جميع فصول : الفصل -الفصل 70

151 فصول

الفصل 61: حياة التي تربّت في بيت عادل

لم يكن في صوت الفتاة خوف.كان فيه شيء أقسى من الخوف: هدوء من اعتاد أن يخاف حتى صار الخوف جزءًا من وجهه.وقفت عند الستار الأصفر في صالة بيت القضاة، والخرزة الصفراء معلقة في يد ليان، والخيط الأصفر لا يزال ساخنًا بين أصابعها. كان البيت صامتًا من حولهم، صمتًا مرتبًا، كأن أحدًا نظّفه قبل وصولهم ليخفي آثار الفوضى.قالت الفتاة مرة أخرى:"لا تنادوني هالة. اسمي حياة. وقد تأخرتم كثيرًا."لم تكن كبيرة كما بدت في اللحظة الأولى. التعب جعلها أكبر. عيناها تحملان عمرًا أطول من وجهها، وكتفاها مشدودان كمن تعلّم الوقوف قبل أن يتعلّم الراحة.تقدمت مريم خطوة صغيرة."حياة…"نظرت إليها الفتاة فورًا."لا تقولي اسمي كأنكِ تعرفينني."توقفت مريم.كان الجرح في الجملة مألوفًا. نفس السور الذي رفعته رنا قبل قليل، لكن حياة كانت تبنيه بحجر مختلف. رنا كانت غاضبة لأنها لم تُختر. أما حياة فبدت كمن يعرف أنه استُخدم، لكنه لا يعرف إن كان يريد النجاة من ذلك الاستخدام.قالت رنا وهي تقف إلى جانب ليان:"أنتِ ابنة رابعة."تحرك شيء في وجه حياة، لكنه لم يكتمل."أعرف."قالت ليان بسرعة:"رابعة تركت لكِ رسائل. دفتركِ، اسمكِ، أثر حيا
اقرأ المزيد

الفصل 62: بيت الختم

لم يكن باب بيت الختم مغلقًا.وهذا وحده كان مخيفًا.كل الأبواب التي مرّت بها ليان كانت تحتاج مفتاحًا، أو اسمًا، أو خيطًا، أو ذاكرة. أما هذا الباب فكان مفتوحًا، كأن عادل كنعان يقول لهم: لا أحتاج أن أمنعكم من الدخول، يكفي أن أجعلكم تخافون مما ينتظركم في الداخل.على العتبة، كانت شهادة رابعة موضوعة فوق حجر أبيض.لم تكن محترقة.لم تكن ممزقة.لم يكن عليها ختم الإبطال.كانت هناك، قريبة جدًا، كأنها تنتظر يدًا واحدة فقط.وبجانبها ورقة جديدة بخط عادل:إذا أردتم شهادة رابعة، فادخلوا واحدًا واحدًا. أولًا: حياة.وقفت حياة أمام الورقة دون أن تمد يدها.لم يبدُ عليها الخوف أولًا. كانت تنظر إلى الخط كما ينظر الإنسان إلى صوت يعرفه. عادل لم يكن حاضرًا بجسده، لكنه كان حاضرًا في شكل الحروف، في ترتيب الجملة، في هذه الطريقة الباردة التي تجعل الإنسان يشعر أنه تأخر حتى وهو واقف في الوقت المناسب.قالت رنا بصوت منخفض:"لا تدخلي وحدكِ."قالت حياة دون أن تنظر إليها:"هذا ما يريد."قالت ليان:"يريد أن تظني أنكِ لا تملكين خيارًا."قالت حياة:"وأحيانًا يكون هذا صحيحًا."قالت مريم، وهي تقف خلفهما ويدها المحروقة ملفوفة
اقرأ المزيد

