Masukوقفت سهر مترنحة، تشعر بأن الأرض تميد من تحت قدميها، وأن جدران المحل تضيق عليها حتى تكاد تخنقها، كان يسري فِى عروقها تقزز شديد، شعور بالدنس لا يغسله ماء الأرض جميعاً؛ فآثار لمسات فؤاد الدنسة كانت ككي النار علقت بجسدها، فمسحت دموعها بكف مرتجفة، وحاولت استجماع شتات كرامتها الجريحة، وقالت بنبرة فيها إصرار مشوب بالانكسار:
_ أنا هروح ومعدتش جاية الشغل ده تاني أبداً. هتفت سعاد بقلق باد وهي تحاول الإمساك بيدها المرتعشة: _ طب استني نروحك يا سهر، هتمشي لوحدك إزاي وأنتِ بالحالة دي؟ جسمك كله بيترعش يا بنتي. فِى تلك اللحظة القاتمة، نزل فؤاد من الطابق العلوي وهو يزيح سامي عنه بعنف وحشي، ونظر إليهم جميعاً بشر مستطير يبرق من عينيه، ثم صاح بصوت عال أجش ملأ أركان المكان بوقاحة منقطعة النظير: _ لو مشيتي هبلغ عنك القسم عشان أنتِ سرقتي الفلوس اللي كانت فوق، ولا أنتِ فاكراها سايبة؟ وصدقيني هحبسك يا سهر لو رجلك عتبت برا المحل ده! وقع الخبر على الجميع كالصاعقة، وتجمدت الدماء فِى عروق الفتيات؛ فالفجور فِى الخصومة وصل به إلى حد اتهام الشريفة فِى أمانتها بعدما فشل فِى النيل من عفتها، وحدقوا به بذهول وعدم تصديق، فصاحت الفتيات فِى وقت واحد بقلوب محروقة: _ منك لله يا شيخ! حسبي الله ونعم الوكيل فيك! ربنا ينتقم منك يا ظالم! أما سامي، فقد نفد صبره تماماً وشعر بدمائه تغلي من فرط الدناءة التي رآها، فتقدم خطوة نحو فؤاد وعيناه تقدحان شرراً وصاح بصوت هادر زلزل المكان: _ إنت مصدق نفسك بعد اللي عملته؟ طب والله لنشهد ضدك، وإحنا اللي هنبلغ فيك يلا بينا يا بنات، إحنا هنروح نعمل لُه محضر تعدي دلوقتي حالاً، وخلي القسم يشوف مين الحرامي ومين اللي ملوش شرف! تراجع فؤاد قليلاً حين رأى الإجماع على الوقوف ضده، ونظر إليهم بكراهية دفينة، وتذكر فجأة عمه صالح وما قد يؤول إليه الأمر إن وصلت الفضيحة لأسماعه؛ فهو يعلم أن عمه لن يتهاون فِى قطع رزقه إن علم بقذارته، وقال وهو يتوعد سهر فِى سرهِ بأسلوب يحاول فيه حفظ ما تبقى من وجهه الكالح: _ خلاص غوري، سيبوها تمشي، وعوضي على الله فاللي سرقته! مش عاوز أشوف وشك هنا تاني. لم تدرِ سهر كيف ساقتها قدماها المرتجفتان إلى منزلها؟ كانت تمشي فِى الطرقات كجسد بلا روح، والمارة من حولها كأشباح لا تراهم ولا تسمع ضجيجهم؛ فكل ما كان يتردد فِى أذنيها هو صدى أنفاس فؤاد القذرة وصوت قلبها الجريح. وصلت إلى البناية، ووقفت أمام باب شقتها والرهبة تأكل أحشاءها، تفكر فِى ملامح والدها رشدي، ذلك الرجل الذي انتزعت الرحمة من قلبه وسكنته القسوة، وانتحبت بمرارة وقهر وهي تخرج مفتاحها ببطء شديد، وفتحت