Share

الثالث

last update Tanggal publikasi: 2026-05-18 18:12:26

صعدت صفية الدرج إلى أعلى وهي تسند سهر إلى صدرها بحنانٍ أمومي دافق، وقلبها يعتصر حزناً على ما نال تلك المسكينة من ظلمِ والدها؛ فهذا الرجل لا يدع فرصة تمر دون أن يذيقها ألوان العذاب والسباب، دخلت بها صفية إلى شقتها، وأجلستها برفق على مقعد قريب، ثم أحكمت إغلاق الباب وكأنها تغلق منافذ الدنيا الموحشة عن وجهها، فرفعت سهر عينيها الدامعتين، والشهقات تمزق صدرها، وقالت بصوتٍ مخنوق:

_ والله ما عملت حاجة يا خالتي صفية، أنا مش عارفة ليه بيعمل فيا كدة؟ مش معقول كل الضرب ده عشان قلت له إني سبت الشغل!

مسحت صفية بكفها الحانية على شعر سهر المبعثرِ، محاولةً لملمة شتات روحها المنكسرةِ وقالت:

_ يا سلام! وفيها إيه لما تسيبِي الشغل؟ ده بدل ما يسترك في البيت ويشيل عنك الهم!

مسحت سهر دموعها التي لا تتوقف، وقالت بمرارةٍ:

_ أنا مش عاوزة أقعد في البيت يا خالتي والله، بس غصب عني، أصلك متعرفيش اللي حصل لي في الشغل وخلاني أسيبه، عشان آجي وأبويا يضربني كدة زي ما أكون أنا المذنبة!

انقبض قلب صفية وسألتها بقلقٍ بادٍ على وجهها:

_ ما تفهميني يا بت أنتِ قلقتيني، حصل إيه في المحل؟

نكست سهر رأسها خجلاً، وشعرت بغصةٍ في حلقها وهي تقص على صفية تفاصيل تلك اللحظات الدنسة التي عاشتها في المخزن. شهقت صفية ولطمت صدرها بيدها بصدمةٍ وقالت:

_ يا لهوي يا بنتي! أنتِ هتلاقيها منين ولا منين؟ عيني عليكي أمك ماتت وسابتك للهم، شايلة حمل البيت وحمل أبوكي وهو مفيش في قلبه رحمة ولا يحزنون، والـ ما يتسمى صاحب الشغل ده! أنتِ كان لازم تعملي له محضر طالما البنات شاهدين معاكي، متتعوديش تبقي خايبة كدة يا بت!

نظرت صفية إلى سهر فوجدتها قد استسلمت لنوبةٍ جديدةٍ من البكاء الصامتِ، فرق قلبها لها وقالت بلهجةٍ تحاول فيها التخفيف عنها:

_ يوه! بطلي عياط بقى ومتزعليش نفسك، الحمد لله ربنا ستر وأنتِ عملتي معاه الصح لما ضربتيه، بصي أنتِ خليكي هنا لحد ما عمك خميس يهدي أبوكي، قومي يلا اغسلي وشك على ما أعملك حاجة تشربيها تهدي أعصابك.

دخلت سهر إلى المرحاض بخطوات متهالكة كأنها تجر خلفها أثقالاً من الخيبة والقهر، ووقفت تنظر بذهول إلى وجهها الأبيض الذي شحب لونُه، وقد ارتسمت عليه آثار أصابع أبيها الغليظة بوضوح قسري، كأنها بصمة وجع لا تُمحى.

حاولت سهر أن ترفع يدها بوهن لتتحسس كتفها الذي ناله نصيب من قسوة العكاز، فتأوهت ألما صامتا مزق نياط قلبها، وشعرت بوخزات حارقة تسري في جسدها الضعيف، فخارت قواها ولم تعد قدماها تقويان على حملها، فجلست أرضا فوق البلاط البارد، ودفنت وجهها بين كفيها ليشتد نحيبها، وهي تتساءل في سرها عن هذا الظلم البين الذي يطاردها دوما، وبمثابةِ قدرٍ محتومٍ عليها أن تعيش في صدام مستمر مع قسوة أقرب الناس إليها.