الفصل 63: اسم سليم

لم يتحرك أحد.كانت حياة جالسة على أرض بيت الختم، ويدها ترتجف فوق شهادة رابعة، بينما بقيت الجملة معلقة في الهواء كأنها لم تجد مكانًا تسقط فيه."ابن عادل الأول… اسمه سليم."لم يكن الاسم غريبًا.الغريب أنه جاء من فم رابعة.من الورقة التي خاف عادل أن تخرج.من الشهادة التي كادت تُسحق تحت الختم الحديدي.التفتت ليان ببطء.كان سليم واقفًا قرب الباب، شاحبًا كمن سمع اسمه يُنادى من قبر قديم. عيناه معلقتان بحياة، ثم بالورقة، ثم بعادل الذي اختفى من الباب الجانبي ومعه الزاوية المقطوعة من الشهادة.قال يوسف بصوت خافت:"سليم… ابن عادل؟"لم يجبه أحد.حتى رنا، التي كانت تساعد حياة على النهوض، توقفت ونظرت إلى سليم كأنها تراه لأول مرة.أما مريم، فبدت كأن ضربة جديدة وصلت إلى مكان لم يعد فيه متسع للألم.قالت بصوت مبحوح:"سليم الخطيب؟"ارتجف سليم عند الاسم.لم يقل نعم.لم يقل لا.فقط بقي واقفًا، ويده على الجدار كأنه يخشى أن يسقط.قال آدم بحدة:"تكلم."رفع سليم عينيه إليه، وكان في وجهه شيء لم يره أحد من قبل. ليس تهديدًا، ولا دهاء، ولا ذلك البرود الذي كان يختبئ خلفه. كان هناك رعب طفل، رعب قديم جدًا.قال:"لا أ
اقرأ المزيد

الفصل 64: رقية الخطيب

لم يكن اسم رقية مجرد اسم جديد في الحكاية.كان اسمًا قديمًا جدًا، قديمًا إلى درجة أن سامر ظن أنه دُفن قبل أن تولد ليان، وقبل أن تصير مريم أمًا، وقبل أن يبدأ الباب الأخضر يفتح على كل هذا الوجع.وقف سامر في صالة بيت الختم كأن أحدًا عاد به إلى طفولته."رقية؟"خرج الاسم من فمه ضعيفًا، لكنه شقّ المكان.كانت ليان عند الباب المغلق المؤدي إلى غرفة الختم البارد، تضرب عليه بيديها."أبي! من رقية؟"لم يجبها سامر فورًا.كان وجهه شاحبًا، وعيناه معلقتين بفراغ بعيد لا يراه أحد. مريم اقتربت منه ببطء، رغم ألم يدها المحروقة."سامر…"قال بصوت مكسور:"أختي."قالت رنا:"أختك؟"أومأ، كأنه لا يصدق هو نفسه."أختي الكبرى. قالوا إنها ماتت قبل سنوات طويلة. قبل أن أتزوج مريم. قبل ليان… قبل كل شيء."قالت نجلاء من الخلف، وكأن الاسم فتح لها بابًا أيضًا:"رقية الخطيب كانت في بعض الملفات القديمة. لكن اسمها كان مشطوبًا دائمًا."التفت سامر إليها."كنتِ تعرفين اسم أختي؟"قالت نجلاء بحزن:"كنت أرى الاسم. لم أكن أعرف الحكاية. عادل كان يقول إن رقية حالة أُغلقت."ضحك سامر ضحكة قصيرة موجوعة."حالة؟ كانت أختي."في الداخل، خلف ا
اقرأ المزيد

الفصل 65: غرزة نصف القمر

لم يكن الطريق إلى السجل الخارجي طويلًا، لكنه بدا أطول من كل الممرات التي سبقته.ربما لأنهم لم يعودوا يركضون خلف ورقة فقط.كانوا يركضون خلف أم.وقف عادل كنعان على سطح المبنى الأبيض الصغير، والريح تحرّك طرف عباءته كأنها لا تجرؤ على إسقاطه. إلى جانبه كانت المرأة ذات الشال الرمادي، وجهها متعب، وعيناها عميقتان كأنهما حفرتا في الصمت سنوات طويلة.وعلى طرف شالها، كانت هناك غرزة واضحة على شكل نصف قمر.قالت المرأة بصوت وصل إليهم رغم المسافة:"من منكم يحمل قطعة ثوب ابني؟"سقطت قطعة القماش من يد سليم.لم تسقط بعيدًا. فقط انزلقت من بين أصابعه، واستقرت فوق التراب قرب قدمه، كأنها تعبت من أن تُخبأ أكثر.همس:"أمي…"لم تكن الكلمة قوية. لم تكن صرخة. كانت أشبه بطفل يستيقظ في غرفة مظلمة وينادي الاسم الوحيد الذي لا يعرف إن كان سيجيبه.رفعت المرأة رأسها قليلًا.نظرت إلى الأسفل، إلى الوجوه المتعبة، إلى مريم، إلى سامر، إلى ليان ورنا وحياة، ثم توقفت عند سليم.لم تتغير ملامحها فورًا.لم تركض.لم تصرخ.لم تفتح ذراعيها.وهذا كسر شيئًا في وجه سليم.قال بصوت أعلى، لكنه ظل مرتجفًا:"أنتِ رقية؟"أغمضت المرأة عينيها
اقرأ المزيد

