Mag-log inدلف الجميع وجلسوا في غرفة المعيشة وسط صمت ثقيل، فاستغل فؤاد هذه اللحظة، ورسم على وجهه قناعاً من الندم الزائف، وقال موجهاً حديثه لرشدي:
_ أنا جاي أعتذر، وياريت يا عمي تقبل اعتذاري، اللي حصل كان غصب عني وصدقني مش هتعرض لسهر تاني أبداً، بس أنت اقبل أسفي يا عمي، والترضية اللي أنت عاوزها أنا تحت أمرك فيها ومستعد لكل ال تطلبه. انتفض محمود في مقعده، وقد استشعر المكر يقطر من كلمات المدعو فؤاد، فصاح بغضب عارم: _ وإحنا مش عاوزين لا ترضية ولا حتى أسفك، بعد ال عملته أنت مفروض تتجلد في ميدان عام وتتسلم للقسم علشان تتربى، مش تيجي تبيع لنا كلام وتفاصل في شرف الناس. أجابه صالح بهدوء محاولاً امتصاص ثورته: _ يا ابني، فؤاد حس بغلطته وعرف إنه اتجاوز، والمسامح كريم يا محمود. ثم التفت صالح نحو رشدي الصامت، وسأله بذكاء: _ ما تتكلم يا أستاذ رشدي، ولا ابنك قال اللي عندك وخلاص؟ تنحنح رشدي وأجاب بمرارة تطل من بين ثنايا صوته: _ لا ده محمود ابن صاحب عمري خميس، أنا للأسف معنديش ولاد رجالة، معنديش إلا سهر بس. التقط فؤاد الكلمات من فم رشدي، وأسرع قائلاً بخبث وهو يغتنِم الفرصة ليوطد قدمه في حياة هذه العائلة: _ اعتبرني ابنك من النهاردة يا عمي، وأنا تحت أمرك في أي حاجة، وخلي أنت سهر ترجع شغلها من بكرة، وأنا بوعدك مش هروح المحل ال هي فيه تاني علشان تبقى مطمن، أنا ميرضنيش أبداً أكون سبب في قطع عيشها. وقف محمود يراقب ملامح رشدي التي بدأت تلين، وشعر بأنَّ جاره العنيد على وشك الموافقة على عرض فؤاد المسموم، فاستبدت به الغيرة على كرامة سهر وقال دون تفكير أو تريث: _ مش هينفع يا أستاذ فؤاد، سهر خلاص هتشتغل فمكان تاني محترم، وكرامتها فيه هتبقى متصانة وهتلاقي التقدير ال تستحقه. حدق الجميع في محمود بذهول، لا سيما والده الحاج خميس الذي تعجب من اندفاع ابنه، أما رشدي فقد سأله بلهفة ورجاء: _ بجد يا محمود؟ هي قالت لك كدة يا بني. تنهد محمود محاولاً ترتيب أفكاره بعدما ورط نفسه، لكنه أصر على موقفه وقال بلهجة واثقة: _ لا يا عمي هي مقلتش، أنا اللي بقول سهر هتشتغل معايا فالفندق اللي أنا فيه، وهتبقى تحت حمايتي وعيني عليها طول الوقت، وحضرتك عارف الفندق سمعته إزاي، ده سبع نجوم يا عمي، يعني لا هتلاقي تحرش ولا قلة أدب وسفالة من أي حد. ورفع حاجبه بتحدٍ موجهاً نظرة ازدراء حادة لـ فؤاد، كأنه يصفعه بالكلمات أمام الجميع. أعجب صالح بشخصية محمود المتزنة وغيرته الصادقة، وود في قرارة نفسه لو كان فؤاد يملك ذرة من هذه المروءة، ولكنه أدرك بأسى أنه ابتُلي بابن أخ فاسد وعاق، فوقف وقال معتذراً: _ طيب إحنا هنستأذن، وأتمنى بجد تسامحوا ابن أخويا على ال حصل، إنما سهر فين؟ كنت حابب أعتذر لها بنفسي وأطيب خاطرها قبل ما أمشي. أجابه رشدي بوقار: _ هي فوق عند الست أم محمود، وأنا هبلغها اعتذارك يا أستاذ صالح، كتر خيرك. أخرج صالح ظرفاً من جيبه، ومد يده بهدوء إلى رشدي قائلاً: _ دي مكافأة على شغل سهر الفترة اللي فاتت، ورغم إني زعلان إني خسرت بنت فأخلاقها، بس الأحسن ليها يرضيني، وده حقها وتعبها. مد رشدي يده وأخذ الظرف من صالح بامتنان، ثم ألقاه بجانبه على الأريكة وقال بأسف: _ معلش سامحني، مش بقدر أقف كتير علشان رجلي زي ما أنتَ شايف كدة، شرفتونا. غادر صالح وفؤاد المنزل، وبينما كان صالح يشعر بالخزي، كان فؤاد يغادر وهو يبتسم بخبث غريب؛ فقد لمحت عيناه "الأرجيلة" الخاصة برشدي، وأدرك بنظرته الفاحصة للرجل أن مدخله لبيت سهر وحياتها سيكون من خلال هذه الطقوس التي يعشقها والدها، وعقد العزم في سره على العودة مرة أخرى تحت ستار الصداقة والمودة الزائفة. في حين صعد محمود ودرجات السلم تئن تحت وطأة خطواته الثائرة، فقد تملك منه الغضب بصورة كبيرة كاد معها أن ينفجر، فتح باب شقتهم ودلف بخطوات عاصفة، لكنه تجمد في مكانه فجأة وعيناه تتسع حدقتاهما بذهول؛ فقد رأى سهر نائمة فوق مقعد السفرة، وقد أسندت رأسها الرقيق على ذراعها السليم، غارقة في نوم عميق هربت فيه من أوجاعها. فبحث بعينيه عن والدته في أرجاء الصالة فلم يجد لها أثرا، فاقترب من سهر بخطوات بطيئة حذرة، كأنه يخشى أن يخدش سكونها، وقف بجانبها يتأمل ملامحها التي بدت في نومها أكثر رقة وبراءة، ولم يشعر بيده التي خانت إدراكه وتمردت على رزانته، لترحل عنه متلمسة شعرها برفق، ذلك الشعر الذي جمعته بإهمال في جديلة بسيطة. وحدق في رموش عينيها الكثيفة، فرأى أثرا لدموع لم تجف بعد، تتلألأ بين أهدابها كحبات لؤلؤ مكسورة، وود في تلك اللحظة لو ينحني ليمسح عنها تلك الدموع بشفتيه، وكاد يفعل من فرط وجده، لكنه انتبه فجأة إلى حاله فانتفض مبتعدا عنها، ينهر تصرفه الطائش واندفاع مشاعره التي كادت تفضحه. ود لو صرخ وأخبر الجميع بأمنيته التي تسكن أعماقه، لكنه كان على يقين أنهم سيقولون إنها مازالت طفلة، وهو يكبرها بالكثير من السنوات، خاصة وأنها تصر على مناداته (أبيه)، تلك الكلمة التي كانت تطعن قلبه في كل مرة تنطقها. وجد نفسه ينادي على والدته بصوت عال ليخرج من مأزق مشاعره، فانتفضت سهر فزعة، ووقفت فجأة ليلفها دوار عنيف أثر نهوضها المفاجئ، فترنحت وكادت تسقط أرضا، لتراها والدته التي خرجت لتوها وتصيح بهلع: _ الحقها يا بني دي هتقع! أسرع محمود والتقفها بين ذراعيه قبل أن تلمس الأرض، لتسري قشعريرة عنيفة في جسده بسبب سكونها المباغت بين يديه، فإحساسه بجسدها الغض استنفر