في تلك الأثناء، كان محمود يخطو داخل الشقة، وعيناه تبحثان بتلقائية عن والدته، وما إن أبصرها تقف في المطبخ منشغلة، حتى تسلل خلفها بخفة واحتضنها بمودة بالغة. جفلت صفية وانتفضت من مكانها، ثم استدارت تنظر إليه بملامح مزجت بين الفزع والعتاب الحاني وقالت:

_ كدة يا محمود وقعت قلبي يا بني؟ مش هتبطل عمايلك دي؟ وبعدين أنتَ إيه ال رجعك بدري كدة.

رسم محمود على وجهه ابتسامة عريضة وقال وهو يقبل يد والدته:

_ مش عاوزاني يا صفصف؟ وأنا ال جيت علشان وحشتيني.. قلت أجي أتغدى معاكي.

ربتت صفية على كتفه وقالت بنبرة يملؤها الشك:

_ بطل بكش يا محمود.. ها، إيه رجعك؟ دي مش عوايدك.

تنهد محمود وهو يزيح عن عاتقه سترة العمل وطمأنها قائلاً:

_ خلصت مجموعة الملفات المطلوبة فالإدارة، وهما عاملين اجتماع لمجلس إدارة الفندق فاستأذنت لما عرفت إنهم مش محتاجين لي، وقلت أجيلك يا جميل، ها مش هتلحقيني بقا أحسن ابنك واقع من الجوع يا صفصف؟ وبعدين مالك شكلك متغير عن الصبح؟ أنتِ معيطة ولا إيه؟ مين زعلك يا أمي؟ أوعى يكون الحج خميس ال مزعلك.

هزت والدته رأسها يميناً ويساراً بأسى، وقالت بصوت منخفض يرتجف من فرط الحزن:

_ لا يا حبيبي ده بس قلبي وجعني على سهر، لسه مخلصينها من إيد أبوها، عدمها العافية علشان سابت الشغل، كان هيموتها في إيده.

زفر محمود بضيق، وانقبض قلبه رغم محاولته التظاهر بالبرود، فهو يتحاشى لقاءها أو الحديث عنها منذ أمد بعيد، وقال بسخرية مريرة:

_ يوه موال عم رشدي وبنته بتاع كل يوم! أنا مش عارف البت دي بتعمل إيه علشان كل يوم تنضرب بالشكل ده؟ دي تلاقي جسمها نحس من الضرب، بعدين أنتِ موطية صوتك ليه كدة.

همست صفية وهي تشير بحذر نحو ردهة الشقة:

_ وطي صوتك أنتَ كمان، البت جوا ده أنتَ لو شفتها تصعب عليك، اتحملت ال محدش يتحمله، وشايلة هموم جبال فوق كتافها.

أغمض محمود عينيه فور سماع كلمات والدته، وشعر بتوتر غريب يتسلل إلى أعماقه، ففتح عينيه فجأة ليراها تخرج من المرحاض بخطوات متعثرة ووجه مبلل بالماء والدموع، فحدق بها بذهول تام، ويخيل إليهِ أن الفترة التي ابتعد فيها عنها قد صقلت براءتها بجمال موجع؛ وسجلت عيناه أدق التفاصيل، ليرى عينيها الخضراوين اللتين تحولتا إلى بحرين من الحزن الصافي، ووجهها الأبيض الذي تلون بآثار الصفعات كأنه لوحة رُسمت بوجع، وزادها ذلك اللون الأحمر المشتعل في وجنتيها براءة وانكساراً، وتجمدت نظراته على شفتيها اللتين ما زالت ترتعشان من أثر البكاء، فابتلع غصة مريرة وقفت في حلقه، وشعر بأسف عميق يمزق صدره، متسائلاً كيف يجرؤ رجل على إهانة هذه البراءة؟ حاول استعادة رباطة جأشه، وقال مواسياً بصوت هادئ:

_ معلش يا سهر ده مهما كان أبوكي، هتعملي إيه؟ قدرك بقى، اصبري ولكِ الأجر.

خفضت سهر عينيها نحو الأرض خجلاً من نظراته ومن ضعفها أمامه، وقالت بصوت واهن يخرج بصعوبة:

_ الحمد لله يا أبيه، وأنا هعمل إيه يعني؟ ده نصيبي، وربنا يسامحه.

