INICIAR SESIÓNمرّ أسبوع…وكان مختلفًا عن كل الأسابيع التي سبقته.لم تحدث فيه مشاجرات.ولم تُغلق فيه الأبواب بعصبية.ولم يهرب أحدهما من الآخر كلما التقيا.بل مرّ هادئًا…هادئًا إلى درجة أن المنزل نفسه بدا وكأنه يتنفس أخيرًا.كان أسبوعًا امتلأ بأشياء صغيرة…لكنها كانت كافية لتُصلح ما أفسدته الأيام السابقة.عاد جاك إلى روتينه المعتاد في العمل.وعادت لونا إلى عملها المتقن داخل الشركة.لكن شيئًا ما تغيّر بينهما.لم يكن تغييرًا كبيرًا…ولم يكن شيئًا يستطيع أيٌّ منهما وصفه.بل كان شعورًا هادئًا…بدأ يكبر بينهما دون أن ينتبها.لم تعد لونا تتعمد الابتعاد عنه.وأصبح المرور بقربه أمرًا طبيعيًا، بعد أن كان يكلفها شجاعة لا تملكها.وأما جاك…فلم يعد يراقبها من بعيد كما كان يفعل خوفًا من أن يضغط عليها.صار يقترب منها أكثر.يسألها عن يومها.يطمئن على تدريبها.وأحيانًا…كان يكتفي بالنظر إليها للحظات قصيرة قبل أن يعود إلى عمله، وكأن مجرد رؤيتها أصبحت تكفي ليشعر بأن يومه يسير على ما يرام.حتى والدة جاك…كانت أول من لاحظ ذلك.كانت تراقبهما بصمت.تبتسم كلما رأتهما يتحدثان لدقائق أطول من المعتاد.أو عندما ينسى أحدهما نف
كان المساء قد أرخى ستاره على المنزل.انتهى العشاء منذ قليل، وعادت لونا إلى المطبخ تساعد في ترتيب الأطباق، بينما جلس جاك في غرفة الجلوس، واضعًا بعض الملفات أمامه.لكن…لم يكن يقرأ.كان يقلب الصفحات فقط، وكأن حركته محاولة يائسة لإقناع نفسه بأنه منشغل.وعيناه شاردتان، تتوقفان أحيانًا عند سطر دون أن تراه حقًا، ثم تنزلقان بعيدًا وكأن شيئًا آخر يشده من الداخل.دخلت والدته وهي تحمل كوبًا من القهوة، ثم وضعته أمامه.جلست مقابله، وظلت تنظر إليه طويلًا، تراقب ذلك الشرود الذي لم تعهده منه بهذه الطريقة.رفع جاك رأسه أخيرًا، وقد شعر بنظرتها تثقل عليه.“ماذا؟”ابتسمت بخبث.“لا شيء.”“…أستمتع فقط.”رفع حاجبًا، لكن في داخله كان هناك قلق خفيف، كأنه يخشى أن تكون قد التقطت ما يحاول إخفاءه.“بماذا؟”أسندت ذقنها إلى كفها وقالت:“برؤية ابني يبتسم وحده.”توقف جاك لحظة، وكأن الكلمات أصابته في نقطة لم يكن مستعدًا لها.شعر بشيء يشبه دفقة هواء دافئ تمر عبر صدره، تمتد ببطء إلى أطرافه، كأنها ذكرى قديمة تستيقظ، ومعها ارتجافة خفيفة في قلبه، نبضة غير مستقرة أربكته، قبل أن يخفض نظره سريعًا إلى الملف أمامه، هاربًا.“أن
كان المنزل هادئًا… هادئًا أكثر مما اعتادته لونا.منذ أن عادت من موقع العمل، وهي تحاول أن تشغل نفسها بأي شيء، فجلست قليلًا ثم نهضت، ووقفت عند النافذة قبل أن تعود وتجلس من جديد، وفي كل مرة كانت عيناها تنجرفان إلى الساعة المعلقة على الجدار.مرّت دقائق… ثم دقائق أخرى، لكن عقاربها بدت وكأنها تعاندها.راقبتها والدة جاك بصمت، ثم ابتسمت وهي تقول:“ما زال أمامه وقت.”