كامل مشاعره الدفينة تجاهها، فضمها أكثر إليه دون وعي، فها هي حبيبته أخيرا بين ضلوعه، يتمنى لو تشعر بدقات قلبه التي أخذت تقرع صدره بعنف ما أن احتضنها، وحملها رغم اعتراضها الضعيف ومحاولتها التملص منه، ليصل بها إلى الأريكة ويجلسها عليها برفق، ثم ابتعد وهو يمرر يده في خصلات شعره محاولا استعادة أنفاسه المبعثرة. اقتربت صفية منها بقلق وقالت: _ شوفتي؟ ده آخرة أكلك الضعيف، مفكيش حيل خالص أنا هعملك حاجة تسند قلبك حالاً. رفضت سهر وهي تستنكر بداخلها تلك اللمسات التي شعرت بها من محمود، وقالت وهي تنظر للأرض بخجل شديد تتمنى معه أن تنشق الأرض وتبتلعها: _ لا يا خالتي مش عاوزة الله يخليكي أنا ماليش نفس، حتى هنزل بقا، زمان بابا محتاجني تحت أحضر لُه العشا، أنا قعدت كتير هنا ونسيته خالص. _ استني يا سهر، كنت عاوزك فموضوع اللي اسمه فؤاد ده جه واعتذر لابوكي وإحنا تحت، وكان عاوزك ترجعي الشغل تاني. قالها محمود وهو يجلس بجانبها، غافلًا تمامًا عما يدور فِى صدرها من اضطراب وقلق، فشهقت سهر بخوف، وارتسم الرعب فِى عينيها الخضراوين اللتين اتسعتا فزعاً وقالت: _ يا خبر! ده بابا كدة هيغصبني أرجع أنا عارفاه، مدام فيها فلوس مش هيهمه ال حصل. ربت محمود على يدها برفق، محاولا امتصاص خوفها، وقال بلهجة حازمة: _ متخافيش يا سهر، أنا رفضت علشاني مستريحتش لُه أبدا، وحسيت بمكره وقلت لعمي رشدي إنك هتشتغلي معايا فالفندق اللي أنا شغال فيه، وهتبقى تحت عيني ومحدش هيقدر يضايقك هناك أبدا. هتفت صفية بفرحة غامرة، وقد انزاح عن صدرها هم ثقيل وقالت: _ بجد يا ابني؟ والله فرحتني أهو كدة ابقى مطمنة عليها إنها مع أخوها اللي يحميها ويحافظ عليها، بدل بهدلة المحلات والناس اللي معندهاش دين دي. نظرت لُه سهر بخجل شديد، وقد توردت وجنتاها حياء، وقالت بصوت خفيض: _ بس يا أبيه أنا يعني يادوب واخدة دبلوم تجارة، هشتغل إيه ف فندق كبير وشيك زي اللي حضرتك بتشتغل فيه؟ أجابتها صفية بحماس الأم التي لا ترى عائقا أمام سعادة ابنتها: _ تشتغلي أي حاجة يا حبيبتي، طالما هتبقي مع محمود أخوكِ وتحت نظره، أي شغلانة تانية تهون.اندفع رشدي إلى الردهة متكئاً على ساعده عمران، وخلفهما مريام وفاطمة يتبعونهم بلهفةٍ لا توصف، وقال عمران بصوتٍ متهدج بالفرح الممزوج بالدموع: _صحيح يا بابا جنة فاقت؟! أنا ما صدقتش الممرضة لما بلغتني، كنت فاكر إني بحلم! احتضنت سهر عمران بحنان وهي تمسح على رأسه وتقبله: _أيوه يا حبيبي.. ممكن بقى ترتاح أنت كمان؟ الدكتور هيجيبها الغرفة دلوقتي وهنطمن عليها كلنا مع بعض. بعد لحظات، عاد الطبيب يجر فراش جنة، ودلف بها إلى الغرفة، ليجد الجميع في انتظاره بقلوبٍ خافقة. نظر الطبيب إلى الحشد الموجود وقال بصرامةٍ ممزوجة بالابتسامة: _لا يا جماعة.. بجد دي مستشفى مش صالة أفراح! المفروض فرد أو اتنين بالكتير، إنما العدد ده كله ما يصحش أبداً. ثم وجه نظره إلى عمران وقال: _وحضرتك إيه اللي خرجك بره أوضتك أصلاً؟! لا، أنا كدا هضطر أمنع الزيارة نهائياً عن الكل. أجابه عمران بتمسك: _لا يا دكتور، أنا هنقل هنا مع جنة وهسمع كل الكلام اللي تأمر بيه، بس المهم أطمن إنها بخير قدام عيني. في تلك اللحظة، فتحت جنة عينيها ببطء، وقالت بصوت ضعيف يكاد لا يسمع: _أنا بخير يا عمران.. اطمن. تنهد الجميع بارتياح عارم، وأمرهم ا
أحست جنة حين سمعت همسات والدتها وكأن ناراً تستعر داخل صدرها، تشعل قلبها وتكاد تلتهمه. كادت أن تقف وتعلن إنهاء كل شيء، وتصرخ في وجه الجميع بأنها لا تستطيع.. لكن مظهر والدها مازن وهو يجلس بكل هيبته بين الرجال، منتشياً بفرحته بها، جعلها تتراجع عن قرارها في اللحظة الأخيرة. كيف لها أن تخذله وتطعنه في عز كبريائه أمام الناس؟ ابتلعت غصتها، وأغمضت عينيها على وجعها، مكتفية بالصمت القاتل. مضت الأيام ثقيلة بطيئة، كأنها دهرٌ لا ينتهي. كانت جنة تلازم أخيها عمران في المشفى يومياً، تتابع معه أدق تفاصيل التحضيرات، وتُخفي خلف وجهها الشاحب وعينيها الذابلتين صراعاً نفسياً لا يعلم مداه إلا الله. في صباح اليوم المنشود، كانت جنة تجلس على طرف فراش عمران في غرفته بالمشفى، تنتظر قدوم طبيب التخدير. كان الجميع يحيط به، يغمرونه بالدعوات والكلمات المطمئنة. التفتت جنة إليه، وبابتسامة دافئة تحاول من خلالها قهر توترها، قالت بصوتٍ هادئ: _متخافش يا عمران.. أنت بطل وقدها، كل شيء هيكون بخير. ضحك عمران ضحكة ممتزجة بالخوف، وقال: _أنا مش خايف يا جنة لأني عارف إن كل خطوة مكتوبة ومقدرة، بس أنا قلقان عليكي أنتِ.. ابتلعت
تابع آدم بتركيز شديد على ملامحها ثم قال: _ولما دخل ياسين وقال إنه هيطلبك من عمي وإنك موافقة، قولت خلاص، هقطع الورقة وأطلقك علشان تقدري تعيشي حياتك اللي أنتِ اخترتيها. لحد ما لقيتك وسمعت رفضك له، وقتها وأنتِ بتفكريني بكلامك معايا يوم إسكندرية.. عرفت إني كسبت الحرب معاكِ. وقفت جنة بحدة وابتعدت عنه، وقالت بصوتٍ متمرد: _حرب إيه؟ وهو أساساً ما كانش فيه حرب بيني وبينك يا آدم! تنهد آدم، وتحرك ليقف خلفها مباشرة، وقال بصوتٍ رخيم يلامس أذنيها: _أنتِ الحرب نفسها يا جنة. إني أشوف اختيارك وأساعدك فيه على حساب نفسي حرب. إني أسلمك لياسين بإيدي كانت حرب فيها موتي. أنا حتى دلوقتي، حربي في اللحظة دي هي أنك يا تقبلي بيا يا ترفضيني. ثم استدار ليواجهها، وسألها بصدقٍ جارح: _فقولي لي يا جنة.. أنتِ عاوزاني زي ما أنا عاوزك؟ ولا مش حاساني من الأساس ولسه بتحبي ياسين؟ التفتت جنة إليه، وعيناها اللتان غلفتها الحيرة والارتباك تقابلان نظراته الثابتة، وقالت بصوتٍ منخفض يحمل في طياته الكثير من الإنهاك: _مش عارفة أنا عاوزة إيه.. أنا محتارة يا آدم، أرجوك سيبني لوحدي. أنا فعلًا محتاجة أكون مع نفسي من غير أي ضغط،