لاحظ محمود انحناءة ظهرها وتأوهها الخفي حينما حاولت تعديل وقفتها، فنسي كل تحفظاته واقترب منها خطوة ببطء وقلق باد في عينيه وقال:

_ تحبي أوديكي المستوصف يكشفوا عليكي؟ أنتِ شكلك تعبان خالص ومش قادرة تقفي على رجلك، قوليلي لو حاسة بوجع كبير في مكان معين.

هزت سهر رأسها بضعف، وقد غمرتها لوعة الانكسار والحزن، وقالت بصوت خافت بالكاد يُسمع:

_ لا كتر خيرك يا أبيه أنا كويسة.

خرجت صفية من المطبخ وهي تحمل كوب الليمون بيدها، وعيناها تفيضان حناناً وقالت:

_ اقعدي يا سهر واشربي الليمون يروق دمك على ما أحضر الأكل وتاكلي مع محمود.

نظر لها محمود بقلق، وشعر برغبة عارمة في أن يطمئنها أكثر، لكنه آثر الانسحاب مؤقتاً وقال:

_ طيب هروح أغير أنا على ما تحضري الأكل يا صفصف.. عن إذنك يا سهر.

جلست سهر على المائدة تلبية لرجاء صفية، وتناولت لقيمات بسيطة تكاد لا تسمن ولا تغني من جوع، بينما كان الألم يشتد ويفتك بكتفها الأيسر مع كل حركة.

لاحظ محمود، الذي كان يراقبها بصمت وحذر، أنها لا تحرك ذراعها الأيسر أبداً وتتعامل معه بحذر مفرط، فقال لها بلهجة يملؤها الوجل، وهو يتمنى في قرارة نفسه أن يحتويها بين ذراعيه لتشعر بصدق حبه وخوفه عليها:

_ في حاجة وجعاكي يا سهر.

لم ترفع سهر عيناها نحوه، بل غلبتها الدموع وانهمرت على وجنتيها بصمت، فاقتربت منها صفية وربتت على كتفها بحنو، فما كان من سهر إلا أن أنت بوجع مرير هز أركان الغرفة، فقام محمود جزعاً، واندفع ليقف أمامها بملامح يكسوها الرعب من فكرة تألمها وقال بلهجة حازمة لا تقبل الجدل:

_ لا لازم تروح المستوصف، البسي يا ماما على ما ألبس وننزل نوديها.

Lanjutkan membaca buku ini secara gratis
Pindai kode untuk mengunduh Aplikasi

Bab terbaru

  • كانت ضحية... ثم أصبحت قدرًا لا يرحم    مائة وأربعة وخمسون...

    اندفع رشدي إلى الردهة متكئاً على ساعده عمران، وخلفهما مريام وفاطمة يتبعونهم بلهفةٍ لا توصف، وقال عمران بصوتٍ متهدج بالفرح الممزوج بالدموع: _صحيح يا بابا جنة فاقت؟! أنا ما صدقتش الممرضة لما بلغتني، كنت فاكر إني بحلم! احتضنت سهر عمران بحنان وهي تمسح على رأسه وتقبله: _أيوه يا حبيبي.. ممكن بقى ترتاح أنت كمان؟ الدكتور هيجيبها الغرفة دلوقتي وهنطمن عليها كلنا مع بعض. بعد لحظات، عاد الطبيب يجر فراش جنة، ودلف بها إلى الغرفة، ليجد الجميع في انتظاره بقلوبٍ خافقة. نظر الطبيب إلى الحشد الموجود وقال بصرامةٍ ممزوجة بالابتسامة: _لا يا جماعة.. بجد دي مستشفى مش صالة أفراح! المفروض فرد أو اتنين بالكتير، إنما العدد ده كله ما يصحش أبداً. ثم وجه نظره إلى عمران وقال: _وحضرتك إيه اللي خرجك بره أوضتك أصلاً؟! لا، أنا كدا هضطر أمنع الزيارة نهائياً عن الكل. أجابه عمران بتمسك: _لا يا دكتور، أنا هنقل هنا مع جنة وهسمع كل الكلام اللي تأمر بيه، بس المهم أطمن إنها بخير قدام عيني. في تلك اللحظة، فتحت جنة عينيها ببطء، وقالت بصوت ضعيف يكاد لا يسمع: _أنا بخير يا عمران.. اطمن. تنهد الجميع بارتياح عارم، وأمرهم ا

  • كانت ضحية... ثم أصبحت قدرًا لا يرحم    مائة وثلاثة وخمسون...