انتبهت لونا إلى نفسها بسرعة، فأبعدت نظرها عن الساعة وقالت بتوتر خفيف:“أنا… لم أكن أنظر إليها.”ضحكت الأم.“طبعًا… كنتِ تنظرين إلى الحائط.”نفخت لونا وجنتيها باعتراض.“خالتي…”“ماذا؟”“تستمتعين بإغاظتي.”ابتسمت الأم ابتسامة أوسع.“قليلًا.”دخلتا المطبخ، وكانت والدة جاك تفتح إحدى الخزائن حين سمعت صوت لونا خلفها:“خالتي…”التفتت إليها.“نعم يا ابنتي؟”ترددت لونا للحظات، ثم خرج السؤال منها على استحياء:“إذا كانت… يد شخصٍ مصابة… فما الطعام الذي يكون أسهل له؟”ساد الصمت، وحدقت الأم بها، ثم…انفجرت ضاحكة، واضعة يدها على فمها، لكن ضحكتها لم تتوقف.اتسعت عينا لونا.“ما الذي يضحك؟”قالت الأم وهي تحاول التقاط أنفاسها:“لا شيء… لكن يبدو أن ه
ساد صمت قصير بعد كلمات لونا الأخيرة، وكأن الهواء نفسه توقف للحظة بينهما.“أنت لست بخير.”بقي جاك ينظر إليها لثوانٍ، بينما كانت هي لا تزال تحدق في الضمادة التي تغطي جانب جبينه، وكأنها تحاول أن تقنع نفسها أنه يقف أمامها بالفعل… وأنه بخير، رغم كل ما تراه أمامها.قطع الطبيب الصمت وهو ينهي تثبيت الضماد، وصوت احتكاك الشاش بدا واضحًا في الجو الهادئ.“الجرح في الرأس سطحي، لكنه احتاج إلى عدة غرز في اليد. لا أرى ما يدعو للقلق، لكنني أنصحك بالراحة اليوم.”هز جاك رأسه بهدوء، وكأنه يتلقى تقريرًا عاديًا لا يخصه.“شكرًا.”ثم همّ أن ينهض، إلا أن الطبيب أوقفه مجددًا وهو يرفع يده محذرًا:“ولا تستخدم يدك كثيرًا.”ألقى جاك نظرة سريعة إلى الضماد الملفوف حول كفه، ثم قال بنبرة هادئة كعادته، وكأنه يطمئن الجميع أكثر مما يطمئن نفسه:“سأحاول.”كانت لونا تستمع إلى الحديث كله، لكنها لم تبدُ مقتنعة بأي كلمة، وعيناها لم تفارقا إصاباته. اقتربت منه خطوة أخرى، وقالت بجدية لم تستطع إخفاءها:“سنعود إلى المنزل.”رفع جاك عينيه إليها، وبقي ينظر إليها لحظة قبل أن يجيب بهدوء، وكأنه يزن كلماته بعناية:“ليس الآن.”عقدت حاجبيها
كانت لونا تراجع بعض الملفات على مكتبها، تحاول أن تغرق نفسها في تفاصيل العمل، وكأنها بذلك تستطيع أن تهرب من أفكار الليلة الماضية التي كانت تلاحقها بإصرار لا يهدأ.ومع ذلك، لم تستطع منع نفسها من رفع رأسها بين الحين والآخر، تنظر نحو باب مكتب جاك وكأنها تنتظر أن يُفتح في أي لحظة.لكنه ظل مغلقًا.تنهدت بصمت، زفرة خفيفة خرجت منها دون وعي، ثم عادت إلى الأوراق أمامها، تحاول أن تستعيد تركيزها الذي كان يتبدد سريعًا.وفي تلك اللحظة…اندفع أحد المهندسين إلى مكتب السكرتيرة بخطوات متسارعة، وكأن شيئًا عاجلًا يدفعه إلى الأمام.كان التوتر واضحًا على ملامحه، وقال بصوت منخفض لكنه مشحون بالقلق:“أين الآنسة سارة؟”رفعت السكرتيرة رأسها بسرعة، وقد التقطت نبرة القلق في صوته.“ماذا حدث؟”اقترب منها أكثر، وكأنه لا يريد أن يسمعه أحد غيرها، ثم قال بقلق واضح:“اتصلوا بي من موقع المشروع.”انعقد حاجباها فورًا، وشعرت بأن الأمر ليس بسيطًا.“خير؟”تنهد المهندس، وكأنه يحاول أن يختار كلماته بعناية، ثم قال:“حدث عطل أثناء المعاينة…”توقف لحظة، ثم أكمل بصوت أثقل:“وسقط جزء من أحد الرفوف المعدنية.”حبست السكرتيرة أنفاسها،