الفصل 66: المقبرة الجديدة

لم تكن عبارة المقبرة الجديدة تشبه أي مكان مرّوا به.البيت الأخضر كان يحمل وجع البداية.بيت الذاكرة كان يحمل الأسماء.بيت الرمان كان يحمل البنات اللواتي كبرن بأسماء أخرى.المحكمة القديمة حملت الختم.أما المقبرة الجديدة، فكانت تحمل شيئًا أبرد من الموت.كانت، كما قالت حياة، المكان الذي تُدفن فيه الأوراق قبل أصحابها.وقفت ليان وفي يدها الورقة التي سقطت من ملف عادل، تقرأ الأسماء مرة أخرى كأنها تخاف أن يتغير ترتيبها إن رمشت:مريم سامر الخطيب.ليان سامر الخطيب.رنا / ليلى مريم الخطيب.حياة رابعة الخليلية.سليم رقية الخطيب.نجلاء / الطفلة المجهولة.حازم أمين.نادر السراج.سامر الخطيب.زينب خليل العبد.عندما وصل نظرها إلى اسم زينب، كانت نورا قد اقتربت منها ووجهها شاحب."أمي معهم؟"لم تستطع ليان أن تكذب.قالت بهدوء:"اسمها معهم."قالت نورا:"يعني أخذوها؟"قالت حياة، وهي تنظر إلى الطريق البعيد خلف السجل الخارجي:"إذا كان اسمها في قائمة النقل، فإما أنها في الطريق… أو وصلت."قالت نورا بصوت صغير:"إلى المقبرة؟"لم تجب حياة.وهذا كان جوابًا كافيًا.رنا قبضت على الورقة من الجهة الأخرى وقرأت السطر الأ
اقرأ المزيد

الفصل 67: شاهدة منتهية الصلاحية

صرخة نورا لم تكن عالية فقط.كانت صغيرة أيضًا.صرخة طفلة وجدت أمها أخيرًا، لكنها وجدتها معلّقة بين يدين غريبتين، وعلى صدرها لوحة باردة تقول:شاهدة منتهية الصلاحية.اندفعت نورا نحوها دون تفكير."أمي!"أمسك يوسف بيدها بسرعة، لا ليمنعها من أمها، بل ليمنع رجال عادل من أخذها أيضًا.قالت نورا وهي تقاومه:"اتركني! هاي أمي!"قال يوسف بصوت مرتجف:"بعرف، بس بدهم ياخذوكِ معها."كانت زينب خليل العبد واقفة بين رجلين، وجهها شاحب، وشعرها مبعثر، لكن عينيها كانتا حيتين. لم تكن امرأة انتهت صلاحيتها كما كتبوا على اللوحة. كانت أمًا تحاول أن تبقى واقفة كي لا تنهار ابنتها.قالت بصوت مبحوح:"نورا… لا تركضي."توقفت نورا كأن صوت أمها شدّها من صدرها.عادل كان يقف خلف الرجلين، هادئًا كعادته عندما يضع الألم في المكان الذي يريد.قال:"جميل. الأم تعرف أن الاندفاع يفسد الصفقة."قالت ليان، وهي لا تزال راكعة قرب القبر المفتوح الذي يحمل اسم مريم:"أي صفقة؟"أشار عادل إلى الصندوق الخشبي داخل الحفرة، المربوط بالخيوط الثلاثة: الأبيض، الأحمر، الأسود."اسم مريم هنا. وزينب هنا. والشهادة التي تحملونها هناك."نظر إلى حياة."أر
اقرأ المزيد

الفصل 68: قبر صفر

لم تكن فتحة قبر صفر تشبه ممرًا.كانت أشبه بفمٍ أسود فُتح تحت التراب، ينتظر أن يبتلع من يقترب منه.وقفت ليان على حافة الفتحة، والهواء البارد الخارج منها يلامس وجهها. لم يكن هواء قبر عادي. كان يحمل رائحة ورق رطب، وشمع قديم، وحبر متعفن، كأن الأرض نفسها كانت تحتفظ بملفات لم ترَ الشمس منذ سنوات.كان صوت عادل قد جاء من الداخل، بعيدًا وواضحًا:"تعالوا إذن… إن أردتم أن تعرفوا الاسم الذي بدأت منه كل المقبرة."لم يتحرك أحد في البداية.حتى مريم، التي وقفت بصعوبة قرب قبر اسمها، بقيت تحدق في الفتحة كأنها ترى فيها ما هو أعمق من عادل.قالت رنا بصوت منخفض:"هو يريد أن ندخل."قالت حياة:"طبعًا يريد."قالت ليان:"لكننا سندخل."التفتت مريم إليها بسرعة."ليان."قالت ليان قبل أن تكمل أمها:"اسمك مربوط بقبر صفر. إذا تركناه، سيبقى معه شيء منكِ."وضعت مريم يدها السليمة على اللوح الذي يحمل اسمها. كانت نصف العلامة السوداء فوق الحروف كندبة. لم تُدفن مريم، لكن اسمها لم ينجُ كاملًا أيضًا.قالت مريم:"إذن أدخل معكم."قالت رنا بحزم:"لا."نظرت إليها مريم.قالت رنا:"أنتِ بالكاد وصلتِ إلى هنا. إذا دخلتِ وسقطتِ، سيست
اقرأ المزيد