    أحست جنة حين سمعت همسات والدتها وكأن ناراً تستعر داخل صدرها، تشعل قلبها وتكاد تلتهمه. كادت أن تقف وتعلن إنهاء كل شيء، وتصرخ في وجه الجميع بأنها لا تستطيع.. لكن مظهر والدها مازن وهو يجلس بكل هيبته بين الرجال، منتشياً بفرحته بها، جعلها تتراجع عن قرارها في اللحظة الأخيرة. كيف لها أن تخذله وتطعنه في عز كبريائه أمام الناس؟ ابتلعت غصتها، وأغمضت عينيها على وجعها، مكتفية بالصمت القاتل. مضت الأيام ثقيلة بطيئة، كأنها دهرٌ لا ينتهي. كانت جنة تلازم أخيها عمران في المشفى يومياً، تتابع معه أدق تفاصيل التحضيرات، وتُخفي خلف وجهها الشاحب وعينيها الذابلتين صراعاً نفسياً لا يعلم مداه إلا الله. في صباح اليوم المنشود، كانت جنة تجلس على طرف فراش عمران في غرفته بالمشفى، تنتظر قدوم طبيب التخدير. كان الجميع يحيط به، يغمرونه بالدعوات والكلمات المطمئنة. التفتت جنة إليه، وبابتسامة دافئة تحاول من خلالها قهر توترها، قالت بصوتٍ هادئ: _متخافش يا عمران.. أنت بطل وقدها، كل شيء هيكون بخير. ضحك عمران ضحكة ممتزجة بالخوف، وقال: _أنا مش خايف يا جنة لأني عارف إن كل خطوة مكتوبة ومقدرة، بس أنا قلقان عليكي أنتِ.. ابتلعت

  • كانت ضحية... ثم أصبحت قدرًا لا يرحم    مائة وأثنان وخمسون...

    تابع آدم بتركيز شديد على ملامحها ثم قال: _ولما دخل ياسين وقال إنه هيطلبك من عمي وإنك موافقة، قولت خلاص، هقطع الورقة وأطلقك علشان تقدري تعيشي حياتك اللي أنتِ اخترتيها. لحد ما لقيتك وسمعت رفضك له، وقتها وأنتِ بتفكريني بكلامك معايا يوم إسكندرية.. عرفت إني كسبت الحرب معاكِ. وقفت جنة بحدة وابتعدت عنه، وقالت بصوتٍ متمرد: _حرب إيه؟ وهو أساساً ما كانش فيه حرب بيني وبينك يا آدم! تنهد آدم، وتحرك ليقف خلفها مباشرة، وقال بصوتٍ رخيم يلامس أذنيها: _أنتِ الحرب نفسها يا جنة. إني أشوف اختيارك وأساعدك فيه على حساب نفسي حرب. إني أسلمك لياسين بإيدي كانت حرب فيها موتي. أنا حتى دلوقتي، حربي في اللحظة دي هي أنك يا تقبلي بيا يا ترفضيني. ثم استدار ليواجهها، وسألها بصدقٍ جارح: _فقولي لي يا جنة.. أنتِ عاوزاني زي ما أنا عاوزك؟ ولا مش حاساني من الأساس ولسه بتحبي ياسين؟ التفتت جنة إليه، وعيناها اللتان غلفتها الحيرة والارتباك تقابلان نظراته الثابتة، وقالت بصوتٍ منخفض يحمل في طياته الكثير من الإنهاك: _مش عارفة أنا عاوزة إيه.. أنا محتارة يا آدم، أرجوك سيبني لوحدي. أنا فعلًا محتاجة أكون مع نفسي من غير أي ضغط،

  • كانت ضحية... ثم أصبحت قدرًا لا يرحم    مائة وواحد وخمسون...

