تسجيل الدخول
الفصل الأول: الزفاف الذي لم يعد لي
لم تتخيل "ليان" يومًا أن السعادة يمكن أن تكون قريبة إلى هذا الحد... ثم تُنتزع منها في لحظة. استيقظت قبل شروق الشمس بقليل، وكأن قلبها أيقظها قبل المنبه. نهضت من فراشها بابتسامة لم تفارق وجهها منذ أيام، واتجهت إلى النافذة. كانت أشعة الصباح تتسلل ببطء إلى غرفتها الصغيرة، بينما راحت تتأمل السماء وهي تهمس لنفسها: "أسبوع واحد فقط... وبعدها سأبدأ حياتي الجديدة." على الطاولة الخشبية كانت قائمة طويلة كتبتها بخط يدها؛ موعد خبيرة التجميل، استلام باقة الورد، تجربة الفستان الأخيرة، ثم الذهاب مع خطيبها لالتقاط صور الزفاف. مررت أصابعها على خاتم الخطبة الذي رافقها ثماني سنوات كاملة، وابتسمت بحنين. لم تكن تلك السنوات سهلة، لكنها كانت تؤمن أن كل التعب يهون ما دام ينتهي بالرجل الذي أحبته. تعرفت إليه وهي في السادسة عشرة، عندما كانت تعمل نادلة في مطعم صغير لتساعد نفسها على مصاريف الحياة. يومها سكبت القهوة على بنطاله عن طريق الخطأ، وظنت أنها ستُطرد من العمل، لكنه اكتفى بالضحك، وساعدها على تهدئتها، ثم عاد بعد أيام حاملاً باقة ورد واعترف لها بحبه. منذ ذلك اليوم، أصبح عالمها كله. كبر معها، ونجح في عمله حتى صار رئيسًا لإحدى أكبر المجموعات التجارية، بينما بقيت هي تعمل بصمت، تؤجل أحلامها وتؤمن أن المستقبل الذي يجمعهما يستحق كل تضحية. أمسكت هاتفها لتتصل به. كانت تريد أن تداعبه كعادتها، وتطلب منه أن يمر لاصطحابها. لكن الهاتف رن قبل أن تضغط على اسمه. ابتسمت وهي ترى صورته على الشاشة، ثم أجابت بسرعة. ــ صباح الخير... كنت على وشك الاتصال بك. لا تتأخر، لدينا الكثير من— قاطعها صوته. كان منخفضًا... باردًا... وغريبًا. ــ ليان... أريد أن أتحدث معك في أمر مهم. اختفت ابتسامتها تدريجيًا. ــ ماذا هناك؟ ساد صمت ثقيل لعدة ثوانٍ، قبل أن يقول الكلمات التي مزقت قلبها. ــ أظن... أننا لن نستطيع إكمال الزواج. ضحكت بخفة. ــ توقف عن المزاح، لقد أخفتني. لكن الطرف الآخر لم يضحك. ــ أنا لا أمزح. تجمدت أصابعها حول الهاتف. ــ ماذا تقصد؟ تنهد طويلًا، ثم قال بنبرة خالية من المشاعر: ــ لم أخبرك من قبل لأنني لم أرد أن أجرحك... لكنني اتخذت قراري. أختك هي الأنسب لتكون زوجتي، وهذا القرار أفضل للجميع... ولمستقبل العائلتين. لم تستوعب ما سمعته. شعرت وكأن الكلمات تمر بجوارها دون أن تصل إلى عقلها. انزلقت الكأس من يدها، وارتطم بالأرض ليتناثر الزجاج في كل الاتجاهات. كانت تحدق في الفراغ. ثماني سنوات... هل يمكن أن تنتهي هكذا؟ همست بصوت مرتجف: ــ ماذا عني؟ جاءه الرد ببرود لم تعرفه فيه يومًا. ــ لا تجعلي الأمر أصعب مما هو عليه. ثم... أغلق الخط. بقي الهاتف بين يديها، بينما راحت الدموع تتجمع في عينيها دون أن تسقط. أعادت الاتصال مرة... ثم مرتين... ثم عشر مرات. في كل مرة كان يرفض المكالمة. جلست على الأرض بين شظايا الزجاج، تضم ركبتيها إلى صدرها، غير قادرة على البكاء أو الصراخ. وفجأة سمعت أصواتًا قادمة من الطابق السفلي. كان صوت زوجة أبيها يملؤه الفرح. ــ يا ابنتي، فستان الزفاف يبدو وكأنه صُنع من أجلك. ثم جاء صوت أختها غير الشقيقة وهي تضحك بثقة. ــ بالطبع... كيف يمكن لليان أن تنافسني؟ حتى ذوقها في الملابس قديم. توقفت أنفاسها. اقتربت بخطوات بطيئة من باب غرفتها، وألصقت أذنها به. سمعت زوجة أبيها تقول بحماس: ــ كنت أعلم منذ البداية أن العريس سيختارك في النهاية. أغمضت ليان عينيها بقوة. إذن... الجميع كان يعلم. الجميع... إلا هي. عادت إلى سريرها وهي تكتم شهقاتها حتى لا يسمعها أحد. لكن الباب انفتح فجأة. دخلت أختها غير الشقيقة مرتدية ثوبًا أبيض لتجربة المقاس، وعلى شفتيها ابتسامة انتصار. وقفت أمامها، ثم رفعت خاتمًا ماسيًا جديدًا أمام عينيها وقالت بهدوء مستفز: ــ جئت فقط لأشكرك. رفعت ليان رأسها بصعوبة. ابتسمت الأخرى ابتسامة أوسع، وأضافت: ــ شكرًا لأنك اعتنيت به طوال ثماني سنوات... حتى أصبح الرجل المناسب لي. ثم وضعت يدها على مقبض الباب، واستدارت قبل أن تخرج، وقالت آخر جملة جعلت قلب ليان يتوقف للحظة: ــ بالمناسبة... الأسبوع القادم لن يكون يوم زفافك... بل يوم زفافي أنا.الفصل الثامن والسبعون: الرجل الذي أخفى نصف الحقيقةساد الصمت داخل الممر.كانت بطاقة التعريف لا تزال في يد خالد.كتب عليها بوضوح:الدكتور عادل فؤاد الصفة: استشاري جراحة مركز النور الطبيرفع خالد عينيه ببطء.نظر إلى الدكتور عادل.لم يصرخ.ولم يتهمه مباشرة.قال بهدوء:ــ أعتقد أن الوقت قد حان لتخبرنا بكل شيء.نظر الدكتور عادل إلى البطاقة.ثم أغمض عينيه.وكأنه كان يعلم أن هذه اللحظة ستأتي.قال بصوت متعب:ــ نعم...كنت أعمل هنا.لكن ليس كما تظنون.قال آدم بحدة:ــ كذبت علينا.أجابه الدكتور عادل:ــ أخفيت الحقيقة...ولم أكذب.وهناك فرق كبير.تقدمت ليان.كانت نظرتها مليئة بالخذلان.ــ قلت إنك ظهرت الآن لأن ضميرك استيقظ.ــ لكنك كنت تعمل في المكان نفسه الذي كانت تُحتجز فيه ريم.ــ كيف تفسر ذلك؟لم يجب فورًا.ظل صامتًا لثوانٍ.ثم قال:ــ لأنني كنت أحاول إبقاءها على قيد الحياة.---دخل الجميع غرفة الإدارة.أغلق خالد الباب.ووضع البطاقة أمام الدكتور عادل.ــ ابدأ من البداية.تنهد الرجل.ثم قال:ــ بعد تزوير شهادة وفاة كمال...أجبروني على العمل معهم.ــ لم أكن حرًا.ــ كنت مراقبًا طوال الوقت.قال
الفصل السابع والسبعون: الموعد الثامن مساءًلم يرفع خالد عينيه عن دفتر المواعيد.كانت الصفحة الأخيرة تحمل سطرًا واحدًا فقط:الاثنين - الساعة الثامنة مساءً.الضيف: ك.عنظر إلى ساعته.كانت تشير إلى الثالثة والنصف عصرًا.قال بهدوء:ــ أمامنا أربع ساعات ونصف فقط.ــ إذا كان "ك.ع" هو كمال عزمي فعلًا...فقد نكون على بعد ساعات من إنهاء مطاردة استمرت ثلاثين عامًا.لكن ياسر لم يبدُ مقتنعًا.أغلق الدفتر وقال:ــ أو قد يكون هذا فخًا.نظر الجميع إليه.