All Chapters of لعبة المرايا: Chapter 41 - Chapter 50

103 Chapters

ارتداداتُ القبلةِ وهندسةُ الشك

منذ تلك اللحظة في قاعة السينما المظلمة، والقبلةُ لم تعد مجرد تلامسٍ عابرٍ؛ لقد تحولت في مخيلتي إلى "نقطة ارتكاز" مهتزة، فوق أرضٍ تميدُ بنا جميعاً. كانت سارة تتصرف في اليوم التالي كأنها ملكت صك الاستحواذ على قلبي، وبدافعٍ من الرغبة في الهروب للأمام، أخبرتُها بمباركة راما لنا. كنتُ أحاول إقناع نفسي بأن كل شيء يسير وفق "المخطط الطبيعي"، بينما كنتُ أتحسس شقوق الزيف وهي تتسع في صدري كأخاديد عميقة. ​جاء مساء العشاء المشؤوم. خرجتُ من المصعد لأجد سارة بانتظاري أمام باب شقتها. كانت قد اعتنت بمظهرها لدرجةٍ أثارت ذعري؛ فستانٌ يصرخ بالحضور، ومكياجٌ يوحي بأنها ذاهبة "لمواجهة مصيرية" وليس لمجرد جارة تزور جارتها. ​"تبدين رائعة يا سارة،" قلتُ بنبرةٍ حاولتُ أن تكون هادئة. ​"يجب أن أبدو كذلك، أليس كذلك؟" أجبت بحدة وهي تعدل شعرها أمام المرآة، "نحن ذاهبون لراما.. المصورة التي ترى كل شيء. لا أريد لعدستها أن تلتقط أي ثغرة في وجودي بجانبك. وبصراحة، مباركتُها لنا جعلتني أريد أن أريها أن مباركتها قد أثمرت فعلاً." ​لمحتُ في نبرتها ذلك "التحفز" الذي يسبق الانفجارات الكبرى. سارة ليست غبية؛ كانت تشعر بأن "رام
Read more

ممراتُ الغفرانِ والظلالُ البديلة

عدتُ إلى غرفتي في السكن الجامعي وأنا أشعر أن جدرانها أرحمُ بكثير من ممرات تلك البناية التي تفصل بين راما وسارة. استلقيتُ على سريري، أحاولُ إعادة هندسة أحداث العشاء في ذهني؛ كنتُ أحلل نظرات سارة الحادة وارتجاف يد راما وهي تلتقط الصورة، محاولاً العثور على "توازن إنشائي" يمنع هذا البنيان من الانهيار فوق رأسي. نمتُ بقلبٍ مثقل، واستيقظتُ على شعورٍ بالذنب يطاردني كظلي؛ ذنبٌ تجاه سارة التي أحرجتُها بصمتي، وذنبٌ تجاه راما التي كذبتُ عليها بحضوري، وذنبٌ تجاه نفسي التي ضاعت بينهما. ​لم يطل صمتُ هاتفي كثيراً. ومع حلول المساء، أضاءت الشاشة باسم "سارة". ترددتُ للحظة، متوقعاً جولةً جديدة من العتاب الممزوج بالغيرة، لكنني عندما أجبتُ، وجدتُ صوتاً مختلفاً تماماً؛ صوتاً ناعماً، خفيضاً، يكادُ يهمسُ بالاعتذار. ​"كريم.. هل أنت غاضب مني؟" بدأت سارة حديثها، ولم تنتظر إجابتي لتتابع بلهجةٍ غلبت عليها الرقة: "أنا آسفة على ما حدث البارحة. ربما بالغتُ في تحليل الأمور، وربما جعلتني غيرتي أرى أشباحاً لا وجود لها. راما كانت مضيفةً رائعة، وأنا فقط.. لم أتحمل فكرة أنها تعرف عنك تفاصيل صغيرة لا أعرفها أنا بعد. هل تس
Read more