الباب بحذر والخوف يسكن حدقتيها، فطالعها والدها الذي تفاجأ بحضورها فِى غير الموعد، فارتسمت على وجهه نظرات استفهام ممتزجة بحيرة لم تدم طويلاً، فسحب عدة أنفاس عميقة من أرجيلته التي كانت جليسته المخلصة وأحب إليه من ابنته، وعيناه تتفرسان ملامحها الباكية المضطربة بجمود مخيف يسبق العاصفة. فطال صمت سهر وهي تتهرب من التقاء عينيهما، وتمنت لو تنشق الأرض وتبتلعها قبل أن تنطق بحرف، فرمقها بنظرات ساخطة كعادته دائماً، ثم سألها بصوت غليظ تشوبه نبرة الوعيد: _ إيه اللي جابك دلوقتي وهو مش ميعاد رجوعك؟ شكلك عملتي مصيبة بوقفتك دي، ما تنطقي رجعتي بدري من الشغل ليه بدل ما أقوملك! ازدردت لعابها بخوف مرير، وتلعثمت الحروف فوق شفتيها الذابلتين ذعراً، فأجابت بصوت مخنوق بالعبرات: _ أنا والله ما عملت حاجة، ده هو اللي، أصل صــ صاحب المحل كان عايز، هو حاول، حاول يمد إيده عليا.. لم تكد تنهي كلماتها حتى انتفض رشدي واقفاً كالممسوس، ساحباً عكازه الخشبي الغليظ وأسند جسده إليه بقوة، ثم اقترب منها بوجه مكفهر تجمعت فيه كل آيات الغضب، فتراجعت سهر للوراء بذعر، فهي تحفظ جيداً معنى تلك النظرة القاتمة التي تبرق فِى عينيه؛ نظرة تخلو من أي شفقة أبوية، بينما تقدم منها عدة خطوات وئيدة مستنداً إلى عكازه، ثم باغتها وهو يعتدل ليرتكز بحمل جسده كله على ساقه السليمة، وقبض على خصلات شعرها بيده الغليظة وجذبها نحوه بعنف حتى كادت رقبتها تنكسر، وصاح فِى وجهها بحدة: _ صاحب الشغل حاول إيه؟ انطقي لأطلع روحك بإيدي! أنتِ اللي أكيد اتدلعتي ولا عملتي حاجة تخليه يطمع فيكي! حاولت سهر يائسة أن تحرر خصلات شعرها من بين أصابعه التي انغرزت فِى فروة رأسها، فانهمرت دموعها غزيرة، وبدأت ترجوه بقلب يرتجف: _ طب سيب شعري، أنا والله ماليا ذنب، هو اللي قالي اطلعي رتبي الدور اللي فوق فالمحل، ولقيته طالع ورايا ومد إيده عليا، جريت وسبت لُه الشغل وجيت. لم يدعها تضيف حرفاً واحداً؛ فقد صم أذنيه عن أنينها وتوسلاتها، إذ لم يكن يعنيه من الدنيا سوى ذلك الراتب الذي يقتاته من عرقها وتعبها، وبمجرد أن أدرك أنها تركت العمل، ثار بركانه الخامد وانهال عليها بسباب مقذع وصفعات متلاحقة هزت كيانها الضعيف، فلم تحتمل سهر وطأة ضرباته الخشنة فسقطت أرضاً، لكنه لم يكتفِ، بل دفعها بقدمه ورفع عكازه الغليظ عالياً وأخذ يهوي به على جسدها النحيل بلا رحمة، وصوته يزلزل أركان المنزل بجبروت طاغٍ: _ بقا سبتي الشغل اللي فاتحين بمرتبه البيت؟ ولما تقعدي مين هيصرف علينا؟ ولا عاوزانا نشحت ونطلب صدقة من الناس يا ست هانم؟ أنا مش عارف الموت تايه عنك ليه ويريحني من وشك! زاد رشدي من حدة ضرباته المسددة بظلم وقسوة، فارتجف جسد سهر تحت وطأة الخشب اليابس، وعلا صوت صراخها الممزق للقلوب، وهي تتلوى أرضاً محاولة حماية رأسها بذراعيها، وتتوسل إليه بكلمات مخنوقة بالعبرات طلباً لرحمة انتُزعت من قلبه: _ حرام عليك يا بابا، كفاية والله ما ذنبي، كفاية يا بابا هتموت في إيدك! تردد صدى صرخات سهر المكتومة حتى وصل إلى مسامع الحاج خميس فِى محله بالأسفل، فانتفض قلبه رعباً وأسرع نحو مسكنها، ليجد حشداً من الجيران قد تجمهروا أمام الباب، تطرقه الأيدي بقوة وسط ذهول من قسوة ما يسمعون، فلم يجد الرجال بداً من كسر الباب، فاقتحموا الشقة ليروا مشهداً يندى لُه الجبين؛ سهر ملقاة أرضاً ترتعد، ورشدي يهوي عليها بعكازه كأنه يضرب عدواً لُه، فانقض خميس على رشدي وانتشل سهر من تحت وطأة ضرباته، وهو يصرخ بأسى واستنكار: _ برودوا كدة يا رشدي! والله حرام عليك اللي بتعمله ده، هي البت حملك؟ كل يوم تضرب فيها بالشكل ده! يا أخي اتقي الله فيها، دي لحمك ودمك! وفِى تلك اللحظة، ظهرت صفية زوجة الحاج خميس، التي ركضت نحو الفتاة المنكسرة وذراعيها ممدودتان بالاحتواء، وهي تقول بصوت يقطر حزناً: _ هات البت يا حاج خميس، عيني عليكِ يا بنتي، كل يوم كدة ضرب؟ منك لله يا شيخ، إيه قلبك حجر على البت كدة ليه! تعالي فحضني يا حبيبتي. انتفض رشدي وسط الجميع كالثور الهائج، وصاح فيهم بوجه محتقن وعيون تبرق بالغل، غير آبه بفضيحته أمام الجيران: _ إيه! محدش لُه دخل أنا حر، بنتي وبربيها، قليلة الرباية دي لازم تعرف إن الله حق! حال الحاج خميس بجسده القوي بين رشدي وابنته المذعورة، مشيراً لزوجته بلمحة خاطفة من عينيه أن تأخذ الفتاة وتغادر فوراً إلى شقتهما بالأعلى، واستدار نحو الجيران الذين تجمهروا، شاكراً لهم وقفتهم ومعتذراً عن هذا الضجيج بوقار وهدوء حتى خرج آخرهم، فأغلق الباب خلفهم ليواجه رشدي منفرداً، وعيناه تحملان وعيداً بأن ما حدث اليوم لن يمر مرور الكرام.اندفع رشدي إلى الردهة متكئاً على ساعده عمران، وخلفهما مريام وفاطمة يتبعونهم بلهفةٍ لا توصف، وقال عمران بصوتٍ متهدج بالفرح الممزوج بالدموع: _صحيح يا بابا جنة فاقت؟! أنا ما صدقتش الممرضة لما بلغتني، كنت فاكر إني بحلم! احتضنت سهر عمران بحنان وهي تمسح على رأسه وتقبله: _أيوه يا حبيبي.. ممكن بقى ترتاح أنت كمان؟ الدكتور هيجيبها الغرفة دلوقتي وهنطمن عليها كلنا مع بعض. بعد لحظات، عاد الطبيب يجر فراش جنة، ودلف بها إلى الغرفة، ليجد الجميع في انتظاره بقلوبٍ خافقة. نظر الطبيب إلى الحشد الموجود وقال بصرامةٍ ممزوجة بالابتسامة: _لا يا جماعة.. بجد دي مستشفى مش صالة أفراح! المفروض فرد أو اتنين بالكتير، إنما العدد ده كله ما يصحش أبداً. ثم وجه نظره إلى عمران وقال: _وحضرتك إيه اللي خرجك بره أوضتك أصلاً؟! لا، أنا كدا هضطر أمنع الزيارة نهائياً عن الكل. أجابه عمران بتمسك: _لا يا دكتور، أنا هنقل هنا مع جنة وهسمع كل الكلام اللي تأمر بيه، بس المهم أطمن إنها بخير قدام عيني. في تلك اللحظة، فتحت جنة عينيها ببطء، وقالت بصوت ضعيف يكاد لا يسمع: _أنا بخير يا عمران.. اطمن. تنهد الجميع بارتياح عارم، وأمرهم ا
أحست جنة حين سمعت همسات والدتها وكأن ناراً تستعر داخل صدرها، تشعل قلبها وتكاد تلتهمه. كادت أن تقف وتعلن إنهاء كل شيء، وتصرخ في وجه الجميع بأنها لا تستطيع.. لكن مظهر والدها مازن وهو يجلس بكل هيبته بين الرجال، منتشياً بفرحته بها، جعلها تتراجع عن قرارها في اللحظة الأخيرة. كيف لها أن تخذله وتطعنه في عز كبريائه أمام الناس؟ ابتلعت غصتها، وأغمضت عينيها على وجعها، مكتفية بالصمت القاتل. مضت الأيام ثقيلة بطيئة، كأنها دهرٌ لا ينتهي. كانت جنة تلازم أخيها عمران في المشفى يومياً، تتابع معه أدق تفاصيل التحضيرات، وتُخفي خلف وجهها الشاحب وعينيها الذابلتين صراعاً نفسياً لا يعلم مداه إلا الله. في صباح اليوم المنشود، كانت جنة تجلس على طرف فراش عمران في غرفته بالمشفى، تنتظر قدوم طبيب التخدير. كان الجميع يحيط به، يغمرونه بالدعوات والكلمات المطمئنة. التفتت جنة إليه، وبابتسامة دافئة تحاول من خلالها قهر توترها، قالت بصوتٍ هادئ: _متخافش يا عمران.. أنت بطل وقدها، كل شيء هيكون بخير. ضحك عمران ضحكة ممتزجة بالخوف، وقال: _أنا مش خايف يا جنة لأني عارف إن كل خطوة مكتوبة ومقدرة، بس أنا قلقان عليكي أنتِ.. ابتلعت
تابع آدم بتركيز شديد على ملامحها ثم قال: _ولما دخل ياسين وقال إنه هيطلبك من عمي وإنك موافقة، قولت خلاص، هقطع الورقة وأطلقك علشان تقدري تعيشي حياتك اللي أنتِ اخترتيها. لحد ما لقيتك وسمعت رفضك له، وقتها وأنتِ بتفكريني بكلامك معايا يوم إسكندرية.. عرفت إني كسبت الحرب معاكِ. وقفت جنة بحدة وابتعدت عنه، وقالت بصوتٍ متمرد: _حرب إيه؟ وهو أساساً ما كانش فيه حرب بيني وبينك يا آدم! تنهد آدم، وتحرك ليقف خلفها مباشرة، وقال بصوتٍ رخيم يلامس أذنيها: _أنتِ الحرب نفسها يا جنة. إني أشوف اختيارك وأساعدك فيه على حساب نفسي حرب. إني أسلمك لياسين بإيدي كانت حرب فيها موتي. أنا حتى دلوقتي، حربي في اللحظة دي هي أنك يا تقبلي بيا يا ترفضيني. ثم استدار ليواجهها، وسألها بصدقٍ جارح: _فقولي لي يا جنة.. أنتِ عاوزاني زي ما أنا عاوزك؟ ولا مش حاساني من الأساس ولسه بتحبي ياسين؟ التفتت جنة إليه، وعيناها اللتان غلفتها الحيرة والارتباك تقابلان نظراته الثابتة، وقالت بصوتٍ منخفض يحمل في طياته الكثير من الإنهاك: _مش عارفة أنا عاوزة إيه.. أنا محتارة يا آدم، أرجوك سيبني لوحدي. أنا فعلًا محتاجة أكون مع نفسي من غير أي ضغط،