أحست جنة بضربات قلبها تشتد حتى كادت تسمع صدى وقعها في الغرفة. حاولت أن تتحدث، لكن صوتها تلاشى في حلقها؛ فأغمضت عينيها وهي ترتجف، وشعرت أن قدميها لم تعودا تقويان على حملها. فجأة، شعرت بوقع قبلته على شفتيها، ففتحت عينيها بصدمة عارمة ودفعت صدره بقوة، ورفعت إصبعها أمام وجهه لتهدده، لكنه لم يمهلها، إذ جذبها داخل صدره وهاجمها بقبلة أخرى أكثر عمقاً. صرخت جنة بشدة وهي تحاول التخلص من قبضته، وأسرعت نحو الباب، لكنها فوجئت به موصداً! التفتت إليه بخوف، فوجدته يقف مكانه، يعقد ذراعيه وينظر إلى حيرتها وصدمتها بهدوءٍ مريب. اقترب منها ببطء وجذبها لتجلس بجانبه على حافة الفراش، ثم أخرج ورقة مطوية من جيبه وقال بنبرة هادئة: _اقري دي كدا يا جنة آدم.. أخذت جنة الورقة بيدين مرتعشتين، وقرأتها، ثم وقفت فجأة وهي تتنفس بحدة وقالت: _دي.. دي ليها سنين! وبعدين إحنا كنا بنلعب، أنا فاكرة إن وقتها مريام جابت الورق وكتبتها هي وعمران وقالوا الورقة دي علشان محدش يبعدهم عن بعض، وبعدها خرجوا وسابونا. وأنا جيت أنت بعدها وقلت "تعالي نعمل زيهم"، وأهي تبقى ورقة تربطنا ببعض! وقلت لي إنك هتشيلها للذكرى وأنا مضيت.. بس بعد كده
في جناح عمران ومريام الهادئ، حدق عمران في وجه مريام بسعادة لا توصف، وشاهدها وهي تجلس أمام المرآة تمشط شعرها الطويل بنعومة. اتجه نحوها فابتسمت لصورته المنعكسة في المرآة وقالت بدلال: _ارجع مكانك يا عمران.. أنت عارف اللي فيها، الدكتور قال ما فيش أي إجهاد، كفاية مجهود الفرح والسفر.. خليك بقى شاطر واسمع الكلام. أخذ منها عمران الفرشاة برفق وبدأ هو يمشط شعرها بتأنٍ وقال: _الدكتور يقول اللي يقوله، إنما أنا أعمل اللي أنا عاوزه.. حد يبقى بين إيده مراته، حبيبته، وأمله في الدنيا، ويسمع كلام الدكاترة ويقعد بعيد؟! وقفت مريام وابتعدت عنه قليلًا بجدية مصطنعة وقالت: _وبعدين يا عمران؟! بردوا لأ.. ولو فضلت كدا هروح أنام مع جنة وأسيبك. حملها عمران فجأة بخفة ووضعها على فراشهما وقال بنبرة مفعمة بالحب والرجولة: _ما بقاش عمران ابن آدم لو ما نفذتش اللي أنا عاوزه يا مريم.. قال تنامي برا حضني ليه؟! هي جوازة سوسن؟! حاولت مريام رفضه بخجل، ولكنه تغلب عليها بفيض حبه وغمره، وأخذها إلى عالمه الخاص ليعوضها ما فاتهما من وقت وأيام. في الجناح المجاور، راقب رشدي ملامح فاطمة النائمة بجانبه، وهمس وهو يتلمس وجنتيها