انقطاعُ اللذةِ وصراخُ الحقيقة

​في تلك اللحظة، وسط الظلال الخافتة التي يرسمها المصباحُ الجانبي في زاوية شقة سارة، شعرتُ وكأن العالم الخارجي قد توقف عن الدوران. كلماتُ سارة عن الأمان وعن خلع الأقنعة كانت بمثابة الضوء الأخضر الذي فجر كل تلك المشاعر المكبوتة في صدري. لم يكن الأمر مجرد رغبة، بل كان بحثاً يائساً عن مرفأ أرسو فيه هرباً من أمواج السر الذي يغرقني. ​نظرتُ إلى عينيها، ورأيتُ فيهما انعكاساً لضعفي. اقتربتُ منها ببطء، كأنني أتحسس توازن هيكلٍ هندسيّ بالغ الرقة. وضعتُ يدي خلف عنقها، وسحبتُها نحوي برفق جعل أنفاسنا تشتبك قبل شفاهنا. وعندما التقت شفتانا، كانت قبلةً "ممتلكة"، دافئة، وتفوح برائحة الفانيليا المنبعثة من بشرتها. كانت تستجيب بتوقٍ فاجأني، وكأنها هي الأخرى تبحث عن خلاصها في هذا العناق. ​انتقلتُ بتقبيلي من شفتيها نحو خط فكها، وصولاً إلى عنقها. رائحة عطرها تزداد كثافةً كلما اقتربتُ من نبضها المتسارع. شعرتُ برعشةٍ تسري في جسدها عندما لمست شفتاي تلك المنطقة خلف أذنها، وخرجت منها "آهةٌ" خافتة كانت كفيلة بأن تفقدني آخر ذرات رصانتي الهندسية. بدأت يداي تتحركان بجرأة أكبر؛ شعرتُ بملمس ثوبها الحريري تحت أصابعي، ذل
Read more

ارتداداتُ الانهيارِ والرجوعُ إلى المدار

بقيتُ واقفاً في عتبة الشقة، وجسدُ راما المرتجف بين يديّ يعيدُ ترتيب كيمياء وعيي بالكامل. تلاشت رائحة الفانيليا التي تركتُها على عجالة في الشقة المجاورة، وحلّت محلها رائحةُ راما المألوفة؛ رائحة المطر والحزن الدفين التي تسكن مسامها. كان بكاؤها في صدري عنيفاً، يمزق صمت الممر الرخامي، ويقذف في عقلي بمئات الأسئلة المقلقة: هل عرفت؟ هل رأت أحمد مع تلك المرأة؟ هل تجسدت مخاوفي ووصل إليها خبر الخيانة التي بذلتُ كل جهدي لأطمرها تحت جبال الصمت؟ ​رفعتُ وجهها ببطء بين كفيّ، وكأنني أمسك قطعةً من بلورٍ نادر يوشك على التحطم. نظرتُ إلى عينيها المحتقنتين بالدموع، وشعرتُ برعشةٍ غريبة تجتاحني؛ فالدموع التي غسلت وجهها لم تطفئ جماله، بل جعلته يبدو أجمل بمئة مرة. كان الحزن والضعف قد أضافا أبعاداً بصرية جديدة لوجهٍ عشقتُ أدق تفاصيله، وكأنني لم أكتفِ بالولع بها في حالتها الأولى، ليزيدني انكسارها غرقاً في حبها. مسحتُ دموعها بإبهامي برقةٍ متناهية، وسألتها بنبرةٍ يحركها الخوف والترقب: ​"راما.. أرجوكِ أخبريني، ماذا حدث؟ ما الذي أوصلكِ إلى هذه الحالة؟" ​تنفست بصعوبة، وكأن الكلمات تخنقها، ثم انفجرت تحكي والدموع ت
Read more

مرآةُ الحقيقةِ العارية

​غادرتُ شقة راما مع بزوغِ أولِ خيطٍ من ضوءِ الفجر الباهت، والبردُ القارس يتسللُ إلى مسامي ليغسلَ بقايا حرارة جسدها التي تعلقت بملابسي طوال تلك الليلة العصيبة. تركتُها نائمةً أخيراً بعد صراعٍ مع بكاءٍ يمزق الحجر، لكن روحي ظلتْ هناك، مسجونة بين ثنايا وسادتها ورائحة الحزن الفواحة. مشيتُ في ذلك الممرِ الصامت، وشعرتُ بأن الرخام تحت قدمي يهتزُّ بوقر أسرارنا الملعونة. توقفتُ أمام باب سارة، وكان السكونُ ثقيلاً لدرجةٍ تجعل أنفاسي تبدو كالعواصف في أذني. ​رفعتُ يدي المرتجفة، وطرقتُ الباب بضرباتٍ خافتة يملؤها الوجل. كنتُ أنتظر صراخاً، أو شتائم تليقُ برجلٍ غادرَ حبيبته في قمةِ لحظاتِهما الخاصة ليهرعَ لامرأةٍ أخرى. كنتُ مستعداً للطرد، بل ربما كنتُ أبحثُ عن أي شكلٍ من أشكال العقاب الذي يريحُ ضميري الذي نخرته الخطايا. ​لكن البابَ فُتح بهدوءٍ مريب، هدوءٍ كان أشدَّ إيلاماً من صفعات الغضب. وقفت سارة هناك؛ عيناها محتقنتان بدموع السهر، والهالاتُ الداكنة تحيطُ بهما كوشمٍ أبديّ، وشعرها الذي كان شلالاً من الفتنة أصبح الآن خيوطاً مبعثرة تحكي قصة ليلةٍ حارقة. نظرتْ إليّ نظرةً طويلة صامتة، ثم أومأت لي بالدخول
Read more