قال:ــ منذ بداية القضية...كلما اقتربنا من الحقيقة وجدنا أنهم سبقونا بخطوة.ــ لماذا يسمحون لنا هذه المرة بالوصول إلى الغرفة السرية؟ساد الصمت.لم يكن سؤاله بلا منطق.---أمر خالد بإغلاق المستشفى بالكامل.توزع رجال الأمن في الطوابق.بينما بقي فريق التحقيق داخل الغرفة السرية.بدأوا بفحص الملفات.كل ملف يحمل اسمًا مختلفًا...لكن الصور كانت تعود للأشخاص أنفسهم.قال آدم وهو يقلب إحدى الصفحات:ــ انظروا إلى هذا.اقترب الجميع.كان الملف لرجل يُدعى "نبيل حسين".لكن الصورة الموجودة بداخله تعود لرجل آخر تمامًا.فتحوا الملف الثاني.والثالث.والرابع.النمط نفس
الفصل السادس والسبعون: المستشفى الذي لم يُغلقلم ينتظر خالد حتى الصباح.أغلق الحاسوب، ثم اتصل بآدم وياسر وإبراهيم.بعد أقل من عشرين دقيقة، كانوا جميعًا داخل غرفة الاجتماعات.ثبت خالد صورة المستشفى على الشاشة.وقال:ــ هذا المبنى كان يُعرف قبل ثمانية عشر عامًا باسم مستشفى الرحمة.ــ اليوم يحمل اسم مركز النور الطبي.نظر آدم إلى الصورة.ــ وما علاقته بالقضية؟ضغط خالد على جهاز التحكم.ظهرت صورة أخرى.ثم ثالثة.ثم مخطط قديم للمصنع.قال:ــ كل الأموال التي خرجت من المشروع الوهمي كانت تمر عبر شركة الأفق.ــ وبعدها تُحول إلى مؤسسة خيرية.ــ ثم إلى هذا المستشفى.رفع ياسر رأسه.ــ غسيل أموال.أومأ خالد.ــ بالضبط.ــ لم يكن المستشفى مجرد مستشفى.ــ كان محطة لإخفاء الأموال وتغيير الهويات.ساد الصمت.أما إبراهيم...فأغلق عينيه للحظة.ثم قال:ــ الآن فهمت.نظر الجميع إليه.ــ لهذا السبب اختفى كمال بسهولة...لقد صنع لنفسه حياة جديدة من هنا.---قال آدم:ــ نقتحم المكان.رد خالد مباشرة:ــ لا.ــ إذا دخلنا دون إذن قضائي، سيختفي كل شيء خلال ساعة.ــ هذه المرة لن نكرر أخطاء الماضي.نظر إلى ياسر.ــ ن
الفصل الخامس والسبعون: بداية الهجومخرج الجميع من المستودع رقم 317 قبل أن تلتهمه النيران بالكامل.وقف خالد يتابع ألسنة اللهب وهي ترتفع نحو السماء.ثم قال:ــ انتهى زمن الدفاع.نظر إليه آدم.ــ ماذا تقصد؟استدار خالد نحو الجميع.ــ طوال الفترة الماضية كنا ننتظر أن يرتكب خصمنا خطأ.ــ من اليوم...ــ سنجبره على ارتكاب الأخطاء.نظر إبراهيم إليه بإعجاب.كانت هذه أول مرة يرى خالد يغيّر أسلوبه بالكامل.---في الطريق إلى القصر...لم تجلس ليان صامتة كعادتها.كانت تنظر إلى الملفات التي نجت من الحريق.كل ورقة أصبحت تحمل قيمة.وفجأة...توقفت عند كشف حساب بنكي قديم.لم يكن يحمل اسم كمال.ولا اسم سليم.بل اسم امرأة.هالة السيوفي.رفعت رأسها.وقالت:ــ من هالة؟نظر إبراهيم إلى الاسم.ثم أغلق الملف بسرعة.لاحظت ليان ارتباكه.ــ أنت تعرفها.صمت.قال خالد:ــ إبراهيم...لم يعد هناك مجال لإخفاء شيء.تنهد إبراهيم.ــ هالة...هي شقيقة نادر السيوفي.لكنها اختفت منذ أكثر من عشرين عامًا.سأل آدم:ــ وهل لها علاقة بالقضية؟أجاب إبراهيم:ــ كانت المحاسبة الوحيدة التي كانت تعرف حركة الأموال الحقيقية.ساد الصمت.