    أحست جنة بضربات قلبها تشتد حتى كادت تسمع صدى وقعها في الغرفة. حاولت أن تتحدث، لكن صوتها تلاشى في حلقها؛ فأغمضت عينيها وهي ترتجف، وشعرت أن قدميها لم تعودا تقويان على حملها. فجأة، شعرت بوقع قبلته على شفتيها، ففتحت عينيها بصدمة عارمة ودفعت صدره بقوة، ورفعت إصبعها أمام وجهه لتهدده، لكنه لم يمهلها، إذ جذبها داخل صدره وهاجمها بقبلة أخرى أكثر عمقاً. صرخت جنة بشدة وهي تحاول التخلص من قبضته، وأسرعت نحو الباب، لكنها فوجئت به موصداً! التفتت إليه بخوف، فوجدته يقف مكانه، يعقد ذراعيه وينظر إلى حيرتها وصدمتها بهدوءٍ مريب. اقترب منها ببطء وجذبها لتجلس بجانبه على حافة الفراش، ثم أخرج ورقة مطوية من جيبه وقال بنبرة هادئة: _اقري دي كدا يا جنة آدم.. أخذت جنة الورقة بيدين مرتعشتين، وقرأتها، ثم وقفت فجأة وهي تتنفس بحدة وقالت: _دي.. دي ليها سنين! وبعدين إحنا كنا بنلعب، أنا فاكرة إن وقتها مريام جابت الورق وكتبتها هي وعمران وقالوا الورقة دي علشان محدش يبعدهم عن بعض، وبعدها خرجوا وسابونا. وأنا جيت أنت بعدها وقلت "تعالي نعمل زيهم"، وأهي تبقى ورقة تربطنا ببعض! وقلت لي إنك هتشيلها للذكرى وأنا مضيت.. بس بعد كده

  • كانت ضحية... ثم أصبحت قدرًا لا يرحم    مائة وخمسون...

    في جناح عمران ومريام الهادئ، حدق عمران في وجه مريام بسعادة لا توصف، وشاهدها وهي تجلس أمام المرآة تمشط شعرها الطويل بنعومة. اتجه نحوها فابتسمت لصورته المنعكسة في المرآة وقالت بدلال: _ارجع مكانك يا عمران.. أنت عارف اللي فيها، الدكتور قال ما فيش أي إجهاد، كفاية مجهود الفرح والسفر.. خليك بقى شاطر واسمع الكلام. أخذ منها عمران الفرشاة برفق وبدأ هو يمشط شعرها بتأنٍ وقال: _الدكتور يقول اللي يقوله، إنما أنا أعمل اللي أنا عاوزه.. حد يبقى بين إيده مراته، حبيبته، وأمله في الدنيا، ويسمع كلام الدكاترة ويقعد بعيد؟! وقفت مريام وابتعدت عنه قليلًا بجدية مصطنعة وقالت: _وبعدين يا عمران؟! بردوا لأ.. ولو فضلت كدا هروح أنام مع جنة وأسيبك. حملها عمران فجأة بخفة ووضعها على فراشهما وقال بنبرة مفعمة بالحب والرجولة: _ما بقاش عمران ابن آدم لو ما نفذتش اللي أنا عاوزه يا مريم.. قال تنامي برا حضني ليه؟! هي جوازة سوسن؟! حاولت مريام رفضه بخجل، ولكنه تغلب عليها بفيض حبه وغمره، وأخذها إلى عالمه الخاص ليعوضها ما فاتهما من وقت وأيام. في الجناح المجاور، راقب رشدي ملامح فاطمة النائمة بجانبه، وهمس وهو يتلمس وجنتيها

  • كانت ضحية... ثم أصبحت قدرًا لا يرحم    مائة وتسعة وأربعون...