وفي الجهة الأخرى، احتضن رشدي فاطمة ودار بها في نشوة، فصاحت ضاحكة وهي تتعلق برقبته: _حبيبي، خلي بالك على نفسك، أنا تقيلة عليك! قبّلها رشدي من جبهتها برقة، وعيناه تغرقان في تفاصيل وجهها، وقال: _عجباني بكل حالاتك يا قلب رشدي.. أنا مش مصدق إن أخيرا هيضمنا بيت واحد، ياه يا فاطمة.. أخيرًا حلمي اتحقق معاكي.. أنا بحبك يا مطلعة عيني، بحبك! علت الضحكات أثر ارتفاع صوت رشدي العفوي، فأخفت فاطمة وجهها في صدره بخجل شديد. اقتربت منها والدتها "منال" وبصوتٍ متهدج قالت: _مبروك يا حبيبتي، ألف مبروك يا رشدي، ربنا يسعدكم ويجعل أيامكم كلها خير. ثم نظرت إلى رشدي بنظرة توصية أم، وقالت: _خلي بالك من فاطمة يا رشدي، وحطها جوا عينيك.. دي بنتي الوحيدة وقطعة من روحي. شدّ رشدي فاطمة إلى أحضانه بقوة وقال بصدقٍ الرجال: _فاطمة جوا قلبي وروحي، ومش محتاجة توصيني على نفسي أبدًا.. دي النعمة اللي ربنا منَّ عليا بيها، وهصونها بدمي. ربت "هاني" والد فاطمة على كتف رشدي وقال بتقدير: _ابن أصول يا رشدي، طول عمرك ابن أصول. ثم التفت هاني لزوجته منال، واحتضنها هامسًا في أذنها بنبرة غزل دافئة: _حبيبة قلبي اللي كل ما بتكبر
اتجهت صفية نحو الباب ووقفت بانتظار سهر، التي تقدمت نحوها بـخطواتٍ وئيدة مـثقلة بالتردد؛ وما إن وقفت أمام الباب المفتوح المـفضي إلى الردهة الخارجية، حتى تسمرت قدماها وتجمدت أوصالها، وتبدلت ملامحها في لحظةٍ واحدة ليحتلها رعبٌ مـزلزل. ارتفع عويل أنفاسها اللاهثة، وتراجعت إلى الخلف بـذعرٍ وهي تهز رأسها
مر الأسبوع وسهر وصفية تبذلان قصارى جهدهما لإقحام سيرة "هدى" في كل حديث يجمعهما بمحمود، حتى ضاق ذرعًا بإلحاحهما الذي لا ينتهي. جلس بجانب والدته، وعيناه مصلوبتان على سهر التي تعمدت الجلوس بعيدًا عنه، وقال بنبرة يمتزج فيها السأم بالضيق:_ بجد أنتم الاتنين تزهقوا.. أنا خايف أنام تطلعوا لي ف الحلم وتتكل
ولجت سهر غرفتها بخطواتٍ مثقلة كأنها تجر خلفها جبالاً من الهموم، وما إن أوصدت الباب حتى انهارت قواها وسقطت على فراشها، واختطفت إحدى الوسادات تضغط بها على وجهها بكل قوتها؛ لتكتم نحيبها المرير وصرخات الألم المكتومة التي كادت تمزق صدرها. كانت تشعر بنيرانٍ تشتعل فِى أعماقها، نيران القهر على حالها الذي و
رافقت سهر مع هايدِي والاضطراب يـأكل أحشاءها، لا تدري كيف سـتـواجه آدم؟ كيف سـتـنظر فِى عينيه اللتين كـذبتا عليها بـاحتراف؟ أم هل سـتـرى فيهما الآن صورة الـرجل الذي تـتحمله خطيبته لـخمس سنوات رغـم غـدره؟ وانتبهت لـصوت هايدِي عند وصولهما للجناح وهي تقول: _ اتـفضلي يا سهر، اقعدي هنا، أنا هـدخل أبلغ







