعة معدنية صغيرة.كانت نفس القطعة التي رأتها مع الرجل الملثم في الغابة.وضعها فوق الطاولة.ثم قال:"أنا من سنتين متسلل وسط الجماعة دي."اتسعت عينا نور.لكنه أكمل قبل أن تقاطعه:"بأمر من والدي."ساد الصمت.ثم أخرج ورقة مطوية بعناية، وختمها بخاتم ألفا القمر الأسود.ناولها إليها.فتحتها بسرعة.وكانت تحم
"إيه معنى إن الملف اختفى من مكتب مالك؟!"دوّى صوت والد كاسر داخل قاعة الاجتماعات حتى ارتجفت النوافذ الزجاجية، بينما وقف جميع القادة في أماكنهم دون أن يجرؤ أحد على الرد، فقد كانت الليلة الماضية كافية لتقلب القصر بأكمله رأسًا على عقب؛ هجوم على الأسوار، ظهور الفتاة الغامضة لينا، ثم اختفاء ملف التحقيق والختم السري من أكثر الأماكن حراسة داخل القصر.أما مالك، فكان يقف في منتصف القاعة، يواجه نظرات الجميع بثبات، لكنه كان يدرك جيدًا أن الشك بدأ يتسلل حتى إلى أقرب الناس إليه.قال أحد القادة بحدة:"مفيش حد غيرك يقدر يدخل المكتب من غير ما الحراس يوقفوه."رد مالك بهدوء حافظ عليه بصعوبة:"وده معناه إن اللي سرق الملف كان عارف إن الشبهة هتيجي عليا."ضحك قائد آخر بسخرية."أو يمكن عشان إنت اللي سرقته."تحرك أكثر من حارس في القاعة، بينما تشنج فك كاسر، لكنه ظل صامتًا.كان يراقب الجميع.وليس مالك فقط.لاحظ نور الواقفة في نهاية الطاولة، وقد كانت تنظر إلى مالك نظرة مختلفة عن الأمس، لم تعد مليئة بالاتهام، بل بالحيرة.وهذا وحده أخبره أنها تعرف شيئًا لا يعرفه هو.قطع والده الصمت قائلًا:"انتهى الاجتماع."ثم أض
"وجدتك أخيرًا... يا زاروك."تجمد كاسر في مكانه، بينما اتسعت عينا نور وهي تستدير بسرعة نحو الفتاة الغريبة التي وقفت وسط الدخان المتصاعد من جهة البوابة، وكأن الانفجار الذي هز القصر قبل لحظات لم يكن يعنيها على الإطلاق، وكانت نظراتها ثابتة على كاسر وحده، لا ترى سواه.أما الحراس فقد أحاطوا بها في لحظات.ارتفعت السيوف.وتقدم قائد الحرس صارخًا:"ارفعي إيدك!"لكنها لم تتحرك.ظلت تنظر إلى كاسر فقط.قالت بهدوء:"واضح إن السيطرة لسه معاه."في اللحظة نفسها...تردد صوت زاروك داخل عقل كاسر."إبعدها..."عقد كاسر حاجبيه."إنت تعرفها؟"ساد صمت قصير.ثم جاء الرد لأول مرة يحمل شيئًا يشبه التوتر."أيوة."شعر كاسر بانقباض صدره."مين هي؟"لكن زاروك لم يجب.وفي الخارج، دوى صوت اصطدام عنيف عند الأسوار، فعادت الفتاة بنظرها للحراس وقالت:"لو فضلتوا واقفين قدامي... هيموت ناس كتير."صرخ قائد الحرس:"امسكوها!"اندفع أربعة رجال دفعة واحدة.لكن الفتاة تحركت بسرعة خاطفة، فتهربت من أول ضربة، ثم استدارت خلف أحدهم وأسقطته أرضًا دون أن تقتله، وضربت الثاني بمقبض سيفه فسقط فاقدًا للوعي، بينما اكتفت بإبعاد الآخرين بحركات د