سكونُ العاصفةِ ومرايا الخداع

خرجتُ من شقة سارة وأنا أشعر أنني تركتُ خلفي جثة علاقةٍ لم تكتمل، محملًا بكلماتِها التي اخترقت روحي كسهامٍ مسمومة. "الجميع يعرف".. كانت هذه العبارة تدور في عقلي كإعصارٍ صامت وأنا أعبر الممر عائداً إلى شقة راما. كيف سأواجهها الآن؟ وكيف سأخفي عنها أن سري لم يعد سراً؟ ​دلفتُ إلى الشقة، واستقبلتني رائحة القهوة القوية التي كانت تفوح من المطبخ، لتطرد رائحة الحزن والبكاء التي تركتُها قبل ساعات. صُعقتُ عندما رأيتُ راما؛ لم تكن تلك المرأة المنكسرة التي فارقتُها فجراً. كانت قد استعادت نشاطها بشكلٍ مذهل، ترتدي مئزراً ملوناً وتتحرك بخفةٍ بين أرجاء المطبخ، والابتسامةُ قد عادت لترتسم على وجهها وكأن ليلة البارحة كانت مجرد حلمٍ عابر. ​"أوه، كريم! لقد عدت،" قالتها وهي تضع فنجان القهوة أمامي بنبرةٍ تفيض بالود. "هل صالحْتَ سارة؟ أرجوك أخبرني أن الأمور سارت على ما يرام وأنها تفهمت الموقف." ​تنهدتُ بعمق، وجلستُ على المقعد الخشبي وأنا أشعر بثقلٍ لا يوصف. "لقد انتهى كل شيء بيننا يا راما. سارة اتخذت قرارها، وأظن أن هذا هو الأفضل للجميع." ​تجمدت راما مكانها، واختفت ابتسامتها لثوانٍ حلّ محلها شعورٌ طاغٍ بال
Read more

غسل الخيانة بماء الجليد

دخلت راما الشقة كجثةٍ تمشي بلا روح، تتحرك بآلية صماء كأنها دمية خيطها المقطوع يتدلى خلفها على الأرض. عيناها الزجاجيتان لم تكونا تريان شيئاً من ممر البيت الذي ألفته، بل كانت تريان فقط تلك الصورة الملعونة التي التصقت بشبكية عينها كوشم من نار: ليلى مستلقية على صدر أحمد تحت ظل الشجرة، أصابعها البيضاء تداعب شعره ببطء قاتل، ووجهها يفيض بدلالٍ لم يكن من حقها، بدلال سرقته من امرأة أخرى. كانت راما تسمع في رأسها صدى ضحكة ليلى التي اعتادتها في المطبخ وفي الصالة، ضحكة الصديقة الوفية التي كانت تأكل من صحنها وتشرب من كأسها وتنام تحت سقف بيتها، ثم تعود لتسرق منها زوجها في وضح النهار وكأنها تمارس حقاً مقدساً. لم تخلع حذاءها. مشت فوق الرخام البارد بخطواتٍ ثقيلة تترك خلفها أثراً من طين المنتزه وبقايا العشب، كأنها تريد أن تلوث هذا البيت الذي خانها بكل ما فيه. دخلت الحمام وأغلقت الباب خلفها بقوة، وسمعتُ صوت المفتاح يدور مرتين، ثم ثلاثاً، وكأنها تحبس نفسها عن عالم لا يستحقها. وقفتُ في الصالة مذهولاً، لا أعرف كيف أتصرف. ثم سمعتُ صوت الماء. كانت فتحة الصنبور على أقصى درجة، والماء يندفع كشلال غاضب، يتدفق ب
Read more