الفصل 69: اللوح الذي تبدّل

خرجوا من قبر صفر كأنهم يخرجون من صدر الأرض نفسها.كان الدرج أضيق في العودة، والهواء أثقل، كأن كل اسم رأوه في الأسفل تعلّق بثيابهم ورفض أن يُترك وحده. كانت ليان تمسك مفتاح بيت آمنة في يدها، وتشعر أن المعدن بارد جدًا، أبرد من أي مفتاح مرّ عليها من قبل.فوقهم، كانت الأصوات مضطربة.صوت سعاد المرتجف ما زال يتردد:"اسم مريم اختفى من اللوح… وظهر اسم آخر مكانه!"ركضت ليان آخر الدرج تقريبًا، وخرجت إلى المقبرة وهي تلهث.كانت مريم واقفة قرب القبر المفتوح، مستندة إلى سامر، ووجهها شاحب. أمامها، على اللوح الخشبي الذي كان يحمل قبل قليل اسمها:مريم سامر الخطيبلم يعد الاسم موجودًا.اختفى كأنه مُسح بيد لا تُرى.وبدلًا منه، ظهر اسم آخر بخط أسود رفيع:آمنة بنت لا أحدتجمدت ليان في مكانها.قالت رنا وهي تخرج خلفها:"آمنة؟"اقتربت حياة من اللوح، وعيناها ضيقتان من التوتر."الاسم صعد من قبر صفر."قالت مريم بصوت خافت:"لكن لماذا على قبري؟"قالت صفية وهي تخرج ببطء من الفتحة، وتتكئ على يد آدم:"لأن عادل ربط اسمكِ باسمها بنصف الختم. عندما كسرنا حكم آمنة في الأسفل، خرج الاسم القديم إلى السطح."قالت ليان:"يعني اس
اقرأ المزيد

الفصل 70: الأسماء التي سبقت الوجع

بقيت الورقة في يد ليان، لكنها شعرت أنها لم تعد تحمل ورقة.كانت تحمل عمرًا كاملًا لم يعشه أحد بصراحة.في أعلى القائمة القديمة، كان الخط واضحًا رغم اصفرار الورق:رابعة الخليلية — طفلة منقولة من بيت حافظ.سعاد بنت خليل — شاهدة طفلة.لم تقل حياة شيئًا في البداية.كانت تنظر إلى اسم رابعة كما لو أن الأرض تحركت تحت قدميها مرة أخرى. رابعة التي حملتها في الرسائل، رابعة التي تركت لها حق الاسم، رابعة التي كانت في نظرها بداية الحق… تظهر الآن في قائمة قديمة كطفلة منقولة.قالت حياة بصوت خافت:"رابعة… كانت مثلنا؟"لم يجب أحد بسرعة.حتى صفية، التي كانت تجلس على الكرسي الحديدي وقد شحب وجهها، بدت كأن الاسم أعادها إلى زمن لم تكن تريد أن تفتحه.قالت رنا:"ماذا يعني طفلة منقولة من بيت حافظ؟"نظر الجميع إلى عادل، الواقف خلف النافذة الصغيرة، خارج الغرفة، في ظل الحفرة القديمة. لم يكن داخل البيت، لكنه كان أقرب من اللازم. وجهه نصفه في الضوء ونصفه في العتمة.قال بهدوء:"يعني أن رابعة التي جعلتموها قديسة، كانت أولًا ملفًا في بيت أبي."قالت حياة بحدة:"لا تستخدمها لتوسّخها."ابتسم عادل."أنا لا أوسخ أحدًا. أنا أق
اقرأ المزيد
السابق
1
...
56789
...
16
امسح الكود للقراءة على التطبيق
DMCA.com Protection Status