"خطف نور؟"ارتفع صوت الرجل الملثم بصدمة وهو ينظر إلى الرسالة التي وصلت للتو، بينما كان القائد الجالس في صدر الخيمة يطرق بأصابعه فوق الطاولة الخشبية في هدوء أثار قلق جميع الموجودين.رفع رأسه ببطء.وقال:"مش دلوقتي."ساد الصمت.ثم أكمل بنبرة باردة:"هنخليهم هما اللي يخرجوها من القصر."اقترب أحد الرجال وسأل باستغراب:"إزاي؟"ارتسمت ابتسامة خفيفة على شفتي القائد."لما يشكوا في بعض... محدش هيلاحظ العدو الحقيقي."---في الوقت نفسه...داخل قصر القمر الأسود...كانت نور تقف أمام نافذة غرفتها، وعقلها ما زال عالقًا بين نظرة مالك المصدومة عندما اكتشف وجودها في الغابة، وبين كلماته وهو يمنع الرجل الملثم من مهاجمتها.لو كان خائنًا...فلماذا أنقذها؟ولو لم يكن خائنًا...فما معنى ذلك اللقاء؟أخرجت الرسالة مجددًا من درجها.حدقت في اسم مالك طويلًا.ثم همست:"الحقيقة فين؟"لكنها لم تنتبه إلى الباب الذي انفتح بهدوء خلفها."وأنا بقالي عشر دقايق بخبط."انتفضت وهي تستدير.لتجد كاسر يقف عند الباب وقد عقد ذراعيه أمام صدره.نظر إلى الورقة التي أخفتها بسرعة.ثم عاد بعينيه إليها."واضح إني جيت في وقت مش مناسب."أ
نظر كل منهما إلى الآخر للحظات، ولم يكن الصمت بينهما صمتًا مريحًا، بل كان مليئًا بأسئلة لم يجرؤ أي منهما على طرحها، حتى قطعهما وصول مالك من بعيد، وقد بدا عليه الإرهاق بعد الركض، لكنه ما إن لمح وقوفهما بهذه المسافة القريبة حتى توقفت خطواته للحظة، ثم رسم ابتسامته المعتادة وكأن شيئًا لم يحدث.قال وهو يحاول كسر التوتر:"واضح إني جيت في وقت غلط."ابتعدت نور خطوة إلى الخلف سريعًا وهي تعقد ذراعيها أمام صدرها.أما كاسر فنظر إلى شقيقه نظرة طويلة لم يستطع مالك تفسيرها.قال كاسر بهدوء:"كنت فين؟"أجاب مالك دون تردد:"لفيت حوالين الحدود الغربية، بلغوني إنهم سمعوا صوت اشتباك."راقبه كاسر بصمت.ثم قال:"ولقيت حاجة؟"ابتسم مالك ابتسامة باهتة."آثار قتال... لكن اللي عملها اختفى."كانت نور تستمع إلى الحوار دون أن تنطق، بينما يدها داخل جيب معطفها تقبض على الرسالة التي تحمل اسم مالك، وكل كلمة يقولها الآن تجعل الصراع داخلها يزداد؛ فهي لا ترى أمامها تصرفات خائن، لكنها أيضًا لا تستطيع تجاهل ما سمعته بنفسها.قطع كاسر الصمت قائلًا:"بكرة الصبح فيه اجتماع."أومأ مالك."تمام."ثم التفت إلى نور مبتسمًا:"إنتِ كو
"نور؟!"خرج اسمها من فم مالك ممزوجًا بالصدمة، وفي اللحظة نفسها استدار الرجل الملثم نحو مكان اختبائها، ولم يمنحها فرصة للتفكير، إذ سحب خنجرًا قصيرًا من حزامه وانطلق نحوها بسرعة خاطفة، لكن نور كانت قد توقعت أن تُكتشف منذ اللحظة التي انكسر فيها الغصن تحت قدمها، فقفزت إلى الخلف قبل أن يصل إليها الخنجر، ثم سحبت سيفها القصير من غمده وهي تنظر إلى الاثنين بعينين حادتين.قالت ببرود وهي لا ترفع نظرها عن الملثم:"واضح إنكم مش بتحبوا الضيوف."هتف مالك بسرعة:"استني... اسمعيني الأول."رمقته بنظرة غاضبة وقالت:"بعد اللي سمعته؟"وقبل أن يكمل كلمة، هجم الرجل الملثم عليها مجددًا وهو يصرخ:"خلص عليها!"ارتطم السيفان بقوة، وتناثرت الشرارات بينهما، بينما كانت نور تتراجع بخطوات محسوبة، لا خوفًا منه، بل لأنها كانت تحاول أن تراقب مالك في الوقت نفسه، تريد أن تعرف... هل سيتدخل ضدها أم معها؟لكن ما حدث في الثانية التالية كان كافيًا ليزيد حيرتها.قفز مالك فجأة بينهما، وأوقف ضربة الرجل الملثم بسيفه وهو يهدر بغضب:"قلتلك متلمسهاش!"اتسعت عينا نور.أما الملثم فصرخ بعصبية:"إيه اللي بتعمله؟"رد مالك ببرود:"دي مش ض