عرش مندمج من ماء ونار

دخلتُ بها غرفتها، واستقرت بين ذراعيّ كأنها وجدت ملاذها الوحيد في عاصفة قارسة لا ترحم. كانت الغرفة مغمورة بالظلام إلا من ضوء خافت يتسلل من تحت الستائر، ضوء المدينة البعيد الذي بدا في تلك اللحظة كأنه يبكي معنا على حطام الأحلام. أنزلتها برفق على حافة السرير، وجلستُ بجانبها دون أن أفلت قبضتي عليها. كانت ملابسها لا تزال تفيض نداوة، تلتصق بجسدها بغرائزية تبعث على الجنون، تكشف عن تضاريسها الأنثوية بوضوح كان من الممكن أن يوقعني في حمق لو لم يكن قلبي ممتلئاً بألمها أكثر من شهوتي. شعرتُ برغبتي في غض الطرف، في الهروب، في أن أقول لها "غيري ملابسكِ" ثم أخرج لأتنفس. لكن صراخ عينيها كان أعلى من أي شهوة، كان صراخ امرأة تقول: "انظر إليّ كما أنا، لا كما كنتِ تراني من خلف جدران الأسرة والتقاليد. انظر إلى جروحي، انظر إلى عريي الذي لم يعد عارياً لأن الخيانة جردتني من كل شيء حتى من الخجل." "راما.." همستُ بصوت أجش، وأنا أحاول تثبيت نظري على عينيها لا على جسدها. "يجب أن تغيري ملابسكِ. لا يمكنكِ البقاء هكذا. سأذهب لأحضر لك رداءً جافاً.. انتظري هنا." لكن قبل أن أنهض، تشبثت بي بقوة لم أتوقعها من جسدها المنهك
Read more

قسم على أنقاض الحصون

خرجتُ من غرفة راما وأغلقتُ الباب خلفي بهدوء شديد، كأنني أخشى أن أي صوت عالٍ سيكسر الزجاج الرقيق الذي بدأت مشاعرها تستقر خلفه. مشيتُ في الممر الطويل نحو الصالة، وخطواتي كانت تئن تحت وطأة ما رأيته وما سمعته. دخلت الصالة التي كانت مغمورة بظلام الليل إلا من وهج المدينة البعيد الذي كان يتسلل عبر الستائر ليرسم على الأرض لوحات ضوئية شاحبة تتحرك مع مرور السيارات البعيدة. ارتميتُ على الكنبة الرمادية، تلك الكنبة التي رأتنا في ليالٍ سابقة نتماسك ونتهالك، نلعب لعبة الأقنعة التي أتقناها تماماً حتى كدنا نصدقها نحن أيضاً. وضعتُ رأسي بين يديّ، وبدأت أعيد تشكيل خارطة روحي المنهارة قطعة قطعة، كمن يحاول ترميم سفينة تحطمت في عاصفة ضخمة ولا يملك لها إلا لوحاً خشبياً قديماً وصبراً ممزقاً. كانت صورة راما وهي جالسة تحت الماء البارد لا تفارق مخيلتي، جالسة عارية تحت القماش الرطب، تبكي بصمت، وحدها، في حمام بارد يعكس برودة حياتها كلها. كانت صورة امرأة أُجبرت على أن تكون قوية طوال الوقت، وإذا بها تنهار في لحظة واحدة لترينا كم كانت هشة بالفعل، وكم كان صبرها مجرد جدار من ورق أمام زلزال الخيانة. تذكرتُ كلمات سارة
Read more

وسادة في حجر القدر

استيقظتُ على صوت خطوات خفيفة كحفيف أوراق الخريف على رصيف مبلل بعد مطر ليل طويل. كانت الخطوات تقترب ببطء متردد، وكأن صاحبها يخشى أن يوقظني أو يخشى أن يراني مستيقظاً. فتحتُ عينيّ ببطء، فوجدتُ أشعة الشمس الأولى تتسلل عبر الستائر كخيوط من ذهب خالص، ترسم على الأرض لوحة صباحية هادئة تتناقض بشكل صارخ مع عواصف الأمس. كان يوم جديد يبدأ، وكانت راما تقف على عتبة الصالة تنظر إليّ. كانت قد غيرت ملابسها المبتلة. كانت ترتدي رداءً منزلياً قطنياً أبيض بسيطاً جداً، ليس فيه أي زخرفة أو تطريز، مجرد قطعة قماش ناعمة تغطي جسدها بعفوية تامة. لكن على جسدها، كان هذا الرداء البسيط يبدو كالأكاليل على تمثال إلهة قديمة. كان القطن يتمايل مع كل حركة، يلتصق هنا وينفصل هناك، ووجهها كان قد استعاد بعض لونه الطبيعي بعد ليلة من النوم العميق، لكن عينيها كانتا لا تزالان تحملان أثر الوجع العميق الذي لا يزول بنومة واحدة. كانت هالات سوداء خفيفة تحيط بهما، وشفتاها كانتا لا تزالان جافتين قليلاً من كثرة البكاء. لم تنطق بأي كلمة. لم تقل "صباح الخير" ولم تسأل إن كنت قد نمت جيداً. كل ما فعلته هو أنها تقدمت نحوي ببطء شديد، كأنها تق
Read more
PREV
1
...
34567
...
11
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status