أحست جنة بضربات قلبها تشتد حتى كادت تسمع صدى وقعها في الغرفة. حاولت أن تتحدث، لكن صوتها تلاشى في حلقها؛ فأغمضت عينيها وهي ترتجف، وشعرت أن قدميها لم تعودا تقويان على حملها. فجأة، شعرت بوقع قبلته على شفتيها، ففتحت عينيها بصدمة عارمة ودفعت صدره بقوة، ورفعت إصبعها أمام وجهه لتهدده، لكنه لم يمهلها، إذ جذبها داخل صدره وهاجمها بقبلة أخرى أكثر عمقاً. صرخت جنة بشدة وهي تحاول التخلص من قبضته، وأسرعت نحو الباب، لكنها فوجئت به موصداً! التفتت إليه بخوف، فوجدته يقف مكانه، يعقد ذراعيه وينظر إلى حيرتها وصدمتها بهدوءٍ مريب. اقترب منها ببطء وجذبها لتجلس بجانبه على حافة الفراش، ثم أخرج ورقة مطوية من جيبه وقال بنبرة هادئة: _اقري دي كدا يا جنة آدم.. أخذت جنة الورقة بيدين مرتعشتين، وقرأتها، ثم وقفت فجأة وهي تتنفس بحدة وقالت: _دي.. دي ليها سنين! وبعدين إحنا كنا بنلعب، أنا فاكرة إن وقتها مريام جابت الورق وكتبتها هي وعمران وقالوا الورقة دي علشان محدش يبعدهم عن بعض، وبعدها خرجوا وسابونا. وأنا جيت أنت بعدها وقلت "تعالي نعمل زيهم"، وأهي تبقى ورقة تربطنا ببعض! وقلت لي إنك هتشيلها للذكرى وأنا مضيت.. بس بعد كده
في جناح عمران ومريام الهادئ، حدق عمران في وجه مريام بسعادة لا توصف، وشاهدها وهي تجلس أمام المرآة تمشط شعرها الطويل بنعومة. اتجه نحوها فابتسمت لصورته المنعكسة في المرآة وقالت بدلال: _ارجع مكانك يا عمران.. أنت عارف اللي فيها، الدكتور قال ما فيش أي إجهاد، كفاية مجهود الفرح والسفر.. خليك بقى شاطر واسمع الكلام. أخذ منها عمران الفرشاة برفق وبدأ هو يمشط شعرها بتأنٍ وقال: _الدكتور يقول اللي يقوله، إنما أنا أعمل اللي أنا عاوزه.. حد يبقى بين إيده مراته، حبيبته، وأمله في الدنيا، ويسمع كلام الدكاترة ويقعد بعيد؟! وقفت مريام وابتعدت عنه قليلًا بجدية مصطنعة وقالت: _وبعدين يا عمران؟! بردوا لأ.. ولو فضلت كدا هروح أنام مع جنة وأسيبك. حملها عمران فجأة بخفة ووضعها على فراشهما وقال بنبرة مفعمة بالحب والرجولة: _ما بقاش عمران ابن آدم لو ما نفذتش اللي أنا عاوزه يا مريم.. قال تنامي برا حضني ليه؟! هي جوازة سوسن؟! حاولت مريام رفضه بخجل، ولكنه تغلب عليها بفيض حبه وغمره، وأخذها إلى عالمه الخاص ليعوضها ما فاتهما من وقت وأيام. في الجناح المجاور، راقب رشدي ملامح فاطمة النائمة بجانبه، وهمس وهو يتلمس وجنتيها