الفصل الرابع والسبعون: أول خيط حقيقيلم يتحرك أحد بعد كلمات الدكتور عادل.بقيت الأنفاس محبوسة داخل المستودع رقم 317.كانت المصابيح القديمة تومض بين لحظة وأخرى، فتنعكس ظلال الجميع على الجدران الإسمنتية التي أخفت أسرارًا لثلاثين عامًا.نظر خالد إلى الدكتور عادل نظرة طويلة، ثم قال بهدوء يخفي خلفه كثيرًا من الشك:ــ قبل أن نصدق كلمة واحدة... أريد أن أعرف لماذا ظهرت الآن.جلس الدكتور عادل على الكرسي الحديدي القريب منه.كان التعب واضحًا على وجهه.وقال:ــ لأنني تعبت من الهروب.ــ ثلاثون سنة وأنا أستيقظ كل ليلة على الكابوس نفسه.ــ أرى والد ليان وهو ينظر إليّ قبل أن يغادر المكتب...ويقول لي: "إذا حدث لي شيء... لا تدع الحقيقة تموت."خفض رأسه.ــ وأنا تركتها تموت.ساد الصمت.لم يكن أحد يقاطعه.قال إبراهيم بصوت منخفض:ــ كنت أظنك سافرت.ابتسم الدكتور عادل بحزن.ــ كنت أتمنى ذلك.ــ لكنني بقيت هنا.ــ أغيّر منزلي كل عدة أشهر...وأعيش باسم مختلف...وأنتظر اليوم الذي أستطيع فيه الكلام.نظر إليه ياسر.ــ ولماذا الآن تحديدًا؟أجاب:ــ لأن كمال بدأ يرتكب أخطاء.ــ ولأن ليان أصبحت تقترب من الحقيقة أكث
الفصل الثالث والسبعون: المستودع 317لم يصدق أحد ما قاله إبراهيم.ظل الجميع ينظر إليه في صمت.قال خالد وهو يثبت نظره عليه:ــ هل أنت متأكد؟أجاب إبراهيم دون تردد:ــ نعم.ــ عملت في ذلك المصنع سنوات طويلة.ــ كان هناك مستودع سري يحمل الرقم 317.ــ لم يكن موجودًا على الخرائط الرسمية.ــ ولم يكن يعرفه إلا أربعة أشخاص.سأله ياسر:ــ من هم؟تنهد إبراهيم.ــ والد ليان...وأنا...ونادر السيوفي...وكمال عزمي.ساد الصمت.نظر آدم إلى إبراهيم.ــ إذًا كمال كان يعرف المكان منذ البداية.أومأ إبراهيم.ــ وإذا كانت ريم هناك...فهو يعلم أننا سنصل إليها عاجلًا أو آجلًا.نهض خالد من مكانه.فتح خريطة المدينة القديمة.وبدأ يقارنها بالرسم الذي ظهر في تسجيل ريم.بعد دقائق قال:ــ الرسم صحيح.ــ المستودع يقع أسفل الجزء الشرقي من المصنع.ــ لكن الطريق الرئيسي إليه انهار منذ سنوات.قال آدم:ــ إذًا كيف ندخل؟أجاب إبراهيم:ــ يوجد نفق قديم.ــ كان يستخدم لنقل الملفات بعيدًا عن أعين الموظفين.ــ إذا لم يُغلق...فسنستطيع الوصول من خلاله.كانت ليان تستمع للجميع.لكن عقلها كان في مكان آخر.كانت تتذكر وجه ريم في ال