    وفي الجهة الأخرى، احتضن رشدي فاطمة ودار بها في نشوة، فصاحت ضاحكة وهي تتعلق برقبته: _حبيبي، خلي بالك على نفسك، أنا تقيلة عليك! قبّلها رشدي من جبهتها برقة، وعيناه تغرقان في تفاصيل وجهها، وقال: _عجباني بكل حالاتك يا قلب رشدي.. أنا مش مصدق إن أخيرا هيضمنا بيت واحد، ياه يا فاطمة.. أخيرًا حلمي اتحقق معاكي.. أنا بحبك يا مطلعة عيني، بحبك! علت الضحكات أثر ارتفاع صوت رشدي العفوي، فأخفت فاطمة وجهها في صدره بخجل شديد. اقتربت منها والدتها "منال" وبصوتٍ متهدج قالت: _مبروك يا حبيبتي، ألف مبروك يا رشدي، ربنا يسعدكم ويجعل أيامكم كلها خير. ثم نظرت إلى رشدي بنظرة توصية أم، وقالت: _خلي بالك من فاطمة يا رشدي، وحطها جوا عينيك.. دي بنتي الوحيدة وقطعة من روحي. شدّ رشدي فاطمة إلى أحضانه بقوة وقال بصدقٍ الرجال: _فاطمة جوا قلبي وروحي، ومش محتاجة توصيني على نفسي أبدًا.. دي النعمة اللي ربنا منَّ عليا بيها، وهصونها بدمي. ربت "هاني" والد فاطمة على كتف رشدي وقال بتقدير: _ابن أصول يا رشدي، طول عمرك ابن أصول. ثم التفت هاني لزوجته منال، واحتضنها هامسًا في أذنها بنبرة غزل دافئة: _حبيبة قلبي اللي كل ما بتكبر

  • كانت ضحية... ثم أصبحت قدرًا لا يرحم    مائة وثلاثة وثلاثون...

    صرخات عالية وشجار حاد صم الأذان، وصراع قوة وتحدٍّ عنيف دارت رحاه بين آدم وعمران؛ فوقف الاثنان يتبادلان التحديق بعيون تشتعل غيظًا، بعدما أعلن عمران على رؤوس الأشهاد خبر خطوبته الوشيكة من ريهام. وقفت سهر تحدق بهما بصدمة وذهول؛ فملامح زوجها آدم توحي بأنه بركان على وشك الانفجار، بينما ملامح عمران غامضة

  • كانت ضحية... ثم أصبحت قدرًا لا يرحم    مائة وثمانية وعشرون

    ما أقسى أن تحب قلبًا وتقدم له كل ما لديك، ويقابل حبك بالشك والظن المسموم! أحبها.. أجل، بل أكثر مما يتخيل بشر، وأنا على أتم الاستعداد أن أضحي من أجليها بكل شيء، وأبيع الدنيا لأجل رضاها، فقط لتقدر حظوتها في قلبي، وتتخلص من ظنونها القاتلة في حقي، وتنزع عن معصمينا تلك القيود التي تكاد تدمينا وتنهي قصتن

  • كانت ضحية... ثم أصبحت قدرًا لا يرحم    مائة وستة وعشرون...

    انهارت فاطمة بالبكاء المرير بين يدي والدتها، والدموع تنهمر كالسيل على وجنتيها لتغسل بقايا كبريائها الجريح، وقالت بصوت متهدج يملؤه اليأس: _المرة دي فعلا هسيبه يا ماما، أنا كل شوية أشوفه واقف مع واحدة شكل، والنهاردة كان حاضن مريام! أنا تعبت يا ماما من استهتاره بمشاعري بالشكل دا، لو سمحتِ يا ماما اقف

  • كانت ضحية... ثم أصبحت قدرًا لا يرحم    مائة وخمسة وعشرون...

    لم تدر مريام كيف تحركت من أمام السلم، ولا كيف ذهبت مع عمران لتستقر بين أحضانه على هذا النحو؛ إذ كانت مستسلمة تمامًا لقبلاته التي لطالما تمنتها وحلمت بها في ليالي سهادها الطويلة، ذائبة بين يديه كقطعة من الشمع تحت وطأة الشمس. ولكن، تبدل الاستسلام إلى شهقة وعي باهتة عندما شعرت بعمران يقضم شفتيها بقوة

Bab Lainnya
Jelajahi dan baca novel bagus secara gratis
Akses gratis ke berbagai novel bagus di aplikasi GoodNovel. Unduh buku yang kamu suka dan baca di mana saja & kapan saja.
Baca buku gratis di Aplikasi
Pindai kode untuk membaca di Aplikasi
DMCA.com Protection Status