وفي الجهة الأخرى، احتضن رشدي فاطمة ودار بها في نشوة، فصاحت ضاحكة وهي تتعلق برقبته: _حبيبي، خلي بالك على نفسك، أنا تقيلة عليك! قبّلها رشدي من جبهتها برقة، وعيناه تغرقان في تفاصيل وجهها، وقال: _عجباني بكل حالاتك يا قلب رشدي.. أنا مش مصدق إن أخيرا هيضمنا بيت واحد، ياه يا فاطمة.. أخيرًا حلمي اتحقق معاكي.. أنا بحبك يا مطلعة عيني، بحبك! علت الضحكات أثر ارتفاع صوت رشدي العفوي، فأخفت فاطمة وجهها في صدره بخجل شديد. اقتربت منها والدتها "منال" وبصوتٍ متهدج قالت: _مبروك يا حبيبتي، ألف مبروك يا رشدي، ربنا يسعدكم ويجعل أيامكم كلها خير. ثم نظرت إلى رشدي بنظرة توصية أم، وقالت: _خلي بالك من فاطمة يا رشدي، وحطها جوا عينيك.. دي بنتي الوحيدة وقطعة من روحي. شدّ رشدي فاطمة إلى أحضانه بقوة وقال بصدقٍ الرجال: _فاطمة جوا قلبي وروحي، ومش محتاجة توصيني على نفسي أبدًا.. دي النعمة اللي ربنا منَّ عليا بيها، وهصونها بدمي. ربت "هاني" والد فاطمة على كتف رشدي وقال بتقدير: _ابن أصول يا رشدي، طول عمرك ابن أصول. ثم التفت هاني لزوجته منال، واحتضنها هامسًا في أذنها بنبرة غزل دافئة: _حبيبة قلبي اللي كل ما بتكبر
جذبت جنة يدها بقوة من بين كفي والدتها، ونفضت عنها بقايا الخوف والتردد، ثم خطت خطوات وئيدة استقرت بها أمام أبيها في مواجهة مباشرة تشع بالتحدي. لقد فاض بها الكيل، ولم تعد تملك طاقة تتحمل بها هذا الضغط الخانق الذي يطوق عنقها، فنظرت في عينيه مباشرة وقالت بنبرة حادة اهتزت لها أركان الغرفة: _سبب الصوت ا
عاد آدم إلى داخل الفيلا، وقد استقر في قلبه اطمئنانٌ غامر بعد أن تيقن من رحيل داليا ونجاتها من المصير المحتوم. وجد سهر منهمكة في رعاية أطفالها، فاقترب منها وجلس بجوارها، مادا يده ليحمل طفلتهما "جنة" ويغمرها بقبلاته الرقيقة. حدقت به سهر بابتسامة عذبة، ثم قالت بلهجةٍ مشاكسة: _حبيبي يا دومي، لما تيجي
توجه إسماعيل نحو شاشة التلفاز المعلقة على الحائط، وأدخل فلاشة صغيرة بفتحتها، لتنير الشاشة فجأةً بمقطع فيديو يكشف داليا وهي تنسخ ملفات الشركة بنهمٍ وتضعها في حقيبتها، تلاه مقطعٌ آخر تظهر فيه وهي تتحدث بكل وضوحٍ عن خطتها لسرقة ملفات الصفقات والميزانية. وقعت تلك المشاهد على داليا كالصاعقة؛ انكمشت على
جذبها هاني بقوةٍ من معصمها، وقرب وجهه من وجهها حتى اختلطت أنفاسهما الغاضبة، وقال بنبرةٍ تهديدية: _صوتك عالي يا منال، ودي أول وآخر مرة ترفعي صوتك عليا. وبعدين أنا ما قلتش ما تطلعيش البلكونة، بس غطي شعرك، ومافيش داعي للأحضان والحركات دي، إحنا في البلكونة وفي مليون عين باصة علينا. لينا شقة مقفولة علي