لم يبقَ من صوت الأمواج شيء، ولا من كلمات ماكس، لكنها ظلت عالقة في رأس جاك حتى وهو يقود سيارته عائدًا. كانت المدينة نائمة والطرقات شبه خالية، أما هو فلم يكن يرى منها شيئًا، فكل ما كان يراه هو وجه لونا، ارتباكها وصمتها، والنظرة التي لمحها في عينيها قبل أن يغادر. تنهد بصمت وأدار المقود نحو المنزل.⸻في الجهة الأخرى، كانت لونا ما تزال مستيقظة ولم تستطع أن تنام، فكلما أغمضت عينيها عادت إليها صورته وهو يقف أمام الباب، ثم صوته الهادئ وهو يقول:“حين تهدئين… اسأليني عنها.”فتحت عينيها مرة أخرى وحدقت في سقف الغرفة طويلًا، ثم التفتت نحو الجهة الأخرى من السرير حيث كان مكانه فارغًا. مدت يدها نحوه دون وعي، لكنها لم تجد سوى برودة الملاءة، فسحبت يدها بسرعة وكأنها ارتكبت خطأ، وأخفضت رأسها. لم تكن تعرف ما الذي تشعر به؛ لم تعد غاضبة، لكنها لم تكن مرتاحة أيضًا، وكان هناك شيء يضغط على صدرها منذ خرج ويزداد ثقلًا مع مرور الوقت. التفتت نحو الباب وظلت تنظر إليه دقائق طويلة، وكلما سمعت صوتًا في الخارج اعتقدت أنه عاد، لكن الباب لم يُفتح.⸻توقفت سيارة جاك أمام المنزل، فأطفأ المحرك وبقي ممسكًا بالمقود، ثم رفع عي
في صباح الإثنين، حاولت لونا أن تبدأ يومها بشكل طبيعي.لكن صورة نهاية الأسبوع كانت تلاحقها كلما حاولت التركيز.دانيال وهو يلوّح بالكاميرا بفخر.جاك وهو يطلب حذف الصورة فورًا.واللحظة القصيرة التي سبقتهما.لم تكن المرة الأولى التي يقترب فيها منها، لكنها كانت المرة الأولى التي تشعر فيها أن الأمر لم يك
.لم يكن هناك منبه يلاحقها، ولا ملفات تنتظرها، ولا اجتماعات تبدأ بعد ساعة.لأول مرة منذ أسابيع شعرت أن اليوم يخصها وحدها.لكن رغم ذلك، لم يكن عقلها هادئًا.كلما حاولت التركيز في شيء آخر، عادت صورة فيكتوريا إلى رأسها.طريقة حديثها.ثقتها.وكأنها تعرف مكانها داخل حياة جاك منذ سنوات.تنهدت وهي تضع كوب
في صباح اليوم التالي، وصلت لونا إلى الشركة وهي ما تزال تفكر في حديث الأمس.لم يكن الحوار طويلًا.لكن بعض الجمل بقيت عالقة في رأسها بطريقة مزعجة.“أنتِ لا تفعلين.”كلما تذكرتها شعرت أن خلفها معنى لم تستطع الإمساك به بالكامل.حاولت تجاهل الأمر والتركيز على العمل، لكن ما إن وصلت إلى مكتبها حتى وجدت مج
بقيت لونا واقفة داخل الغرفة للحظات بعد أن أغلق جاك الباب خلفها.كانت غرفة بسيطة مقارنة ببقية المنزل. لا شيء مبالغ فيه، لا ديكورات فاخرة بشكل مستفز، فقط مكان مرتب وهادئ.استدارت نحوه.“هل كل شيء عندكم يحمل معنى خفي؟”رفع حاجبه قليلًا.“ماذا تقصدين؟”“كلما سألت سؤالًا أحصل على نصف إجابة.”نظر إليها ل







