لم يكن السكن الجامعي مكاناً يرحب بالزوار الذين يرتدون بذلات "الساڨيل رو" الإيطالية الفاخرة؛ فممراته الضيقة التي تفوح منها رائحة الورق الرخيص الممتزجة بالمنظفات القوية والقهوة المرة التي أُغلِيَت حتى احترقت، كانت تعكس بوضوح حال المقيمين فيها؛ صراع يومي مرير مع الكتب والزمن. كنتُ جالساً خلف مكتبي الخشبي المتآكل، الذي ضاق بمخططاتي الهندسية، أحاول فك شفرات "الرسم المدني" لكي لا أغرق في بحر الذكريات، حين سمعتُ طرقاً قوياً ومنتظماً على الباب؛ طرقات تحمل نبرة "السيادة" التي لا يملكها طالبٌ مغترب. فتحتُ الباب، وتجمدتُ مكاني لثوانٍ. كان أحمد يقف هناك، بهيبته الطاغية وبذلته التي تبدو كجسم غريب وسط الجدران المتقشرة. جالت عيناه في الغرفة الضيقة، وتوقفت بقرف عند سريري الحديدي، ثم استقرت نظراته عليّ وكأنني جندي خذلتُه في معركة مصيرية. "هكذا إذاً؟" بدأ أحمد حديثه وهو يدخل الغرفة بصلف، واضعاً حقيبته الثقيلة فوق سريري الذي أصدر صريراً حاداً كأنه يئن تحت وطأة هذا الثقل الغريب. "تترك الجناح الملكي والخدم ورعاية راما التي كانت تحيطك بها، لتسكن في هذا الجحر يا كريم؟ هل هذا هو طموح المهندس الذي سأباهي
Read more